الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
15

ثم دخلت سنة أربع وأربعين

الجزء الثالث 5 عنصر صفحة 297
ص 297

في هذه السنة دخل المسلمون مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم وشتوا بها وغزا بسر بن أبي أرطأة في البحر

ذكر عزل عبد الله بن عامر عن البصرة ص 297

وفي هذه السنة عزل عبد الله بن عامر عن البصرة وسببه أن ابن عامر كان حليما كريما لينا لا يأخذ علي أيدي السفهاء ففسدت البصرة بسبب ذلك في أيامه فشكي ذلك إلي زياد فقال له جرد السيف فيهم فقال له إني أكره أن أصلحهم بفساد نفسي

ثم إن ابن عامر أوفد وفدا من البصرة إلي معاوية فوافقوا عنده وفد الكوفة وفيهم ابن الكواء واسمه عبد الله بن أبي أوفى اليشكري فسألهم معاوية عن أهل العراق وعن أهل البصرة خاصة فقال ابن الكواء يا أمير المؤمنين إن أهل البصرة قد أكلهم سفهاؤهم وضعف عنهم سلطانهم وعجز ابن عامر وضعفه فقال له معاوية تتكلم عن أهل البصرة وهم حضور

فلما عاد أهل البصرة أبلغوا ابن عامر فغضب وقال أي أهل العراق أشد عداوة لابن الكواء فقيل عبد الله بن أبي شيخ اليشكري فولاه خراسان فبلغ ذلك ابن الكواء فقال إن ابن دجاجة يعني ابن عامر قليل العلم في أظن أن ولاية عبد الله خراسان تسوؤني لوددت أنه لم يبق يشكري إلا عاداني وأنه ولاه

وقيل إن الذي ولاه ابن عامر خراسان طفيل بن عوف اليشكري فلما علم معاوية حال البصرة أراد عزل ابن عامر فأرسل إليه يستزيره فجاء إليه فرده علي عمله فلما ودعه قال إني سائلك ثلاثا فقل هن لك فقال هن لك وأنا ابن أم حكيم قال ترد علي عملي ولا تغضب قال قد فعلت قال وتهب لي مالك بعرفة قال قد فعلت قال وتهب لي دورك بمكة قال قد فعلت قال وصلتك رحم فقال ابن عامر يا أمير المؤمنين إني سائلك ثلاثا فقل هن لك فقال هن لك وأنا ابن هند قال ترد علي مالي بعرفة قال قد فعلت قال ولا تحاسب لي عاملا ولا تتبع لي أثرا قال قد فعلت قال وتنكحني ابنتك هندا قال قد فعلت

ويقال إن معاوية قال له اختر إما أن أتبع أثرك وأحاسبك بما صار إليك وأردك وإما أن أعزلك وأسوغك ما أصبت فاختار العزل وأن يسوغه ما أصاب فعزله وولى البصرة الحارث بن عبد الله الأزدي

ذكر استلحاق معاوية زيادا ص 298

وفي هذه السنة استلحق معاوية زياد بن سمية فزعموا أن رجلا من عبد القيس كان مع زياد لما وفد علي معاوية فقال لزياد إن لابن عامر عندي يدا فإن أذنت لي أتيته

قال علي أن تحدثني بما يجري بينك وبينه قال نعم فإذن له فأتاه فقال له ابن عامر هية هية وابن سمية يقبح أثاري ويعترض لعمالي لقد هممت أن آتي بقاسمة من قريش يحلفون بالله أن أبا سفيان لم ير سمية

فلما رجع سأله زياد فلم يخبره فألح عليه حتى أخبره فأخبر زياد بذلك معاوية فقال معاوية لحاجبه إذا جاء ابن عامر فاضرب وجه دابته عن أقصي الأبواب ففعل ذلك به فأتي ابن عامر يزيد فشكا ذلك إليه فقال له هل ذكرت زيادا قال نعم فركب معه يزيد حتى أدخله فلما نظر إلي معاوية قام فدخل فقال يزيد لابن عامر اجلس فكم عسي أن يقعد في البيت عن غير مجلسه فلما أطالا خرج معاوية وهو يتمثل

