الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
16

ثم دخلت سنة خمسة وأربعين

الجزء الثالث 4 عنصر صفحة 303
ص 303

فيها ولي معاوية الحارث بن عبد الله الأزدي البصرة في أولها حين عزل ابن عامر وهو من أهل الشام فاستعمل الحارث علي شرطته عبد الله بن عمرو الثقفي فبقي الحارث أميرا علي البصرة أربعة أشهر ثم عزله وولاها زيادا

ذكر ولاية زياد بن أبيه البصرة ص 303

قدم زياد الكوفة فأقام ينتظر إمارته عليها فقيل ذلك للمغيرة بن شعبة فسار إلي معاوية فاستقاله الإمارة وطلب منه أن يعطيه منازل بقرقيسيا ليكون بين قيس فخافه معاوية وقال له لترجعن إلي عملك فأبي فازداد معاوية تهمة له فرده علي عمله فعاد إلي الكوفة ليلا وأرسل إلي زياد فأخرجه منها

وقيل إن المغيرة لم يسر إلي الشام وإنما معاوية أرسل إلي زياد وهو بالكوفة فأمره بالمسير إلي اليصرة فولاه البصرة وخراسان وسجستان ثم جمع له الهند والبحرين وعمان

فقدم البصرة آخر شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين والفسق في البصرة ظاهر فاش فخطبهم خطبته البتراء لم يحمد الله فيها وقيل بل حمد الله فقال الحمد لله علي إفضاله وإحسانه ونسأله مزيدا من نعمه اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرا علي نعمتك علينا أما بعد فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والفجر الموقد لأهله النار الباقي عليهم سعيرها ما يأتي سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام فيثب فيها الصغير ولا يتحاشي عنها الكبير كأن لم تسمعوا نبي الله ولم تقرأوا كتاب الله ولم تعلموا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمد الذي لا يزول أتكونون كمن طرقت عينه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات واختار الفانية علي الباقية ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر والعدد غير قليل ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار قربتم القرابة وباعدتم الذين يعتذرون بغير العذر وتعطفون علي المختلس كل امريء منكم يذب عن سفيهه صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يخشى معادا ما أنتم بالحلماء ولقد اتبعتم السفهاء فلم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب حرام علي الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا إني رأيت آخر هذا الأمر لايصلح إلا بما صلح به أوله لين في غير ضعف وشدة في غير جبرية وعنف وإني لأقسم بالله لآخذن الولي بالولي والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والصحيح منكم بالسقيم حتى يلقي الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيد أو تستقيم لي قناتكم إن كذبة المنبر مشهودة فإذا تعلقتم علي بكذبة قلت حلت لكم معصيتي من يبيت منكم فأنا ضامن لما ذهب له إياي ودلج الليل فإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه وقد أجلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم وإياي ودعوى الجاهلية فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه

وقد احدثتم أحداثا لم تكن وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة فمن غرق قوما غرقناه ومن حرق علي قوم حرقناه ومن نقب بيتا نقبت عن قلبه ومن نبش قبرا دفنته فيه حيا

فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم لساني ويدي ولساني وأذاي لا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه وقد كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا ومن كان مسيئا فلينزع عن اساءته إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته فإذا فعل لم أناظره

فاستأنفوا أموركم وأعينوا علي أنفسكم فرب مبتئس بقدومنا سيسر ومسرور بقدومنا سيبتئس

أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ولكم علينا العدل فيما ولينا فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم واعلموا أني مهما قصرت عنه فإني لا أقصر عن ثلاث لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل ولا حابسا رزقا ولا عطاء عن إبانه ولا مجمرا لكم بعثا فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤدبون وكهفكم الذي إليه تأوون ومتي تصلحوا يصلحوا ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم ويطول له حزنكم ولا تدركوا حاجتكم مع أنه لو استجيب لكم لكان شرا لكم اسأل الله أن يعين كلا علي كل فإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فانفذوه علي إذلاله وأيم الله إن لي فيكم لصرعي كثيرة فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي

فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال أشهد أيها الأمير أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب فقال كذبت ذاك نبي الله داود فقال الأحنف قد قلت فأحسنت أيها الأمير والثناء بعد البلاء والحمد بعد العطاء وإنا لن نثني حتى نبتلي فقال زياد صدقت

فقام إليه أبو بلال مرداس بن أذية وهو من الخوارج وقال أنبأ الله بغير ما قلت قال الله تعالي وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فأوعدنا الله خيرا مما أوعدتنا يا زياد فقال زياد إنا لا نجد إلي ما تريد أنت وأصحابك سبيلا حتى تخوض إليها الدماء

