الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
14

ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين

الجزء الثالث 6 عنصر صفحة 286
ص 286

في هذه السنة غزا بسر بن أبي أرطأة الروم وشتي بأرضهم حتى بلغ القسطنطينية فيما زعم الواقدي وأنكر ذلك قوم من أهل الأخبار وقالوا لم يشت بسر بأرض الروم قط وفيها مات عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر وكان عمل عليها لعمر أربع سنين ولعثمان أربع سنين إلا شهرين ولمعاوية سنتين إلا شهرا

وفيها ولي معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص مصر فوليها نحو من سنتين وفيها مات محمد بن مسلمة بالمدينة في صفر وصلي عليه مروان بن الحكم وعمره سبع سنين وسبعون سنة

ذكر مقتل المستورد الخارجي ص 286

وفيها قتل المستورد بن علفة التميمي تيم الرباب وقد ذكر سنة اثنتين وأربعين تحرك الخوارج وبيعتهم له ومخاطبته بأمير المؤمنين فلما كان هذه السنة أخبر المغيرة بن شعبة بأنهم اجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان السلمي واتعدوا للخروج غرة شعبان فأرسل المغيرة صاحب شرطته وهو قبيصة بن الدمون فأحاط بدار حيان هو ومن معه وإذا عنده معاذ بن جوين ونحو عشرين رجلا وثارت امرأته وهى أم ولد كانت له كارهة فأخذت سيوفهم فألقتها تحت الفراش وقاموا ليأخذوا سيوفهم فلم يجدوها فاستسلموا فانطلق بهم إلي المغيرة فحبسهم بعد أن قررهم فلم يعترفوا بشيء وذكروا أنهم اجتمعوا لقراءة القرآن ولم يزالوا في السجن نحو سنة وسمع إخوانهم بأخذهم فحذروا وخرج صاحبهم المستورد فنزل الحيرة واختلفت الخوارج إليه فرآهم حجار بن أبجر فسألوه أن يكتم عليهم ليلتهم تلك فقال سأكتم عليكم الدهر فخافوه أن يذكر حالهم للمغيرة فتحولوا إلي دار سليم بن مجدوح العبدي وكان صهر المستورد ولم يذكر حجار من أخبارهم شيئا وبلغ المغيرة خبرهم وأنهم عازمون علي الخروج تلم الأيام فقام في الناس فحمد الله ثم قال لقد علمتم أني لم أزل أحب لجماعتكم العافية وأكف عنكم الأذى وخشيت أن يكون ذلك أدب سوء لسفهائكم وقد خشيت من أن لا نجد بدا من أن يؤخذ الحليم التقي بذنب الجاهل السفيه فكفوا عنه سفهاءكم قبل أن يشمل البلاء عوامكم وقد بلغنا أن رجالا منكم يريدون أن يظهروا في المصر بالشقاق والنفاق والخلاف وأيم الله لا يخرجون في حي من أحياء العرب إلا أهلكتهم وجعلتهم نكالا لمن بعدهم

فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال أيها الأمير أعلمنا بهؤلاء القوم فإن كانوا منا كفيناكهم وإن كانوا غيرنا أمرت أهل الطاعة فأتاك كل قبيلة بسفهائهم فقال ما سمي لي أحد باسمه فقال معقل أنا أكفيك قومي فليكفك كل رئيس قومه

