ذكر تسليم الحسن بن علي الخلافة إلي معاوية
ص 270
كان أمير المؤمنين علي قد بايعه أربعون ألفا من عسكره علي الموت لما ظهر ما كان يخبرهم به عن أهل الشام فبينما هو يتجهز للمسير قتل عليه السلام وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له فلما قتل وبايع الناس ولده الحسن بلغه مسير معاوية في أهل الشام إليه فتجهز والجيش الذين كانوا بايعوا عليا وسار عن الكوفة إلي لقاء معاوية وكان قد نزل مسكن فوصل الحسن إلي المدائن وجعل قيس بن سعد بن عباة الأنصاري علي مقدمته في اثني عشر ألفا وقيل بل كان الحسن قد جعل علي مقدمته عبد الله بن عباس فجعل عبد الله علي مقدمته في الطلائع قيس بن سعد بن عبادة فلما نزل الحسن المدائن نادي مناد في العسكر ألا إن قيس بن سعد قتل فانفروا فنفروا فنفروا بسرداق الحسن فنهبوا متاعه حتى نازعوه بساطا كان تحته فازداد لهم بغضا ومنهم ذعرا ودخل المقصورة البيضاء بالمدائن وكان الأمير علي المدائن سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد فقال له المختار وهو شاب هل لك في الغني والشرف قال وما ذاك قال تستوثق من الحسن وتستأمن به إلي معاوية فقال له عمه عليك لعنة الله أثب علي ابن بنت رسول الله وأوثقه بئس الرجل أنت
فلما رأي الحسن تفرق الأمر عنه كتب إلي معاوية وذكر شروطا وقال له إن أنت أعطيتني هذا فأنا سميع مطيع وعليك أن تفي له به وقال لأخيه الحسن وعبد الله بن جعفر إنني قد راسلت معاوية في الصلح فقال له الحسين أنشدك الله أن لا تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك فقال له الحسن أسكت أنا اعلم بالأمر منك فلما انتهي كتاب الحسن إلي معاوية أمسكه وكان قد أرسل عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس إلي الحسن قبل وصول الكتاب ومعهما صحيفة بيضاء مختوم علي أسفلها وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك فلما أتت الصحيفة إلي الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده فلما سلم الحسن الأمر إلي معاوية طلب أن يعطيه الشروط التي في الصحيفة التي ختم عليها معاوية فأبي ذلك معاوية وقال له قد أعطيتك ما كنت تطلب فلما اصطلحا قام الحسن في أهل العراق فقال يا أهل العراق إنه سخي بنفسي عنكم ثلاث قتلكم أبي وطعنكم إياي وانتهابكم متاعي
وكان الذي طلب الحسن من معاوية أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة ومبلغه خمسة آلاف وخراج دارابجرد من فارس وأن لا يشتم عليا فلم يجبه إلي الكف عن شتم علي فطلب أن لا يشتم وهو يسمع فأجابه إلي ذلك ثم لم يف له به أيضا
وأما خراج دارابجرد فإن أهل البصرة منعوه منه وقالوا هو فيئنا لا نعطيه أحدا وكان منعهم بأمر معاوية أيضا وتسلم معاوية الأمر لخمس بقين من ربيع الأول من هذه السن وقيل في ربيع الآخر وقيل في جمادى الأولى
وقيل إنما سلم الحسن الأمر إلي معاوية لأنه لما راسله معاوية في تسليم الخلافة إليه خطب الناس فحمد الله وأثني عليه وقال إنا لله ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع وكنتم في مسيركم إلي صفين ودينكم أمام دنياكم وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم ألا وقد أصبحتم بين قتيلين قتيل بصفين تبكون له وقتيل بالنهر وإن تطلبون بثأره وأما الباقي فخاذل وأما الباكي فثائر ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفه فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلي الله عز وجل بظبا السيوف وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا فناداه الناس من كل جانب البقية البقية وأمض الصلح
