في هذه السنة غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم وعمرو بن يزيد الجهني في البحر وقيل جنادة بن أبي أمية
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين
وفي هذه السنة عزل معاوية الضحاك بن قيس عن الكوفة واستعمل عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي وهو ابن أم الحكم وهو ابن أخت معاوية وفي عمله هذه السنة خرجت الخوارج الذين كان المغيرة بن شعبة حبسهم فجمعهم حيان بن ظبيان السلمي ومعاذ بن جوين الطائي فخطباهم وحثاهم علي الجهاد فبايعوا حيان بن ظبيان وخرجوا إلي بانقيا فسار إليهم الجيش من الكوفة فقتلوهم جميعا ثم إن عبد الرحمن بن أم الحكم طرده من أهل الكوفة لسوء سيرته فلحق بخاله معاوية فولاه مصر فاستقبله معاوية بن حديج علي مرحلتين من مصر فقال له ارجع إلي خالك فلعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة فرجع إلي معاوية
ثم إن معاوية بن حديج وفد إلي معاوية وكان إذا قدم إلي معاوية زينت له الطرق بقباب الريحان تعظيما لشأنه فدخل علي معاوية وعنده أخته أم الحكم فقالت من هذا يا أمير المؤمنين قال بخ بخ هذا معاوية بن حديج قالت لا مرحبا به تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فسمعها معاوية بن حديج فقال علي رسلك يا أم الحكم والله لقد تزوجت فما أكرمت وولدت فما أنجبت أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا من أهل الكوفة وما كان الله ليريه ذلك ولو فعل ذلك لضربناه ضربا يطأطئ الرأس منه ولو كره هذا القاعد يعني خاله معاوية فالتفت إليها معاوية وقال كفي فكفت
كان قوم من الخوارج بالبصرة يجتمعون إلي رجل اسمه جدار فيتحدثون عنده ويعيبون السلطان فأخذهم ابن زياد فحبسهم ثم دعا بهم وعرض عليهم أن يقتل بعضهم بعضا ويخلي سبيل القاتلين ففعلوا فأطلقهم وكان ممن قتل طواف فعذلهم أصحابهم وقالوا قتلتم إخوانكم قالوا أكرهنا وقد يكره الرجل علي الكفر وهو مطمئن بالإيمان وندم طواف وأصحابه فقال طواف أما من توبة فكانوا يبكون وعرضوا علي أولياء من قتلوا الدية فأبوا وعرضوا عليهم القود فأبوا ولقي طواف الهثهاث بن ثور السدوسي فقال له أما تري لنا من توبة فقال ما أجد لك إلا آية في كتاب الله عز وجل قوله ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم
فدعا طواف أصحابه إلي الخروج وإلي أن يفتكوا بابن زياد فبايعوه في سنة ثمان وخمسين وكانوا سبعين رجلا من بني عبد القيس بالبصرة فسعي بهم رجل من أصحابهم إلي ابن زياد فبلغ ذلك طوافا فعجل الخروج فخرجوا من ليلتهم فقتلوا رجلا ومضوا إلي الجلحاء فندب ابن زياد الشرط البخارية فقاتلوهم فانهزم الشرط حتى دخلوا البصرة واتبعوهم وذلك يوم عيد الفطر وكثرهم الناس فقاتلوا فقتلوا وبقي طواف في ستة نفر وعطش فرسه فأقحمه الماء فرماه البخارية بالنشاب حتى قتلوه وصلبوه ثم دفنه أهله فقال شاعر منهم
( يا رب هب لي التقى والصدق في ثبت % واكف اللهم فأنت الرازق الكافي )
( حتى أبيع التي تفني بآخرة % تبقي علي دين مرداس وطواف )
( وكهمس وأبي الشعثاء إذا نفروا % إلي الإله ذوي أخباب زحاف )
في هذه السنة اشتد عبيد الله بن زياد علي الخوارج فقتل منهم جماعة كثيرة منهم عروة بن أدية أخو أبي بلال مرداس بن أدية وأدية أمهما وأبوهما حدير وهو تميمي وكان سبب قتله أن ابن زياد كان قد خرج في رهان له فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع إليه الناس وفيهم عروة فأقبل علي ابن زياد يعظه وكان مما قال له أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين
فلما قال ذلك ظن ابن زياد أنه لم يقل ذلك إلا ومعه جماعة فقام وركب وترك رهانه فقيل لعروة ليقتلنك فاختفي فطلبه ابن زياد فهرب وأتي الكوفة فأخذ وقدم به علي ابن زياد فقطع يديه ورجليه وقتل ابنته وأما أخوه أبو بلال مرداس فكان عابدا مجتهدا عظيم القدر في الخوارج وشهد صفين مع علي فأنكر التحكيم وشهد النهروان مع الخوارج وكانت الخوارج كلها تتولاه ورأي علي ابن عامر قباء أنكره فقال هذا لباس الفساق فقال أبو بكرة لا تقل هذا للسلطان فإن من أبغض السلطان أبغضه الله وكان لا يدين بالاستعراض ويحرم خروج النساء ويقول لا نقاتل إلا من قاتلنا ولا نجبي إلا من حمينا
وكانت البثجاء امرأة من بني يربوع تحرض علي ابن زياد وتذكر تجبره وسوء سيرته وكانت من المجتهدات فذكرها ابن زياد فقال لها أبو بلال إن التقية لا بأس بها فتغيبي فإن هذا الجبار قد ذكرك قالت أخشى أن يلقي أحد بسببي مكروها فأخذها ابن زياد فقطع يديها ورجليها فمر بها أبو بلال في السوق فعض علي لحيته وقال أهذه أطيب نفسا بالموت منك يا مرداس ما ميتة أموتها أحب إلي من ميتة البثجاء
ومر أبو بلال ببعير قد طلي بقطران فغشي عليه ثم أفاق فتلا سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ثم إن ابن زياد ألح في طلب الخوارج فملأ منهم السجن وأخذ الناس بسببهم وحبس أبا بلال قبل أن يقتل أخاه عروة فرأي السجان عبادته فإذن له كل ليلة في إتيان أهله فكان يأتيهم ليلا ويعود مع الصبح وكان صديق لمرداس يسامر ابن زياد فذكر ابن زياد الخوارج ليلة فعزم علي قتلهم إذا أصبح فانطلق صديق مرداس إليه فأعلمه الخبر وبات السجان بليلة سوء خوفا أن يعلم مرداس فلا يرجع فلما كان الوقت الذي كان يعود فيه إذا به قد أتي فقال له السجان أما بلغك ما عزم عليه الأمير قال بلي قال ثم جئت قال نعم لم يكن جزاؤك مني مع إحسانك إلي أن تعاقب
وأصبح عبيد الله فقتل الخوارج فلما أحضر مرداس قام السجان وكان ظئرا لعبيد الله فشفع فيه وقص عليه قصته فوهبه له وخلي سبيله ثم إنه خاف ابن زياد فخرج في أربعين رجلا إلي الأهواز فكان إذا اجتاز به مال لبيت المال أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ثم يرد الباقي فلما سمع ابن زياد خبرهم بعث إليهم جيشا عليهم أسلم بن زرعة الكلابي سنة ستين وقيل أبو حصين التميمي وكان الجيش ألفي رجل فلما وصلوا إلي أبي بلال ناشدهم الله أن لا يقاتلوه فلم يفعلوا ودعاهم أسلم إلي معاودة الجماعة فقالوا أتردوننا إلي ابن زياد الفاسق فرمي أصحاب أسلم رجلا من أصحاب أبي بلال فقتلوه فقال أبو بلال قد بدأوكم بالقتال فشد الخوارج علي أسلم وأصحابه شدة رجل واحد فهزموهم فقدموا البصرة فلام ابن زياد أسلم وقال هزمك أربعون وأنت في ألفين لا خير فيك فقال لأن تلومني وأنا حي خير من أن تثني علي وأنا ميت فكان الصبيان إذا رأوا أسلم صاحوا به أما أبو بلال وراءك فشكا ذلك إلي ابن زياد فنهاهم فانتهوا وقال رجل من الخوارج
( أألفا مؤمن منكم زعمتم % ويقتلهم بآسك أربعونا )
( كذبتم ليس ذاك كما زعمتم % ولكن الخوارج مؤمنونا )
( هي الفئة القليلة قد علمتم % علي الفئة الكبيرة ينصرونا )
وحج بالناس الوليد بن عتبة في هذه السنة وفيها مات عقبة بن عامر الجهني وله صحبة وشهد صفين مع معاوية وفيها توفيت عائشة عليها السلام وسمرة بن جندب وله صحبة ومالك بن عبادة الغافقي وله صحبة وعميرة بن يثربي قاضي البصرة فاستقضي مكانه عليها هشام بن هبيرة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
