الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
9

ثم دخلت سنة ثلاث عشرة

الجزء الثاني 24 عنصر صفحة 251
ذكر فتوح الشام ص 251

قيل في سنة ثلاث عشرة وجه أبو بكر الجنود إلى الشام بعد عوده من الحج فبعث خالد بن سعيد بن العاص وقيل إنما سيره لما سير خالد بن الوليد إلى العراق وكان أول لواء عقده إلى الشام لواء خالد ثم عزله قبل أن يسير وكان سبب عزله انه تربص ببيعة أبي بكر شهرين يقول قد أمرني رسول الله ثم لم يعزلني حتى قبضه الله ولقي علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان فقال يا أبا الحسن يا بني عبد مناف أغلبتم عليها فقال علي أمغالبة ترى أم خلافة فأما أبو بكر فلم يحقدها عليه وأما عمر فاضطغنها عليه فلما ولاه أبو بكر فأخذ عمر يقول أتؤمره وقد صنع ما صنع وقال ما قال لم يزل به عمر حتى عزله عن الإمارة وجعله ردءا للمسلمين بتيماء وأمره أن لا يفارقها إلا بأمره وأن يدعو من حوله من العرب إلا من ارتد وأن لا يقاتل إلا من قاتله فاجتمع إليه جموع كثيرة

وبلغ خبره الروم فضربوا البعث على العرب الضاحية بالشام من بهراء وسليح وتنوخ وغسان وكلب ولخم وجذام فكتب خالد بن سعيد إلى أبي بكر بذلك فكتب إليه أبو بكر أقدم ولا تقتحمن واستنصر الله فسار إليهم فلما دنا منهم تفرقوا فنزل منزلهم وكتب إلى أبي بكر بذلك فأمره بالإقدام بحيث لا يؤتى من خلفه فسار حتى جازه قليلا ونزل فسار إليه بطريق من بطارقة الروم يدعى باهان فقاتله فهزمه وقتل من جنده فكتب خالد إلى أبي بكر يستمده وكان قد قدم على أبي بكر أوائل مستنفري اليمن وفيهم ذو الكلاع وقدم عكرمة بن أبي جهل قافلا وغازيا فيمن كان معه من تهامة وعمان والبحرين والسرو فكتب لهم أبو بكر إلى أمراء الصدقات أن يبدلوا من استبدل فكلهم استبدل فسمي جيش البدال وقدموا على خالد بن سعيد وعندها اهتم أبو بكر بالشام وعناه أمره

وكان أبو بكر قد رد عمرو بن العاص إلى عمله الذي كان رسول الله ولاه إياه من صدقات سعد هذيم وعذرة وغيرهم قبل ذهابه إلى عمان ووعده أن يعيده إلى عمله بعد عوده من عمان فأنجز له أبو بكر عدة رسول الله فلما عزم على قصد الشام كتب له إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاك رسول الله مرة ووعدك به أخرى إنجازا لمواعيد رسول الله وقد وليته وقد أحببت أن أفرغك لما هو خير لك في الدنيا والآخرة إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك

فكتب إليه عمرو إني سهم من سهام الإسلام وأنت بعد الله الرامي بها والجامع لها فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به فأمره وأمر الوليد بن عقبة وكان على بعض صدقات قضاعة أن يجمعا العرب ففعلا وأرسل أبو بكر إلى عمرو بعض من اجتمع إليه وأمره بطريق سماها له إلى فلسطين وأمر الوليد بالأردن وأمده ببعضهم وأمر يزيد بن أبي سفيان على جيش عظيم هو جمهور من انتدب إليه فيهم سهيل بن عمر وفي أمثاله من أهل مكة وشيعه ماشيا وأوصاه وغيره من الأمراء فكان مما قال ليزيد إني قد وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك وإن أسأت عزلتك فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك وإن أولى الناس بالله أشدهم توليا له وأقرب الناس من الله أشدهم تقربا إليه بعمله وقد وليتك عمل خالد فإياك وعبية الجاهلية فإن الله يبغضها ويبغض أهلها وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا وأصلح نفسك يصلح لك الناس وصل الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهو جاهلون به ولا ترينهم فيروا خللك ويعلموا علمك وأنزلهم في ثروة عسكرك وامنع من قبلك من محادثتهم وكم أنت المتولي لكلامهم ولا تجعل سرك لعلانيتك فيخلط أمرك وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عندك الأستار واكثر حرسك وبددهم في عسكرك واكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط وأعقب بينهم بالليل واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنها أيسرهما لقربها من النهار ولا تخف من عقوبة المستحق ولا تلجن فيها ولا تسرع إليها ولا تخذلها مدفعا

ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده ولا تجسس عليهم فتفضحهم ولا تكشف الناس عن أسرارهم واكتف بعلانيتهم ولا تجالس العباثين وجالس أهل الصدق والوفاء وأصدق اللقاء ولا تجبن فيجبن الناس واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له

وهذه من أحسن الوصايا وأكثرها نفعا لولاة الأمر ثم إن أبا بكر استعمل أبا عبيدة بن الجراح على من اجتمع وأمره بحمص وسار أبو عبيدة على باب من البلقاء فقاتله أهله ثم صالحوه فكان أول صلح في الشام واجتمع للروم جمع بالعربة من أرض فلسطين فوجه إليهم يزيد بن أبي سفيان أبا أمامة الباهلي فهزمهم فكان أول قتال بالشام بعد سرية أسامة بن زيد

ثم أتوا الداثن فهزمهم أبو أمامة أيضا ثم مرج الصفر استشهد فيها ابن لخالد بن سعيد وقيل استشهد فيها خالد أيضا وقيل بل سلم وانهزم على ما نذكره

وذلك أنه لما سمع توجيه الأمراء بالجنود بادر لقتال الروم فاستطرد له باهان فاتبعه خالد ومعه ذو كلاع وعكرمة والوليد فنزل مرج الصفر فاجتمعت عليه مسالح باهان وأخذوا الطرق وخرج باهان فرأى ابن خالد بن سعيد فقتله ومن معه فسمع خالد فانهزم فوصل في هزيمته إلى ذي المروة قريب المدينة فأمره أبو بكر بالمقام بها وبقي عكرمة في الناس ردءا للمسلمين يمنع من يطلبهم وكان قد قدم شرحبيل بن حسنة من عند خالد بن الوليد إلى أبي بكر وافدا فأمره أبو بكر بالشام وندب معه الناس واستعمله على عمل الوليد بن عقبة فأتى شرحبيل على خالد بن سعيد ففصل عنه بعض أصحابه واجتمع إلى أبي بكر ناس فأرسلهم مع معاوية بن أبي سفيان وأمره باللحاق بأخيه يزيد فلما مر بخالد فصل عنه بباقي أصحابه فأذن أبو بكر لخالد بدخول المدينة فلما وصل الأمراء إلى الشام نزل أبو عبيدة الجابية ونزل يزيد البلقاء ونزل شرحبيل الأردن وقيل بصرى ونزل عمرو بن العاص العربة فبلغ الروم ذلك فكتبوا إلى هرقل وكان بالقدس فقال أرى أن تصالحوا المسلمين فوالله لأن تصالحوهم على نصف ما يحصل من الشام ويبقى لكم نصفه مع بلاد الروم أحب إليكم من أن يغلبوكم على الشام ونصف بلاد الروم فتفرقوا عنه وعصوه فجمعهم وسار بهم إلى حمص فنزلها وأعد الجنود والعساكر وأراد إشغال كل طائفة من المسلمين عمن بإزائها فأرسلا تذارق أخاه لأبيه وأمه في تسعين ألفا إلى عمرو وأرسل جرجة بن توذر إلى يزيد بن أبي سفيان وبعث القيقار بن نسطوس في ستين ألفا إلى أبي عبيدة بن الجراح وبعث الدراقص نحو شرحبيل فهابهم المسلمون وكاتبوا عمرا ما الرأي فأجابهم إن الرأي لمثلنا الاجتماع فإن مثلنا إذا اجتمعنا لا نغلب من قلة فإن تفرقنا لا تقوم كل فرقة لمن استقبلها لكثرة عدونا

وكتبوا إلى أبي بكر فأجابهم مثل جواب عمرو وقال إن مثلكم لا يؤتى من قلة وإنما يؤتى العشرة آلاف من الذنوب فاحترسوا منها فاجتمعوا باليرموك متساندين وليصل كل واحد منكم بأصحابه فاجتمع المسلمون باليرموك والروم أيضا وعليهم التذارق وعلى المقدمة جرجة وعلى المجنبة باهان ولم يكن وصل بعد إليهم والدراقص على الأخرى وعلى الحرب القيقار فنزل الروم وصار الوادي خندقا لهم وإنما أراد أن يتأنس الروم بالمسلمين لترجع إليهم قلوبهم ونزل المسلمون على طريقهم ليس للروم طريق إلا عليهم فقال عمرو أبشروا حصرت الروم وقل ما جاء محصور بخير وأقاموا صفرا وشهري ربيع لا يقدرون منهم على شيء من الوادي والخندق ولا يخرج الروم خرجة إلا أديل عليهم المسلمون

ذكر مسيرة خالد بن الوليد من العراق إلى الشام ص 255

لما رأى المسلمون مطاولة الروم استمدوا أبا بكر فكتب إلى خالد بن الوليد يأمره بالمسير إليهم والحث وأن يأخذ نصف الناس ويستخلف على النصف الآخر المثنى بن حارثة الشيباني ولا يأخذن من فيه نجدة إلا ويترك عند المثنى مثله وإذا فتح الله عليهم رجع خالد وأصحابه إلى العراق فاستأثر خالد بأصحاب النبي على المثنى وترك للمثنى عدادهم من أهل القناعة من ليس له صحبة ثم قسم الجند نصفين فقال له المثنى والله ل أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر كله في استصحاب نصف الصحابة أو بعض النصف وبالله ما أرجو النصر إلا بأصحاب النبي فإني تعريني عنهم فلما رأى خالد ذلك أرضاه ومضى لوجهه وشيعه المثنى إلى قراقر ثم رجع إلى الحيرة في المحرم

وقيل سار من العراق في ثمانمائة وقيل في ستمائة وقيل في خمسمائة وقيل في تسعة آلاف وقيل في ستة آلاف وقيل إنما أمره أبو بكر أن يأخذ أهل القوة والنجدة فأتى حدوداء فقاتله أهلها فظفر بهم وسبى وغنم وكان من السبي الصهباء بنت حبيب بن بجير وهي أم عمر بن علي بن أبي طالب وقيل في أمرها ما تقدم وقيل سار خالد فلما وصل إلى قراقر وهو ماء لكلب أغار على أهلها وأراد أن يسير عنهم مفوزا إلى سوى وهو ماء لبهراء بينهما خمس ليال فلم يهتد فالتمس دليلا فدل على رافع بن عميرة الطائي فقال له في ذلك فقال له رافع إنك لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال فوالله إن الراكب المفرد يخافه على نفسه وما يسلكها إلا مغرورا إنها لخمس جياد لا يصاب فيها ماء مع مضلتها فقال خالد ويحك أنه لا بد لي من ذلك لأخرج من وراء جموع الروم لئلا تحسبني عن غياث المسلمين

