الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
22

ثم دخلت سنة إحدى وخمسين

الجزء الثالث 4 عنصر صفحة 325
ص 325

وفيها كان مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم وغزوة بسر بن أبي أرطأة الصائفة

ذكر مقتل حجر بن عدي وعمرو بن الحمق وأصحابهما ص 325

في هذه السنة قتل حجر بن عدي وأصحابه وسبب ذلك أن معاوية استعمل المغيرة بن شعبة علي الكوفة سنة إحدى وأربعين فلما أمره عليها دعاه وقال له أما بعد فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا علي بصرك ولست تاركا إيصاءك بخصلة لا تترك شتم علي وذمه والترحم علي عثمان والاستغفار له والعيب لأصحاب علي والإقصاء لهم والإطراء بشيعة عثمان والإدناء لهم فقال له المغيرة قد جربت وجربت وعملت قبلك لغيرك فلم يذممني وستبلو فتحمد أو تذم فقال بل نحمد إن شاء الله تعالي فأقام المغيرة عاملا علي الكوفة وهو أحسن شيء سيرة غير أنه لا يدع شتم علي والوقوع فيه والدعاء لعثمان والاستغفار له فإذا سمع ذلك حجر بن عدي قال بل إياكم ذم الله ولعن ثم قال وقال أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل ومن تزكون أولي بالذم فيقول له المغيرة يا حجر اتق هذا السلطان وغضبه وسطوته فإن غضب السلطان يهلك أمثالك ثم يكف عنه ويصفح فلما كان آخر إمارته قال في علي وعثمان ما كان يقول له فقام حجر فصاح صيحة بالمغيرة سمعها كل من بالمسجد وخارجا منه وقال له مر لنا أيها الإنسان بأرزاقنا فقد حبستها عنا وليس ذلك لك وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين

فقام أكثر من ثلثي الناس يقولون صدق حجر وبر مر لنا بأرزاقنا فإن ما أنت عليه لا يجدي علينا نفعا وأكثروا من هذا القول وأمثاله فنزل المغيرة فاستأذن عليه قومه ودخلوا وقالوا علي م تترك هذا الرجل يجترئ عليك في سلطانك ويقول لك هذه المقالة فيوهن سلطانك ويسخط عليك أمير المؤمنين معاوية

فقال لهم المغيرة إني قد قتلته سيأتي من بعدي أمير يحبسه مثلي فيصنع به ما ترونه يصنع بي فيأخذه ويقتله إني قد قرب أجلي ولا أحب أن أقتل خيار أهل هذا المصر فيسعدون وأشقي ويعز في الدنيا معاوية ويشقي في الآخرة المغيرة

ثم توفي المغيرة وولي زياد فقام في الناس فخطبهم عند قدومه ثم ترحم علي عثمان وأثني علي أصحابه ولعن قاتليه فقام حجر ففعل كما كان يفعل بالمغيرة ورجع زياد إلي البصرة واستخلف علي الكوفة عمرو بن حريث فبلغه أن حجرا يجتمع إليه شيعة علي ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه وأنهم حصبوا عمرو بن حريث فشخص زياد إلي الكوفة حتى دخلها فصعد المنبر فحمد الله وأثني عليه وحجر جالس في المسجد ثم قال أما بعد فإن غب البغي والغي وخيم إن هؤلاء جموا فأشروا وأمنوني فاجترأوا علي الله وأيم الله لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم ولست بشيء إن لم أمنع الكوفة من حجر وأدعه مكالا لمن بعده ويل أمك يا حجر سقط العشاء بك علي سرحان

وأرسل إلي حجر يدعوه وهو بالمسجد فلما أتاه رسول زياد يدعوه قال أصحابه لا تأته ولا كرامة فرجع الرسول فأخبر زيادا فأمر أصحاب شرطته وهو شداد بن الهيثم الهلالي أن يبعث إليه جماعة ففعل فسبهم أصحاب حجر فرجعوا وأخبروا زيادا فجمع أهل الكوفة وقال تشجون بيد وتأسون بأخرى أبدانكم معي وقلوبكم مع حجر الأحمق هذا والله من دحسكم والله لتظهرن لي براءتكم أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم

