الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
10

ثم دخلت سنة أربع عشرة

الجزء الثاني 9 عنصر صفحة 298
ذكر ابتداء أمر القادسية ص 298

لما اجتمع الناس إلى عمر خرج من المدينة حتى نزل على ماء يدعى صرارا فعسكر به ولا يدري الناس ما يريد أيسير أم يقيم وكانوا إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف فإن لم يقدر هذان على علم شيء مما يريدون ثلثوا بالعباس بن عبد المطلب فسأله عثمان عن سبب حركته فأحضر الناس فأعلمهم الخبر واستشارهم في المسير إلى العراق فقال العامة سر وسر بنا معك فدخل معهم في رأيهم وكره أن يدعهم حتى يخرجهم منه في رفق وقال اغدوا واستعدوا فإني سائر إلا أن يجيء رأي هو أمثل من هذا

ثم جمع وجوه أصحاب رسول الله وأعلام العرب وأرسل إلى علي وكان استخلفه على المدينة فأتاه والى طلحة وكان على المقدمة فرجع إليه والى الزبير وعبد الرحمن وكان على المجنبتين فحضرا ثم استشارهم فاجتمعوا على أن يبعث رجلا من أصحاب رسول الله ويقيم ويرميه بالجنود فإن كان الذي يشتهي فهو الفتح وإلا أعاد رجلا وبعث آخر ففي ذلك غيظ العدو

فجمع عمر الناس وقال لهم إني كنت عزمت على المسير حتى صرفني ذوو الرأي منكم وقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلا فأشيروا علي برجل وكان سعد بن أبي وقاص على صدقات هوازن فكتب إليه عمر بانتخاب ذوي الرأي والنجدة والسلاح فجاءه كتاب سعد وعمر يستشير الناس فيمن يبعثه يقول قد انتخبت لك ألف فارس كلهم له نجدة ورأي وصاحب حيطة يحوط حريم قومه ويمنع ذمارهم إليهم انتهت أحسابهم ورأيهم فلما وصل كتابه وافق مشورتهم قالوا لعمر قد وجدته

قال من هو قالوا الأسد عاديا سعد بن مالك فانتهى إلى قولهم وأحضره وأمره على حرب العراق ووصاه وقال

لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله وساحب رسول الله فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكنه يمحو السيئ بالحسن وليس بين الله وبين أحد نسب إلا طاعته فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء الله ربعهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله يلزمه فالزمه ووصاه بالصبر

وسرحه فيمن اجتمع إليه من نفر المسلمين وهو أربعة آلاف فيهم حميضة بن النعمان بن حميضة على بارق وعمرو بن معد يكرب وأبو سبرة بن ذؤيب على مذحج ويزيد بن الحارث الصدائي على صداء وحبيب ومسيلمة وبشر بن عبد الله الهلالي في قيس عيلان

وخرج إليهم عمر فمر بفتية من السكون مع حصين بن نمير ومعاوية بن خديج دلم سباط فأعرض عنهم فقيل له مالك وهؤلاء فقال ما مر بي قوم من العرب أكره إلي منهم ثم أمضاهم فكان بعد يذكرهم بالكراهة فكان منهم سودان بن حمران قتل عثمان وابن ملجم قتل عليا ومعاوية بن خديج جرد السيف في المسلمين يظهر الأخذ بثأر عثمان وحصين بن نمير كان أشد الناس في قتال علي ثم إن عمر أخذ بوصيتهم وبعظتهم ثم سيرهم وأمد عمر سعدا بعد خروجه بألفي يماني وألفي نجدي وكان المثنى بن حارثة في ثمانية آلاف

وسار سعد والمثنى ينتظر قدومه فمات المثنى قبل قدوم سعد من جراحه انتقضت عليه واستخلف على الناس بشير بن الخصاصية وسعد يومئذ بزرود وقد اجتمع معه ثمانية آلاف وأمر عمر بني أسد أن ينزلوا على حد أرضهم بين الحزن والبسيطة فنزلوا في ثلاثة آلاف وسار سعد إلى شراف فنزلها ولحقه بها الأشعث بن قيس في ألف وسبعمائة من أهل اليمن فكان جميع من شهد القادسية بضعة وثلاثين ألفا وجميع من قسم عليه فيؤها نحو من ثلاثين ألفا ولم يكن أحد أجرا على أهل فارس من ربيعة فكان المسلمون يسمونهم ربيعة الأسد إلى ربيعة الفرس وكانت العرب في جاهليتها تسمي فارس الأسد والروم الأسد