فأمر صاحب كل جماعة أن يأخذ الماء للشعبة لخمسوأن يعطش من الإبل الشرف ما يكتفي به ثم يسقوها عللا بعد نهل والعلل الشربة الثانية والنهل الأولى ثم يصروا آذان الإبل ويشدوا مشافرها لئلا تجتر ثم ركبوا من قراقر فلما ساروا يوما وليلة شقوا لعدة من الخيل بطون عشرة من الإبل فمزجوا ماء في كروشها بما كان من الألبان وسقوا الخيل ففعلوا ذلك أربعة أيام فلما خشي خالد على أصحابه في آخر يوم من المفازة قال لرافع بن عميرة ويحك يا رافع ما عندك قال أدركت الري إن شاء الله فلما دنا من العلمين قال للناس انظروا هل ترون شجرة عوسج كقعدة الرجل فقالوا ما نراها فقال إنا لله وإنا إليه راجعون هلكتم والله إذا وهلكت معكم وكان أرمد فقال لهم انظروا ويحكم فنظروا فرأوها قد قطعت وبقي منها بقية فلما رأوها كبروا فقال رافع احفروا في أصلها فحفروا واستخرجوا عينا فشربوا حتى روى الناس فاتصلت بعد ذلك لخالد المنازل فقال رافع والله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام فقال شاعر من المسلمين

( لله عينا رافع أنى اهتدى % فوز من قراقر إلى يوى )

( خمسا إذا ما ساره الجيش بكى % ما سارها قبلك إنسي يرى )

فلما انتهى خالد إلى سوى أغار على أهلها وهم بهراء قبيل الصبح وهم يشربون الخمر في جفنة قد اجتمعوا إليها ومغنيهم يقول

( ألا عللاني قبل جيش أبي بكر % لعل منايانا قريب ولا ندري )

( ألا عللاني بالزجاج وكررا % على كميت اللون صافية تجري )

( ألا عللاني من سلافة قهوة % تسلى هموم النفس من جيد الخمر )

( أطن خيول المسلمين وخالدا % ستطرقكم قبل الصباح مع النسر )

( فهل لكم في السير قبل قتالكم % وقبل خروج المعصرات من الخدر )

فقتل المسلمون مغنيهم وسال دمه في تلك الجفنة وأخذوا أموالهم وقتل حرقوص بن النعمان البهراني ثم أتى أرك فصالحوه ثم أتى تدمر فتحصن أهله ثم صالحوه ثم أتى القريتين فقاتلهم فظفر بهم وغنم وأتى حوارين فقالت أهلها فهزمهم وقتل وسبى وأتى قصم فصالحه بنو مشجعة من قضاعة وسار فوصل إلى ثنية العقاب عند دمشق ناشرا رايته وهي راية سوداء وكانت لرسول الله تسمى العقاب وقيل كانت رايته تسمى العقاب فسميت الثنية بها وقيل سميت بعقاب من الطير سقطت عليها والأول أصح ثم سار فأتى مرج راهط فأغار على غسان في يوم فصحهم فقتل وسبى وأرسل سرية إلى كنيسة بالغوطة فقتلوا الرجال وسبوا النساء وساقوا العيال إلى خالد ثم سار حتى وصل إلى بصرى فقالت من بها فظفر بهم وصالحهم فكانت بصرى أول مدينة فتحت بالشام على يد خالد وأهل العراق وبعث بالأخماس إلى أبي بكر ثم سار فطلع على المسلمين في ربيع الآخر وطلع باهان على الروم ومعه الشمامسة والقسيسون والرهبان يحرضون الروم على القتال وخرج باهان كالمعتذر فولى خالد قتاله وقاتل المراء من بإزائهم ورجع باهان والروم إلى خندقهم وقد نال منهم المسلمون

عميرة بفتح العين المهملة وكسر الميم

ذكر وقعة اليرموك ص 257

فلما تكامل جمع المسلمين باليرموك وكانوا سبعة وعشرين ألفا وقدم خالد في تسعة آلاف فصاروا ستة وثلاثين ألفا سوى عكرمة فإنه كان ردءا لهم وقيل بل كانوا سبعة وعشرين ألفا وثلاثة آلاف من فلال خالد بن سعيد وعشرة آلاف مع خالد بن الوليد فصاروا أربعين ألفا سوى ستة آلاف مع عكرمة بن أبي جهل وقيل في عددهم غير ذلك والله أعلم وكان فيهم ألف صحابي منهم نحو مائة ممن شهد بدرا وكان الروم في مائتي ألف وأربعين ألف مقاتل منهم ثمانون ألف مقيد وأربعون ألف مسلسل للموت وأربعون ألفا مربوطون بالعمائم لئلا يفروا وثمانون ألف راجل وقيل كانوا مائة ألف وكان قتال المسلمين لهم على تساند كل أمير على أصحابه لا يجمعهم أحد حتى قدم خالد بن الوليد من العراق وكان القسيسون والرهبان يحرضون الروم شهرا ثم خرجوا إلى القتال الذي لم يكن بعده في جمادى الآخرة فلما أحس المسلمون بخروجهم أرادوا الخروج متساندين فسار فيهم خالد بن الوليد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي أخلصوا جهادكم وأرضوا الله بعملكم فإن هذا يوم له ما بعده ولا تقاتلوا قوما على نظام وتعبية وأنتم متساندون فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي وإن من ورائكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه رأي من واليكم ومحبته قالوا هات فما الرأي قال إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر ولو علم بالذي كان ويكون لما جمعكم إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم وأنفع للمشركين من أمدادهم ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم فالله الله فقد أفرد كل رجل منكم ببلد لا ينتقصه منه إن دان للأمراء ولا يزيده عليه أن دانوا له إن تأمير بعضكم لا ينتقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله هلموا فإن هؤلاء قد تهيأوا وإن هذا يوم له ما بعده إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم وإن هزمونا لم نفلح بعدها فهلموا فلنتعاور الإمارة فليكن بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر بعد غد حتى تتأمروا كلكم ودعوني أتأمر اليوم فأمروه وهم يرون أنها كخرجاتهم وأن الأمر لا يطول

فخرجت الروم في تعبية لم ير الراؤون مثلها قط وخرج خالد في تعبية لم تعبها العرب قبل ذلك فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى الأربعين وقال إن عدوكم كثير وليس تعبية أكثر في رأي العين من الكراديس فجعل القلب كراديس وأقام فيه أبا عبيدة وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة وجعل الميسرة كراديس وعليها يزيد بن أبي سفيان وكان على كردوس من كراديس أهل العراق القعقاع بن عمرو وجعل على كل كردوس رجلا من الشجعان

وكان القاضي أبو الدرداء وكان القاص أبو سفيان بن حرب وعلى الطلائع قباث بن أشيم وعلى الأقباض عبد الله بن مسعود وقال رجل لخالد ما أكثر الروم وأقل المسلمين فقال خالد ما أكثر المسلمين وأقل الروم إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال والله لوددت أن الأشقر يعني فرسه براء من توجيه وأنهم أضعفوا في العدد وكان قد حفي في مسيره فأمر خالد عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو وكانا على مجنبتي القلب فأنشبا القتال

والتحم الناس وتطارد الفرسان وتقاتلوا فإذ هم على ذلك قدم البريد من المدينة واسمه محمية بن زنيم وأخذته الخيول فسألوه الخبر فأخبرهم بسلامة وإمداد وإنما جاء بموت أبي بكر وتأمير أبي عبيدة فبلغوه خالدا فأخبره خبر أبي بكر سرا وأخبره بالذي أخبر به الجند قال أحسنت فقف وأخذ الكتاب وجعله في كنانته وخاف إن هو أظهر ذلك أن ينتشر له أمر الجند

وخرج جرجة إلي بين الصفين وطلب خالدا فخرج إليه وأقام أبا عبيدة مكانه فواقفه بين الصفين حتى اختلفت أعناق دابتيهما فأمن كل واحد منهما صاحبه فقال جرجة يا خالد أصدقني ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم قال لا قال ففيم سميت سيف الله فقال له إن الله بعث فينا نبيه فكنت فيمن كذبه وقاتله ثم إن الله هداني فتابعته فقال أنت سيف الله سله الله على المشركين ودعا لي بالنصر قال فأخبرني إلى ما تدعوني قال خالد إلى الإسلام أو الجزية أو الحرب قال فما منزلة الذي يجيبكم ويدخل فيكم قال منزلتنا واحدة قال فهل له مثلكم في الأجر والذخر قال نعم وأفضل لأننا اتبعنا نبينا وهو حي يخبرنا بالغيب ونرى منه العجائب والآيات وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم وأنتم لم تروا مثلنا ولم تسمعوا مثلنا فمن دخل بنية وصدق كان افضل منا فقلب جرجة ترسه ومال مع خالد وأسلم وعلمه الإسلام واغتسل وصلى ركعتين ثم خرج مع خالد فقاتل الروم

وحملت الروم حملة أزالوا المسلمين عن مواقفهم إلى المحامية وعليهم عكرمة وعمه الحارث بن هشام فقال عكرمة يومئذ قاتلت مع النبي في كل موطن ثم أفر اليوم ثم نادى من يبايع على الموت فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا فمنهم من برأ ومنهم من قتل وقاتل خالد وجرجة قتالا شديدا فقتل جرجة عند آخر النهار وصلى الناس الظهر والعصر إيماء وتضعضع الروم ونهد خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم فانهزم الفرسان وتركوا الرجالة ولما رأى المسلمون خيل الروم قد توجهت للمهرب أفرجوا لها فتفرقت وقتل الرجالة واقتحموا في خندقهم فاقتحمه عليهم وهوى فيها المقترنون وغيرهم ثمانون ألفا من المقترنين وأربعون ألف مطلق سوى من قتل في المعركة

وتجلل القيقار وجماعة من أشراف الروم برانسهم وجلسوا وقالوا لا نحب أن نرى يوم السوء إذ لم نستطع أن نرى يوم السرور وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانية فقتلوا متزملين ودخل خالد الخندق ونزل في رواق تذارق فلما أصبحوا أتى خالد بعكرمة بن أبي جهل جريحا فوضع رأسه على فخذه وبعمرو بن عكرمة فجعل رأسه على ساقه ومسح وجوههما وقطر في حلوقهما بالماء وقال زعم ابن حنتمة يعني عمر أنا لا نستشهد

وقاتل النساء ذلك اليوم وأبلوا قال عبد الله بن الزبير كنت مع أبي باليرموك وأنا صبي لا أقاتل فلما اقتتل الناس نظرت إلى ناس على تل لا يقاتلون فركبت وذهبت إليهم وإذا أبو سفيان بن حرب ومشيخة من قريش من مهاجرة الفتح فرأوني حدثا فلم يتقوني قال فجعلوا والله إذا مالت المسلمون وركبتهم الروم يقولون إيه بني الأصفر فإذا مالت الروم وركبتهم المسلمون قال ويح بني الأصفر فلما هزم الله الروم أخبرت أبي فضحك فقال قاتلهم الله أبو إلا ضغنا لنحن خير لهم من الروم