فأحضر المغيرة الرؤساء وقال لهم ليكفني كل رجل منكم قومه وإلا فوالله لأتحولن عما تعرفون إلي ما تنكرون وعما تحبون إلي ما تكرهون فرجعوا إلي قومهم فناشدوهم الله والإسلام إلا دلوهم علي كل من يريد أن يهيج الفتنة وجاء صعصعة بن صوحان إلي عبد القيس وكان قد علم بمنزل حيان في دار سليم ولكنه كره أن يؤخذ من عشيرته علي فراقه لأهل الشام وبغضه لرأيهم وكره مساءة أهل بيت من قومه فقام فيهم فقال أيها الناس إن لله وله الحمد لما قسم الفضل خصكم بأحسن القسم فأجبتم إلي دين الله الذي أختاره لنفسه وارتضاه لملائكته ورسله ثم أقمتم عليه حتى قبض الله رسوله ثم اختلف الناس بعده فثبتت طائفة وارتدت طائفة وادهنت طائفة وتربصت طائفة فلزمتهم دين الله إيمانا به وبرسوله وقاتلتم المرتدين حتى قام الدين وأهلك الله الظالمين ولم يزل الله يزيدكم بذلك خيرا حتى اختلفت الأمة بينها فقالت طائفة نريد طلحة والزبير وعائشة وقالت طائفة نريد أهل المغرب وقالت طائفة نريد عبد الله بن وهب الراسبي وقلتم أنتم لا نريد إلا أهل بيت نبينا الذين ابتدأنا الله عز وجل من قبلهم بالكرامة تسديدا من الله عز وجل لكم وتوفيقا فلم تزالوا علي الحق لازمين له آخذين به حتى أهلك الله بكم وبمن كان علي مثل هديكم الناكثين يوم الجمل والمارقين يوم النهر وسكت عن ذكر أهل الشام لأن السلطان لهم فلا قوم أعدى لله ولكم ولأهل بيت نبيكم من هذه المارقة الخاطئة الذين فارقوا إمامنا واستحلوا دماءنا وشهدوا علينا بالكفر فإياكم أن تؤوهم في دوركم أو تكتموا عليهم شيئا فإنه لا ينبغي لحي من أحياء العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة منكم وقد ذكر لي أن بعضهم في جانب من الحي وأنا باحث عن ذلك فإن يك حقا تقربت إلي الله بدمائهم فإن دماءهم حلال

وقال يا معشر عبد القيس إن ولاتنا هؤلاء أعرف شيء بكم وبرأيكم فلا تجعلوا لهم عليكم سبيلا فإنهم أسع إليكم وإلي مثلكم ثم جلس وكل قوم قال لعنهم الله وبريء منهم لا نؤيهم ولئن علمنا بمكانهم لنطلعنك عليهم غير سليم بن محدوج فإنه لم يقل شيئا ورجع كئيبا يكره أن يخرج من أصحابه من داره فيلوموه ويكره أن يؤخذوا في داره فيهلكوا ويهلك معهم وجاء أصحاب المستورد إليه فأعلموه بما قام به المغيرة في الناس وبما قام به رؤوسهم فيهم فسأل ابن محدوج عما قام به صعصعة في عبد القيس فأخبره وقال كرهت أن أعلمكم فتظنوا أنه ثقل علي مكانكم فقال له قد أكرمت المثوى وأحسنت ونحن مرتحلون عنك

وبلغ الخبر اللذين في محبس المغيرة من الخوارج فقال معاذ بن جوين بن حصين في ذلك

( ألا أيها الشارون قد حان لامريء % شري نفسه لله أن يترحلا )

( أقمتم بدار الخاطئين جهالة % وكل امريء منكم يصاد ليقتلا )

( فشدوا علي القوم العداة فإنما % أقامتكم للذبح رأيا مضللا )

( ألا فاقصدوا يا قوم للغاية التي % إذا ذكرت كانت أبر وأعدلا )

( فيا ليتني فيكم علي ظهر سابح % شديد القصيرى دارعا غير أعزلا )

( ويا ليتني فيكم أعادي عدوكم % فيسقيني كأس المنية أولا )

( يعز علي أن تخافوا وتطردوا % ولما أجرد في المحلين منضلا )

( ولما يفوق جمعهم كل ماجد % إذا قلت قد ولي وأدبر اقبلا )

( مشيحا بنصل السيف في حمس الوغي % يرى الصبر في بعض المواطن أمثلا )

( وعز علي أن تصابوا وتنقصوا % وأصبح ذا بث أسير مكبلا )

( ولو أنني فيكم وقد قصدوا لكم % أثرت إذا بين الفريقين قسطلا )

( فيارب جمع قد فللت وغارة % شهدت وقرن قد تركت مجدلا )