ولم يدع عمر ذا رأي ولا شرف ولا خطيبا ولا شاعرا ولا وجيها من وجوه الناس إلا سيره إلى سعد

وجمع سعد من كان بالعراق من المسلمين من عسكر المثنى فاجتمعوا بشراف فعبأهم وأمر الأمراء وعرف على كل عشيرة عريفا وجعل على الرايات رجالا من أهل السابقة وولى الحروب رجالا على ساقتها ومقدمتها ورجلها وطلائعها ومجنباتها ولم يفصل إلا بكتاب عمر فجعل على المقدمة زهرة بن عبد الله بن قتادة بن الحوية فانتهى إلى العذيب وكان من أصحاب رسول الله وجعل على الميمنة عبد الله بن المعتم وكان من الصحابة أيضا واستعمل على الميسرة شرحبيل بن السمط الكندي وكان غلاما شابا وكان قد قاتل أهل الردة وجعل خليفته خالد بن عرفطة حليف بني عبد شمس وجعل عاصم بن عمرو التميمي على الساقة وسواد بن مالك التميمي على الطلائع وسلمان بن ربيعة الباهلي على المجردة وعلى الرجالة حمال بن مالك الأسدي وعلى الركبان عبد الله بن ذي السهمين الحنفي

وجعل عمر على القضاء بينهم عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي وعلى قسمة الفيء أيضا وجعل رائدهم وداعيتهم سلمان الفارسي والكاتب زياد بن أبيه وقدم المعنى بن حارثة الشيباني وسلمى بنت خصفة زوج المثنى بشراف

وكان المعنى بعد موت أخيه قد سار إلى قابوس بن قابوس بن المنذر بالقادسية وكان قد بعثه إليها الفرس يستنفر العرب فسار إليه المعنى فقفله فأنامه ومن معه ورجع إلى ذي قار وسار إلى سعد يعلمه برأي المثنى له وللمسلمين يأمرهم أن يقاتلوا الفرس على حدود أرضهم على أدنى حجر من أرض العرب ولا يقاتلوهم بعقر دارهم فغن يظهر الله المسلمين فلهم ما وراءهم وإن كانت الأخرى رجعوا إلى فئة ثم يكونوا أعلم بسبيلهم وأجرأ على أرضهم إلى أن يرد الله الكرة عليهم

فترحم سعد ومن معه على المثنى وجعل المعنى على عمله وأوصى بأهل بيته خيرا ثم تزوج سعد سلمى زوج المثنى وبنى بها وكان معه تسعة وتسعون بدريا وثلاثمائة وبضعة عشر ممن كانت له صحبة فيما بين بيعة الرضوان إلى ما فوق ذلك ثلاثمائة ممن شهد الفتح وسبعمائة من أبناء الصحابة

وقدم على سعد وهو بشراف كتاب عمر بمثل رأي المثنى

وكتب عمر أيضا إلى أبي عبيدة ليصرف أهل العراق ومن اختار أن يلحق بهم إلى العراق

وكان للفرس رابطة بقصر ابن مقاتل وعليها النعمان بن قبيصة الطائي وهو ابن عم قبيصة بن إياس صاحب الحيرة فلما سمع بمجيء سعد سأل عنه وعنده عبد الله بن سنان بن خزيم الأسدي فقيل رجل من قريش فقال والله لأجادنه القتال فإن قريشا عبيد من غلب والله لا يخرجون من بلادهم إلا بخفين

فغضب عبد الله بن سنان من قوله وأمهله حتى دخل قبته فقتله ولحق بسعد وأسلم

وسار سعد من شراف فنزل العذيب ثم سار حتى نزل القادسية بين العتيق والخندق بحيال القنطرة وقديس أسفل منها بميل وكتب عمر إلى سعد إني ألقي في روعي أنكم إذا لقيتم العدو هزمتموهم فاطرحوا الشك وآثروا التقية عليه فمتى لاعب أحد منكم أحدا من العجم بأمان أو بإشارة أو بلسان كان لا يدري الأعجمي ما كلمه به وكان عندهم أمانا فأجروا له ذلك مجرى الأمان وإياكم والضحك والوفاء الوفاء فإن الخطأ بالوفاء بقية وإن الخطأ بالغدر هلكة وفيها وهنكم وقوة عدوكم وذهاب ريحكم وإقبال ريحهم