( لنا سباق ولكم سباق % قد علمت ذلك الرفاق )

ثم قعد فقال يا بن عامر أنت القائل في زياد ما قلت أما والله لقد علمت العرب أني كنت أعزها في الجاهلية وأن الإسلام لم يزدني إلا عزا وإني لم أتكثر بزياد من قلة ولم أتعزز به من ذلة ولكن عرفت حقا له فوضعته موضعه فقال يا أمير المؤمنين نرجع إلي ما يحب زياد قال إذا نرجع إلي ما تحب

فخرج ابن عامر إلي زياد فترضاه فلما قدم زياد الكوفة قال قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم قالوا ما تشاء قال تلحقون نسبي بمعاوية قالوا أما بشهادة الزور فلا فأتي البصرة فشهد له رجال هذا جميع ما ذكره أبو جعفر في استلحاق معاوية نسب زياد ولم يذكر حقيقة الحال في ذلك إنما ذكر حكاية جرت بعد استلحاقه وأنا أذكر سبب ذلك وكيفيته فإنه من الأمور المشهورة الكبيرة في الإسلام لا ينبغي إهمالها

وكان ابتداء حاله أن سمية أم زياد كانت لدهقان زندورد بكسكر فمرض الدهقان فدعا الحارث بن كلدة الطبيب الثقفي فعالجه فبريء فوهبه سمية فولدت عند الحارث أبا بكرة واسمه نفيع فلم يقر به ثم ولدت نافعا فلم يقر به أيضا فلما نزل أبو بكرة إلي النبي حين حصر الطائف قال الحارث لنافع أنت ولدي وكان قد زوج سمية من غلام له اسمه عبيد وهو رومي فولدت له زيادا وكان أبو سفيان بن حرب سار في الجاهلية إلي الطائف فنزل علي خمار يقال له أبو مريم السلولي وأسلم أبو مريم بعد ذلك وصحب النبي فقال أبو سفيان لأبي مريم قد اشتهيت النساء فالتمس لي بغيا فقال له هل لك في سمية فقال هاتها علي طول ثديها وذفر بطنها فأتاه بها فوقع عليها فعلقت بزياد ثم وضعته سنة أحدى من الهجرة فلما كبر ونشأ استكتبه أبو موسى الأشعري لما ولي البصرة ثم أن عمر بن الخطاب استكفى زيادا أمرا فقام فيه مقاما مرضيا فلما عاد إليه حضر وعند عمر المهاجرون والأنصار فخطب خطبة لم يسمعوا بمثلها فقال عمرو بن العاص لله هذا الغلام لو كان أبوه من قريش لساق العرب بعصاه

فقال أبو سفيان وهو حاضر ووالله إني لأعرف أباه ومن وضعه في رحم أمه فقال علي يا أبا سفيان اسكت فإنك لتعلم أن عمر لو سمع هذا القول منك لكان إليك سريعا فلما ولي علي الخلافة استعمل زيادا علي فارس فظبطها وحمي قلاعها واتصل الخبر بمعاوية فساءه ذلك وكتب إلي زياد يتهدده ويعرض له بولادة أبي سفيان إياه فلما قرأ زياد كتابه قام في الناس وقال العجب كل العجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق يخوفني بقصده إياي وبين وبينه ابن عم رسول الله في المهاجرين والأنصار أما والله لو أذن لي في لقائه لوجدني أحمر مخشيا ضرابا بالسيف

وبلغ ذلك عليا فكتب إليه إني وليتك ما وليتك وأنا أراك له أهلا وقد كانت من أبي سفيان فلته من أماني الباطل وكذب النفس لا توجب له ميراثا ولا تحل له نسبا وإن معاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فاحذر ثم احذر والسلام