وفي اليرموك أصيبت عين أبي سفيان بن حرب ولما انهزمت الروم كان هرقل بحمص فنادى بالرحيل عنها قريبا وجعله بينه وبين المسلمين وأمر عليها أميرا كما أمر على دمشق وكان من أصيب من المسلمين ثلاثة آلاف منهم عكرمة وابنه عمرو وسلمة بن هشام وعمرو بن سعيد وأبان بن سعيد وجندب بن عمرو و الطفيل بن عمرو وطليب بن عمير وهشام بن العاص وعياش أبي ربيعة في قول بعضهم عياش بالياء المثناة والشين المعجمة

وفيها قتل سعيد بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي وهو من مهاجرة الحبشة وفيها قتل نعيم بن عبد الله النحام العدوي عدي قريش وكان إسلامه قبل عمر وفيها قتل النضير بن الحارث بن علقمة وهو قديم الإسلام والهجرة وهو أخو النضر الذي قتل ببدر كافرا وقتل فيها أبو الروم بن عمير بن هاشم العبدري أخو مصعب بن عمير وهو من مهاجرة الحبشة شهد أحدا وقيل قتلوا يوم أجنادين والله اعلم

ذكر حال المثنى بن حارثة بالعراق ص 261

وأما المثنى بن حارثة الشيباني فإنه لما ودع خالد بن الوليد وسار خالد إلى الشام فيمن معه بالجند أقام بالحيرة ووضع المسلحة وأذكى العيون واستقام أمر فارس بعد مسير خالد من الحيرة بقليل وذلك سنة ثلاث عشرة على شهربراز بن أردشير بن شهريار سابور فوجه إلى المثنى جندا عظيما عليهم هرمز جاذويه في عشرة آلاف ومعه فيل وكتبت المسالح إلى المثنى فخرج المثنى من الجحيرة نحوه وضم إليه المسالح وجعل على مجنبتيه المعني ومسعود أخواه فأقام ببابل وأقبل هرمز نحوه وكتب كسرى شهربراز إلى المثنى كتابا إني قد بعثت إليكم جندا من وحش أهل فارس إنما هم رعاء الدجاج والخنازير ولست أقاتلك إلا بهم فكتب إليه المثنى إنما أنت أحد رجلين إما باغ فذلك شر لك وخير لنا وإما كاذب فأعظم الكاذبين عقوبة وفضيحة عند الله وعند الناس الملوك وأما الذي يدخلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم فالحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير فجزع الفرس من كتابه وقالوا إنما أتى شهربراز من شؤم مولده ولؤم منشئه وقالوا جرأت علينا عدونا بالذي كتبت به إليهم فإذا كاتبت أحدا فاستشر

فالتقى المثنى وهرمز ببابل فاقتتلوا بعدوة الصراة الدنيا على الطريق الأول قتالا شديدا وكان فيلهم يفرق المسلمين فانتدب له المثنى ومعه ناس فقتلوه وانهزم الفرس وتبعهم المسلمون إلى المدائن يقتلونهم ومات شهربراز لما انهزم هرمز جاذويه واختلف أهل فارس وبقي ما دون دجلة بيد المثنى

ثم اجتمعت الفرس على دخت زنانة ابنة كسرى فلم ينفذ لها أمر وخلعت وملك سابور بن شهربراز فلما ملك قام بأمره الفرخزاد بن البنذوان فسأله أن يزوجه آزرميدخت بنت كسرى فأجابه فغضبت آزرميدخت وقالت يا بن عم أتزوجني عبدي قال استحي من هذا الكلام ولا تعيديه علي فإنه زوجك فأرسلت إلى سياوخش الرازي وكان من فتلك الأعاجم فشكت إليه فقال لها إن كنت كارهة لهذا فلا تعاوديه فيه وأرسلي إليه فليأتك وأنا أكفيكه فأرسلت إليه واستعد سياوخش فلما كان ليلة العرس أقبل الفرخزاد حتى دخل فثاربه سياوخش فقتله وقصدت آزرميدخت ومعها سياوخش سابور فحصروه ثم قتلوه وملكت آزرميدخت ثم تشاغلوا بذلك

وأبطأ خبر أبي بكر على المثنى فاستخلف على المسلمين بشير بن الخصاصية ووضع مكانه في المسالح سعيد بن مرة العجلي وسار إلى المدينة إلى أبي بكر ليخبره خبر المشركين ويستأذنه في الاستعانة بمن حسنت توبته من المرتدين فإنهم أنشط إلى القتال من غيرهم فقدم المدينة وأبو بكر مريض قد أشفى فأخبره الخبر فاستدعى عمر وقال له اسمع يا عمر ما أقول لك ثم اعمل به إني لأرجو أن أموت يومي هذا فإذا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى ولا تشغلنكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم فقد رأيتني متوفى رسول الله وما صنعت وما أصيب الخلق بمثله وإذا فتح الله على أهل الشام فاردد أهل العراق إلى العراق فإنهم أهله وولاة أمره وأهل الضراوة بهم والجراءة عليهم ومات أبو بكر ليلا فدفنه عمر وندب الناس مع المثنى وقال عمر قد علم أبو بكر أنه يسؤوني أن أؤمر خالد فلهذا أمرني أن أرد أصحاب خالد وترك ذكره معهم وإلى آزرميدخت انتهى شأن أبي بكر فهذا حديث العراق إلى آخر أيام أبي بكر رضي الله عنه

ذكر وقعة أجنادين ص 264

قد ذكرها أبو جعفر عقيب وقعة اليرموك وروى خبرها عن ابن إسحاق من اجتماع الأمراء ومسير خالد بن الوليد من العراق إلى الشام نحو ما تقدم وقال فسار خالد من مرج راهط إلى بصرى وعليها أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان فاجتمعوا عليها فرابطوها فصالحهم أهلها على الجزية فكانت أول مدينة فتحت بالشام في خلافة أبي بكر ثم ساروا جميعا إلى فلسطين مددا لعمرو بن العاص وهم مقيم بالعربات من غور فلسطين واجتمعت الروم بأجنادين وعليهم تذارق أخو هرقل لأبويه وقيل كان على الروم القبقلار وأجنادين بين الرملة وبيت جبرين من أرض فلسطين وسار عمرو بن العاص حين سمع بالمسلمين فلقيهم ونزلوا بأجنادين وعسكروا عليهم فبعث القبقلار رجلا عربيا إلى المسلمين يأتيه بخبرهم فدخل فيهم وأقام يوما وليلة ثم عاد إليه فقال ما وراءك فقال بالليل رهبان وبالنهار فرسان ولو سرق ابن ملكهم قطعوه ولو زنى رجم لإقامة الحق فيهم فقال إن كنت صدقتني لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها ولوددت أن حظي من الله أن يخلي بيني وبينهم فلا ينصرني عليهم ولا ينصرهم علي

والتقوا يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة فظهر المسلمون وهزم المشركون وقتل القبقلار وتذارق واستشهد رجال من المسلمين منهم سلمة بن هشام بن المغيرة وهبار بن الأسود ونعيم بن عبد الله النحام وهشام بن العاص بن وائل وقيل بل قتل باليرموك وجماعة غيرهم قال ثم جمع هرقل للمسلمين فالتقوا باليرموك وجاءهم خبر وفاة أبي بكر وهم متصافون وولاية أبي عبيدة وكانت هذه الوقعة في رجب هذه سياقة الخبر

وكان فيمن قتل ضرار بن الخطاب الفهري وله صحبة وعمرو بن سعيد بن العاص وهو من مهاجرة الحبشة وقيل قتل باليرموك وممن قتل الفضل بن العباس وقيل قتل بمرج الصفر وقيل مات في طاعون عمواس وفيها قتل طليب بن عمير بن وهب القرشي وقيل قتل باليرموك شهد بدرا وهو من المهاجرين الأولين وفيها قتل عبد الله بن أبي جهم القرشي العدوي وكان إسلامه يوم الفتح وفيها قتل عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بعد أن قتل جمعا من الروم في المعركة وكان عمره يوم مات النبي نحو ثلاثين سنة وفيها قتل عبد الله بن الطفيل الدوسي وهو الملقب بذي النور وكان من فضلاء الصحابة قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة

أجنادين بعد الجيم نون ودال مهملة مفتوحة ومنهم من يكسرها ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة وآخره نون وقد قيل إن وقعة أجنادين كانت سنة خمس عشرة وسيرد ذكرها إن شاء الله

ذكر وفاة أبي بكر ص 266

كانت وفاة أبي بكر رضي الله عنه لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة ليلة الثلاثاء وهو ابن ثلاث وستين سنة وهو الصحيح وقيل غير ذلك وكان قد سمه اليهود في أرز وقيل في حريرة وهي الحسو فأكل هو والحارث بن كلدة فكف الحارث وقال لأبي بكر أكلنا طعاما مسموما سم سنة فماتا بعد سنة وقيل إنه اغتسل الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة وكان يوما باردا فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة فأمر عمر أن يصلي بالناس ولما مرض قال له الناس ألا ندعو الطبيب قال قد أتاني وقال لي أنا فاعل ما أريد فعلموا مراده وسكتوا عنه ثم مات وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال

وقيل كانت سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال وكان مولده بعد الفيل بثلاث سنين وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس وابنه عبد الرحمن وأن يكفن في ثوبه ويشتري معهما ثوب ثالث وقال الحي أحوج إلى الجديد من الميت إنما هو للمهنة والصديد ودفن ليلا وصلى عليه عمر بن الخطاب في مسجد رسول الله وكبر عليه أربعا وحمل على السرير الذي حمل عليه رسول الله ودخل قبره ابنه عبد الرحمن وعمر وعثمان وطلحة وجعل رأسه عند كتفي النبي وألصقوا لحده بلحد النبي وجعل قبره مثل قبر النبي مسطحا وأقامت عائشة عليه النوح فنهاهن عن البكاء عمر فأبين أن ينتهين فقال لهشام بن الوليد ادخل فأخرج إلي ابنة أبي قحافة أخت أبي بكر فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر إني أحرج عليك بيتي فقال عمر لهشام ادخل فقد أذنت لك فدخل هشام فأخرج إليه أم فروة ابنة أبي قحافة فعلاها بالدرة ضربات فتفرق النوح حين سمعن ذلك وكان آخر ما تكلم به توفني مسلما و ألحقني بالصالحين

وكان أبيض خفيف العارضين أحنى لا يستمسك إزاره معروق الوجه نحيفا ناتئ الجبهة عاري الأشاجع ممحوص الفخذين أقنى غائر العينين يخضب بالحناء والكتم وكان أبوه حيا بمكة لما توفي

اسمه ص 267

وهو أبو بكر عبد الله وقيل عتيق بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن النضر بن مالك يجتمع مع النبي في مرة بن كعب وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم وقيل إن رسول الله قال له أنت عتيق من النار فلزمه وقيل إنما قيل له عتيق لرقة حسنه وجماله وأسلمت أمه قديما بعد إسلام أبي بكر