واعلموا أني أحذركم أن تكونوا شينا على المسلمين وسببا لتوهينهم

فلما نزل زهرة في المقدمة وأمسى بعث سرية في ثلاثين معروفين بالنجدة وأمرهم بالغارة على الحيرة فلما جاروا السيلحين وقطعوا جسرها يريدون الحيرة سمعوا جلبة فمكثوا حتى حاذوهم وإذا أخت آزادمرد بن آزاذبه مرزبان الحيرة تزف إلى صاحب الصنين وهو من أشراف العجم فحمل بكير بن عبد الله الليثي أمير السرية على شيرزاد بن آزاذبه وهو بينها وبين الخيل فدق صلبه وطارت الخيل على وجوهها وأخذوا الأثقال وابنة آزاذبه في ثلاثين امرأة من الدهاقين ومائة من التوابع ومعهم ما لا يدرى قيمته فاستاق ذلك ورجع فصبح سعدا بعذيب الهجانات بما أفاء الله على المسلمين فكبروا تكبيرة شديدة فقال سعد أقسم بالله لقد كبرتم تكبيرة قوم عرفت فيهم العز فقسم ذلك على المسلمين وترك الحريم بالعذيب ومعها خيل تحوطها وأمر عليهم غالب بن عبد الله الليثي ونزل سعد القادسية وأقام بها شهرا لم يأته من الفرس أحد فأرسل سعد عاصم بن عمرو إلى ميسان فطلب غنما أو بقرا فلم يقدر عليها وتحصن منه من هناك فأصاب عاصم رجلا بجانب أجمة فسأله واستدله عن البقر والغنم فقال ما أعلم

فصاح ثور من الأجمة كذب عدو الله وها نحن أولاء فدخل فاستاق البقر فأتى بها العسكر فقسمه سعد على الناس فأخصبوا أياما فبلغ ذلك الحجاج في زمانه فأرسل إلى جماعة فسألهم فشهدوا أنهم سمعوا ذلك وشاهدوه فقال كذبتم

قالوا ذلك إن كنت شهدتها وغبنا عنها قال صدقتم فما كان الناس يقولون في ذلك قالوا آية تبشير يستدل بها على رضا الله وفتح عدونا فقال ما يكون هذا إلا والجمع أبرار أتقياء قالوا والله ما ندري ما أجنت قلوبهم فأما ما رأينا فما رأينا قوما قط أزهد في دنيا منهم ولا أشد بغضا لها ليس فيهم جبان ولا غال ولا غدار وذلك يوم الأباقر

وبث سعد الغارات والنهب بين كسكر والأنبار فحووا من الأطعمة ما استكفوا به زمانا وكان بين نزول خالد بن الوليد العراق وبين نزول سعد القادسية والفراغ منها سنتان وشيء وكان مقام سعد بالقادسية شهرين وشيئا حتى ظفر فاستغاث أهل السواد إلى يزدجرد واعلموه أن العرب قد نزلوا القادسية ولا يبقى على فعلهم شيء وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات ونهبوا الدواب والأطعمة وإن أبطأ عنا الغياث أعطيناهم بأيدينا وكتب إليه بذلك الذين لهم الضياع بالطف وهيجوه على إرسال الجنود فأرسل يزدجرد إلى رستم فدخل عليه فقال إني أريد أن أوجهك في هذا الوجه وإنما يعد للأمور على قدرها فأنت رجل فارس اليوم وقد ترى ما حل بالفرس مما لم يأتهم مثله