فلما قتل علي وكان من أمر زياد ومصالحته معاوية ما ذكرناه وضع زياد مصقلة بن هبيرة الشيباني وضمن له عشرين ألف درهم ليقول لمعاوية إن زيادا قد أكل فارس برا وبحرا وصالحك علي ألفي ألف درهم والله ما أري الذي يقال إلا حقا فإذا قال لك وما يقال فقل يقال إنه ابن أبي سفيان ففعل مصقلة ذلك ورأي معاوية أن يستميل زيادا واستصفي مودته باستلحاقه فاتفقا علي ذلك وأحضر الناس وحضر من يشهد لزياد وكان فيمن حضر أبو مريم السلولس فقال له معاوية بم تشهد يا أبا مريم فقال أنا أشهد أن أبا سفيان حضر عندي وطلب مني بغيا فقلت له ليس عندي إلا سمية فقال ائتني بها علي قذرها ووضرها فأتيته بها فخلا معها ثم خرجت من عنده وإن اسكتيها ليقطران منيا فقال له زياد مهلا أبا مريم إنما بعثت شاهدا ولم تبعث شامتا فاستلحقه معاوية وكان استلحاقه أول ما ردت به أحكام الشريعة علانية فإن رسول الله قضي بالولد للفراش وللعاهر بالحجر

وكتب زياد إلي عائشة من زياد بن أبي سفيان وهو يريد أن تكتب له إلي زياد بن أبي سفيان فيحتج بذلك فكتبت من عائشة أم المؤمنين إلي ابنها زياد وعظم ذلك علي المسلمين عامة وعلي بنى أمية خاصة وجري أقاصيص يطول بذكرها الكتاب فأضربنا عنها ومن اعتذر لمعاوية قال إنما استلحق معاوية زيادا لأن أنكحة الجاهلية كانت أنواعا لا حاجة إلي ذكر جميعها وكان منها أن الجماعة يجامعون البغي فإذا حملت وولدت ألحقت الولد بمن شاءت منهم فليلحقه فلما جاء الإسلام حرم هذا النكاح إلا أنه أقر كل ولد كان ينسب إلي أب من أي نكاح كان من أنكحتهم علي نسبه ولم يفرق بين شيء منها فتوهم معاوية أن ذلك جائز له ولم يفرق بين استلحاق في الجاهلية والإسلام

وهذا مردود لاتفاق المسلمين علي إنكاره ولأنه لم يستلحق أحد في الإسلام مثله ليكون به حجة وقيل أراد زياد أن يحج بعد أن استلحقه معاوية فسمع أخوه أبو بكرة وكان مهاجرا له من حين خالفه في الشهادة بالزنا علي المغيرة بن شعبة فلما سمع بحجه جاء إلي بيته وأخذ ابنا له وقال له يا بني قل لأبيك إنني سمعت أنك تريد الحج ولا بد من قدومك إلي المدينة ولا شك أن تطلب الاجتماع بأم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي وإن منعتك فأعظم به فضيحة في الدنيا وتكذيبا لأعدائك فترك زياد الحج وقال جزاك الله خيرا فقد أبلغت في النصح

ذكر غزو المهلب السند ص 301

وفيها غزا المهلب بن أبي صفرة ثغر السند فأتي بنة والأهواز وهما بين الملتان وكابل فلقيه العدو وقاتله ولقي المهلب ببلاد القيقان ثمانية عشر فارسا من الترك فقاتلوه فقتلوا جميعا فقال المهلب ما جعل هؤلاء الأعاجم أولي بالتشمير منا فحذف الخيل وكان أول من حذفها من المسلمين وفي يوم بنة يقول الأزدي

( ألم تر الأزد ليلة بيتوا % ببنة كانوا خير جيش المهلب )

ذكر عدة حوادث ص 302

وحج بالناس في هذه السنة معاوية

وفيها عمل مروان بن الحكم المقصورة بالمدينة وهو أول من عملها بها وكان معاوية قد عملها بالشام لما ضربه الخارجي وفيها توفيت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي وفيها قتل رفاعة العدوي من عدي رباب وهو بصري له صحبة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.