ص 282
في هذه السنة غزا المسلمون اللان وغزوا الروم أيضا فهزموهم هزيمة منكرة وقتلوا جماعة من بطارقتهم
وفيها ولد الحجاج بن يوسف في قول وفيها ولي معاوية مروان بن الحكم المدينة وولي خالد بن العاص ابن هشام مكة فاستقضى مروان عبد الله بن الحارث بن نوفل وكان علي الكوفة المغيرة بن شعبة وعلي قضائها شريح وعلي خراسان قيس بن الهيثم استعمله ابن عامر وقيل استعمله معاوية لما استقامت له الأمور فلما ولي ابن عامر البصرة أقره عليها
ذكر الخبر عن تحرك الخوارج
ص 282
وفي هذه السنة تحركت الخوارج الذين كانوا انحازوا عمن قتل في النهر ومن كان ارتث من جراحته في النهر فبرؤوا وعفا علي عنهم
وكان سبب خروجهم أن حيان بن ظبيان السلمي كان خارجيا وكان قد ارتث يوم النهر فلما بريء لحق بالري في رجال معه فأقاموا بها حتى بلغهم مقتل علي فدعا أصحابه وكانوا بضعة عشر أحدهم سالم بن ربيعة العبسي فأعلمهم بقتل علي فقال سالم لا شلت يمين علت قذالة بالسيف وحمدوا الله علي قتله رضي الله عنه ولا رضي عنهم ثم أن سالما رجع عن رأي الخوارج بعد ذلك وصلح
ودعاهم حيان إلي الخروج ومقاتلة أهل القبلة فأقبلوا إلي الكوفة فأقاموا بها حتى قدمها معاوية واستعمل علي الكوفة المغيرة بن شعبة فأحب العافية وأحسن في الناس السيرة وكان يؤتى فيقال له إن فلانا يري رأي الشيعة وفلانا يري رأي الخوارج فيقول قضي الله أن لا يزالوا مختلفين وسيحكم الله بين عباده فأمنه الناس وكانت الخوارج يلقي بعضهم بعضا ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهر فاجتمعوا علي ثلاثة نفر علي المستورد بن علفة التيمي من تيم الرباب وعلي معاذ بن جوين الطائي وهو ابن عم زيد بن حصين الذي قتل يوم النهر وعلي حيان بن ظبيان السلمي واجتمعوا في اربعمائة فتشاوروا فيمن يولون عليهم فكلمهم دفع الإمارة عن نفسه ثم اتفقوا فولوا المستورد وبايعوه ذلك في جمادى الآخرة واتعدوا للخروج واستعدوا وكان خروجهم غرة شعبان سنة ثلاث وأربعين
علفة بضم العين المهملة وتشديد اللام المكسورة وفتح الفاء
ذكر قيام زياد علي معاوية
ص 283
وفي هذ السنة قدم زياد علي معاوية من فارس وكان سبب ذلك أن زيادا كان قد استودع ماله عبد الرحمن بن أبي بكرة وكان عبد الرحمن يلي ماله بالبصرة وبلغ معاوية ذلك فبعث المغيرة بن شعبة لينظر في أموال زياد فأخذ عبد الرحمن فقال له إن كان أبوك قد أساء إلي لقد أحسن عمك يعني زيادا وكتب إلي معاوية إني لم أجد في يد عبد الرحمن ما لا يحل لي أخذه فكتب إليه معاوية أن عذب عبد الرحمن فأراد أن يعذر وبلغ ذلك معاوية فقال لعبد الرحمن احتفظ بما في يديك وألقى علي وجهه حريرة ونضجها بالماء فغشي عليه ففعل ذلك ثلاث مرات ثم خلاه وكتب إلي معاوية إني عذبته فلم أصب عنده شيئا وحفظ لزياد يده عنده ثم دخل المغيرة علي معاوية فقال معاوية حين رآه
( إنما موضع سر المرء إن % باح بالسر أخوه المنتصح )
( فإذا باحت بسر فإلي % ناصح يستره أو لا تبح )