فأظهر له الإجابة ثم قال له دعني فإن العرب لا تزال تهاب العجم ما لم تضرهم بي ولعل الدولة أن تثبت بي إذا لم أحضر الحرب فيكون الله قد كفى ونكون قد أصبنا المكيدة والرأي في الحرب أنفع من بعض الظفر والأناة خير من العجلة وقتال جيش بعد جيش أمثل من هزيمة بمرة وأشد على عدونا فأبى عليه وأعاد رستم كلامه وقال قد اضطرني تضييع الرأي إلى إعظام نفسي وتزكيتها ولو أجد من ذلك بدا لم أتكلم به فأنشدك الله في نفسك وملكك دعني أقم بعسكري وأسرح الجالينوس فإن تكن لنا فذلك وإلا بعثنا غيره حتى إذا لم نجد بدا صبرنا لهم وقد وهناهم ونحن حامون فإني لا أزال مرجوا في أهل فارس ما لم أهزم فأبى إلا أن يسير فخرج حتى ضرب عسكره بساباط وأرسيل إلى الملك ليعفيه فأبى

وجاءت الأخبار إلى سعد بذلك فكتب إلى عمر فكتب إليه عمر لا يكربنك ما يأتيك عنهم ولا ما يأتونك به واستعن بالله وتوكل عليه وابعث إليه رجالا من أهل المناظرة والرأي والجلد يدعونه فإن الله جاعل دعاءهم توهينا لهم

فأرسل سعد نفرا منهم النعمان بن مقرن وبسر بن أبي رهم وحملة بن جوية وحنظلة بن الربيع وفرات بن حيان وعدي بن سهيل وعطارد بن حاجب والمغيرة بن زرارة بن النباش الأسدي والأشعث بن قيس والحارث بن حسان وعاصم بن عمرو وعمرو بن معد يكرب والمغيرة بن شعبة والمعنى بن حارثة إلى يزدجرد دعاة فخرجوا من العسكر فقدموا على يزدجرد وطووا رستم واستأذنوا على يزدجرد فحبسوا وأحضر وزراءه ورستم معهم واستشارهم فيما يصنع بهم ويقوله لهم واجتمع الناس ينظرون إليهم وتحتهم خيول كلها صهال وعليهم البرود وبأيديهم السياط فإذن لهم وأحضر الترجمان وقال له سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا أمن أجل أننا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا

فقال النعمان بن مقرن لأصحابه إن شئتم تكلمت عنكم ومن شاء آثرته

فقالوا بل تكلم فقال إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يأمرنا بالخير وينهانا عن الشر ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة فلم يدع قبيلة إلا وقار به منها فرقة وتباعد عنه بها فرقة ثم أمر أن نبتدئ إلى من خالفه من العرب فبدأنا بهم فدخلوا معه على وجهين مكره عليه فاغتبط وطائع فازداد فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق ثم أمرنا أن نبتدئ من يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله فإن أبيتم فأمر من الشر أهون من آخر شر منه الجزية فإن أبيتم فالمناجزة فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم وإن بذلتم الجزاء قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم

فتكلم يزدجرد فقال إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفوننا أمركم لا تغزوكم فارس ولا تطمعوا أن تقوموا لفارس فإن كان غرر لحقكم فلا يغرنكم منا وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم

فأسكت القوم فقام المغيرة بن زرارة فقال أيها الملك إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم وهم أشراف يستحيون من الأشراف وإنما يكرم الأشراف ويعظم حقهم الأشراف وليس كل ما أرسلوا به قالوه ولا كل ما تكلمت به أجابوك عنه وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك فجاوبني لأكون الذي أبلغك وهم يشهدون على ذلك لي

فأما ما ذكرت من سوء الحال فهي على ما وصفت وأشد ثم ذكر من سوء عيش العرب وإرسال الله النبي إليهم نحو قول النعمان وقتال من خالفهم أو الجزية ثم قال له اختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك

فقال أتستقبلني بمثل هذا فقال ما استقبلت إلا من كلمني ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به فقال لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم لا شيء لكم عندي ثم استدعى بوقر من تراب فقال احملوه على أشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه ويدفنكم معه في خندق القادسية وينكل به وبكم ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم بأنفسكم بأشد مما نالكم من سابور فقام عاصم بن عمر وليأخذ التراب وقال أنا أشرفهم أنا سيد هؤلاء فحمله على عنقه وخرج به من الإيوان والدار إلى راحلته فركبها وأخذ التراب وقال لسعد أبشر فوالله لقد أعطانا الله أقاليد ملكهم