وأرسل المستورد إلي أصحابه فقال لهم اخرجوا من هذه القبيلة واتعدوا سوراء فخرجوا إليها منقطعين فاجتمعوا بها ثلاثمائة رجل وساروا إلي الصراة فسمع المغيرة بن شعبة خبرهم فدعا رؤساء الناس فاستشارهم فيمن يرسله إليهم فقال له عدي بن حاتم كلنا لهم عدو ولرأيهم مبغض وبطاعتك مستمسك فأينا شئت سار إليهم وقال له معقل بن قيس إنك لا تبعث إليهم أحدا ممن تري حولك إلا رأيته سامعا مطيعا ولهم مفارقا ولهلاكهم محبا ولا أري أن تبعث إليهم أحدا من الناس أعدي لهم مني فابعثني لهم فأنا أكفيكهم بإذن الله تعالي فقال اخرج علي اسم الله فجهز معه ثلاثة آلاف وقال المغيرة لصاحب شرطته الصق بمعقل شيعة علي فإنه كان من رؤساء أصحابه فإذا اجتمعوا استأنس بعضهم ببعض وهم أشد استحلالا لدماء هذه المارقة وأجرأ عليهم من غيرهم فقد قاتلوهم قبل هذه المرة وقال له صعصعة بن صوحان نحوا من قول معقل فقال له المغيرة اجلس فإنما أنت خطيب فأحفظه ذلك وإنما قال له ذلك لأنه بلغه أنه يعيب عثمان بن عفان ويكثر ذكر علي ويفضله

وكان المغيرة دعاه وقال له إياك أن يبلغني أنك تعيب عثمان وإياك أن يبلغني أنك تظهر شيئا من فضل علي فأنا أعلم بذلك منك ولكن هذا السلطان قد ظهر وقد أخذنا بإظهار عيبه للناس فنحن ندع شيئا كثيرا بما أمرنا به ونذكر الشيء الذي لا نجد منه بدا ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقية فإن كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك وبين أصحابك في منازلكم سرا وأما علانية في المسجد فإن هذا لا يحتمله الخليفة لنا فكان يقول له نعم ثم يبلغه عنه أنه فعل ذلك فحقد عليه المغيرة فأجابه بهذا الجواب فقال له صعصعة وما أنا إلا خطيب فقط قال أجل فقال والله إني للخطيب الصليب الرئيس أما والله لو شهدتني يوم الجمل حيث اختلفت القنا فشؤون تفري وهامة تختلي لعلمت أني الليث النهد فقال حسبك لعمري الآن لقد أوتيت لسانا فصيحا

وخرج معقل ومعه ثلاثة آلاف فارس نقاوة الشيعة وسار إلي سوراء ولحقه أصحابه وأما الخوارج فإنهم ساروا إلي بهرسير وأرادوا العبور إلي المدينة العتيقة التي فيها منازل كسرى فمنعهم سماك بن عبيد الأزدي العبسي وكان عاملا عليها فكتب إليه المستورد يدعوه إلي البراءة من عثمان وعلي وأن يتولاه وأصحابه فقال سماك بئس الشيخ أنا إذا وأعاد الجواب علي المستورد يدعوه إلي الجماعة وأن يأخذ له الأمان فلم يجب وأقام بالمدائن ثلاثة أيام ثم بلغه مسير معقل إليهم فجمعهم المستورد وقال لهم إن المغيرة قد بعث إليكم معقل بن قيس وهو من السبئية المفترين الكاذبين فأشيروا علي برأيكم

فقال بعضهم خرجنا نريد والله الجهاد وقد جاؤنا فأين نذهب بل نقيم حتى يحكم الله بيننا وقال بعضهم بل نتنحي ندعو الناس ونحتج عليهم بالدعاء فقال لهم لا أري أن نقيم حتى يأتونا وهم مستريحون بل أري أن نسير بين أيديهم فيخرجوا في طلبنا فينقطعوا ويتبددوا فنلقاهم علي تلك الحال