ولما عزم علي تسليم الأمر إلي معاوية خطب الناس فقال أيها الناس إنما نحن أمراؤكم وضيفانكم ونحن أهل بيت نبيكم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وكرر ذلك حتى ما بقي في المجلس إلا من بكي حتى سمع نشيجه فلما ساروا إلي معاوية في الصلح فاصطلحا علي ما ذكرناه وسلم إليه الحسن الأمر وكانت خلافة الحسن علي قول من يقول إنه سلم الأمر في ربيع الأول خمسة أشهر ونحو نصف شهر وعلي قول من يقول في ربيع الآخر يكون ستة أشهر وشيئا وعلي قول من يقول في جمادى الأولى يكون سبعة أشهر وشيئا والله تعالي أعلم
ولما اصطلحا وبايع الحسن معاوية دخل معاوية الكوفة وبايعه الناس وكتب الحسن إلي قيس بن سعد وهو علي مقدمته في اثني عشر ألفا يأمره بالدخول في طاعة معاوية فقام قيس في الناس فقال أيها الناس اختاروا الدخول في طاعة إمام ضلالة أو القتال مع غير إمام فقال بعضهم بل نختار الدخول في طاعة إمام ضلالة فبايعوا معاوية أيضا فانصرف قيس فيمن تبعه علي ما نذكره
ولما دخل معاوية الكوفة قال له عمرو بن العاص ليأمر الحسن أن يقوم فيخطب الناس ليظهر لهم عيه فخطب معاوية الناس ثم أمر الحسن أن يخطبهم فقام فحمد الله بديهة ثم قال أيها الناس إن الله قد هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وإن لهذه الأمر مدة والدنيا دول وإن الله عز وجل قال لنبيه وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين فلما قاله قال له معاوية اجلس وحقدها علي عمرو وقال هذا من رأيك ولحق الحسن بالمدينة وأهل بيته وحشمهم وجعل الناس يبكون عند مسيرهم من الكوفة قيل للحسن ما حملك علي ما فعلت فقال كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قوما لا يثق بهم أحد أبدا إلا غلب ليس أحد منهم يوافق في رأي ولا هواء مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر لقد لقي أبي منهم أمورا عظاما فليت شعري لمن يصلحون بعدي وهي أسرع البلاد خربا
ولما سار الحسن من الكوفة عرض له رجل فقال له يا مسود وجوه المسلمين فقال لا تعذلني فإن رسول الله رأي في المنام بني أمية ينزون علي منبره رجلا فرجلا فساءه ذلك فأنزل الله عز وجل إنا أعطيناك الكوثر وهو نهر في الجنة إنا أنزلناه في ليلة القدر إلي قوله تعالي خير من ألف شهر يملكها بعدك بنو أمية
ذكر صلح معاوية وقيس بن سعد
ص 273
وفيها جري الصلح بين معاوية وقيس بن سعد وكان قيس امتنع من ذلك وسبب امتناعه أن عبيد الله بن عباس لما علم بما يريده الحسن من تسليم الأمر إلي معاوية كتب إلي معاوية يسأله الأمان لنفسه علي ما أصاب من مال وغيره فأجابه إلي ذلك وأرسل عبد الله بن عامر في جيش كثيف فخرج إليهم عبيد الله ليلا وترك جنده الذين هو عليهم بغير أمير وفيهم قيس بن سعد فأمر ذلك الجند عليهم قيس بن سعد وتعاقد هو وهم علي قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي ولمن كان معه علي دمائهم وأموالهم
وقيل إن قيسا كان هو الأمير علي ذلك الجيش في المقدمة علي ما ذكرنا وكان شديد الكراهة لإمارة معاوية بن أبي سفيان فلما بلغه أن الحسن بن علي صالح معاوية اجتمع معه جمع كثير وبايعوه علي قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي علي دمائهم وأموالهم وما كانوا أصابوا في الفتنة فراسله معاوية يدعوه إلي طاعته وأرسل إليه بسجل وختم علي أسفله وقال له اكتب في هذا ما شئت فهو لك فقال عمرو لمعاوية لا تعطيه هذا وقاتله فقال معاوية علي رسلك فإنا لا نخلص إلي قتلهم حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام فما خير العيش بعد ذلك فإني والله لا أقاتله أبدا حتى لا أجد من قتاله بدا