فقال المغيرة يا أمير المؤمنين إن تستودعني تستودع ناصحا مشفقا وما ذلك فقال له معاوية ذكرت زيادا واعتصامه بفارس فلم أنم ليلتي فقال المغيرة ما زياد هناك فقال معاوية داهية العرب معه أموال فارس يدبر الحيل ما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت فإذا هو قد أعاد الحرب جزعة فقال المغيرة أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه قال نعم فأته وتلطف له
فأتاه المغيرة وقال له إن معاوية استخفه الوجل حتى بعثني إليك ولم يكن أحد يمد إلي هذا الأمر غير الحسن وقد بايع فخذ لنفسك قبل التوطين فيستغني معاوية عنك قال أشر علي وارم الغرض الأقصى ودع عنك الفضول فإن المستشار مؤتمن فقال له المغيرة في محض الرأي بشاعة و لا خير في المذيق أرى أن تصل حبلك بحبله و تشخص إليه و يقضي الله وكتب إليه معاوية بأمانة بعد عود المغيرة عنه فخرج زياد من فارس نحو معاوية ومعه المنجاب بن راشد الضبي و حارثة بن بدر الغداني
و سرح عبد الله بن عامر عبد الله بن خازم في جماعة إلي فارس وقال لعلك تلقى زيادا في طريقك فتأخذه فسار ابن خازم إلي فارس فلقي زيادا بارجان فأخذ بعنانه وقال انزل يا زياد فقال له المنجاب تنح يا ابن السوداء وإلا علقت يدك بالعنان وكانت بينهم منازعة فقال له زياد قد أتاني كتاب معاوية وأمانه فتركه ابن خازم
وقدم زياد علي معاوية وسأله عن أموال فارس فأخبره بما حمل منها إلي علي وبما أنفق منها في الوجوه التي تحتاج إلي النفقة وما بقي عنده وأنه مودع للمسلمين فصدقه معاوية فيما أنفق وفيما بقي عنده وقبضه منه
وقيل إن زيادا لما قال لمعاوية قد بقيت بقية من المال وقد أودعتها مكث معاوية يردده فكتب زيادا كتبا إلي قوم أودعهم المال وقال لهم قد علمتم مالي عندكم من الإمانة فتدبروا كتاب الله إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال الآية فاحتفظوا بما قبلكم وسمي في الكتب المال الذي أقر به لمعاوية وأمر رسوله أن يتعرض لبعض من يبلغ ذلك معاوية ففعل رسوله وانتشر ذلك فقال معاوية لزياد حين وقف علي الكتب أخاف أن تكون مكرت بي فصالحني علي ما شئت فصالحه علي شيء وحمله إليه ومبلغه ألف ألف درهم واستأذنه في نزوله الكوفة فأذن له فكان المغيرة يكرمه ويعظمه فكتب معاوية إلي المغيرة ليلزم زيادا وحجر بن عدي وسليمان بن صرد وشبث بن ربعي وابن الكواء بن الحمق بالصلاة في الجماعة فكانوا يحضرون معه الصلاة وإنما ألزمهم ذلك لأنهم كانوا من شيعة علي
ذكر عدة حوادث
ص 285
وحج هذه السنة بالناس عنبسة بن أبي سفيان وفيها مات حبيب بن مسلمة الفهري بأرمينية وكان أميرا لمعاوية عليها وكان قد شهد حروبه كلها وفيها مات عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري له صحبة وفيها مات ركانة بن عب يزيد بن هاشم بن المطلب وهو الذي صارع النبي وصفوان بن أمية بن خلف الجمحي وله صحبة وفيها مات هانئ بن نيار بن عمرو الأنصاري وهو خال البراء بن عازب وقيل سنة خمس وأربعين وكان بدريا عقبيا
نيار بكسر النون وفتح الياء تحتها نقطتان وآخره راء