زوجه وولده ص 267

وتزوج في الجاهلية قتيلة بنت عبد العزى بن عامر بن لؤي فولدت له عبد الله وأسماء وتزوج أيضا في الجاهلية أم رومان واسمها دعد بنت عامر بن عميرة الكنانية فولدت له عبد الرحمن وعائشة وتزوج في الإسلام أسماء بنت عميس وكانت قبله عند جعفر بن أبي طالب فولدت له محمد بن أبي بكر وتزوج أيضا في الإسلام حبيبة بنت خارجة بن زيد الأنصارية فولدت له بعد وفاته أم كلثوم

أسماء قضاته وعماله وكتابه ص 267

لما ولي أبو بكر قال له أبو عبيدة أنا أكفيك المال وقال له عمر أنا أكفيك القضاء فمكث عمر سنة لا يأتيه رجلان

وكان علي بن أبي طالب يكتب له وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان وكان يكتب له من حضر وكان عامله على مكة عتاب بن أسيد ومات في اليوم الذي مات فيه أبو بكر وقيل مات بعده وكان على الطائف عثمان بن أبي العاص وعلى صنعاء المهاجر بن أبي أمية وعلى حضرموت زياد بن لبيد الأنصاري وعلى خولان يعلى بن منية وعلى زبيد ورمع أبو موسى وعلى الجند معاذ بن جبل وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي

وبعث جرير بن عبد الله إلى نجران وعبد الله بن ثور إلى جرش وعياض بن غنم إلى دومة الجندل وكان بالشام أبو عبيدة وشرحبيل ويزيد وعمرو وكل رجل منهم على جند وعليهم خالد بن الوليد

وكان نقش خاتمه نعم القادر الله وعاش أبوه بعده ستة أشهر وأياما ومات وله سبع وتسعون سنة

ذكر بعض أخباره ومناقبه ص 268

كان أبو بكر أول الناس إسلاما في قول بعضهم وقد تقدم الخلاف في ذلك وقال النبي ( ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة غير أبي بكر )

والذي ورد له عن النبي من المناقب فكثير كشهادته له بالجنة وعتقه من النار وغير ذلك من الأخبار بخلافته تعريضا كقوله للمرأة ( إن لم تجديني فأتي أبا بكر ) وكقوله ( اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ) إلى غير ذلك

وشهد بدرا وأحدا والخندق وغير ذلك من المشاهد مع رسول الله

وأعتق سبعة نفر كلهم يعذب في الله تعالى منهم بلال وعامر بن فهيرة وزنيرة والنهدية وابنها وجارية بني مؤمل وأم عبيس

وأسلم وله أربعون ألفا أنفقها في الله مع ما كسب من التجارة

ولما ولي الخلافة وارتدت العرب خرج شاهرا سيفه إلى ذي القصة فجاءه علي وأخذ بزمام راحلته وقال له أين يا خليفة رسول الله أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد شم سيفك لا تفجعنا بنفسك فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام نظام فرجع وأمضى الجيش

وكان له بيت مال بالسنح وكان يسكنه إلى أن انتقل إلى المدينة فقيل له أل نجعل عليه من يحرسه قال لا فكان ينفق جميع ما فيه على المسلمين فلا يبقى فيه شيء فلما انتقل إلى المدينة جعل بيت المال معه في داره

وفي خلافته انفتح معدن بني سليم وكان يسوي في قسمته بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام وبين الحر والعبد والذكر والأنثى فقيل له لتقدم أهل السبق على قدر منازلهم

فقال إنما أسلموا لله ووجب أجرهم عليه يوفهم ذلك في الآخرة وإنما هذه الدنيا بلاغ وكان يشتري الأكيسة ويفرقها في الأرامل في الشتاء

ولما توفي أبو بكر جمع عمر الأمناء وفتح بيت المال فلم يجدوا فيه شيئا غير دينار سقط من غرارة فترحموا عليه

قال أبو صالح الغفاري كان عمر يتعهد امرأة عمياء في المدينة بالليل فيقوم بأمرها فكان إذا جاءها وجد غيره قد يبقه إليها ففعل ما أرادت فرصده عمر فإذا هو أبو بكر كان يأتيها ويقضي أشغالها سرا وهو خليفة فقال له أنت هو لعمري قال أبو بكر بن حفص بن عمر لما حضرت أبا بكر الوفاة حضرته عائشة وهو يعالج الموت فتمثلت

( لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى % إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر )

فنظر إليها كالغضبان ثم قال

ليس كذلك ولكن وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد إني قد نحلتك حائط كذا وفي نفسي منه شيء فرديه على الميراث

فردته فقال إنما هما أخواك وأختاك

قالت من الثانية إنما هي أسماء قال ذات بطن بنت خارجة يعني زوجته وكانت حاملا

فولدت أم كلثوم بعد موته

وقال لها أما أنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم ولبسنا من خشن ثيابهم وليس عندنا من فيء المسلمين إلا هذا العبد وهذا البعير وهذه القطيفة فإذا مت فابعثي بالجميع إلى عمر فلما مات بعثته إلى عمر فلما رآه بكى حتى سالت دموعه إلى الأرض وجعل يقول

رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده ويكرر ذلك وأمر برفعه

فقال عبد الرحمن بن عوف سبحان الله تسلب عيال أبي بكر عبدا وناضحا وسحق قطيفة ثمنها خمسة دراهم فلو أمرت بردها عليهم فقال لا والذي بعث محمدا لا يكون هذا في ولايتي ولا يخرج أبو بكر منه وأتقلده أنا

وأمر أبو بكر أن يرد جميع ما أخذ من بيت المال لنفقته بعد وفاته

وقيل إن زوجته اشتهت حلوا فقال ليس لنا ما نشتري به فقالت أنا أستفضل من نفقتنا في عدة أيام ما نشتري به قال افعلي

ففعلت ذلك فاجتمع لها في أيام كثيرة شيء يسير فلما عرفته ذلك ليشتري به حلوا أخذه فرده إلى بيت المال وقال هذا يفضل عن قوتنا وأسقط من نفقته بمقدار ما نقصت كل يوم وغرمه لبيت المال من ملك كان له

هذا والله هو التقوى الذي لا مزيد عليه وبحق قدمه الناس رضي الله عنه وأرضاه

وكان منزل أبي بكر بالسنح عند زوجته حبيبة بنت خارجة فأقام هنالك ستة أشهر بعدما بويع له وكان يغدو على رجليه إلى المدينة وربما ركب فرسه فيصلي بالناس فإذا صلى العشاء رجع إلى السنح وكان إذا غاب صلى بالناس عمر وكان يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع وكانت له قطعة غنم تروح عليه وربما خرج هو بنفسه فيها وربما رعيت له وكان يحلب للحي أغنامهم فلما بويع بالخلافة قالت جارية منهم الآن لا يحلب لنا منائح دارنا فسمعها فقال بلى لعمري لأحلبنها لكم وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه فكان يحلب لهم ثم تحول إلى المدينة بعد ستة أشهر من خلافته وقال ما تصلح أمور الناس مع التجارة وما يصلح إلا التفرغ لهم والنظر في شأنهم فترك التجارة وأنفق من مال المسلمين ما يصلحه وعياله يوما بيوم ويحج ويعتمر فكان الذي فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم وقيل فرضوا له ما يكفيه فلكا حضرته الوفاة أوصى أن تباع أرض له ويصرف ثمنها عوض ما أخذه من مال المسلمين

وكان أول وال فرض له رعيته نفقته وأول خليفة ولي وأبوه حي وأول من سمى مصحف القرآن مصحفا وأول من سمي خليفة

زنيرة بكسر الزاي والنون المشددة وعبيس بضم العين المهملة وبالباء الموحدة المفتوحة ثم بالياء المثناة من تحت وبالسين المهملة ومنية بالنون الساكنة والياء تحتها نقطتان

ذكر استخلافه عمر بن الخطاب ص 271

لما نزل بأبي بكر رضي الله عنه الموت دعا عبد الرحمن بن عوف فقال أخبرني عن عمر فقال يا خليفة رسول الله هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل إلا إنه فيه غلظة فقال أبو بكر ذلك لأنه يراني رقيقا ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه وقد رمقته فكنت إذا غضبت على رجل أراني الرضا عنه وإذا لنت له أراني الشدة عليه

ودعا عثمان بن عفان وقال له أخبرني عن عمر

فقال سريرته خير من علانيته وليس فينا مثله فقال أبو بكر لهما لا تذكرا مما قلت لكما شيئا ولو تركته ما عدوت عثمان والخيرة له أن لا يلي من أموركم شيئا ولوددت أني كنت من أموركم خلوا وكنت فيمن مضى من سلفكم

ودخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر فقال استخلفت على الناس عمر وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه وكيف به إذا خلا بهم وأنت لاق ربك فسائلك عن رعيتك

فقال أبو بكر أجلسوني فأجلسوه فقال أبالله تخوفني إذا لقيت ربي فسألني قلت استخلفت على أهلك خير أهلك

ثم إن أبا بكر أحضر عثمان بن عفان خاليا ليكتب عهد عمر فقال له اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين أما بعد ثم أغمي عليه فكتب عثمان أما بعد فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيرا ثم أفاق أبو بكر فقال اقرأ علي فقرأ عليه فكبر أبو بكر وقال أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي قال نعم

قال جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله فلما كتب العهد أمر به أن يقرأ على الناس فجمعهم وأرسل الكتاب مع مولى له ومعه عمر فكان عمر يقول للناس أنصتوا واسمعوا لخليفة رسول الله فإنه لم يألكم نصحا

فسكن الناس فلما قرئ عليهم الكتاب سمعوا وأطاعوا وكان أبو بكر أشرف على الناس وقال أترضون بمن استخلفت عليكم فإني ما استخلفت عليكم ذا قرابة وإني قد استخلفت عليكم عمر فاسمعوا له وأطيعوا فإني والله ما آلوت من جهد الرأي فقالوا سمعنا وأطعنا

ثم أحضر أبو بكر عمر فقال له إني قد استخلفتك على أصحاب رسول الله وأوصاه بتقوى الله ثم قال يا عمر إن لله حقا بالليل ولا يقبله في النهار وحقا في النهار لا يقبله بالليل وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة ألم تر يا عمر إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه غدا إلا حق أن يكون ثقيلا ألم تر يا عمر إنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم وحق لميزان أن لا يوضع فيه إلا باطل أن يكون خفيفا

ألم تر يا عمر إنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغبا راهبا لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له ولا يرهب رهبة يلقى فيها بيديه

ألم تر يا عمر إنما ذكر الله أهل النار بأسوأ أعمالهم فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو أن لا أكون منهم وإنه إنما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم عما كان من سيئ فإذا ذكرتهم قلت أين عملي من أعمالهم

فإن حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحب إليك من حاضر من الموت ولست بمعجزه

| خلافة عمر بن الخطاب

| رضي الله عنه وأرضاه

وتوفي أبو بكر فلم دفن صعد عمر بن الخطاب فخطب الناس ثم قال إنما مثل العرب مثل جمل آنف اتبع قائده فلينظر قائده حيث يقوده وإما أنا فورب الكعبة لأحملنكم على الطريق