فقالوا معاذ الله أن يكون لنا رأي إلا طاعتك وما فيه رضاك قال فليقم كل رجل منكم فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله ففعلوا وأقاموا أكثر أصحابه عنه وقال زياد لصاحب شرطته انطلق إلي حجر فإن تبعك فاتني به وإلا فشدوا عليهم بالسيوف حتى تأتوني به فأتاه صاحب الشرطة يدعوه فمنعه أصحابه من إجابته فحمل عليهم فقال أبو العمرطة الكندي لحجر إنه ليس معك من معه سيف غيري وما يغني عنك سيفي قم فالحق بأهلك يمنعك قومك زياد ينظر إليهم وهو علي المنبر وغشيهم أصحاب زياد وضرب رجل من الحمراء رأس عمرو بن الحمق بعموده فوقع وحمله أصحابه إلي الأزد فاختفي عندهم حتى خرج وانحاز أصحاب حجر إلي أبواب كندة وضرب بعض الشرطة يد عائذ بن حملة التميمي وكسر نابه وأخذ عمودا من بعض الشرط فقاتل به وحمي حجرا وأصحابه حتى خرجوا من أبواب كندة وأتي حجر بغلته وقال له أبو العمرطة اركب فقد قتلتنا ونفسك وحمله حتي أركبه وركب أبو العمرطة فرسه ولحقه يزيد بن طريف المسلي فضرب أبا العمرطة علي فخده بالعمود وأخذ أبو العمرطة سيفه فضرب به رأسه فسقط ثم برئ وله يقول عبد الله بن همام السلولي

( ألؤم ابن لؤم ما عدا بك حاسرا % إلي بطل ذي جرأة وشكيم )

( معاود ضرب الدارعين بسيفه % علي الهام عند الروع غير لئيم )

( إلي فارس الغارين يوم تلاقيا % بصفين قرم خير نجل قروم )

( حسبت ابن برصاء الحتار قتاله % قتالك زيدا يوم دار حكيم )

وكان ذلك السيف أول سيف ضرب به في الكوفة في اختلاف بين الناس ومضي حجر وأبو العمرطة إلي دار حجر واجتمع إليهما ناس كثير ولم يأته من كندة كثير أحد فأرسل زياد وهو علي المنبر مذحج وهمدان إلي جبانة كندة وأمرهم أن يأتوه بحجر وأرسل سائر أهل اليمن إلي جبانة الصائدين وأمرهم أن يمضوا إلي صاحبهم حجر فيأتوه به ففعلوا فدخل مذحج وهمدان إلي جبانة كندة فأخذوا كل من وجدوا فأثني عليهم زياد فلما رأى حجر قلة من معه أمرهم بالإنصراف وقال لهم لا طاقة لكم بمن اجتمع عليكم وما أحب أن تهلكوا فخرجوا فأدركهم مذحج وهمدان فقاتلوهم وأسروا قيس بن يزيد ونجا الباقون فأخذ حجر طريقا إلي بني حوت فدخل دار رجل منهم يقال له سليم بن يزيد وأدركه الطلب فأخذ سليم سيفه ليقاتل فبكى بناته فقال حجر بئسما أدخلت علي بناتك إذا

قال والله لا تؤخذ من داري أسيرا ولا قتيلا وأنا حي فخرج حجر من خوخة في داره فأتي النخع فنزل دار عبد الله بن الحارث أخي الأشتر فأحسن لقاءه فبينما هو عنده قيل له إن الشرط تسأل عنك في النخع وسبب ذلك أن أمة سوداء لقيتهم فقالت من تطلبون قالوا حجر بن عدي فقالت هو في النخع فخرج حجر من عنده فأتي الأزد فاختفي عند ربيعة بن ناجد فلما أعياهم طلبه دعا زياد محمد بن الأشعث وقال له والله لتأتيني به أو لأقطعن كل نخلة لك وأهدم دورك ثم لا تسلم مني حتى أقطعك إربا إربا