واشتد ذلك على جلساء الملك وقال الملك لرستم وقد حضر عنده من ساباط ما كنت أرى أن في العرب مثل هؤلاء ما أنتم بأحسن جوابا منهم ولقد صدقني القوم لقد وعدوا أمرا ليدركنه أو ليموتن عليه على أني وجدت أفضلهم أحمقهم حيث حمل التراب على رأسه فخرج به

فقال رستم أيها الملك إنه أعقلهم وتطير إلى ذلك وأبصرها دون أصحابه وخرج رستم من عند الملك غضبان كئيبا وبعث في أثر الوفد وقال لثقته إن أدركهم الرسول تلافينا أرضنا وإن أعجزوه سلبكم الله أرضكم فرجع الرسول من الحيرة بفواتهم فقال ذهب القوم بأرضكم من غير شك وكان منجما كاهنا وأغار سواد بن مالك التميمي بعد مسير الوفد إلى يزدجرد على النجاف والفراض فاستاق ثلاثمائة دابة من بين بغل وحمار وثور وأوقرها سمكا وصبح العسكر فقسمه سعد بين الناس وهذا يوم الحيتان وكانت السرايا تسري لطلب اللحوم فإن الطعام كان كثيرا عندهم فكانوا يسمون الأيام بها يوم الأباقر ويوم الحيتان وبعث سعد سرية أخرى فأغاروا فأصابوا إبلا لبني تغلب والنمر واستاقوها ومن فيها فنحر سعد الإبل وقسمها في الناس فأخصبوا وأغار عمرو بن الحارث على النهرين فاستاق مواشي كثيرة وعاد

وسار رستم من ساباط وجمع آلة الحرب وبعث على مقدمته الجالينوس في أربعين ألفا وخرج هو في ستين ألفا وفي ساقته عشرون ألفا وجعل في ميمنته الهرمزان وعلى الميسرة مهران بن بهرام الرازي وقال رستم للملك يشجعه بذلك إن فتح الله علينا توجهنا إلى ملكهم في دارهم حتى نشغلهم في أصلهم وبلادهم إلى أن يقبلوا المسالمة وكان خروج رستم من المدائن في ستين ألف متبوع ومسيره عن ساباط في مائة ألف وعشرين ألف متبوع وقيل غير ذلك

ولما فصل رستم عن ساباط كتب إلى أخيه البنذوان أما بعد فرموا حصونكم وأعدوا واستعدوا فكأنكم بالعرب قد وردوا بلادكم وقارعوكم عن أرضكم وأبنائكم وقد كان من رأيي مدافعتهم ومطاولتهم حتى تعود سعودهم نحوسا فإن السمكة قد كدرت الماء وإن النعائم قد حسنت والزهرة قد حسنت واعتدل الميزان وذهب بهرام ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون علينا ويستولون على ما يلينا وإن أشد ما رأيت أن الملك قال لتسيرن إليهم أو لأسيرن بنفسي

ولقي جابان رستم على قنطرة ساباط وكانان منجمين فشكى إليه وقال له ألا ترى ما أرى فقال له رستم أما أنا فأقاد بخشاش وزمام ولا أجد بدا من الانقياد ثم سار فنزل بكوثي فأتى برجل من العرب فقال له ما جاء بكم وماذا تطلبون فقال جئنا نطلب موعود الله بملك أرضكم وأبنائكم إن أبيتم أن تسلموا قال رستم فإن قتلتم قبل ذلك قال من قتل منا دخل الجنة ومن بقي منا أنجزه الله ما وعده فنحن على يقين فقال رستم قد وضعنا إذن في أيديكم فقال أعمالكم وضعتكم فأسلمكم الله بها فلا يغرنك من ترى حولك فإنك لست تجاول الإنس إنما تجاول القضاء والقدر