وكان أول كتاب كتبه إلى أبي عبيدة بن الجراح بتولية جند خالد وبعزل خالد لأنه كان عليه ساخطا في خلافة أبي بكر كلها لوقعته بابن نويرة وما كان يعمل في حربه وأول ما تكلم به عزل خالد وقال لا يلي لي عملا أبدا وكتب إلى أبي عبيدة إن أكذب خالد نفسه فهو الأمير على ما كان عليه وإن لم يكذب نفسه فأنت الأمير على ما هو عليه وانزع عمامته عن رأسه وقاسمه ماله

فذكر ذلك لخالد فاستشار أخته فاطمة وكانت عند الحارث بن هشام فقالت له والله لا يحبك عمر أبدا وما يريد إلا أن تكذب نفسك ثم ينزعك فقبل رأسها وقال صدقت

فأبى أن يكذب نفسه فأمر أبو عبيدة فنزع عمامة خالد وقاسمه ماله ثم قدم خالد على عمر بالمدينة وقيل بل هو أقام بالشام مع المسلمين وهو أصح

ذكر فتح دمشق ص 277

قيل ولما هزم الله أهل اليرموك وتهافت أهل الواقوصة وفرغ من المقاسم والأنفال وبعث بالأخماس وسرحت الوفود استخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب الحميري وسار حتى نزل بالصفر وهو يريد اتباع الفالة ولا يدري يجتمعون أو يفترقون فأتاه الخبر أن المنهزمين اجتمعوا بفحل وأتاه الخبر أيضا بأن المدد قد أتى أهل دمشق من حمص فهو لا يدري أبدمشق يبدأ أم بفحل في بلاد الأردن فكتب إلى عمر في ذلك فأجابه عمر يأمره بأن يبدأ بدمشق فانهدوا لها فإنها حصن الشام وبيت ملكهم وأن يشغل أهل فحل بخيل تكون بإزائهم وإذا فتح دمشق سار إلى فحل فإذا فتحت عليهم سار هو وخالد إلى حمص وترك شرحبيل بن حسنة وعمرا بالأردن وفلسطين

فأرسل أبو عبيدة إلى فحل طائفة من المسلمين فنزلوا قريبا منها وبثق الروم الماء حول فحل فوحلت الأرض فنزل عليهم المسلمون فكان أول محصور بالشام أهل فحل ثم أهل دمشق

وبعث أبو عبيدة جندا فنزلوا بين حمص ودمشق وأرسل جندا آخر فكانوا بين دمشق وفلسطين وسار أبو عبيدة وخالد فقدموا على دمشق وعليها نسطاس فنزل أبو عبيدة على ناحية وخالد على ناحية وعمرو على ناحية وكان هرقل قريب من حمص فحصرهم المسلمون سبعين ليلة حصارا شديدا وقاتلوهم بالزحف والمجانيق وهم معتصمون بالمدينة يرجون الغياث وجاءت خيول هرقل مغيثة دمشق فمنعتها خيول المسلمين التي عند حمص فخذل أهل دمشق وطمع فيها المسلمون وولد للبطريق الذي على أهلها مولود فصنع طعاما فأكل القوم وشربوا وتركوا مواقفهم ولا يعلم بذلك أحد من المسلمين إلا ما كان من خالد فإنه كان لا ينام ولا ينيم ولا يخفى عليه من أمورهم شيء عيونه ذاكية وهو معني بما يليه وكان قد اتخذ حبالا كهيئة السلاليم وأوهاقا فلما أمسى ذلك اليوم نهض هو ومن معه من جنده الذين قدم عليهم وتقدمهم هو والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عدي وأمثاله وقالوا إذا سمعتم تكبيرا على السور فأرقوا إلينا واقصدوا الباب

فلما وصل هو وأصحابه إلى السور ألقوا الحبال فعلق بالشرف منها حبلان فصعد فيهما القعقاع ومذعور وأثبتا الحبال بالشرف وكان ذلك المكان أحصن موضع بدمشق وأكثره ماء وأشده مدخلا فصعد المسلمون ثم انحدر خالد وأصحابه وترك بذلك المكان من يحميه وأمرهم بالتكبير فكبروا فأتاهم المسلمون إلى الباب والى الحبال وانتهى خالد إلى من يليه فقتلهم وقصد الباب فقتل البوابين وثار أهل المدينة لا يدرون ما الحال وتشاغل أهل كل ناحية بما يليهم وفتح خالد الباب وقتل كل من عنده من الروم فلما رأى الروم ذلك قصدوا باب عبيدة وبذلوا له الصلح فقبل منهم وفتحوا له الباب وقالوا له ادخل وامنعنا من أهل ذلك الجانب ودخل أهل كل باب بصلح مما يليهم ودخل خالد عنوة فالتقى خالد والقواد في وسطها هذا قتلا ونهبا وهذا صفحا وتسكينا فأجروا ناحية خالد مجرى الصلح وكان صلحهم على المقاسمة وقسموا معهم للجنود التي عند فحل وعند حمص وغيرهم ممن هو ردء للمسلمين وأرسل أبو عبيدة إلى عمر بالفتح فوصل كتاب عمر إلى أبي عبيدة يأمره بإرسال جند العراق نحو العراق إلى سعد بن أبي وقاص فأرسلهم وأمر عليهم هاشم بن عتبة المرقال وكانوا قد قتل منهم فأرسل أبو عبيدة عوض من قتل وكان ممن أرسل الأشتر وغيره وسار أبو عبيدة إلى فحل

ذكر غزوة فحل ص 278

فلما فتحت دمشق سار أبو عبيدة إلى فحل واستخلف على دمشق يزيد بن أبي سفيان في خيله وبعث خالدا على المقدمة وعلى الناس شرحبيل بن حسنة وكان على المجنبتين أبو عبيدة وعمرو بن العاص وعلى الخيل ضرار بن الأزور وعلى الرجال عياض بن غنم وكان أهل فحل قد قصدوا بيسان فهم بها فنزل شرحبيل بالناس فحلا وبينهم وبين الروم تلك المياه والأوحال وكتبوا إلى عمر بالخبر وهم يحدثون أنفسهم بالمقام ولا يريدون أن يريموا فحلا حتى يرجع جواب كتابهم من عند عمر ولا يستطيعون الإقدام على عدوهم في مكانهم لما دونهم من الأوحال وكانت العرب تسمي تلك الغزاة ذات الردغة وبيسان وفحل وأقام الناس ينتظرون كتاب عمر فاغترهم الروم فخرجوا وعليهم سقلار بن مخراق ورجوا أن يكونوا على غرة فأتوهم والمسلمون حذرون وكان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبية فلما هجموا على المسلمين لم يناظروهم فاقتتلوا أشد قتال كان لهم ليلتهم ويومهم إلى الليل وأظلم الليل عليهم وقد حاروا فانهزم الروم وهم حيارى وقد أصيب رئيسهم صقلار والذي يليه فيهم نسطوس وظفر المسلمون بهم أحسن ظفر وأهنأه وركبوهم ولم تعرف الروم مأخذهم فانتهت بهم الهزيمة إلى الوحل فركبوه ولحقهم المسلمون فأخذوهم ولا يمنعون يد لامس فوخزوهم بالرماح فكانت الهزيمة بفحل والقتل بالرداغ فأصيب الروم وهم ثمانون ألفا لم يفلت منهم إلا الشريد وقد كان الله يصنع للمسلمين وهم كارهون كرهوا البثوق والوحل فكانت عونا لهم على عدوهم واناة من الله ليزدادوا بصيرة وجدا وغنموا أموالهم فاقتسموها وانصرف أبو عبيدة بخالد ومن معه إلى حمص

وممن قتل في هذه الحرب السائب بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي له صحبة

فحل بكسر الفاء وسكون الحاء المهملة وآخره لام

ذكر فتح بلاد ساحل دمشق ص 279

لما استخلف أبو عبيدة يزيد بن أبي سفيان على دمشق وسار إلى فحل سار يزيد إلى مدينة صيدا وعرقة وجبيل وبيروت وهي سواحل دمشق على مقدمته أخوه معاوية ففتحها فتحا يسيرا وجلا كثيرا من أهلها وتولى فتح عرقة معاوية بنفسه في ولاية يزيد ثم إن الروم غلبوا على بعض هذه السواحل في آخر خلافة عمر وأول خلافة عثمان فقصدهم معاوية ففتحها ثم رمها وشحنها بالمقاتلة وأعطاهم القطائع ولما ولي عثمان الخلافة وجمع لمعاوية الشام وجه معاوية سفيان بن مجيب الأزدي إلى طرابلس وهي ثلاث مدن مجتمعة ثم بنى في مرج على أميال منها حصنا سمي حصن سفيان وقطع المادة عن أهلها من البر والبحر وحاصرهم فلما اشتد عليهم الحصار اجتمعوا في أحد الحصون الثلاثة وكتبوا إلى ملك الروم يسألونه أن يمدهم أو يبعث إليهم بمراكب يهربون فيها إلى بلاد الروم فوجه إليهم بمراكب كثيرة ركبوا فيها ليلا وهربوا فلما أصبح سفيان وكان يبيت هو والمسلمون في حصنه ثم يغدو على العدو فوجد الحصن خاليا فدخله وكتب بالفتح إلى معاوية فأسكنه معاوية جماعة كثيرة من اليهود وهو الذي فيه الميناء اليوم ثم بناه عبد الملك بن مروان وحصنه ثم نقض أهله أيام عبد الملك ففتحه ابنه الوليد في زمانه

ذكر فتح بيسان وطبرية ص 280

لما قصد أبو عبيدة حمص من فحل أرسل شرحبيل ومن معه إلى بيسان فقاتلوا أهلها فقتلوا منهم خلقا كثيرا ثم صالحهم من بقي على صلح دمشق فقبل ذلك منهم وكان أبو عبيدة قد بعث بالأعور إلى طبرية يحاصرها فصالحه أهلها على صلح دمشق أيضا وأن يشاطروا المسلمين المنازل فنزلها القواد وخيولها وكتبوا بالفتح إلى عمر

قال أبو جعفر وقد اختلفوا في أي هذه الغزوات كان قبل الأخرى فقيل ما ذكرنا وقيل إن المسلمين لما فرغوا من أجنادين اجتمع المنهزمون بفحل فقصدها المسلمون فظفروا بها ثم لحق المنهزمون من فحل بدمشق فقصدها المسلمون فحاصروها وفتحوها وقدم كتاب عمر بن الخطاب بعزل خالد وولاية أبي عبيدة وهم محاصرون دمشق فلم يعرفه أبو عبيدة ذلك حتى فرغوا من صلح دمشق وكتب الكتاب باسم خالد وأظهر أبو عبيدة بعد ذلك عزله وكانت فحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وفتح دمشق في رجب سنة أربع عشرة وقيل إن وقعة اليرموك كانت سنة خمس عشرة ولم تكن للروم بعدها وقعة وإنما اختلفوا لقرب بعض ذلك من بعض