فساروا فعبروا بجرجرايا ومضوا إلي أرض جوخي ثم بلغوا المذار فأقاموا بها وبلغ ابن عامر بالبصرة خبرهم فسأل كيف صنع المغيرة فأخبر بفعله فاستدعي شريك ن الأعور الحارثي وكان من شيعة علي فقال له اخرج إلي هذه المارقة ففعل وانتخب معه ثلاثة آلاف فارس من الشيعة وكان أكثرهم من ربيعة وسار بهم إلي المذار

وأما معقل بن قيس فسار إلي المدائن حتى بلغها فبلغه رحيلهم فشق ذلك علي الناس فقال لهم معقل إنهم ساروا لتتبعوهم وتتبدوا وتنقطعوا فتلحقوهم وقد تعبتم وأنه لا يصيبكم شيء من ذلك إلا وقد أصابهم مثل ذلك وسار في آثارهم وقدم بين يديه أبا الرواغ الشاكري في ثلاثمائة فارس فتبعهم أبو الرواغ حتى لحقهم بالمذار فاستشار أصحابه في قتالهم قبل قدوم معقل فقال بعضهم لا تفعل وقال بعضهم بل نقاتلهم فقال لهم إن معقلا أمرني أن لا أقاتلهم فقالوا له ينبغي أن تكون قريبا منه حتى يأتي معقل وكان ذلك عند المساء فباتوا يتحارسون حتى أصبحوا فلما ارتفع النهار خرجت الخوارج إليهم وكانوا أيضا ثلاثمائة وحملوا عليهم فانهزم أصحاب أبي الرواغ ساعة ثم صاح بهم أبو الرواغ الكرة الكرة وحمل ومعه أصحابه فلما دنوا من الخوارج عادوا منهزمين إلا أنهم لم يقتل منهم أحد فصاح بهم أبو الرواغ أيضا ثكلتكم أمهاتكم ارجعوا بنا نكن قريبا منهم لا نفارقهم حتى يقدم علينا أميرنا وما أقبح بنا أن نرجع إلي الجيش منهزمين من عدونا

فقال له بعض أصحابه إن الله لا يستحي من الحق قد والله هزمونا فقال له لا أكثر الله فينا مثلك إنا ما لم نفارق المعركة لم نهزم ومتي عطفنا عليهم وكنا قريبا منهم فنحن علي حال حسنة فقفوا قريبا منهم فإن أتوكم وعجزتم عنهم فتأخروا قليلا فإذا حملوا عليكم وعجزتم عن قتالهم فانحازوا علي حامية فإذا رجعوا عنكم فاعطفوا عليهم وكونوا قريبا منهم فإن الجيش يأتيكم عن ساعة

فجعلت الخوارج كلما حملت عليهم انحازوا عنهم فإذا عاد الخوارج رجع أبو الرواغ في أثارهم فلم يزالوا كذلك إلي وقت الظهر فنزل الطائفتان يصلون ثم أقاموا إلي العصر وكان أهل القرى والسيارة قد أخبروا معقلا بالتقاء الخوارج وأصحابه وإن الخوارج تطرد أصحابه بين أيديهم فإذا رجعوا أعاد أصحابه خلفهم فقال معقل إن كان ظني في أبي الرواغ لا يأتيكم منهزما أبدا

ثم أسرع السير في سبعمائة من أهل القوة واستخلف محرز بن شهاب التميمي علي ضعفة الناس فلما أشرفوا علي أبي الرواغ قال لأصحابه هذه غبرة فتقدموا بنا إلي عدونا حتى لا يرانا أصحابنا أنا تنحينا عنهم وهبناهم فتقدم حتى وقف مقابل الخوارج ولحقهم معقل فلما دنا منهم غربت الشمس فصلي بأصحابه وصلي أبو الرواغ بأصحابه وصلي الخوارج أيضا وقال أبو الرواغ لمعقل إن لهم شدات منكرات فلا تلها بنفسك ولكن قف وراء الناس تكون ردا لهم

