فيها كانت غزوة بسر بن أرطأة وسفيان بن عوف الأزدي أرض الروم وغزوة فضالة بن عبيد الأنصاري في البحر
ثم دخلت سنة خمسين
في هذه السنة في شعبان كانت وفاة المغيرة بن شعبة في قول بعضهم وهو الصحيح وكان الطاعون قد وقع بالكوفة فهرب المغيرة منه فلما ارتفع الطاعون عاد إلي الكوفة فطعن فمات وكان طوالا أعور ذهبت عينه يوم اليرموك وتوفي وهو ابن سبعين سنة وقيل كان موته سنة إحدى وخمسين وقيل سنة تسع وأربعين
فلما مات المغيرة استعمل معاوية زيادا علي الكوفة وهو أول من جمعا له فلما وليها سار إليها واستخلف علي البصرة سمرة بن جندب وكان زياد يقيم بالكوفة ستة أشهر وبالبصرة ستة أشهر فلما وصل الكوفة خطبهم فحصب وهو علي المنبر فجلس حتى أمسكوا ثم دعا قوما من خاصته فأمرهم فأخذوا أبواب المسجد ثم قال ليأخذ كل رجل منكم جليسه ولا يقولن لا أدري من جليسي
ثم أمر بكرسي فوضع علي باب المسجد فدعاهم أربعة أربعة يحلفون ما منا من حصبك فمن حلف خلاه ومن لم يحلف حبسه حتى صار إلي ثلاثين وقيل إلي ثمانين فقطع أيديهم علي المكان وكان أول قتيل قتله زياد بالكوفة أوفي بن الحصن وكان بلغه عنه شيء فطلبه فهرب فعرض الناس زياد فمر به فقال من هذا قال أوفي بن حصن فقال زياد اتتك بحائن رجلاه وقال له ما رأيك في عثمان قال ختن رسول الله علي ابنتيه قال فما تقول في معاوية قال جواد حليم قال فما تقول في قال بلغني أنك قلت بالبصرة والله لآخذن البرئ بالسقيم والمقبل بالمدبر قال قد قلت ذاك قال خبطتها خبط عشواء فقال زياد ليس بالنفاخ بشر الزمرة فقتله ولما قدم زياد الكوفة قال له عمارة بن عقبة بن أبي معيط إن عمرو بن الحمق يجمع إليه شيعة أبي تراب فأرسل إليه زياد ما هذه الجماعات عندك من أرادك أو أردت كلامه ففي المسجد وقيل الذي سعي بعمرو يزيد بن رويم فقال له زياد قد أبشطت به ولو علمت أن مخ ساقه قد سال من بغضي ما هجته حتى يخرج علي فاتخذ زياد المصورة حين حصب فلما استخلف زياد سمرة علي البصرة أكثر القتل فيها فقال ابن سيرين قتل سمرة في غيبة زياد هذه ثمانية آلاف فقال له زياد أتخاف أن تكون قتلت بريئا فقال لو قتلت معهم مثلهم ما خشيت وقال أبو السوار العدوي قتل سمرة من قومي في غداة واحدة سبعة وأربعين كلهم قد جمع القرآن وركب سمرة يوما فلقي أوائل خيله رجلا فقتلوه فمر به سمرة وهو يتشحط في دمه فقال ما هذا فقيل أصابه أوائل خيلك فقال إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا اسنتنا
وفيها خرج قريب الأزدي وزحاف الطائي بالبصرة وهما ابن خالة وزياد بالكوفة وسمرة علي البصرة فأتيا بنا ضبيعة وهم سبعون رجلا وقتلوا منهم شيخا وخرج علي قريب وزحاف شباب من بني علي وبني راسب فرموهم بالنبل وقتل عبد الله بن أوس الطاحي قريبا وجاء برأسه واشتد زياد في أمر الخوارج فقتلهم وأمر سمرة بذلك فقتل منهم بشرا كثيرا وخطب زياد علي المنبر فقال يا أهل البصرة والله لتكفنني هؤلاء أو لأبدأن بكم والله لئن افلت منهم رجل لا تأخذون العام من عطياتكم درهما فثار الناس بهم فقتلوهم
وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر النبي أن يحمل من المدينة إلي الشام وقال لا يترك و عصا النبي بالمدينة وهم قتلة عثمان وطلب العصا وهي عند سعد القرظ فحرك المنبر فكسفت الشمس حتى رؤيت النجوم بادية فأعظم الناس ذلك فتركه وقيل أتاه جابر وأبو هريرة وقالا له يا أمير المؤمنين لا يصلح أن تخرج منبر رسول الله من موضع وضعه ولا تنقل عصاه إلي الشام فانقل المسجد فتركه وزاد فيه ست درجات واعتذر مما صنع