فاستمهله فأهمله ثلاثا وأحضر قيس بن يزيد أسيرا فقال له زياد لا بأس عليك قد عرفت رأيك في عثمان وبلاءك مع معاوية بصفين وإنك إنما قاتلت مع حجر حمية وقد غفرتها لك ولكن إئتني بأخيك عمير فاستأمن له منه علي ماله ودمه فأمنه فأتاه به وهو جريح فأثقله حديدا وأمر الرجال أن يرفعوه ويلقوه ففعلوا ذلك به مرارا فقال قيس بن يزيد لزياد ألم تأمنه قال بلي قد أمتنه علي دمه ولست أرهيق له دما ثم ضمنه وخلي سبيله

ومكث حجر بن عدي في بيت ربيعة يوما وليلة فأرسل إلي محمد بن الأشعث يقول له ليأخذ له من زياد أمانا حتى يبعث به إلي معاوية فجمع محمد جماعة منهم جرير بن عبد الله وحجر بن زيد وعبد الله بن الحارث أخو الأشتر فدخلوا علي زياد فاستأمنوا له علي أن يرسله إلي معاوية فأجابهم فأرسلوا إلي حجر بن عدي فحضر عند زياد فلما رآه قال مرحبا بك أبا عبد الرحمن حرب أيام الحرب وحرب وقد سالم الناس علي أهلها تجني براقش

فقال حجر ما خلعت طاعة ولا فارقت جماعة وإني علي بيعتي فأمر به إلي السجن فلما ولي قال زياد والله لأحرصن علي قطع خيط رقبته وطلب أصحابه فخرج عمرو بن الحمق حتى أتي الموصل ومعه رفاعة بن شداد فاختفيا بجبل هناك فرفع خبرهما إلي عامل الموصل فسار إليهما فخرجا إليه فأما عمرو فكان قد استسقي بطنه ولم يكن عنده امتناع وأما رفاعة فقد كان شابا قويا فركب فرسه ليقاتل عن عمرو فقال له عمرو ما ينفعني قتالك عني انج بنفسك

فحمل عليهم فأفرجوا له فنجا وأخذ عمرو أسيرا فسألوه من أنت فقال من إن تركتموه كان أسلم لكم وإن قتلتموه كان أضر عليكم ولم يخبرهم فبعثوه إلي عامل الموصل وهو عبد الرحمن بن عثمان الثقفي الذي يعرف بابن أم الحكم وهو ابن أخت معاوية فعرفه فكتب فيه إلي معاوية فكتب إليه أنه زعم طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص معه فأطعنه كما طعن عثمان فأخرج وطعن فمات في الأولي منهن أو الثانية

وجد زياد في طلب أصحاب حجر فهربوا وأخذ من قدر عليه منهم فأتي بقبيصة بن ضبيعة العبسي بأمان فحبسه وجاء قيس بن عباد الشيباني إلي زياد فقال له إن امرأ منا يقال له صيفي من رؤوس أصحاب حجر فبعث زياد فأتي به فقال يا عدو الله ما تقول في أبي تراب فقال ما أعرف أبو تراب فقال ما أعرفك به أتعرف علي بن أبي طالب فقال نعم قال فذاك أبو تراب قال كلا ذاك أبو الحسن والحسين فقال له صاحب الشرطة يقول الأمير هو أبو تراب وتقول لا قال فإن كذب الأمير أكذب أنا وأشهد علي باطل كما شهد فقال له زياد وهذا أيضا علي بالعصا فأتي بها فقال ما تقول في علي قال أحسن قول قال اضربوه فضربوه حتى لصق بالأرض ثم قال اقلعوا عنه ما قولك في علي قال والله لو شرحتني بالمواسي ما قلت فيه إلا ما سمعت مني قال لتلعننه أو لأضربن عنقك قال لا أفعل فأوثقوه حديدا وحبسوه

قيل وعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الأشعث في مواطنه ثم دخل الكوفة فجلس في بيته فقال حوشب للحجاج إن هنا امرأ صاحب فتن لم تكن فتنة بالعراق إلا وثب فيها وهو ترابي يلعن عثمان وقد خرج مع ابن الأشعث حتى هلك وقد جاء فجلس في بيته