فقال نعم ما رأيت فبينا هو يخاطبه حملت الخوارج عليهم فانهزم عامة أصحاب معقل وثبت هو فنزل إلي الأرض ومعه أبو الرواغ في نحو مائتي رجل فلما غشيهم المستورد استقبلوه بالرماح والسيوف فانهزمت خيل معقل ساعة ثم ناداهم مسكين بن عامر وكان شجاعا أين الفرار وقد نزل أميركم ألا تستحيون ثم رجع ورجعت معه خيل عظيمة ومعقل بن قيس يقاتل الخوارج بمن معه فلم يزل يقاتلهم حتى ردهم إلي البيوت ثم لم يلبثوا إلا قليلا حتى جاءهم محرز بن شهاب فيمن معه فجعلهم معقل ميمنة وميسرة وقال لهم لا تبرحوا حتى تصبحوا ونثور إليهم ووقف الناس بعضهم مقابل بعض فبينما هم متوافقون أتي الخوارج عين لهم فأخبرهم أن شريك بن الأعور قد أقبل إليهم من البصرة في ثلاثة آلاف فقال المستورد لأصحابه لا أري أن تقيم لهؤلاء جميعا ولكني أرى أن نرجع إلي الوجه الذي جئنا منه فإن أهل البصرة لا يتبعونا إلي أرض الكوفة فيهون علينا قتال أهل الكوفة ثم أمرهم بالنزول ليريحوا دوابهم ساعة ففعلوا ثم دخلوا القرية وأخذوا منها من دلهم علي الطريق الذي أقبلوا منه وعادوا راجعين

وأما معقل فإنه يبعث من يأتيه بخبرهم حين لم ير سوادهم فعاد إليه بالخبر أنهم قد ساروا فخاف أن تكون مكيدة وخاف البيات فاحتاط هو وأصحابه إلي الصباح فلما أصبحوا أتاهم من أخبرهم بمسيرهم وجاء شريك بن الأعور فيمن معه فلقي معقلا فتساءلا ساعة وأخبره معقل بخبرهم فدعا شريك أصحابه إلي المسير مع معقل فلم يجيبوه فاعتذر إلي معقل بخلاف أصحابه وكان صديقا له يجمعهما رأي الشيعة ودعا معقل أبا الرواغ وأمره باتباعهم فقال له زدني مثل الذين كانوا معي ليكون أقوي لي إن أرادوا مناجزتي قبل قدومي فبعث معه ستمائة فارس فساروا سراعا حتى أدركوا الخوارج بجرجرايا وقد نزلوا فنزل بهم أبو الرواغ مع طلوع الشمس فلما رأوهم قالوا إن قتال هؤلاء أيسر من قتال من يأتي بعدهم فحملوا علي أبي الرواغ وأصحابه حملة صادقة فانهزم أصحابه وثبت في مائة فارس فقاتلهم طويلا وهو يقول

( إن الفتي كل الفتي من لم يهل % إذا الجبان حاد عن وقع الأسل )

( قد علمت أني إذا البأس نزل % أروع يوم الهيج مقدام بطل )

ثم عطف أصحابه من كل جانب فصدقوهم القتال حتى أعادوهم إلي مكانهم فلما رأي المستورد ذلك علم أنهم إن أتاهم معقل ومن معه هلكوا فمضي هو وأصحابه فعبروا دجلة ووقفوا في أرض بهرسير وتبعهم أبو الرواغ حتى نزل بهم بساباط فلما نزل بهم قال المستورد لأصحابه إن هؤلاء هم حماة أصحاب معقل وفرسانه ولو علمت أني اسبقهم إليه بساعة لسرت إليه فواقعته ثم أمر أن يسأل عن معقل فسألوا بعض من علي الطريق فأخبروهم أنه نزل ديلمايا وبينهم ثلاثة فراسخ فلما أخبر المستورد بذلك ركب وركب أصحابه وأقبل حتى انتهي إلي جسر ساباط وهو جسر نهر ملك وهو من جانبه الذي يلي الكوفة وأبو الرواغ من جانب المدائن فقطع المستورد الجسر ولما رآهم أبو الرواغ قد ركبوا عبأ أصحابه واعتزل إلي صحراء بين المدائن وساباط ليكون القتال بها ووقف ينتظرهم فلما قطع المستورد الجسر سار إلي ديلمايا نحو معقل ليوقع به فانتهي إليه وأصحابه متفرقون عنه وهو يريد الرحيل وقد تقدم بعض أصحابه فلما رآهم معقل نصب رايته ونزل ونادى يا عباد الله الأرض الأرض فنزل معه نحو مائتي رجل فحملت الخوارج عليهم فاستقبلوهم بالرماح جثاة علي الركب فلم يقدروا عليهم فتركوهم وعدلوا إلي خيولهم فحالوا بينهم وبينها وقطعوا أعنتها وقد كانوا نزلوها فذهبت في كل جانب ثم مالوا علي المتفرقين من أصحاب معقل ففرقوا بينهم ثم رجعوا إلي معقل وأصحابه وهم علي الركب علي حالهم التي كانوا عليها فحملوا عليهم فلم يتجلجلوا فحملوا أخرى فلم يقدروا عليهم فقال المستورد لأصحابه لينزل نصفكم ويبقي نصفكم علي الخيل ففعلوا واشتد الحال علي أصحاب معقل وأشرفوا علي الهلاك فبينما هم كذلك إذ أقبل أبو الرواغ عليهم فيمن معه