فاستشاط غضبا فأمر به فضربت عنقه ثم سار فنزل البرس فغصب أصحابه الناس أبناءهم وأموالهم ووقعوا على النساء وشربوا الخمور فضج أهلها إلى رستم فقام فيهم فقال يا معشر فارس والله لقد صدق العربي والله ما أسلمنا إلا أعمالنا والله إن العرب مع هؤلاء وهم لهم حرب أحسن سيرة منكم إن الله كان ينصركم على العدو ويمكن لكم في البلاد بحسن السيرة وكف الظلم والوفاء بالعهود والإحسان فإذا تغيرتم فلا أرى الله إلا مغيرا ما بكم وما أنا بآمن من أن ينزع الله سلطانه منكم وأتى ببعض من يشكي منه فضرب عنقه ثم سار حتى نزل الحيرة ودعا أهلها وتهددهم وهم بهم فقال له ابن بقيلة لا تجمع علينا اثنتين أن تعجز عن نصرتنا وتلومنا على الدفع عن أنفسنا وبلادنا فسكت

ولما نزل رستم بالنجف رأى كأن ملكا نزل من السماء ومعه النبي وعمر فأخذ الملك سلاح أهل فارس فختمه ثم دفعه إلى النبي فدفعه النبي إلى عمر فأصبح رستم حزينا وأرسل سعد السرايا ورستم بالنجف والجالينوس بين النجف والسيلحين فطافت في السواد فبعث سوادا وحميضة في مائة مائة فأغاروا على النهرين وبلغ رستم الخبر فأرسل إليهم خيلا وسمع سعد أن خيله قد وغلت فأرسل عاصم بن عمرو وجابرا الأسدي في آثارهم يقتصانها وسلكا طريقهما وقال لعاصم إن جمعكم قتال فأنت عليهم فلقيهم عاصم بين النهرين وخيل فارس تحوشهم ليخلصوا ما بأيديهم فلما رأته الفرس هربوا ورجع المسلمون بالغنائم وأرسل سعد عمرو بن معد يكرب وطليحة الأسدي طليعة فسارا في عشرة فلم يسيروا إلا فرسخا وبعض آخر حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الطفوف قد ملؤها فرجع عمرو ومن معه وأبي طليحة إلا التقدم فقالوا له أنت رجل في نفسك غدر ولن تفلح بعد قتل عكاشة بن محصن فارجع معنى فأبى فرجعوا إلى سعد فأخبروه بقرب القوم ومضى طليحة حتى دخل عسكر رستم وبات فيه يجوسه ويتوسم فهتك أطناب بيت رجل عليه واقتاد فرسه ثم هتك على آخر بيته وحل فرسه ثم فعل بآخر كذلك ثم خرج يعدو به فرسه ونذر به الناس فركبوا في طلبه فأصبح وقد لحقه فارس من الجند فقتله طليحة ثم آخر فقتله ثم لحق به ثالث فرأى مصرع صاحبيه وهما ابنا عمه فازداد حنقا فلحق طليحة فكر عليه طليحة وأسره ولحقه الناس فرأوا فارسي الجند قد قتلا وأسر الثالث وقد شارف طليحة عسكره فأحجموا عنه ودخل طليحة على سعد ومعه الفارسي وأخبره الخبر فسأل الترجمان الفارسي فطلب الأمان فأمنه سعد قال

أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمن قبلي باشرت الحروب وغشيتها منذ أنا غلام إلى الآن وسمعت بالأبطال ولقيتها ولم أسمع بمثل هذا إن رجلا قطع فرسخين إلى عسكر فيه سبعون ألفا يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فرسان الجند وهتك عليهم البيوت فطلبناه فلما أدركناه قتل الأول وهو يعد بألف فارس ثم الثاني وهو نظيره فقتله ثم أدركته أنا ولا أظن خلفت من بعدي من يعدلني وأنا الثائر بالقتيلين وهما ابنا عمي فرأيت الموت واستؤسرت

ثم اخبره عن الفرس بان الجند عشرون ومائة ألف وان الأتباع مثلهم خدم لهم وأسلم ولزم طليحة وكان من أهل البلاء بالقادسية وسماه سعد مسلما

ثم سار رستم وقدم الجالينوس وذا الحاجب فنزل الجالينوس بحيال زهرة من دون القنطرة ونزل ذو الحاجب بطيزنا باذ ونزل رستم بالخرارة ثم سار رستم فنزل بالقادسية وكان بين مسيره من المدائن ووصوله القادسية أربعة أشهر لا يقدم رجاء أن يضجروا بمكانهم فينصرفوا وخاف أن يلقى ما لقي من قبله وطاولهم لولا ما جعل الملك يستعجله ينهضه