عود إلى حرب الفرس ص 281

قد ذكرنا قدوم المثنى بن حارثة الشيباني من العراق على أبي بكر ووصية أبي بكر عمر بالمبادرة إلى إرسال الجيوش معه فلما أصبح عمر من الليلة التي مات فيها أبو بكر كان أول ما عمل أن ندب الناس مع المثنى بن حارثة الشيباني إلى أهل فارس قبل صلاة الفجر ثم بايع الناس ثم ندب الناس وهو يبايعهم ثلاثا ولا ينتدب أحد إلى فارس وكانوا أثقل الوجوه على المسلمين وأكرهها إليهم لشدة سلطانهم وشوكتهم وقهرهم الأمم فلما كان اليوم الرابع ندب الناس إلى العراق فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي وهو والد المختار وسعد بن عبيدة الأنصاري وسليط بن قيس وهو ممن شهد بدرا وتتابع الناس وتكلم المثنى بن حارثة فقال أيها الناس لا يعظمن عليكم هذا الوجه فإنا قد فتحنا ريف فارس وغلبناهم على خير شقى السواد وشاطرناهم ونلنا منهم واجترأنا عليهم ولنا إن شاء الله ما بعدها

فاجتمع الناس فقيل لعمر أمر عليهم رجلا من السابقين من المهاجرين أو الأنصار قال لا والله لا أفعل إنما رفعهم الله تعالى بسبقهم ومسارعتهم إلى العدو فإذا فعل فعلهم قوم وتثاقلوا كان الذين ينفرون خفافا وثقالا ويسبقون إلى الدفع أولى بالرياسة منهم والله لا أؤمر عليهم إلا أولهم انتدابا ثم دعا أبا عبيد وسعدا وسليطا وقال لهما لو سبقتماه لوليتكما ولأدركتما بهما إلى مالكما من السابقة فأمر أبا عبيد على الجيش وقال له اسمه من أصحاب رسول الله وأشركهم في الأمر ولا تجتهد مسرعا حتى تتبين ولم يمنعني أن أؤمر سليطا إلا سرعته إلى الحرب وفي التسرع إلى الحرب ضياع الأعراب فإنه لا يصلحها إلا الرجل المكيث وأوصاه بجنده فكان بعث أبي عبيد أول جيش سيره عمر ثم بعده سير يعلى بن منية إلى اليمن وأمره بإجلاء أهل نجران بوصية رسول الله وأن لا يجتمع بجزيرة العرب دينان

ذكر خبر النمارق ص 282

فسار أبو عبيدة الثقفي وسعد بن عبيد وسليط بن قيس الأنصاريان والمثنى بن الحارثة الشيباني أحد بني هند من المدينة وأمر عمر المثنى بالتقدم إلى أن يقدم عليه أصحابه وأمرهم باستنفار من حسن إسلامه من أهل الردة ففعلوا ذلك وسار المثنى فقدم الحيرة وكانت الفرس تشاغلت عن المسلمين بموت شهر براز حتى اصطلحوا على سابور بن شهريار بن أردشير فثارت به آزر ميدخت فقتلته وقتلت الفرخزاد وملكت بوران وكانت عدلا بين الناس حتى يصطلحوا فأرسلت إلى رستم بن الفرخزاد بالخبر وتحثه على السير وكان على فرج خراسان فأقبل لا يلقى جيشا لآزر ميدخت إلا هزمه حتى دخل المدائن فاقتتلوا وهزم سياوخش وحصره وآزر ميدخت بالمدائن ثم افتتحها رستم وقتل سياوخش وفقأ عين آزر ميدخت ونصب بوران ودعته إلى القيام بأمر أهل فارس وشكت إليه تضعضعهم وإدبار أمرهم على أن تملكه عشر سنين ثم يكون الملك في آل كسرى إن وجدوا من غلمانهم أحدا وإلا ففي نسائهم

فقال رستم أما أنا فسامع مطيع غير طالب عوضا ولا ثوابا فقالت بوران أغد علي فغدا عليها ودعت مرازبة فارس وأمرتهم أن يسمعوا له ويطيعوا وتوجته فدانت له فارس قبل قدوم أبي عبيد وكان منجما حسن المعرفة به وبالحوادث فقال له بعضهم ما حملك على هذا الأمر وأنت ترى ما ترى قال حب الشرف والطمع

ثم قدم المثنى إلى الحيرة في عشر وقدم أبو عبيد بعده بشهر فكتب رستم إلى الدهاقين أن يثوروا بالمسلمين وبعث في كل رستاق رجلا يثور بأهله فبعث جابان إلى فرات بادقلي وبعث نرسي إلى كسكر ووعدهم يوما وبعث جندا لمصادمة المثنى وبلغ المثنى الخبر فضم إليه مسالحه فحذر وعجل جابان ونزل النمارق وثاروا وتوالوا على الخروج وخرج أهل الرساتيق من أعلى الفرات إلى أسفله وخرج المثنى من الحيرة فنزل خفان لئلا يؤتى من خلفه بشيء يكرهه وأقام حتى قدم عليه أبو عبيد فلما قدم لبث أياما يستريح هو وأصحابه واجتمع إلى جابان بشر كثير فنزل النمارق وسار إليه أبو عبيد فجعل المثنى على الخيل وكان على مجنبتي جابان جشنس ماه ومردانشاه فاقتتلوا بالنمارق قتالا شديدا فهزم الله أهل فارس وأسر جابان أسره مطر بن فضة التيمي وأسر مردانشاه أسره أكتل بن شماخ العكلي فقتله

وأما جابان فإنه خدع مطرا وقال له هل لك أن تؤمنني وأعطيك غلامين أمردين خفيفين في عملك وكذا وكذا ففعل فخلا عنه فأخذه المسلمون وأتوا به أبا عبيد وأخبروه أنه جابان وأشاروا عليه بقتله فقال إني أخاف الله أن أقتله وقد أمنه رجل مسلم والمسلمون في التوادد والتناصر كالجسد الواحد ما لزم بعضهم فقد لزم كلهم فقالوا له إنه الملك قال وإن كان لا أغدر فتركه وتركوه وأرسل في طلب المنهزمين حتى أدخلوهم عسكر نرسي وقتلوا منهم

أكتل بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح التاء المثناة باثنتين من فوقها وفي آخره لام

ذكر وقعة السقاطية بكسكر ص 283

ولحق المنهزمون نحو كسكر وبها نرسي وهو ابن خالة الملك وكان له النرسيان وهو نوع من التمر يحميه لا يأكله إلا ملك الفرس أو من أكرموه بشيء منه ولا يغرسه غيرهم واجتمع إلى النرسي الفالة وهو في عسكره فسار أبو عبيد إليهم من النمارق فنزل على نرسي بكسكر وكان المثنى في تعبيته التي قاتل فيها بالنمارق وكان على مجنبتي نرسي بندويه وتيرويه ابنا بسطام خال الملك ومعه أهل باروسما والزوابي

ولما بلغ الخبر بوران ورستم بهزيمة جابان بعثا الجالينوس إلى نرسي فلحقه قبل الحرب فعاجلهم أبو عبيد فالتقوا أسفل من كسكر بمكان يدعى السقاطية فاقتتلوا في صحارى ملس قتالا شديدا ثم انهزمت فارس وهرب نرسي وغلب المسلمون على عسكره وأرضه وجمعوا الغنائم فرأى أبو عبيد من الأطعمة شيئا كثيرا فنفله من حوله من العرب وأخذوا النرسيان فأطعموه الفلاحين وبعثوا بخمسه إلى عمر وكتبوا إليه أن الله أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة تحميها وأحببنا أن تروها لتشكروا إنعام الله وإفضاله

وأقام أبو عبيد وبعث المثنى إلى باروسما وبعث والقا إلى الزوابي وعاصما إلى نهر جور فهزموا من كان تجمع وأخربوا وسبوا أهل زندورد وغيرها وبذل لهم فروخ وفراونداذ عن أهل باروسما والزوابي وكسكر الجزاء معجلا فأجابوا إلى ذلك وصاروا صلحا وجاء فروخ وفرا ونداذ إلى أبي عبيد بأنواع الطعام والأخبصة وغيرها فقال هل أكرمتم الجند بمثلها

فقالوا لم يتيسر ونحن فاعلون وكانوا يتربصون قدوم الجالينوس فقال أبو عبيد لا حاجة لنا فيه بئس المرء أبو عبيد إن صحب قوما من بلادهم استأثر عليهم بشيء ولا والله لا آكل ما أتيتم به ولا مما أفاء الله إلا مثل ما يأكل أوساطهم

فلما هزم الجالينوس أتوه بالأطعمة أيضا فقال ما آكل هذا دون المسلمين فقالوا له ليس من أصحابك أحد إلا وقد أتي بمثل هذا فأكل

ذكر وقعة الجالينوس ص 284

ولما بعث رستم الجالينوس أمره أن يبدأ بنرسي ثم يقاتل أبا عبيد فبادره أبو عبيد إلى نرسي فهزمه وجاء الجالينوس فنزل بباقسياثا من باروسما فسار إليه أبو عبيد وهو على تعبيته فالتقوا بها فهزمهم المسلمون وهرب الجالينوس وغلب أبو عبيد على تلك البلاد ثم ارتحل حتى قدم الحيرة وكان عمر قد قال له إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والجبرية تقدم على قوم تجرأوا على الشر فعلموه وتناسوا الخسر فجهلوه فانظر كيف تكون واحرز لسانك ولا تفشين سرك فإن صاحب السر ما يضبطه متحصن لا يؤتى من وجهه يكرهه وإذا ضيعه كان بمضيعة

ذكر وقعة قس الناطف ص 285

| ويقال لها الجسر ويقال المروحة وقتل أبي عبيد بن مسعود

ولما رجع الجالينوس إلى رستم منهزما ومن معه من جنده قال رستم أي العجم أشد على العرب فيما ترون

قالوا بهمن جاذويه المعروف بذي الحاجب وإنما قيل له ذا الحاجب لأنه كان يعصب حاجبيه بعصابة ليرفعهما كبرا فوجهه ومعه فيلة ورد الجالينوس معه وقال لبهمن إن انهزم الجالينوس ثانية فاضرب عنقه

فأقبل بهمن جاذويه ومعه درفش كابيان راية كسرى كانت من جلود النمر عرض ثماني أذرع وطول اثنتي عشرة ذراعا فنزل بقس الناطف وأقبل أبو عبيد فنزل بالمروحة فرأت دومة امرأته أم المختار ابنه أن رجلا نزل من السماء بإناء فيه شراب فشرب أبو عبيد ومعه نفر فأخبرت بها أبا عبيد فقال لهذه إن شاء الله الشهادة وعهد إلى الناس فقال إن قتلت فعلى الناس فلان فإن قتل فعليهم فلان حتى أمر الذين شربوا من الإناء على الولاء من كلامه