واستعمل زياد علي شرطته عبد الله بن حصن وأجل الناس حتى بلغ الخبر الكوفة وعاد إليه وصول الخبر فكان يؤخر العشاء الآخرة ثم يصلي فيأمر رجلا أن يقرأ سورة البقرة أو مثلها يرتل القرآن فإذا فرغ أهمل بقدر ما يري أن إنسانا يبلغ أقصى البصرة ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج فيخرج فلا يري إلا إنسانا إلا قتله فأخذ ذات ليلة أعرابيا فأتي به زيادا فقال هل سمعت النداء فقال لا والله قدمت بحلوبة لي وغشيني الليل فاضطررتها إلي موضع وأقمت لأصبح ولا علم لي بما كان من الأمير فقال أظنك والله صادقا ولكن في قتلك صلاح هذه الأمة ثم أمر به فضربت عنقه

وكان زياد أول من شدد أمر السلطان وأكد الملك لمعاوية وجرد سيفه وأخذ بالظنة وعاقب علي الشبهة وخافه الناس خوفا شديدا حتى أمن بعضهم بعضا وحتى كان الشيء يسقط من يد الرجل أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتيه صاحبه فيأخذه ولا يغلق أحد بابه وأدر العطاء وبني مدينة الرزق وجعل الشرط أربعة آلاف وقيل له إن السبيل مخوفة فقال لا أعاني شيئا وراء المصر حتى أصلح المصر فإن غلبني فغيره أشد غلبة منه فلما ضبط المصر واصلحه تكلف ما وراء ذلك فأحكمه

ذكر عمال زياد ص 306

استعان زياد بعدة من أصحاب النبي منهم عمران بن حصين الخزاعي ولاه قضاء البصرة وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وسمرة بن جندب فأما عمران فاستعفي من القضاء فأعفاه واستقضي عبد الله بن فضالة الليثي ثم أخاه عاصما ثم زرارة بن أوفي وكانت أخته عند زياد وقيل إن زيادا أول من سير بين يديه بالحراب والعمد واتخذ الحرس رابطة خمسمائة لا يفارقون المسجد

وجعل خراسان أرباعا واستعمل علي مرو أمير بن حمر وعلي نيسابور خليد بن عبد الله الحنفي وعلي مرو الروذ والفارياب والطالقان قيس بن الهيثم وعلي هراة وباذغيس وبوشنج نافع بن خالد الطاحي ثم غضب عليه فعزله

وسبب تغيره عليه أن نافعا بعث بخوان بازهر إلي زياد قوائمه منه فأخذ نافع منها قائمة وعمل مكانها قائمة من ذهب وبعث الخوان مع غلام له اسمه زيد وكان يلي أمور نافع كلها فسعي زيد بنافع إلي زياد وقال إنه خانك وأخذ قائمة الخوان فعزله زياد وحبسه وكتب عليه كتابا بمائة ألف وقيل بثمانمائة ألف فشفع فيه رجال من وجوه الأزد فأطلقه واستعمل الحكم بن عمرو الغفارى وكانت له صحبة وكان زياد قال لحاجبه ادع لي الحكم يريد الحكم بن أبي العاص الثقفي ليوليه خراسان فخرج حاجبه فرأي الحكم بن عمرو الغفاري فاستدعاه فحين رآه زياد قال له ما أردتك ولكن الله أرادك فولاه خراسان وجعل معه رجالا علي جباية الخراج منهم أسلم بن زرعة الكلابي وغيره وغزا الحكم طخارستان فغنم غنائم كثيرة ثم مات واستخلف أنس بن أبي أناس بن زنيم فعزله زياد وكتب إلي خليد بن عبد الله الحنفي بولاية خراسان ثم بعث الربيع بن زياد الحارثي إلي خراسان في خمسين ألفا من البصرة والكوفة

ذكر عدة حوادث ص 307

وحج بالناس هذه السنة مروان بن الحكم وكان علي المدينة

وفيها مات زيد بن ثابت الأنصاري وقيل سنة خمس وخمسين وعاصم بن عدي الأنصاري البلوي وكان بدريا وقيل لم يشهدها بل رده رسول الله إلي المدينة وضرب له بسهمه وكان عمره مائة وعشرين سنة وفيها مات سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري بالمدينة وشهد العقبة وبدرا وكان عمره سبعين سنة وفيها توفي ثابت بن الضحاك بن خليفة الكلابي وهو من أصحاب الشجرة وهو أخو أبي جبيرة بن الضحاك

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.