وكان عمر قد كتب إلى سعد يأمره بالصبر والمطاولة أيضا فأعد للمطاولة فلما وصل رستم القادسية وقف على العتيق بحيال عسكر سعد ونزل الناس فما زالوا يتلاحقون حتى اعتموا من كثرتهم والمسلمون ممسكون عنهم وكان مع رستم ثلاثة وثلاثون فيلا منها فيل سابور الأبيض وكانت الفيلة تألفه فجعل في القلب ثمانية عشر فيلا وفي المجنبتين خمسة عشر فيلا

فلما أصبح رستم من تلك الليلة ركب وسار من العتيق نحو خفان حتى أتى على منقطع عسكر المسلمين ثم صعد حتى انتهى إلى القنطرة فتأمل المسلمين ووقف على موضع يشرف منه عليهم ووقف على القنطرة وأرسل إلى زهرة فواقفه فأراد علي أن يصالحه ويجعل له جعلا على أن ينصرفوا عنه من غير أن يصرح له بذلك بل يقول له كنتم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونحفظكم ويخبره عن صنيعهم مع العرب

فقال له زهرة ليس أمرنا أمر أولئك ولا طلبتنا طلبتهم إنا لم نأتكم لطلب الدنيا إنما طلبتنا وهمتنا الآخرة وقد كنا كما ذكرت إلى أن بعث الله فينا رسولا فدعانا إلى ربه فأجبناه فقال لرسوله إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فأنا منتقم بهم منهم وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به وهو دين الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذل ولا يعتصم به أحد إلا عز فقال له رستم ما هو قال أما عموده الذي لا يصلح إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والإقرار بما جاء به من عند الله قال ما أحسن هذا وأي شيء أيضا قال وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله قال حسن وأي شيء أيضا قال والناس بنو آدم وحواء أخوة لأب وأم قال ما أحسن هذا ثم قال رستم أرأيت إن أجبت إلى هذا ومعي قومي كيف يكون أمركم أترجعون قال أي والله ثم لا نقرب بلادكم أبدا إلا في تجارة أو حاجة قال صدقتني والله إما ن أهل فارس منذ ولي أردشير لم يدعوا أحدا يخرج من عمله من السفلة وكانوا يقولون إذا خرجوا من أعمالهم تعدوا طورهم وعادوا أشرافهم فقال له زهرة نحن خير الناس للناس فلا نستطيع أن نكون كما تقولون بل نطيع الله في السفلة ولا يضرنا من عصى الله فينا

المراسلة بين سعد ورستم ص 309

فانصرف عنه ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا فأنفوا فقال أبعدكم الله وأسحقكم أخزى الله أخرعنا وأجبننا فأرسل إلى سعد أن ابعث إلينا رجلا نكلمه ويكلمنا

فدعا سعد جماعة ليرسلهم إليهم فقال له ربعي بن عامر إن الأعاجم لهم آراء وآداب ومتى نأتهم جميعا يروا أنا قد احتفلنا بهم فلا تزدهم على رجل

فمالئوه جميعا على ذلك فأرسله وحده فسار إليهم فحبسوه وأعلم رستم بمجيئه فاستشار عظماء فارس فقال ما ترون أنباهي أم نتهاون

فأجمع ملأهم على التهاون فأظهر زينته وجلس على سرير من ذهب وبسط البسط والنمارق والوسائد المسوجة بالذهب وأقبل ربعي على فرسه وسيفه في خرقه ورمحه مشدود بعصب وقد

فلما انتهى إلى البسط قيل له انزل فحمل فرسه عليها ونزل وربطها بوسادتين شقهما وأدخل الحبل فيهما فلم يستطيعوا أن ينهوه وأروه التهاون وعرف ما أرادوا فأراد استحراجهم وعليه درع وأخذ عباءة بعيره فتدرعها وشدها على وسطه بسلب فقالوا ضع سلاحك

فقال لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم أنتم دعوتموني فإن أبيتم أن آتيكم إلا كما أريد وإلا رجعت