فبعث إليه الحجاج فقتله فقال بنو أبية لآل حوشب سعيتم بصاحبنا فقالوا وأنتم أيضا سعيتم بصاحبنا يعني صيفيا الشيباني وأرسل زياد إلي عبد الله بن خليفة الطائي فتواري فبعث إليه الشرط فأخذوه فخرجت أخته النوار فحرضت طيئا فثاروا بالشرط وخلصوه فرجعوا إلي زياد فأخبروه فأخذ عدي بن حاتم وهو في المسجد فقال أئتني بعبد الله قال وما حاله فأخبره فقال لا علم لي بهذا قال لتأتيني به قال لا آتيك به أبدا لآتيك بابن عمي تقتله والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه

فأمر به إلي السجن فلم يبقي بالكوفة يمني ولا ربعي إلا كلم زيادا وقالوا تفعل هذا بعدي بن حاتم صاحب رسول الله فقال فإني أخرجه علي شرط أن يخرج ابن عمه عني فلا يدخل الكوفة ما دام لي سلطان فأجابوه إلي ذلك وأرسل عدي إلي عبد الله يعرفه ما كان وأمره أن يلحق بجبلي طيئ فخرج إليهما وكان يكتب إلي عدي ليشفع فيه ليعود إلي الكوفة وعدي يمينه فمما كتب إليه يعاتبه ويرثي حجرا وأصحابه قوله

( تذكرت ليلي والشبيبة أعصرا % وذكر الصبا برح علي من تذكرا )

( وولي الشباب فافتقدت غضونه % فيالك من وجد به حين أدبرا )

( فدع عنك تذكار الشباب وفقده % وأسبابه إذبان عنك فأجمرا )

( وابك علي الخلان لما تحرموا % ولم يجدوا عن منهل الموت مصدرا )

( دعتهم مناياهم ومن حان يومه % من الناس فاعلم أنه لن يؤخرا )

( أولئك كانوا شيعة لي وموئلا % إذا اليوم ألفي ذا احتدام مذكرا )

( وما كنت أهوى بعدهم متعللا % بشيء من الدنيا ولا أن أعمرا )

( أقول ولا والله أنسي ادكارهم % سجيس الليالي أو أموت فأقبرا )

( علي أهل عذراء السلام مضاعفا % من الله وليسق الغمام الكنهورا )

( ولاقي بها حجر من الله رحمة % فقد كان أرضي الله حدرا وأعذرا )

( ولا زال تهطال ملث وديمة % علي قبر حجر أو ينادي فيحشرا )

( فيا حجر من للخيل تدمي نحورها % وللملك المغري إذا ما تغشمرا )

( ومن صادع بالحق بعدك ناطق % بتقوى ومن إن قيل بالجور غيرا )

( فنعم أخو الإسلام كنت وأنني % لأطمع أن تؤتي الخلود وتحبرا )

( وقد كنت تعطي السيف في الحرب % حقه وتعرف معروفا وتنكر منكرا )

( فيا أخوينا من هميم عصمتما % وبشرتما بالصالحات فأبشرا )

( ويا أخوي الخندفيين أبشرا % بما معنا حييتما أن تتبرا )

( ويا أخوتا من حضرموت وغالب % وشيبان لقيتم جنانا مبشرا )

( سعدتم فلم أسمع بأصوب منكم % حجاجا لدي الموت الجليل واصبرا )

( سأبكيكم ما لاح نجم وغرد ال % حمام ببطن الوادينن وقرقرا )

( فقلت ولم أظلم أغوث بن طيئ % متى كنت أخشي بينكم أن أسيرا )

( هبلتم ألا قاتلتم عن أخيكم % وقد دث حتى مال ثم تجورا )

( تفرجتم عني فغودرت مسلما % كأني غريب من إياد وأعصرا )

( فمن لكم مثلي لدى كل غارة % ومن لكم مثلي إذا البأس أصحرا )

( ومن لكم مثلي إذا الحرب قلصت % وأوضع فيها المستميت وشمرا )

( فها أناذا آوي بجبال طيئ % طريدا فلو شاء الإله لغيرا )

( نفاني عدوي ظالما عن مهاجري % رضيت بما شاء الإله وقدرا )

( وأسلمني قومي بغير جنابة % كأن لم يكونوا لي قبيلي ومعشرا )

( فإن ألف في دار بأجبال طيئ % وكان معانا من عصير ومحضرا )