ثم قال فإن قتل فعلى الناس المثنى

وبعث إليه بهمن جاذويه إما أن تعبروا إلينا وندعكم والعبور وإما أن تدعونا نعبر إليكم فنهاه الناس عن العبور ونهاه سليط أيضا فلج وترك الرأي وقال لا يكونوا أجرأ على الموت منا فعبر إليهم على جسر عقده ابن صلوبا للفريقين وضاقت الأرض بأهلها واقتتلوا فلما نظرت الخيول إلى الفيلة والخيل عليها التجافيف رأت شيئا منكرا لم تكن رأت مثله فجعل المسلمون إذا حملوا عليهم فلم تقدم عليهم خيولهم وإذا حملت الفرس على المسلمين بالفيلة والجلاجل فرقت خيولهم وكراديسهم ورموهم بالنشاب واشتد الأمر بالمسلمين فترجل أبو عبيد والناس ثم مشوا إليهم ثم صافحوهم بالسيوف فجعلت الفيلة لا تحمل على جماعة إلا دفعتهم فنادى أبو عبيد احتوشوا الفيلة واقطعوا بطانها واقلبوا عنها أهلها ووثب هو على الفيل الأبيض فقطع بطانه ووقع الذين عليه وفعل القوم مثل ذلك فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه وأهوى الفيل لأبي عبيد فضربه أبو عبيد بالسيف وخبطه الفيل بيده فوقع فوطئه الفيل وقام عليه فلما بصر به الناس تحت الفيل خشعت أنفس بعضهم

ثم أخذ اللواء الذي أمره بعده فقاتل الفيل حتى تنحى عن أبي عبيد فأخذه المسلمون فأحرزوه ثم قتل الفيل الأمير الذي بعد أبي عبيد وتتابع سبعة أنفس من ثقيف كلهم يأخذ اللواء ويقاتل حتى يموت ثم أخذ اللواء المثنى فهرب عنه الناس فلما رأى عبد الله بن مرثد الثقفي ما لقي أبو عبيد وخلفاؤه وما يصنع الناس بادرهم إلى الجسر فقطعه وقال يا أيها الناس موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا وحاز المشركون المسلمين إلى الجسر فتواثب بعضهم إلى الفرات فغرق من لم يصبر وأسرعوا فيمن صبر وحمى المثنى وفرسان من المسلمين الناس وقال أنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب ولا تغرقوا نفوسكم فعبروا الجسر

وقاتل عروة بن زيد الخيل قتالا شديدا وأبو محجن الثقفي وقاتل أبو زبيد الطائي حمية للعربية وكان نصرانيا قدم الحيرة لبعض أمره ونادى المثنى من عبر نجا فجاءه العلوج فعقدوا الجسر وعبر الناس وكان آخر من قتل عند الجسر سليط بن قيس وعبر المثنى وحمى جانبه فلما عبر ارفض عنه أهل المدينة حتى لحقوا بالمدينة وتركها بعضهم ونزلوا البوادي وبقي المثنى في قلة وكان قد جرح وأثبت فيه حلق من درعه هتكهن وأخبر عمر عمن سار في البلاد من الهزيمة استحياء فاشتد عليه ذلك ورحمهم وقال اللهم إن كل مسلم في حل مني أنا فئة كل مسلم يرحم الله أبا عبيد لو كان انحاز إلي لكنت له فئة وهلك من المسلمين يومئذ أربعة آلاف بين قتيل وغريق وهرب ألفان وبقي ثلاثة آلاف

وقتل من الفرس ستة آلاف وأراد بهمن جاذويه العبور خلف المسلمين فأتاه الخبر باختلاف الفرس وأنهم قد ثاروا برستم ونقضوا الذي بينهم وبينه وصاروا فريقين الفهلوج على رستم وأهل فارس على الفيرزان فرجع إلى المدائن

وكانت هذه الوقعة في شعبان

وكان فيمن قتل بالجسر عقبة وعبد الله ابنا قبطي بن قيس وكانا شهدا أحدا وقتل معهما أخوهما عباد ولم يشهد معهما أحدا وقتل أيضا قيس بن السكن بن قيس أبو زيد الأنصاري وهو بدري لا عقب له وقتل يزيد بن قيس بن الخطيم الأنصاري شهد أحدا وفيها قتل أبو أمية الفزاري له صحبة والحكم بن مسعود أخو أبي عبيد وابنه جبر بن الحكم بن مسعود

ذكر خبر أليس الصغرى ص 287

لما عاد ذو الحاجب لم يشعر جابان ومردانشاه بما جاء به من الخبر فخرجا حتى أخذا بالطريق وبلغ المثنى فعلهما فاستخلف على الناس عاصم بن عمرو وخرج في جريدة خيل يريدهما فظنا انه هارب فاعترضاه فأخذهما أسيرين وخرج أهل أليس على أصحابهما فأتوه بهم أسرى وعقد لهم بها ذمة وقتلهما وقتل الأسرى وهرب أبو محجن من أليس ولم يرجع مع المثنى بن حارثة

ذكر وقعة البويب ص 287

لما بلغ عمر خبر وقعة أبي عبيد بالجسر ندب الناس إلى المثنى وكان فيمن ندب بجيلة وأمرهم إلى جرير بن عبد الله لأنه كان قد جمعهم من القبائل وكانوا متفرقين فيها فسأل النبي أن يجمعهم فوعده ذلك فلما ولي أبو بكر تقاضاه بما وعده النبي فلم يفعل فلما ولي عمر طلب منه ذلك دعاه بالبينة فأقامها له فكتب إلى عماله أنه من كان ينسب إلى بجيلة في الجاهلية وثبت عليه في الإسلام فأخرجوه إلى جرير ففعلوا ذلك فلما اجتمعوا أمرهم عمر بالعراق وأبوا إلا الشام فعزم عمر على العراق وينفلهم ربع الخمس فأجابوا وسيرهم إلى المثنى بن حارثة وبعث عصمة بن عبد الله الضبي فيمن تبعه إلى المثنى

وكتب إلى أهل الردة فلم يأته أحد إلا رمى به المثنى وبعث المثنى الرسل فيمن يليه من العرب فتوافوا إليه في جمع عظيم وكان فيمكن جاءه أنس بن هلال النمري في جمع عظيم من النمر نصارى وقالوا نقاتل مع قومنا

وبلغ الخبر رستم والفيرزان فبعثا مهران الهمذاني إلى الحيرة فسمع المثنى ذلك وهو بين القادسية وخفان فاستبطن فرات بادقلي وكتب إلى جرير وعصمة وكل من أتاه ممدا له يعلمهم الخبر ويأمرهم بقصد البويب فهو الموعد فانتهوا إلى المثنى وهو بالبويب ومهران بإزائه من وراء الفرات فاجتمع المسلمون بالبويب مما يلي الكوفة اليوم وأرسل مهران إلى المثنى يقول إما أن تعبر إلينا وإما أن نعبر إليك فقال المثنى اعبروا فعبر مهران فنزل على شاطئ الفرات وعبى المثنى أصحابه وكان في رمضان فأمرهم بالإفطار ليقووا على عدوهم فأفطروا وكان على مجنبتي المثنى بشير بن الخصاصية وبسر بن أبي رهم وعلى مجردته المعني أخوه وعلى الرجل مسعود أخوه وعلى الردء مذعور وكان على مجنبتي مهران بن الأزاذبه مرزبان الحيرة ومردانشاه وأقبل الفرس في ثلاثة صفوف مع كل صف فيل ورجلهم أمام فيلهم ولهم زجل فقال المثنى للمسلمين إن الذي تسمعون فشل فالزموا الصمت وائتمروا همسا ودنوا من المسلمين وطاف المثنى في صفوفه يعهد إليهم وهو على فرسه الشموس وإنما سمي بذلك للينه وكان لا يركبه إلا إذا قاتل فوقف على الرايات راية راية يحرضهم ويأمرهم بأمره ويهزهم بأحسن ما فيهم ولكلهم يقول إني لأرجو أن لا يؤتى الناس من قبلكم اليوم والله ما يسرني اليوم لنفسي شيء إلا وهو يسرني لعامتكم فيجيبونه بمصل ذلك وأنصفهم من نفسه في القول والفعل وخلط الناس في المحبوب والمكروه فلم يقدر أحد أن يعيب له قولا ولا فعلا وقال إني مكبر ثلاثا فتهيأوا ثم أملوا في الرابعة فلما كبر أول تكبيرة أعجلتهم الفرس وخالطوهم مع أول تكبيرة وركدت خيلهم وحربهم مليا فرأى المثنى خللا في بني عجل فجعل يمد لحيته لما يرى منهم وأرسل إليهم يقول الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول لا تفضحوا المسلمين اليوم

فقالوا نعم واعتدلوا فضحك فرحا فلما طال القتال واشتد قال المثنى لأنس بن هلال النمري إنك امرؤ عربي وإن لم تكن على ديننا فإذا رأيتني قد حملت على مهران فاحمل معي

فأجابه فحمل المثنى على مهران فأزاله حتى دخل في ميمنته ثم خالطوهم واجتمع القلبان وارتفع الغبار والمجنبات تقتتل لا يستطيعون أن يفرغوا لنصر أميرهم لا المسلمون ولا المشركون وارتث مسعود أخو المثنى يومئذ وجماعة من أعيان المسلمين فلما أصيب مسعود تضعضع من معه فقال يا معشر بكر ارفعوا رايتكم رفعكم الله ولا يهولنكم مصرعي وكان المثنى قال لهم إذا رأيتمونا أصبنا فلا تدعوا ما أنتم فيه فإن الجيش ينكشف ثم ينصرف الزموا مصافكم واغنموا عمن يليكم واوجع قلب المسلمين في قلب المشركين

وقتل غلام نصراني من تغلب مهران واستولى على فرسه ثم انتمى أنا الغلام التغلبي أنا قتلت المرزبان فجعل المثنى سلبه لصاحب خيله وكان التغلبي قد جلب خيلا هو وجماعة من تغلب فلما رأوا القتال قاتلوا مع العرب

قال وأفنى المثنى قلب المشركين والمجنبات بعضها يقاتل بعضا فلما رأوه قد أزال القلب وأفنى أهله وثب مجنبات المسلمين على مجنبات المشركين وجعلوا يردون الأعاجم على أدبارهم وجعل المثنى والمسلمون في القلب يدعون لهم بالنصر ويرسل إليهم من يذمرهم ويقول لهم عاداتكم في أمثالهم انصروا الله ينصركم حتى هزموا الفرس وسبقهم المثنى إلى الجسر وأخذ طريق الأعاجم فافترقوا بشاطئ الفرات مصعدين ومنحدرين وأخذتهم خيول المسلمين حتى قتلوهم وجعلوهم جثثا فما كانت بين المسلمين والفرس وقعة أبقى رمة منها بقيت عظام القتلى دهرا طويلا وكانوا يحزرون القتلى مائة ألف وسمي ذلك اليوم الأعشار أحصي مائة رجل قتل كل منهم عشرة وكان عروة بن زيد الخيل من أصحاب التسعة وغالب الكناني وعرفجة الأزدي من أصحاب التسعة

وقتل المشركون فيما بين السكون اليوم وضفة الفرات وتبعهم المسلمون إلى الليل ومن الغد إلى الليل وندم المثنى على أخذه بالجسر وقال عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتي إياهم إلى الجسر وقطعه حتى أحرجتهم فلا تعودوا ولا تقتدوا بي أيها الناس إلى مثلها فإنها كانت زلة فلا ينبغي إحراج من لا يقوى على امتناع ومات أناس من الجرحى من أعلام المسلمين منهم مسعود أخو المثنى وخالد بن هلال فصلى عليهم المثنى وقدمهم على الأسنان والقرآن وقال والله إنه ليهون علي وجدي أن صبروا وشهدوا البويب ولم يجزعوا ولم ينكلوا وإن كان في الشهادة كفارة لتجوز الذنوب