فلما ولي عبد الملك بن مروان هم بالمنبر فقال له قبيصة بن ذؤيب أذكرك الله أن تفعل إن معاوية حركه فكسفت الشمس وقال رسول الله من حلف علي منبري فليتبوأ مقعده من النار وهو مقطع الحقوق عندهم بالمدينة فتركه عبد الملك فلما كان الوليد ابنه وحج هم بذلك فأرسل سعيد بن المسيب إلي عمر بن عبد العزيز فقال كلم صاحبك لا يتعرض للمسجد ولا لله والسخط له فكلمه عمر فتركه
ولما حج سليمان بن عبد الملك أخبره عمر بما كان من الوليد فقال سليمان ما كنت أحب أن يذكر عن أمير المؤمنين عبد الملك هذا ولا عن الوليد ما لنا ولهذا أخذنا الدنيا فهي في أيدينا ونريد أن نعمد إلي علم من إعلام الإسلام يوفد إليه فنحمله هذا ما لا يصح
وفيها عزل معاوية بن حديج السكوني عن ومصر ووليها مسلمة بن مخلد مع افريقية وكان معاوية بن أبي سفيان بعث قبل أن يولي مسلمة إفريقية ومصر عقبة بن نافع إلي أفريقية فافتتحها وكان اختط قيروانها وكان موضعه غيضة لا ترام من السباع والحيات وغيرها فدعا الله عليها فلم يبق منها شيء إلا خرج هاربا حتى إذا كانت السباع لتحمل أولادها وبني الجامع فلما عزل معاوية بن أبي سفيان معاوية بن حديج السكوني عن مصر عزل عقبة عن إفريقية وجمعها لمسلمة بن مخلد فهو أول من جمع له المغرب مع مصر فولي مسلمة إفريقية مولي له يقال له أبو المهاجر فلم يزل عليها حتى هلك معاوية بن أبي سفيان
قد ذكر أبو جعفر الطبري أن في هذه السنة ولي مسلمة بن مخلد إفريقية وإن عقبة ولي قبله إفريقية وبني القيروان والذي ذكره أهل التاريخ من المغاربة أن ولاية عقبة بن نافع إفريقية كانت هذه السنة وبني القيروان ثم بقي إلي سنة خمس وخمسين ووليها مسلمة بن مخلد وهم أخبر ببلادهم وأنا أذكر ما اثبتوه في كتبهم قالوا
إن معاوية بن أبي سفيان عزل معاوية معاوية بن حديج عن إفريقية حسب واستعمل عليها عقبة بن نافع الفهري وكان مقيما ببرقة وزويلة مذ فتحها أيام عمرو بن العاص وله في تلك البلاد جهاد وفتوح فلما استعمله معاوية سير إليه عشرة آلاف فارس فدخل إفريقية وانضاف إليه من أسلم من البربر فكثر جمعه ووضع السيف في أهل البلاد لأنهم كانوا إذا دخل إليهم أمير أطاعوا وأظهر بعضهم الإسلام فإذا عاد الأمير عنهم نكثوا وارتد من أسلم ثم رأي أن يتخذ مدينة يكون بها عسكر المسلمين وأهلهم وأموالهم ليأمنوا من ثورة تكون من أهل البلاد فقصد موضع القيروان وكان دخلة مشتبكة بها من أنواع الحيوان من السباع والحيات وغير ذلك فدعا الله وكان مستجاب الدعوة ثم نادى أيتها الحيات والسباع إنا أصحاب رسول الله عنا فإنا نازلون ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه
فنظر الناس ذلك اليوم إلي الدواب تحمل أولادها وتنتقل فرآه قبيل كثير من البربر فأسلموا وقطع الأشجار وأمر ببناء المدينة فبنيت وبني المسجد الجامع وبني الناس مساجدهم ومساكنهم وكان دورها ثلاثة آلاف باع وستمائة باع وتم أمرها سنة خمس وخمسين وسكنها الناس وكان في أثناء عمارة المدينة يغزو ويرسل السرايا فتغير وتنهب ودخل كثير من البربر في الاسلام واتسعت خطة المسلمين وقوي جنان من هناك من الجنود بمدينة القيروان وأمنوا واطمأنوا علي المقام فثبت الإسلام فيها