( فما كنت أخشي أن أري متغربا % لحا الله من لاحي عليه وكثرا )

( لحا الله قيل الحضرميين وائلا % ولاقي القناني بالسنان المؤمرا )

( ولاقي الردي القوم الذين تحزبوا % علينا وقالوا قول زور ومنكرا )

( فلا يدعني قوم لغوث وطيئ % إذا دهرهم أشقي بهم وتغيرا )

( فلم أغزهم في المعلمين ولم أثر % عليهم عجاجا بالكويفة أكدرا )

( فبلغ خليلي إن رحلت مشرقا % جديلة والحيين معنا وبحترا )

( ونبهان والأفناء من جذم طيئ % ألم أك فيكم ذا الغناء العشنزرا )

( ألم تذكروا يوم العذيب أليتي % أمامكم أن لا أري الدهر مدبرا )

( وكري علي مهران والجمع حابس % وقتلي الهمام المستميت المسورا )

( ويوم جلولاء الوقيعة لم ألم % ويوم نهاوند الفتوح وتسترا )

( وينسونني يوم الشريعة والقنا % بصفين في أكتافهم قد تكسرا )

( جزي ربه عني عدي بن حاتم % برفضي وخذلاني جزاء مؤثرا )

( أتنسي بلائي سادرا يا بن حاتم % عشية ما أغنت عديك حزمرا )

( فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا % وكنت أنا الخصم الألد العذورا )

( تولوا وما قاموا مقامي كأنما % رأوني ليثا بالأباءة مخدرا )

وقد تقدم ما فعله عبد الله بن عدي في وقعة صفين فلهذا لم نذكره ها هنا

( نصرتك اذ خان القريب وأنغض ال % بعيد و قد أفردت نصرا مؤزرا )

( فكان جزائي أن أجرد بينكم % سحيبا و أن أولي الهوان و أوسرا )

( و كم عدة لي منك أنك راجعي % فلم تغن بالميعاد عني حبترا )

( فأصبحت أرعي النيب طورا وتارة % أهرهر إن راعى الشويهات هرهرا )

( كأني لم أركب جوادا لغارة % ولم أترك القرن الكمي مقطرا )

( ولم أعترض بالسيف منكم مغيرة % إذ النكس مشي القهقري ثم جرجرا )

( ولم استحث الركض في أثر عصبة % ميممة عليا سجاس وأبهرا )

( ولم أذعر الأبلام مني بغارة % كورد القطا ثم انحدرت مظفرا )

( ولم أر في خيل تطاعن مثلها % بقزوين أو شروين أو اغذ كندرا )

( فذلك دهر زال عني حميده % وأصبح لي معروفه قد تنكرا )

( فلا يبعدن قومي وإن كنت عاتبا % وكنت المضاع فيهم والمكفرا )

( ولا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم % وإن كنت عنهم نائي الدار محصرا )

فمات عبد الله بالجبلين قبل موت زياد ثم أتي زياد بكريم بن عفيف الخثعمي من أصحاب حجر بن عدي فقال ما اسمك قال كريم بن عفيف قال ما أحسن اسمك واسم أبيك وأسوأ عملك ورأيك فقال له أما والله إن عهدك برأيي منذ قريب قال وجمع زياد من أصحاب عدي اثني عشر رجلا في السجن ثم دعا رؤساء الأرباع يومئذ وهم عمرو بن حريث علي ربع أهل المدينة وخالد بن عرفطة علي ربع تميم وهمدان وقيس بن الوليد علي ربع ربيعة وكندة وأبا بردة بن أبي موسى علي ربع مذحج وأسد فشهد هؤلاء أن حجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودعا إلي حرب أمير المؤمنين وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب ووثب بالمصر وأخرج عامل أمير المؤمنين وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حربه وأن هؤلاء النفر الذين معه هو رؤوس أصحابه علي مثل رأيه وأمره ونظر زياد في شهادة الشهود وقال إني لأحب أن يكونوا أكثر من أربعة فدعا الناس ليشهدوا عليه فشهد إسحاق وموسى ابنا طلحة بن عبيد الله والمنذر بن الزبير وعمارة بن عقبة بن أبي معيط وعمرو بن سعد بن أبي وقاص وغيرهم وكتب في الشهود شريح بن الحارث القاضي وشريح بن هانئ فأما شريح بن هانئ فكان يقول ما شهدت وقد لمته