وكان سبب عوده إليهم أنه أقام بمكانه ينتظرهم فلما أبطأوا عليه أرسل من يأتيه بخبرهم فرأوا الجسر مقطوعا ففرحوا ظنا منهم أن الخوارج فعلوا ذلك هيبة لهم فرجعوا إلي أبي الرواغ فأخبروه أنهم لم يروهم وأن الجسر قد قطعوه هيبة لهم فقال لهم أبو الرواغ لعمري ما فعلوا هذا إلا مكيدة وما أراهم إلا وقد سبقوكم إلي معقل حيث رأوا فرسان أصحابه معي وقد قطعوا الجسر ليشغلوكم به عن لحاقهم فالنجاء النجاء في الطلب ثم أمر أهل القرية فعقدوا الجسر وعبر عليه واتبع الخوارج فلقيه أوائل الناس منهزمين فصاح بهم إلي إلي فرجعوا إليه وأخبروه الخبر وأنهم تركوا معقلا يقاتلهم وما يظنونه إلا قتيلا فجد في السير ورد معه كل من لقيه من المنهزمين فانتهى إلي العسكر فرأي راية معقل منصوبة والناس يقتتلون فحمل أبو الرواغ ومن معه علي الخوارج فأزالوهم غير بعيد ووصل أبو الرواغ إلي معقل فإذا هو متقدم يحرض أصحابه فشدوا علي الخوارج شدة منكرة ونزل المستورد ومن معه من الخوارج ونزل أصحاب معقل أيضا ثم اقتتلوا طويلا من النهار بالسيوف أشد قتال ثم أن المستورد نادى معقلا ليبرز إليه فمنعه اصحابه فلم يقبل منهم وكان معه سيفه ومع المستورد رمحه فقال أصحاب معقل خذ رمحك فأبي وأقبل علي المستورد فطعنه المستورد برمحه فخرج السنان من ظهره وتقدم معقل والرمح فيه إلي المستورد فضربه بالسيف فخالط دماغه فوقع المستورد ميتا ومات معقل أيضا وكان معقل قد قال إن قتلت فأميركم عمرو بن محرز بن شهاب التميمي فلما قتل أخذ الراية عمرو ثم حمل في الناس علي الخوارج فقتلوهم ولم ينج منهم غير خمسة أو ستة

وقال ابن الكلبي كان المستورد من تميم ثم من بني رياح واحتج بقول جرير

( ومنا فتي الفتيان والجود معقل % ومنا الذي لاقي بدجلة معقلا )