ثم إن معاوية بن أبي سفيان استعمل علي مصر وإفريقية مسلمة بن مخلد الأنصاري فاستعمل مسلمة علي إفريقية مولي له يقال له أبو المهاجر فقدم إفريقية وأساء عزل عقبة واستخف به وسار عقبة إلي الشام وعاتب معاوية علي ما فعله به أبو المهاجر فاعتذر إليه ووعده بإعادته إلي عمله وتمادى الأمر فتوفي معاوية وولي بعده ابنه يزيد فاستعمل عقبة بن نافع علي البلاد سنة اثنتين وستين فسار إليها
وقد ذكره الواقدي أن عقبة بن نافع ولي أفريقية سنة ست وأربعين واختط القيروان ولم يزل عقبة علي أفريقية إلي سنة اثنتين وستين فعزله يزيد بن معاوية واستعمل أبا المهاجر مولي الأنصار فحبس عقبة وضيق عليه فلما بلغ يزيد بن معاوية ما فعل بعقبة كتب إليه يأمره بإطلاقه وإرساله إليه ففعل ذلك ووصل عقبة إلي يزيد فأعاده إلي إفريقية واليا عليها فقبض علي أبى المهاجر وأوثقه وساق من خبر كسيلة مثل ما نذكره إن شاء الله تعالي سنة اثنتين وستين
وفيها طلب زياد الفرزدق استعدته عليه بنو نهشل وفقيم وسبب ذلك قال الفرزدق هاجيت الأشهب بن زميلة والبعيث فسقطا فاستعدى علي بنو شهل وبنو فقيم زياد بن أبيه واستعدى علي أيضا يزيد بن مسعود بن خالد بن مالك قال فلم يعرفني زياد حتى قيل له الغلام الأعرابي الذي أنهب ماله وثيابه فعرفني قال الفرزدق وكان أبي غالب قد أرسلني في جلب له أبيعه وأمتار له فبعت الجلب بالبصرة وجعلت ثمنه في ثوبي فعرض لي رجل أراه كأنه شيطان فقال لشد ما تستوثق منها أما لو كان مكانك رجل أعرفه ما صر عليها فقلت ومن هو قال غالب بن صعصعة وهو أبو الفرزدق فدعوت أهل المربد ونثرتها فقال لي قائل ألق ردائك ففعلت ألق ثوبك ففعلت وقال آخر ألق عمامتك ففعلت فقال آخر ألق إزارك فقلت لا ألقيه وأمشي مجردا إني لست بمجنون وبلغ الخبر زيادا فقال هذا أحمق يضري الناس بالنهب فأرسل خيلا إلي المربد ليأتوه بي فأتاني رجل من بني الهجيم علي فرس له وقال النجاء النجاء وأردفني خلفه ونجوت فأخذ زياد عمين لي ذهيلا والزحاف ابني صعصعة وكانا في الديوان فحبسهما أياما ثم كلم فيهما فأطلقهما وأتيت أبي فأخبرته خبري فحقدها عليه زياد
ثم وفد الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة السعديان والجون بن قتادة العبشمي والحتات بن يزيد أبو منازل المجاشعي إلي معاوية بن أبي سفيان فأعطي كل رجل منهم جائزة مائة ألف وأعطي الحتات سبعين ألفا فلما كانوا في الطريق ذكر كل منهم جائزته فرجع الحتات إلي معاوية فقال ما ردك قال فضحتني في بني تميم أما حسبي صحيح أولست ذا سن ألست مطاعا في عشيرتي قال بلي قال فما بالك خسست بي دون القوم وأعطيت من كان عليك أكثر ممن كان لك وكان حضر الجمل مع عائشة وكان الأحنف وجارية يريدان عليا وإن كان الأحنف والجون اعتزلا القتال مع علي لكنهما كانا يريدانه قال إني اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلي دينك ورأيك في عثمان وكان عثمانيا فقال وأنا فاشتر مني ديني فأمر له بإتمام جائزته ثم مات الحتات فحبسهما معاوية فقال الفرزدق في ذلك
( أبوك وعمي يا معاوية أورثا % تراثا فيحتاز التراث أقاربه )
( فما بال ميراث الحتات أخذته % وميراث صخر جامد لك ذائبه )
( فلو كان هذا الأمر في جاهلية % علمت من المرء القليل حلائبه )
( ولو كان في دين سوى ذا شنئتم % لنا حقنا أو غص بالماء شاربه )
وأنشد محمد بن علي
( ألست أعز الناس قوما وأسرة % وأمنعهم جارا إذا ضيم جانبه )