ثم دفع زياد حجر بن عدي وأصحابه إلي وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب وأمرهما أن يسرا بهم إلي الشام فخرجوا عشية فلما بلغوا الغريين لحقهم شريح بن هانئ وأعطي وائلا كتابا وقال أبلغه أمير المؤمنين فأخذه وساروا حتى انتهوا بهم إلي مرج عذراء عند دمشق وكانوا حجر بن عدي الكندي والأرقم بن عبد الله الكندي وشريك بن شداد الحضرمي وصيفي بن فسيل الشيباني وقبيصة بن ضبيعة العبسي وكريم بن عفيف الخثعمي وعاصم بن عوف البجلي وورقاء بن سمي البجلي وكدام بن حيان وعبد الرحمن بن حسان العنزيان ومحرز بن شهاب التميمي وعبد الله بن حوية السعدي التميمي فهؤلاء اثنا عشر رجلا وأتبعهم زياد برجلين وهما عتبة بن الأخنس من سعد بن بكر وسعد بن نمران الهمداني فتموا أربعة عشر رجلا فبعث معاوية إلي وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأدخلهما وأخذا كتابهما فقرأه ودفع إليه كتاب شريح بن هانئ فإذا فيه بلغني أن زيادا كتب شهادتي وإن شهادتي علي حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر حرام الدم والمال فإن شئت فاقتله وإن شئت فدعه

فقال معاوية ما أري هذا إلا قد خرج نفسه من شهادتكم وحبس القوم بمرج عذراء فوصل إليهم الرجلان اللذان ألحقهما زياد بحجر وأصحابه فلما وصلا سار عامر بن الأسود العجلي إلي معاوية ليعلمه بهما فقام إليه حجر بن عدي في قيوده فقال له إبلغ معاوية أن دماءنا عليه حرام وأخبره أنا قد أومنا وصالحناه وصالحنا وأنا لم نقتل أحدا من أهل القبلة فيحل له دماؤنا

فدخل عامر علي معاوية فأخبره بالرجلين فقام يزيد بن أسد البجلي فاستوهبه ابني عمه وهما عاصم وورقاء وكان جرير بن عبد الله البجلي قد كتب فيهما يزكيهما ويشهد له بالبراءة مما شهد عليهما فأطلقها معاوية وشفع وائل بن حجر في الأرقم فتركه له وشفع أبو الأعور السلمي في عتبة بن الأخنس فتركه وشفع حمزة بن مالك الهمداني في سعد بن نمران فوهبه له وشفع حبيب بن مسلمة في ابن حوية قتركه له وقام مالك بن هبيرة السكوني فقال دع لي ابن عمي حجرا فقال له هو رأس القوم وأخاف إن خليت سبيله أن يفسد علي مصره فنحتاج أن نشخصك إليه بالعراق فقال والله ما أنصفتني يا معاوية قاتلت معك ابن عمك يوم صفين حتى ظفرت وعلا كعبك ولم تخف الدوائر ثم سألتك ابن عمي فمنعتني ثم انصرف فجلس في بيته فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي والحصين بن عبد الله الكلابي وأبا شريف البدي إلي حجر وأصحابه ليقتلوا من أمروا بقتله منهم فأتوه عند المساء فلما رأي الخثعمي أحدهم أعور قال يقتل نصفنا ويترك نصفنا فتركوا ستة وقتلوا ثمانية وقالوا لهم قبل القتل إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له فإن فعلتم تركناكم وأن أبيتم قتلناكم فقالوا لسنا فاعلي ذلك فأمر فحفرت القبور وأحضرت الأكفان وقام حجر وأصحابه يصلون عامة الليل

فلما كان الغد قدموهم ليقتلوهم فقال لهم حجر بن عدي أتركوني أتوضأ وأصلي فإني ما توضأت إلا صليت فتركوه فصلي ثم انصرف منها وقال والله ما صليت صلاة قط أخف منها ولولا أن تظنوا في جزعا من الموت لاستكثرت منها ثم قال اللهم إنا نستعديك علي أمتنا فإن أهل الكوفة شهدوا علينا وإن أهل الشام يقتلوننا أما والله لئن قتلتموني بها فإني لأول فارس من المسلمين هلل في واديها وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها

ثم مشي إليه هدبة بن فياض بالسيف فارتعد فقالوا له زعمت أنك لا تجزع من الموت فابرأ من صاحبك وندعك فقال ومالي لا أجزع وأري قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا وإني والله جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب

فقتلوه وقتلوا ستة فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم الخثعمي ابعثوا بنا إلي أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته فاستأذنوا معاوية فأذن بإحضارهما فلما دخلا عليه قال الخثعمي الله الله يا معاوية فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلي الدار الآخرة الدائمة ثم مسؤول عما أردت بسفك دماءنا

فقال له معاوية ما تقول في علي قال أقول فيه قولك قال أتبرأ من دين علي الذي يدين الله به

فسكت وقام شمر بن عبد الله من بني قحافة بن خثعم فاستوهبه فوهبه له علي أن لا يدخل الكوفة فاختار الموصل فكان يقول لو مات معاوية قدمت الكوفة فمات قبل معاوية بشهر

ثم قال لعبد الرحمن بن حسان يا أخا ربيعة ما تقول في علي قال دعني ولا تسألني فهو خير لك قال والله لا أدعك قال أشهد أنه كان من الذاكرين الله تعالي كثيرا من الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس قال فما قولك في عثمان قال هو أول من فتح أبواب الظلم وأغلق أبواب الحق قال قتلت نفسك قال بل إياك قتلت ولا ربيعة بالوادي يعني ليشفعوا فيه فرده معاوية إلي زياد وأمره أن يقتله شر قتلة فدفنه حيا فكان الذين قتلوا حجر بن عدي وشريك بن شداد الحضرمي وصيفي بن فسيل الشيباني وقبيصة بن ضبيعة العبسي ومحرز بن شهاب السعدي التميمي وكدام بن حيان العنزي وعبد الرحمن بن حسان العنزي الذي دفنه زياد حيا فهؤلاء السبعة قتلوا ودفنوا وصلي عليهم

وقيل ولما بلغ الحسن البصري قتل حجر وأصحابه قال أصلوا عليهم وكفنوهم ودفنوهم واستقبلوا بهم القبلة قالوا نعم قال حجوا هم ورب الكعبة

وأما مالك بن هبيرة السكوني حين لم يشفعه معاوية في حجر فجمع قومه وسار بهم إلي عذراء ليخلص حجرا وأصحابه فلقيه قتلتهم فلما رأوه علموا أنه جاء ليخلص حجرا فقال ما وراءكم قالوا قد تاب القوم وجئنا لنخبر أمير المؤمنين فسكت وسار إلي عذراء فلقيه بعض من جاء منها فأخبره بقتل القوم فأرسل الخيل في أثر قتلتهم فلم يدركوهم ودخلوا علي معاوية فأخبروه فقال لهم إنما هي حرارة يجدها في نفسه وكأنها طفئت

وعاد مالك إلي بيته ولم يأت معاوية فلما كان الليل أرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم وقال ما منعني أن أشفعك إلا خوفا أن يعيدوا لنا حربا فيكون في ذلك من البلاء علي المسلمين ما هو أعظم من قتل حجر

فأخذها وطابت نفسه

ولما بلغ خبر حجر عائشة أرسلت عبد الرحمن بن الحارث إلي معاوية فيه وفي أصحابه فقدم عليه وقد قتلهم فقال له عبد الرحمن أين غاب عنك حلم أبي سفيان قال حين غاب عني مثلك من حلماء قومي وحملني ابن سمية فاحتملت

وقالت عائشة لولا أنا لم نغير شيئا إلا صارت بنا الأمور إلي ما هو أشد منه لغيرنا قتل حجر أما والله إن كان ما علمت لمسلما حجاجا معتمرا وقال الحسن البصري أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة انتزاؤه علي هذه الأمه بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة واستخلافه بعده ابنه سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير وادعاؤه زيادا وقد قال رسول الله الولد للفراش وللعاهر الحجر وقتله حجرا كان الناس يقولون أول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن علي وقتل حجر ودعوة زياد وقالت هند بنت زيد الأنصارية ترثي حجرا وكانت تتشيع