يعني هذه الوقعة

ذكر عود عبد الرحمن إلي ولاية سجستان ص 294

في هذه السنة استعمل عبد الله بن عامر عبد الرحمن بن سمرة علي سجستان فأتاها وعلي شرطته عباد بن الحصين الحبطي ومعه من الأشراف عمرو بن عبيد الله بن معمر وغيره فكان يغزو البلد قد كفر أهله فيفتحه حتى بلغ كابل فحصرها أشهرا ونصب عليها مجانيق فثلم سورها ثلمة عظيمة فبات عليها عباد بن الحصين ليلة يطاعن المشركين حتى أصلح فلم يقدروا علي سدها وخرجوا من الغد يقاتلون فهزمهم المسلمون ودخلوا البلد عنوة ثم سار إلي بست ففتحها عنوة وسار إلي زران فهرب أهلها وغلب عليها ثم سار إلي خشك فصالحه أهلها ثم أتي الرخج فقاتلوه فظفر بهم وفتحها ثم سار إلي زابلستان وهي غزنة وأعمالها فقاتله أهلها وقد كانوا نكثوا ففتحها وعاد إلي كابل وقد نكث أهلها ففتحها

ذكر غزوة السند ص 295

استعمل عبد الله بن عامر علي ثغر السند عبد الله بن سوار العبدي ويقال ولاه معاوية من قبله فغزا القيقان فأصاب مغنما ووفد علي معاوية وأهدي له خيلا قيقانية ورجع فغزا القيقان فاستنجدوا بالترك فقتلوه وفيه يقول الشاعر

( وابن سوار علي عدانه % موقد النار وقتال الشغب )

وكان كريما لم يوقد أحد في عسكره نارا فرأي ذات ليلة نارا فقال ما هذه قالوا امرأة نفساء يعمل لها الخبيص فأمر أن يطعم الناس الخبيص ثلاثة أيام

ذكر ولاية عبد الله بن خازم خراسان ص 295

وقيل في هذه السنة عزل عبد الله بن عارم قيس بن الهيثم القيسي ثم السلمي عن خراسان واستعمل عبد الله بن خازم وسبب ذلك أن قيسا أبطأ بالخراج والهدية فقال عبد الله بن خازم لعبد الله بن عامر ولني خراسان أكفكها فكتب له عهده فبلغ ذلك قيسا فخاف ابن خازم وشغبه فترك خراسان وأقبل فازداد ابن عامر غضبا لتضييعه الثغر فضربه وحبسه وبعث رجلا من يشكر علي خراسان وقيل بعث أسلم بن زرعة الكلابي ثم ابن خازم وقيل في عزله غير ذلك وهو أن ابن خازم قال لابن عامر أنك استعملت علي خراسان قيسا وهو ضعيف وإني أخاف إن لقي حربا أن ينهزم بالناس فتهلك خراسان وتفضح أخوالك يعني قيس عيلان قال ابن عامر فما الرأي قال تكتب لي عهدا إن هو انصرف عن عدو قمت مقامه فكتب له وجاش جماعة من طخارستان فشاوره قيس فأشار عليه ابن خازم أن ينصرف حتى يجتمع إليه أطرافه فلما سار مرحلة أو اثنتين اخرج ابن حازم عهده وقام بأمر الناس ولقي العدو فهزمهم وبلغ الخبر الكوفة والبصرة والشام فغضب القيسية وقالوا خدع قيسا وابن عامر وشكوا إلي معاوية فاستقدمه فاعتذر مما قيل فيه فقال معاوية قم غدا فاعتذر في الناس فرجع إلي أصحابه وقال إني أمرت بالخطبة ولست بصاحب كلام فاجلسوا حول المنبر فإذا قلت فصدقوني فقام من الغد فحمد الله وأثني عليه ثم قال إنما يتكلف الخطبة إمام لا يجد منها بدا أو أحمق يهمر من رأسه لا يبالي ما خرج منه ولست بواحد منهما وقد علم من عرفني أني بصير بالفرص وثاب إليها وقاف عند المهالك انفذ بالسرية وأقسم بالسوية انشد الله من عرف ذلك مني فليصدقني فقال أصحابه صدقت فقال يا أمير المؤمنين إنك فيمن نشدت فقل بما تعلم فقال صدقت

ذكر عدة حوادث ص 296

وحج هذه السنة مروان بن الحكم وكان علي المدينة وكان علي مكة خالد بن العاص بن هشام وعلي الكوفة المغيرة وعلي البصرة عبد الله بن عامر

وفيها مات عبد الله بن سلام وله صحبة مشهورة وهو من علماء أهل الكتاب وشهد له رسول ا لله بالجنة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.