( وما ولدت بعد النبي وآله % كمثلي حصان في الرجال يقاربه )
( وبيتي إلي جنب الثريا فنأوه % ومن دونه البدر المضيء كواكبه )
( أنا ابن الجبال الشم في عدد الحصي % وعرق الثرى عرقي فمن ذا يحاسبه )
( وكم من أب لي يا معاوية لم يزل % أغر يباري الريح ازور جانبه )
( نمته فروع المالكين ولم يكن % أبوك الذي من عبد شمس يقاربه )
( تراه كنصل السيف مذ كان لم يكن % قصي وعبد الشمس ممن يخاطبه )
يريد بالمالكين مالك بن حنظلة ومالك بن زيد مناة بن تميم وهما جداه لأن الفرزدق هو ابن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم
فلما بلغ معاوية شعره رد علي أهله ثلاثين ألفا فاغضبت أيضا زيادا عليه فلما استعدت عليه نهشل وفقيم ازداد عليه غضبا فطلبه فهرب وأتي عيسى بن خصيلة السلمي ليلا وقال له إن هذا الرجل قد طلبني وقد لفظني الناس وقد أتيتك لتغيثني عندك فقال مرحبا بك فكان عنده ثلاث ليال ثم قال له قد بدا لي أن آتي الشام فسيره وبلغ زيادا مسيره فأرسل في أثره فلم يدرك وأتي الروحاء فنزل في بكر بن وائل فأمن ومدحهم بقصائد
ثم كان زياد إذا نزل البصرة نزل الفرزدق الكوفة وإذا نزل الكوفة نزل الفرزدق البصرة فبلغ ذلك زيادا فكتب إلي عامله علي الكوفة وهو عبد الرحمن بن عبيد يأمره بطلب الفرزدق ففارق الكوفة نحو الحجاز فاستجار بسعيد بن العاص فأجاره فمدحه الفرزدق ولم يزل بالمدينة مرة وبمكة مرة حتى هلك زياد
وقد قيل إن الفرزدق إنما قال هذا الشعر لأن الحتات لما أسلم آخي النبي بينه وبين معاوية فلما مات الحتات بالشام ورثه معاوية بتلك الأخوة فقال له الفرزدق هذا الشعر وهذا القول الذي ليس بشيء لأن معاوية لم يكن يجهل أن هذه الأخوة لا يرث بها أحد
الحتات بضم الحاء وبتائين مثناتين من فوقهما بينهم ألف
في هذه السنة توفي الحكم بن عمرو الغفاري بمرو بعد انصرافه من غزوة جبل الأشل في قوله وقد تقدم ذكر وفاته في قول آخر وكان زياد قد كتب إليه أن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن اصطفي له الصفراء والبيضاء فلا تقسم بين الناس ذهبا ولا فضة فكتب إليه الحكم بلغني ما أمر به أمير المؤمنين وإني وجدت كتاب الله قبل فضة فكتب إليه الحكم بلغني ما أمر به أمير المؤمنين وإني وجدت كتاب الله قبل كتابه وإنه والله لو أن السموات والأرض كانتا رتقا علي عبد ثم اتقي الله لجعل له فرجا ومخرجا ثم قال للناس اغدوا علي أعطياتكم ومالكم فقسمه بينهم ثم قال اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك فتوفي بمرو وله صحبة
حج بالناس هذه السنة معاوية وقيل بل حج ابنه يزيد وكان العمال علي البلاد من تقدم ذكرهم وفيها توفي سعد بن أبي وقاص بالعقيق فحمل علي الرقاب إلي المدينة فدفن بها وقيل توفي سنة أربع وخمسين وقيل سنة خمس وخمسين وعمره أربع وسبعون وقيل ثلاث وثمانون سنة وهو أحد العشرة وكان قصيرا دحداحا وفيها توفيت صفية بنت حيي زوج النبي وقيل توفيت أيام عمر وفيها توفي عثمان بن أبي العاص الثقفي وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس توفي بالبصرة وأبو موسى الأشعري وقيل توفي سنة اثنتين وخمسين وفيها توفي زيد بن خالد الجهني وقيل توفي سنة ثمان وستين وقيل ثمان وسبعين وفيها توفي مدلاج بن عمرو السلمي وكان قد شهد المشاهد كلها مع رسول الله له صحبة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