فلما بعث إليه معاوية ذلك السجل اشترط قيس له ولشيعة علي الأمان علي ما أصابوا من الدماء والأموال ولم يسأل في سجله ذلك مالا وأعطاه معاوية ما سأل ودخل قيس ومن معه في طاعته وكانوا يعدون دهاة الناس حين ثارت الفتنة خمسة يقال إنهم ذوو رأي العرب ومكيدتهم معاوية وعمرو والمغيرة بن شعبة وقيس بن سعد وعبد الله بن بديل الخزاعي وكان قيس وابن بديل مع علي وكان المغيرة معتزلا بالطائف ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه سعد بن أبي وقاص فقال السلام عليك أيها الملك فضحك معاوية وقال ما كان عليك يا أبا إسحاق لو قلت يا أمير المؤمنين فقال أتقولها جذلان ضاحكا والله ما أحب أني وليتها بما وليتها به
ذكر خروج الخوارج علي معاوية
ص 274
قد ذكرنا فيما تقدم اعتزال فروة بن نوفل الأشجعي في خمسمائة من الخوارج ومسيرهم إلي شهرزور وتركوا قتال علي والحسن فلما سلم الأمر الحسن الأمر إلي معاوية قالوا قد جاء الآن ما لا شك فيه فسيروا إلي معاوية فجاهدوه فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى حلوا بالنخيلة عند الكوفة وكان الحسن بن علي قد سار يريد المدينة فكتب إليه معاوية يدعوه إلي قتال فروة فلحقه رسوله بالقادسية أو قريبا منها فلم يرجع وكتب إلي معاوية لو آثرت أقاتل أحدا من أهل القبلة لبدأت بقتالك فإني تركتك لصلاح الأمة وحقن دمائها
فأرسل إليهم معاوية جمعا من أهل الشام فقاتلوهم فانهزم أهل الشام فقال معاوية لأهل الكوفة والله لا أمان لكم عندي حتى تكفوهم فخرج أهل الكوفة فقاتلوهم فقالت لهم الخوارج أليس معاوية عدونا وعدوكم دعونا حتى نقاتله فإن أصبناه كنا قد كفيناكم عدوكم وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا فقالوا لا بد لنا من قتالكم فأخذت أشجع صاحبهم فروة فحادثوه ووعظوه فلم يرجع فأخذوه قهرا وأدخلوه الكوفة فاستعمل الخوارج عليهم عبد الله بن أبي الحوساء رجلا من طييء فقاتلهم أهل الكوفة فقتلوهم في ربيع الأول وقيل في ربيع الآخر وقتل ابن أبي الحوساء وكان ابن أبي الحوساء حين ولي أمر الخوارج قد خوف من السلطان أن يصلبه فقال
( ما أن أبالي إذا أرواحنا قبضت % ماذا فعلتم بأوصال وأبشار )
( تجري المجرة والنسران عن قدر % والشمس والقمر الساري بمقدار )
( وقد علمت وخير القول أنفعه % أن السعيد الذي ينجو من النار )
ذكر خروج حوثرة بن وداع
ص 275
ولما قتل ابن أبي الحوساء اجتمع الخوارج فولوا أمرهم حوثرة بن وداع بن مسعود الأسدي فقام فيهم وعاب فروة بن نوفل لشكه في قتال علي ودعا الخوارج وسار من براز الروز وكان بها حتى قدم النخيلة في مائة وخمسين وانضم إليه فل بن أبي الحوساء وهم قليل فدعا معاوية أبا حوثرة فقال له أخرج إلي ابنك فلعله يرق إذا رآك فخرج إليه وكلمه وناشده وقال ألا أجيئك بابنك فلعلك إذا رأيته كرهت فراقه فقال أنا إلي طعنه من يد كافر برمح اتقلب فيه ساعة أشوق مني إلي ابني فرجع أبوه فأخبر معاوية بقوله فسير معاوية إليهم عبد الله بن عوف الأحمر في ألفين وخرج أبو حوثرة فيمن خرج فدعا ابنه إلي البراز فقال يا أبت لك في غيري سعة وقاتلهم ابن عوف وصبروا وبارز حوثرة عبد الله بن عوف فطعنه ابن عوف فقتله وقتل أصحابه إلا خمسين رجلا دخلوا الكوفة وذلك في جمادى الأخرة سنة إحدى وأربعين ورأي ابن عوف بوجه حوثرة أثر السجود وكان صاحب عبادة فندم علي قتله وقال