( ترفع أيها القمر المنير % تبصر هل تري حجرا يسير )

( يسير إلي معاوية بن حرب % ليقتله كما زعم الأمير )

( تجبرت الجبابر بعد حجر % وطاب لها الخورنق والسدير )

( وأصبحت البلاد له محولا % كأن لم يحيها مزن مطير )

( ألا يا حجر حجر بني عدي % تلقتك السلامة والسرور )

( أخاف عليك ما أري عديا % وشيخا في دمشق له زئير )

( فإن تهلك فكل زعيم قوم % من الدنيا إلي هلك يصير )

وقد قيل في قتله غير ما تقدم وهو زيادا قد خطب يوم جمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة فقال له حجر بن عدي الصلاة فمضي في خطبته فقال له الصلاة فمضي في خطبته فلما خشي حجر بن عدي فوت الصلاة ضرب بيده إلي كف من حصى وقام إلي الصلاة وقام الناس معه فلما رأي زياد ذلك نزل فصلي بالناس وكتب إلي معاوية وكثر عليه فكتب إليه معاوية ليشده في الحديد ويرسله إليه فلما أراد أخذه قام قومه ليمنعوه فقال حجر لا ولكن سمعا وطاعة

فشد في الحديد وحمل إلي معاوية فلما دخل عليه قال السلام عليم يا أمير المؤمنين فقال معاوية أأمير المؤمنين أنا والله لا أقيلك ولا أستقيلك أخرجوه فاضربوا عنقه فقال حجر للذين يلون أمره دعوني حتى أصلي ركعتين فقالوا صل فصلي ركعتين خفف فيهما ثم قال لولا أن تظنوا بي غير الذي أردت لأطلتهما وقال لمن حضره من قومه لا تطلقوا عني حديدا ولا تغسلوا عني دما فإني لاق معاوية غدا علي الجادة وضربت عنقه قال فلقيت عائشة معاوية فقالت له أين كان حلمك عن حجر فقال لم يحضرني رشيد قال ابن سيرين بلغنا أن معاوية لما حضرته الوفاة جعل يقول يومي منك يا حجر طويل

عباد بضم العين المهملة وفتح الباء الموحدة وتخفيفها

ذكر استعمال الربيع علي خراسان ص 337

وفي هذه السنة وجه زياد بن ربيع بن زياد الحارثي أميرا علي خراسان وكان الحكم بن عمرو الغفاري قد استخلف عند موته أنس بن أبي أناس فعزله زياد وولي خليد بن عبد الله الحنفي ثم عزله وولي الربيع بن زياد أول سنة إحدى وخمسين وسير معه خمسين ألفا بعيالاتهم من أهل الكوفة والبصرة منهم بريدة بن الحصيب وأبو برزة ولهما صحبة فسكنوا خراسان فلما قدمها غزا بلخ ففتحها صلحا وكانت قد أغلقت بعدما صالحهما الأحنف بن قيس في قول بعضهم وفتح قهستان عنوة وقتل من بناحيتها من الأتراك وبقي منهم نيزك طرخان فقتله قتيبة بن مسلم في ولايته

ذكر عدة حوادث ص 337

في هذه السنة ملت جرير بن عبد الله البجلي وقيل سنة أربع وخمسين وكان إسلامه في السنة التي توفي فيها رسول الله

وفيها مات سعيد بن زيد سنة اثنتين وقيل ثمان وخمسين ودفن بالمدينة وهو أحد العشرة

وأبو بكرة نفيع بن الحارث به صحبة وهو أخو زياد لأمه

وفيها ماتت ميمونة بنت الحارث زوج النبي بسرف وفيه دخل بها رسول الله وقيل ماتت سنة ثلاث وستين وقيل ست وستين وحج بالناس هذه السنة يزيد بن معاوية

وكان العمال بهذه السنة من تقدم ذكرهم

بريدة بضم الباء الموحدة وفتح الراء المهملة والحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وآخره باء موحدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.