الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
29

ثم دخلت سنة ثمان وخمسين

الجزء الثالث 5 عنصر صفحة 357
ص 357

في هذه السنة غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم وعمرو بن يزيد الجهني في البحر وقيل جنادة بن أبي أمية

ذكر عزل الضحاك عن الكوفة واستعمال ابن أم الحكم ص 357

وفي هذه السنة عزل معاوية الضحاك بن قيس عن الكوفة واستعمل عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي وهو ابن أم الحكم وهو ابن أخت معاوية وفي عمله هذه السنة خرجت الخوارج الذين كان المغيرة بن شعبة حبسهم فجمعهم حيان بن ظبيان السلمي ومعاذ بن جوين الطائي فخطباهم وحثاهم علي الجهاد فبايعوا حيان بن ظبيان وخرجوا إلي بانقيا فسار إليهم الجيش من الكوفة فقتلوهم جميعا ثم إن عبد الرحمن بن أم الحكم طرده من أهل الكوفة لسوء سيرته فلحق بخاله معاوية فولاه مصر فاستقبله معاوية بن حديج علي مرحلتين من مصر فقال له ارجع إلي خالك فلعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة فرجع إلي معاوية

ثم إن معاوية بن حديج وفد إلي معاوية وكان إذا قدم إلي معاوية زينت له الطرق بقباب الريحان تعظيما لشأنه فدخل علي معاوية وعنده أخته أم الحكم فقالت من هذا يا أمير المؤمنين قال بخ بخ هذا معاوية بن حديج قالت لا مرحبا به تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فسمعها معاوية بن حديج فقال علي رسلك يا أم الحكم والله لقد تزوجت فما أكرمت وولدت فما أنجبت أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا من أهل الكوفة وما كان الله ليريه ذلك ولو فعل ذلك لضربناه ضربا يطأطئ الرأس منه ولو كره هذا القاعد يعني خاله معاوية فالتفت إليها معاوية وقال كفي فكفت

ذكر خروج طواف بن غلاق ص 358

كان قوم من الخوارج بالبصرة يجتمعون إلي رجل اسمه جدار فيتحدثون عنده ويعيبون السلطان فأخذهم ابن زياد فحبسهم ثم دعا بهم وعرض عليهم أن يقتل بعضهم بعضا ويخلي سبيل القاتلين ففعلوا فأطلقهم وكان ممن قتل طواف فعذلهم أصحابهم وقالوا قتلتم إخوانكم قالوا أكرهنا وقد يكره الرجل علي الكفر وهو مطمئن بالإيمان وندم طواف وأصحابه فقال طواف أما من توبة فكانوا يبكون وعرضوا علي أولياء من قتلوا الدية فأبوا وعرضوا عليهم القود فأبوا ولقي طواف الهثهاث بن ثور السدوسي فقال له أما تري لنا من توبة فقال ما أجد لك إلا آية في كتاب الله عز وجل قوله ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم

فدعا طواف أصحابه إلي الخروج وإلي أن يفتكوا بابن زياد فبايعوه في سنة ثمان وخمسين وكانوا سبعين رجلا من بني عبد القيس بالبصرة فسعي بهم رجل من أصحابهم إلي ابن زياد فبلغ ذلك طوافا فعجل الخروج فخرجوا من ليلتهم فقتلوا رجلا ومضوا إلي الجلحاء فندب ابن زياد الشرط البخارية فقاتلوهم فانهزم الشرط حتى دخلوا البصرة واتبعوهم وذلك يوم عيد الفطر وكثرهم الناس فقاتلوا فقتلوا وبقي طواف في ستة نفر وعطش فرسه فأقحمه الماء فرماه البخارية بالنشاب حتى قتلوه وصلبوه ثم دفنه أهله فقال شاعر منهم

( يا رب هب لي التقى والصدق في ثبت % واكف اللهم فأنت الرازق الكافي )

( حتى أبيع التي تفني بآخرة % تبقي علي دين مرداس وطواف )

( وكهمس وأبي الشعثاء إذا نفروا % إلي الإله ذوي أخباب زحاف )

ذكر قتل عروة بن أدية وغيره من الخوارج ص 359

في هذه السنة اشتد عبيد الله بن زياد علي الخوارج فقتل منهم جماعة كثيرة منهم عروة بن أدية أخو أبي بلال مرداس بن أدية وأدية أمهما وأبوهما حدير وهو تميمي وكان سبب قتله أن ابن زياد كان قد خرج في رهان له فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع إليه الناس وفيهم عروة فأقبل علي ابن زياد يعظه وكان مما قال له أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين

فلما قال ذلك ظن ابن زياد أنه لم يقل ذلك إلا ومعه جماعة فقام وركب وترك رهانه فقيل لعروة ليقتلنك فاختفي فطلبه ابن زياد فهرب وأتي الكوفة فأخذ وقدم به علي ابن زياد فقطع يديه ورجليه وقتل ابنته وأما أخوه أبو بلال مرداس فكان عابدا مجتهدا عظيم القدر في الخوارج وشهد صفين مع علي فأنكر التحكيم وشهد النهروان مع الخوارج وكانت الخوارج كلها تتولاه ورأي علي ابن عامر قباء أنكره فقال هذا لباس الفساق فقال أبو بكرة لا تقل هذا للسلطان فإن من أبغض السلطان أبغضه الله وكان لا يدين بالاستعراض ويحرم خروج النساء ويقول لا نقاتل إلا من قاتلنا ولا نجبي إلا من حمينا

وكانت البثجاء امرأة من بني يربوع تحرض علي ابن زياد وتذكر تجبره وسوء سيرته وكانت من المجتهدات فذكرها ابن زياد فقال لها أبو بلال إن التقية لا بأس بها فتغيبي فإن هذا الجبار قد ذكرك قالت أخشى أن يلقي أحد بسببي مكروها فأخذها ابن زياد فقطع يديها ورجليها فمر بها أبو بلال في السوق فعض علي لحيته وقال أهذه أطيب نفسا بالموت منك يا مرداس ما ميتة أموتها أحب إلي من ميتة البثجاء

ومر أبو بلال ببعير قد طلي بقطران فغشي عليه ثم أفاق فتلا سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ثم إن ابن زياد ألح في طلب الخوارج فملأ منهم السجن وأخذ الناس بسببهم وحبس أبا بلال قبل أن يقتل أخاه عروة فرأي السجان عبادته فإذن له كل ليلة في إتيان أهله فكان يأتيهم ليلا ويعود مع الصبح وكان صديق لمرداس يسامر ابن زياد فذكر ابن زياد الخوارج ليلة فعزم علي قتلهم إذا أصبح فانطلق صديق مرداس إليه فأعلمه الخبر وبات السجان بليلة سوء خوفا أن يعلم مرداس فلا يرجع فلما كان الوقت الذي كان يعود فيه إذا به قد أتي فقال له السجان أما بلغك ما عزم عليه الأمير قال بلي قال ثم جئت قال نعم لم يكن جزاؤك مني مع إحسانك إلي أن تعاقب

وأصبح عبيد الله فقتل الخوارج فلما أحضر مرداس قام السجان وكان ظئرا لعبيد الله فشفع فيه وقص عليه قصته فوهبه له وخلي سبيله ثم إنه خاف ابن زياد فخرج في أربعين رجلا إلي الأهواز فكان إذا اجتاز به مال لبيت المال أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ثم يرد الباقي فلما سمع ابن زياد خبرهم بعث إليهم جيشا عليهم أسلم بن زرعة الكلابي سنة ستين وقيل أبو حصين التميمي وكان الجيش ألفي رجل فلما وصلوا إلي أبي بلال ناشدهم الله أن لا يقاتلوه فلم يفعلوا ودعاهم أسلم إلي معاودة الجماعة فقالوا أتردوننا إلي ابن زياد الفاسق فرمي أصحاب أسلم رجلا من أصحاب أبي بلال فقتلوه فقال أبو بلال قد بدأوكم بالقتال فشد الخوارج علي أسلم وأصحابه شدة رجل واحد فهزموهم فقدموا البصرة فلام ابن زياد أسلم وقال هزمك أربعون وأنت في ألفين لا خير فيك فقال لأن تلومني وأنا حي خير من أن تثني علي وأنا ميت فكان الصبيان إذا رأوا أسلم صاحوا به أما أبو بلال وراءك فشكا ذلك إلي ابن زياد فنهاهم فانتهوا وقال رجل من الخوارج

( أألفا مؤمن منكم زعمتم % ويقتلهم بآسك أربعونا )

( كذبتم ليس ذاك كما زعمتم % ولكن الخوارج مؤمنونا )

( هي الفئة القليلة قد علمتم % علي الفئة الكبيرة ينصرونا )

ذكر عدة حوادث ص 360

وحج بالناس الوليد بن عتبة في هذه السنة وفيها مات عقبة بن عامر الجهني وله صحبة وشهد صفين مع معاوية وفيها توفيت عائشة عليها السلام وسمرة بن جندب وله صحبة ومالك بن عبادة الغافقي وله صحبة وعميرة بن يثربي قاضي البصرة فاستقضي مكانه عليها هشام بن هبيرة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.