( قتلت أخا بني أسد سفاها % لعمر أبي فما لقيت رشدي )
( قتلت مصليا محياء ليل % طويل الحزن ذا بر وقصد )
( قتلت أخا تقي لأنال دنيا % وذاك لشقوتي وعثار جدي )
( فهب لي توبة يا رب واغفر % لما قارفت من خطأ وعمد )
ذكر خروج فروة بن نوفل ومقتله
ص 275
ثم أن فروة بن نوفل الأشجعي خرج علي المغيرة بن شعبة بعد مسير معاوية فوجه إليه المغيرة خيلا عليها شبث بن ربعي ويقال معقل بن قيس فلقيه بشهروز فقتله وقيل قتل ببعض السواد
ذكر شبيب بن بجرة
ص 276
كان شبيب مع ابن ملجم حين قتل عليا فلما دخل معاوية الكوفة أتاه شبيب كالمتقرب إليه فقال أنا وابن ملجم قتلنا عليا فوثب معاوية من مجلسه مذعورا حتى دخل منزله وبعث إلي أشجع وقال لئن رأيت شبيبا أو بلغني أنه ببابي لأهلكنهم أخرجوه عن بلدكم وكان شبيب إذا جن عليه الليل خرج فلم يلق أحدا إلا قتله فلما ولي المغيرة الكوفة خرج عليه بالطف قريب الكوفة فبعث إليه المغيرة خيلا عليها خالد بن عرفطة وقيل معقل بن قيس فاقتتلوا فقتل شبيب وأصحابه
ذكر معين الخارجي
ص 276
وبلغ المغيرة أن معين بن عبد الله يريد الخروج وهو رجل من محارب وكان اسمه معنا فصغر فأرسل إليه وعنده جماعة فأخذ وحبس وبعث المغيرة إلي معاوية يخبره أمره فكتب إليه إن شهد أني خليفة فخل سبيله فأحضره المغيرة وقال له أتشهد أن معاوية خليفة وأنه أمير المؤمنين فقال أشهد أن الله عز وجل حق وإن الساعة آتية لا ريب فيها وإن الله يبعث من في القبور فأمر به فقتل قبيصة الهلالي فلما كان أيام بشر بن مروان جلس رجل من الخوارج علي باب قبيصة حتى خرج فقتله ولم يعرف قاتله حتى خرج قاتله مع شبيب بن زيد فلما قدم الكوفة قال يا أعداء الله أنا قاتل قبيصة
ذكر خروج أبي مريم
ص 276
ثم خرج أبو مريم مولي بني الحارث بن كعب ومعه امرأتان قطام وكحيلة وكان أول من أخرج معه النساء فعاب ذلك عليه أبو بلال بن أدية فقال قد قاتل النساء مع رسول الله ومع المسلمين بالشام وسأردهما فردهما فوجه إليه المغيرة جابرا البجلي فقاتله فقتل أبو مريم وأصحابه ببادوريا
ذكر خروج أبي ليلي
ص 276
وكان أبو ليلي رجلا أسود طويلا فأخذ بعضادتي باب المسجد بالكوفة وفيه عدة من الأشراف وحكم بصوت عال فلم يعرض له أحد فخرج وتبعه ثلاثون رجلا من الموالي فبعث فيه المغيرة معقل بن قيس الرياحي فقتله بسواد الكوفة سنة اثنتين وأربعين
ذكر استعمال المغيرة بن شعبة علي الكوفة
ص 277
وفيها استعمل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص علي الكوفة فأتاه المغيرة بن شعبة فقال له أستعملت عبد الله علي الكوفة وأباه علي مصر فتكون أميرا بين نابي الأسد فعزله عنها واستعمل المغيرة علي الكوفة وبلغ عمرا ما قال المغيرة فدخل علي معاوية فقال استعملت المغيرة علي الخراج فيغتال المال ولا تستطيع أن تأخذه منه استعمل علي الخراج رجلا يخافك ويتقيك فعزله عن الخراج واستعمله علي الصلاة ولما ولي المغيرة الكوفة استعمل كثير بن شهاب علي الري وكان يكثر سب علي علي منبر الري وبقي عليها إلي أن ولي زياد الكوفة فأقره عليها وغزا الديلم ومعه عبد الله بن الحجاج التغلبي وقتل ديلميا وأخذ سلبه فأخذه منه كثير فناشده الله في رده عليه فلم يفعل فاختفي له وضربه علي وجهه بالسيف أو بعصا هشم وجهه فقال
( من مبلغ أبناء خندف أنني % أدركت طائلتي من ابن شهاب )