وكان قد أصاب المسلمون غنما ودقيقا وبقرا فبعثوا بها إلى عيال من قدم من المدينة وهم بالقوادس

وأرسل المثنى الخيل في طلب العجم فبلغوا السيب

وغنموا من البقر والسبي وسائر الغنائم شيئا كثيرا فقسمه فيهم ونفل أهل البلاء من جميع القبائل وأعطى بجيلة ربع الخمس وأرسل الذين تبعوا المنهزمين إلى المثنى يعرفونه سلامتهم وانه لا مانع دون القوم ويستأذنونه في الإقدام فأذن لهم فأغاروا حتى بلغوا ساباط وتحصن أهله منهم واستباحوا القرى ثم مخروا السواد فيما بينهم وبين دجلة لا يخافون كيدا ولا يلقون مانعا ورجعت مسالح العجم إليهم وسرهم أن يتركوا ما وراء دجلة

بسر بن أبي رهم بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة

ذكر خبر الخنافس وسوق بغداد ص 291

ثم خلف المثنى بالحرة بشير بن الخصاصية وسار يمخر السواد وأرسل إلى ميسان ودست ميسان وأذكى المسالح ونزل أليس قرية من قرى الأنبار وهذه الغزوة تدعى غزوة الأنبار الآخرة وغزوة أليس الآخرة

وجاء إلى المثنى رجلان أحدهما أنباري فدله على سوق الخنافس والثاني حيري دله على بغداد فقال المثنى أيتهما قبل صاحبتها

فقالا بينهما مسيرة أيام قال أيهما أعجل قالا سوق الخنافس يجتمع بها تجار مدائن كسرى والسواد وربيعة وقضاعة يخفرونهم

فركب المثنى وأغار على الخنافس يوم سوقها وبها خيلان من ربيعة وقضاعة وعلى قضاعة رومانس بن وبرة وعلى ربيعة السليل بن قيس وهم الخفراء فانتهب السوق وما فيها وسلب الخفراء ثم رجع فأتى الأنبار فتحصن أهلها منه فلما عرفوه نزلوا إليه وأتوه بالأعلاف والزاد وأخذ منهم الأدلاء على سوق بغداد وأظهر لدهقان الأنبار أنه يريد المدائن وسار منها إلى بغداد ليلا وعبر إليهم وصبحهم في أسواقهم فوضع السيف فيهم وأخذ ما شاء وقال المثنى لا تأخذوا إلا الذهب والفضة والحر من كل شيء ثم عاد راجعا حتى نزل بنهر السليحين بالأنبار فسمع أصحابه يقولون ما أسرع القوم في طلبنا فخطبهم وقال احمدوا الله وسلوه العافية وتناجوا بالبر والتقوى ولا تتناجوا بالإثم والعدوان انظروا في الأمور وقدروها ثم تكلموا إنه لم يبلغ النذير مدينتهم بعد ولو بلغهم لحال الرعب بينهم وبين طلبكم إن للغارات روعات تضعف القلوب يوما إلى الليل ولو طلبكم المحامون من رأي العين ما أدركوكم وأنتم على الفرات حتى تنتهوا إلى عسكركم ولو أدركوكم لقاتلتهم لاثنتين التماس الأجر ورجاء النصر فثقوا بالله وأحسنوا به الظن فقد نصركم في مواطن كثيرة وهم أعد منكم

ثم سار بهم إلى الأنبار وكان من خلفه من المسلمين يمخرون السواد ويشنون الغارات ما بين أسفل كسكر وأسفل الفرات وجسوا مثقبا إلى عين التمر وفي أرض الفلاليج والمثنى بالأنبار

ولما رجع المثنى من بغداد إلى الأنبار بعث المضارب العجلي في جمع إلى الكباث وعليه فارس العناب التغلبي ثم لحقهم المثنى فسار معهم فوجدوا الكباث قد سار من كان به عنه ومعهم فارس العناب فسار المسلمون خلفه فلحقوه وقر رحل من الكباث فقتلوا في أخريات أصحابه وأكثروا القتل فلما رجعوا إلى الأنبار سرح فرات بن حيان التغلبي وعتيبة بن النهاس وأمرهما بالغارة على أحياء من تغلب بصفين ثم أتبعهما المثنى واستخلف على الناس عمرو بن أبي سلمى الهجيمي فلما دنوا من صفين فر من بها وعبروا الفرات إلى الجزيرة وفني الزاد الذي مع المثنى وأصحابه فأكلوا رواحلهم إلا ما لا بد منه حتى جلودها ثم أدركوا عيرا من أهل دبا وحوران فقتلوا من بها وأخذوا ثلاثة نفر من تغلب كانوا خفراء وأخذوا العير فقالوا لهم دلونا

فقال أحدهم أمنوني على أهلي ومالي وأدلكم على حي من تغلب غدوت من عندهم اليوم

فأمنه المثنى وسار معهم يومه فهجم العشي على القوم والنعم صادرة عن الماء وأصحابها جلوس بأفنية البيوت فبث غارته فقتل المقاتلة وسبى الذرية واستاق الأموال وكان التغلبيون بني ذي الرويحلة فاشترى من كان مع المثنى من ربيعة السبايا بنصيبه من الفيء وأعتقوهم وكانت ربيعة لا تسابي إذا العرب يتسابون في جاهليتهم وأخبر المثنى أن جمهور من سلك البلاد قد انتجع شاطئ دجلة فخرج المثنى وعلى مجنبتيه النعمان بن عوف ومطر الشيبانيان وعلى مقدمته حذيفة بن محصن الغلفاني فساروا في طلبهم فأدركوهم بتكريت فأصابوا ما شاؤوا من النعم وعاد إلى الأنبار ومضى عتيبة وفرات ومن معهما حتى أغاروا على صفين وبها النمر وتغلب متساندين فأغاروا عليهم حتى رموا طائفة منهم في الماء فجعلوا ينادونهم الغرق الغرق وجعل عتيبة وفرات يذمران بالناس ويناديانهم تغريق بتحريق يذكرانهم يوما من أيام الجاهلية أحرقوا فيه قوما من بكر بن وائل في غيضة من الغياض ثم رجعوا إلى المثنى وقد غرقوهم وقد بلغ الخبر عمر فبعث إلى عتيبة وفرات فاستدعاهما فسألهما عن قولهما فأخبراه أنهما لم يفعلا ذلك على وجه طلب ذحل إنما هو مثل فاستحلفهما وردهما إلى المثنى

عتيبة بن النهاس بالتاء المثناة من فوقها والياء المثناة من تحتها والباء الموحدة

ذكر الخبر عن الذي هيج أمر القادسية وملك يزدجرد ص 293

لما رأى أهل فارس ما يفعل المسلمون بالسواد قالوا لرستم والفيرزان وهما على أهل فارس أين يذهب بكم لم يبرح بكما الاختلاف حتى وهنتما أهل فارس وأطمعتما فيهم عدوهم ولم يبلغ من أمركما أن نقركما على هذا الرأي وأن تعرضاها للهلكة ما بعد بغداد وساباط وتكريت إلا المدائن والله لتجتمعان أو لنبدأن بكما قبل أن يشمت بنا شامت ثم نهلك وقد اشتفينا منكما

فقال الفيرزان ورستم لبوران ابنة كسرى اكتبي لنا نساء كسرى وسراريه ونساء آل كسرى وسراريهم ففعلت ثم أخرجت ذلك إليهم في كتاب فأحضروهن جميعا وأخذوهن بالعذاب يستدلونهن على ذكر من أبناء كسرى فلم يوجد عند واحدة منهن أحد وقال بعضهن لم يبق إلا غلام يدعى يزدجرد من ولد شهريار بن كسرى وأمه من أهل بادوريا

فأرسلوا إليها وطلبوه منها وكانت قد أنزلته أيام شيري حين جمعهن في القصر الأبيض فقتل الذكور وأرسلته إلى أخواله فلما سألوها عنه دلتهم عليه فجاؤوا به فملكوه وهو ابن إحدى وعشرين سنة واجتمعوا عليه فاطمأنت فارس واستوثقته وتبارى المرازبة في طاعته ومعونته فسمى الجنود لكل مسلحة وثغر فسمى جند الحيرة والأبلة والأنبار وغير ذلك

وبلغ ذلك من أمرهم واجتماعهم على يزدجرد المثنى والمسلمين فكتبوا إلى عمر بن الخطاب بما ينتظرون من أهل السواد فلم يصل الكتاب إلى عمر حتى كفر أهل السواد من كان له عهد ومن لم يكن له عهد فخرج المثنى على حاميته حتى نزل بذي قار ونزل الناس بالطف في عسكر واحد

ولما وصل كتاب المثنى إلى عمر قال والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب

فلم يدع رئيسا ولا ذا رأي وذا شرف وبسطة ولا خطيبا ولا شاعرا إلا رماهم به فرماهم بوجوه الناس وغررهم وكتبعمر إلى المثنى ومن معه يأمرهم بالخروج من بين العجم والتفرق في المياه التي تلي العجم على حدود أرضكم وأرضهم وأن لا يدعوا في ربيعة ومضر وحلفائهم أحدا من أهل النجدات ولا فارسا إلا أحضروه إما طوعا أو كرها احملوا العرب على الجد إذ جد العجم فلتلقوا جدهم بجدكم

ونزل الناس بالجل وشراف إلى غضي وهو حيال البصرة وبسلمان بعضهم ينظر إلى بعض ويغيث بعضهم بعضا وذلك في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة

وأرسل عمر في ذي الحجة من السنة مخرجه إلى الحج إلى عماله على العرب أن لا يدعوا من له نجدة أو فرس أو سلاح أو رأي إلا وجهوه إليه فأما من كان على النصف ما بين المدينة والعراق فجاء إليه بالمدينة لما عاد من الحج وأما من كان أقرب إلى العراق فانضم إلى المثنى بن حارثة وجاءت أمداد العرب إلى عمر

وحج في هذه السنة عمر بن الخطاب بالناس وحج سنيه كلها وكان عامل عمر على مكة هذه السنة عتاب بن أسيد فيما قال بعضهم وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص وعلى اليمن يعلى بن منية وعلى عمان واليمامة حذيفة بن محصن وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي وعلى الشام أبو عبيدة بن الجراح وعلى فرج الكوفة وما فتح من أرضها المثنى بن حارثة وكان على القضاء فيما ذكر علي بن أبي طالب

وفي هذه السنة مات أبو كبشة مولى رسول الله وقيل بعد ذلك

وفي خلافة أبي بكر مات سهل بن عمرو أخو سهيل وهو من مسلمة الفتح

وفي خلافته مات الصعب بن جثامة الليثي

وفي أول خلافته مات ابنه عبد الله بن أبي بكر وكان قد جرح في حصار الطائف ثم انتقض عليه جرحه فمات

وفي هذه السنة توفي الأرقم بن أبي الأرقم يوم مات أبو بكر وهو الذي كان رسول الله مستخفيا بداره بمكة أول ما أرسل

| معركة القادسية العظمى

والله الذي لا إله إلا هو ما أطلعنا على أحد من أهل القادسية أنه يريد الدنيا مع الآخرة

جابر بن عبد الله رضي الله عنه

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.