( أدركته ليلا بعقوة داره % فضربته قدما علي الأنياب )
( هلا خشيت وأنت عاد ظالم % بقصور أبهر أسرتي وعقابي )
ذكر ولاية بسر علي البصرة
ص 277
في هذه السنة ولي بسر بن أبي أرطأة البصرة وكان السبب في ذلك أن الحسن لما صالح معاوية أول سنة إحدي وأربعين وثب حمران بن أبان علي البصرة فأخذها وغلب عليها فبعث إليه معاوية بسر بن أبي أرطأة وأمره بقتل بني زياد بن أبيه وكان زياد علي فارس قد أرسله إليها علي بن أبي طالب فلما قدم بسر البصرة خطب علي منبرها وشتم عليا ثم قال نشدت الله رجلا يعلم أني صادق إلا صدقني أو كاذب إلا كذبني فقال أبو بكرة اللهم إنا لا نعلمك إلا كاذبا قال فأمر به فخنق فقام أبو لؤلؤة الضبي فرمي بنفسه عليه فمنعه وأقطعه أبو بكرة بعد ذلك مائة جريب وقيل لأبي بكرة ما حملك علي ذلك فقال يناشدنا بالله ثم لا نصدقه
وأرسل معاوية إلي زياد أن في يدك مالا من مال الله فأد ما عندك منه فكتب إليه زياد إنه لم يبق عندي شيء من المال ولقد صرفت ما كان عندي في وجهه واستودعت بعضه لنازلة إن نزلت وحملت ما فضل إلي أمير المؤمنين رحمة الله عليه فكتب إليه معاوية أن أقبل إلي ننظر فيما وليت فإن استقام بيننا أمر فهو ذاك وإلا رجعت إلي مأمنك فامتنع فأخذ بسر أولاده زياد الأكابر منهم عبد الرحمن وعبيد الله وعباد وكتب إلي زياد لتقدمن علي أمير المؤمنين أو لأقتلن بنيك فكتب إليه زياد لست بارحا من مكاني حتى يحكم الله بيني وبين صاحبك وإن قتلت ولدي فالمصير إلي الله ومن ورائنا الحساب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون
فأراد بسر قتلهم فأتاه أبو بكرة فقال قد أخذت ولد أخي غلمانا بلا ذنب وقد صالح الحسن معاوية علي ما أصاب أصحاب علي حيث كانوا فليس لك عليهم ولا علي أبيهم سبيل وأجله أياما حتى يأتيه بكتاب معاوية فركب أبو بكرة إلي معاوية وهو بالكوفة فلما أتاه قال له يا معاوية إن الناس لم يعطوك بيعتهم علي قتل الأطفال قال وما ذاك يا أبا بكرة قال بسر يريد قتل بني أخي زياد فكتب له بتخليتهم فأخذ كتابه إلي بسر بالكف عن أولاد زياد
وعاد فوصل البصرة يوم الميعاد وقد أخرج بسر أولاد زياد مع طلوع الشمس ينتظر بهم الغروب ليقتلهم واجتمع الناس لذلك وهم ينتظرون أبا بكرة إذ رفع لهم علي نجيب أو برذون يكده فوقف عليه ونزل عنه وألاح بثوبه وكبر الناس معه فأقبل يسعي علي رجليه فأدرك بسرا قبل أن يقتلهم فدفع إليه كتاب معاوية فأطلقهم وقد كان معاوية كتب إلي زياد حين قتل علي يتهدده فقام خطيبا فقال العجب من ابن آكلة الأكباد وكهف النفاق ورئيس الأحزاب يتهددني وبيني وبينه ابنا عم رسول الله يعني ابن عباس والحسن بن علي في سبعين ألفا واضعي سيوفهم علي عواتقهم أما والله لئن خلص إلي ليجدني أحمر ضرابا بالسيف فلما صالح الحسن معاوية وقدم معاوية الكوفة تحصن زياد في القلعة التي يقال لها قلعة زياد
قول من قال في هذا إن زيادا عني ابن عباس وهم لأن ابن عباس فارق عليا في حياته وقيل إن معاوية أرسل هذا إلي زياد في حياة علي فقال زياد هذه المقالة وعني بها عليا وكتب زياد إلي علي يخبره بما كتب إليه معاوية فأجابه بما هو مشهور وقد ذكرناه في استلحاق معاوية زيادا كل ما في هذا الخبر
بسر فهو بضم الباء الموحدة والسين المهملة الساكنة
ذكر ولاية ابن عامر البصرة لمعاوية
ص 279
ثم أراد معاوية أن يولي عتبة بن أبي سفيان البصرة فكلمه ابن عامر وقال له إن لي بالبصرة ودائع أموالا فإن تولني عليها ذهبت فولاه البصرة فقدمها في آخر سنة إحدى وأربعين وجعل إليه خراسان وسجستان فجعل علي شرطته حبيب بن شهاب وعلي القضاء عميرة بن يثربي أخا عمرو وقد تقدم في وقعة الجمل أن عميرة قتل فيها وقيل عمرو هو المقتول والله سبحانه أعلم بالصواب
ذكر ولاية قيس بن الهيثم خراسان
ص 279
وفي هذه السنة استعمل ابن عامر قيس بن الهيثم السلمي علي خراسان وكان أهل باذغيس وهراة وبوشنج قد نكثوا فسار إلي بلخ فأخرب نوبهارها وكان الذي تولى ذلك عطاء بن السائب مولي بني ليث وهو الخشك وإنما سمي عطاء الخشك لأنه أول من دخل مدينة هراة من المسلمين من باب خشك واتخذ قناطر علي ثلاثة أنهار من بلخ علي فرسخ فقيل قناطر عطاء ثم أن أهل بلخ سألوا الصلح ومراجعة الطاعة فصالحهم قيس وقيل إنما صالحهم الربيع بن زياد سنة إحدى وخمسين وسيرد ذكره ثم قدم قيس علي ابن عامر فضربه وحبسه واستعمل عبد الله بن خازم فأرسل إليه أهل هراة وباذغيس وبوشنج يطلبون الأمان والصلح فصالحهم وحمل إلي ابن عارم مالا
عبد الله بن خازم بالخاء المعجمة
ذكر خروج سهم بن غالب
ص 280
وفي هذه السنة خرج سهم بن غالب الهجيمي علي ابن عامر في سبعين رجلا منهم الخطيم الباهلي وهو يزيد بن مالك وإنما قيل له الخطيم لضربة ضربها علي وجهه فنزلوا بين الجسرين والبصرة فمر بهم عبادة بن فرص الليثي من الغزو ومعه ابنه وابن أخيه فقال لهم الخوارج من أنتم قالوا قوم مسلمون قالوا كذبتم قال عبادة سبحان الله أقبلوا منا ما قبل رسول الله مني فإني كذبته وقاتلته ثم أتيته فأسلمت فقبل ذلك مني قالوا أنت كافر وقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه فخرج إليهم ابن عامر بنفسه وقاتلهم فقتل منهم عدة وانحاز بقيتهم إلي أجمة وفيهم سهم والخطيم فعرض عليهم ابن عامر الأمان فقبلوه فأمنهم فرجعوا فكتب إليه معاوية يأمره بقتلهم فكتب إليه ابن عامر إني قد جعلت لهم ذمتك فلما أتي زياد البصرة سنة خمس وأربعين هرب سهم والخطيم فخرجا إلي الأهواز فاجتمع إلي سهم جماعة فأقبل بهم إلي البصرة فأخذ قوما فقالوا نحن يهود فخلاهم وقتل سعدا مولي قدامة بن مظعون فلما وصل إلي البصرة تفرق عنه أصحابه فاختفي سهم
وقيل إنهم تفرقوا عند استخفائه فطلب الأمان وظن أنه يسوغ له عند زياد ما ساغ له عند ابن عامر فلم يؤمنه زياد وبحث عنه فدل عليه فأخذه وقتله وصلبه في داره وقيل لم يزل مستخفيا إلي أن مات زياد فأخذه عبيد الله بن زياد فصلبه سنة أربع وخمسين وقيل قبل ذلك فقال رجل من الخوارج
وأما الخطيم فإنه سأله زياد عن قتله عبادة فأنكره فسيره إلي البحرين ثم أعاده بعد ذلك
ذكر عدة حوادث
ص 280
قيل وفي هذه السنة ولد علي بن عبد الله بن عباس وقيل ولد سنة أربعين قبل أن يقتل عليا والأول أصح وباسم علي سماه وقال سميته بأسم أحب الناس إلي
وحج بالناس هذه السنة عتبة بن أبي سفيان وقيل عنبسة بن أبي سفيان
وفي هذه السنة استعمل عمرو بن العاص عقبة بن نافع بن عبد قيس وهو ابن خالة عمرو علي إفريقية فانتهي إلي لواتة ومزاتة فأطاعوا ثم كفروا فغزاهم من سنته فقتل وسبى ثم افتتح في سنة اثنتين وأربعين غدامس فقتل وسبى
وفتح في سنة ثلاث وأربعين كورا من كور السودان وافتتح ودان وهي من برقة وافتتح عامة بلاد بربر وهو الذي اختط القيروان سنة خمسين وسيذكر إن شاء الله تعالي
وفيها مات لبيد بن ربيعة الشاعر وقيل مات يوم دخل معاوية الكوفة وعمره مائة سنة وسبع وخمسون سنة وقيل مات في خلافة عثمان وله صحبة وترك الشعر مذ أسلم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.