فأخبروا رستم فقال ائذنوا له هل هو إلا رجل واحد

فأقبل يتوكأ على رمحه ويقارب خطوه ويزج النمارق والبسط فلم يدع لهم نمرقا ولا بساطا إلا أفسده وهتكه فلما دنا من رستم جلس على الأرض وركز رمحه على البسط فقيل له ما حملك على هذا

قال إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه فقال له ترجمان رستم واسمه عبود من أهل الحيرة ما جاء بكم قال الله جاء بنا وهو بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه دوننا ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر فقال رستم قد سمعنا قولكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا قال نعم كم أحب إليكم أيوما أو يومين قال بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا وأراد مقاربته ومدافعته فقال وإن مما سن لنا رسول الله وعمل به أئمتنا أن لا نمكن الأعداء أكثر من ثلاث فنحن مترددون عنكم ثلاثا فانظر في أمرك واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل إما الإسلام وندعك وأرضك أو الجزاء فنقبل ونكف عنك وإن احتجت إلينا نصرناك أو المنابذة في اليوم الرابع ولسنا نبدأك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا أنا كفيل بذلك عن أصحابي

قال أسيدهم أنت قال لا ولكن المسلمين كالجسد الواحد بعضهم من بعض يجير أدناهم على أعلاهم

فخلا رستم برؤساء قومه فقال ما ترون هل رأيتم كلاما قط أعز وأوضح من كلام هذا الرجل

فقالوا معاذ الله أن نميل إلى دين هذا الكلب أما ترى إلى ثيابه فقال ويحكم لا تنظروا إلى الثياب ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة إن العرب تستخف باللباس والمأكل وتصون الأحساب ليسوا مثلكم

فلما كان من الغد أرسل رستم إلى سعد أن ابعث إلينا ذلك الرجل فبعث إليهم حذيفة بن محصن فأقبل في نحو من ذلك الزي ولم ينزل عن فرسه ووقف على رستم راكبا قال له انزل قال لا أفعل فقال له ما جاء بك ولم يجيء الأول قال له إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء وهذه نوبتي فقال ما جاء بكم فأجابه مثل الأول فقال رستم المواعدة إلى يوم ما قال نعم ثلاثا من أمس فرده وأقبل على أصحابه وقال ويحكم أما ترون ما أرى جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا وحقر ما نعظم وأقام فرسه على زبرجنا وربطه به وجاءنا هذا اليوم فوقف علينا وهو في يمن الطائر يقوم على أرضنا دوننا حتى أغضبهم وأغضبوه

فلما كان الغد أرسل ابعثوا إلينا رجلا فبعث المغيرة بن شعبة فأقبل إليهم وعليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب وبسطهم على غلوة لا يوصل إلى صاحبكم حتى يمشي عليها فأقبل المغيرة حتى جلس مع رستم على سريره فوثبوا عليه وأنزلوه ومعكوه وقال قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام ولا أرى قوما اسفه منكم إنا معشر العرب لا نستعبد بعضنا بعضا إلا أن يكون محاربا لصاحبه فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى فكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض فإن هذا الأمر لا يستقيم فيكم ولا يصنعه أحد وإني لم آتكم ولكن دعوتموني اليوم علمت أن أمركم مضمحل وأنكم مغلبون وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول

فقالت السفلة صدق والله العربي وقالت الدهاقين والله لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا ينزعون إليه قاتل الله أولينا ما كان أحمقهم حين كانوا يصغرون أمر هذه الأمة

ثم تكلم رستم فحمد قومه وعظم أمرهم وقال لم نزل متمكنين في البلاد ظاهرين على الأعداء أشرافا في الأمم فليس لأحد مثل عزنا وسلطاننا ننصر عليهم ولا ينصرون علينا إلا اليوم واليومين والشهر للذنوب فإذا انتقم الله منا ورضي علينا رد لنا الكرة على عدونا ولم يكن في الأمم أمة أصغر عندنا أمرا منكم كنتم أهل قشف ومعيشة سيئة لا نراكم شيئا وكنتم تقصدوننا إذا قحطت بلادكم فنأمر لكم بشيء من التمر والشعير ثم نردكم وقد علمت أنه لم يحملكم على ما صنعتم إلا ما أصابكم من الجهد في بلادكم فأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم وآمر لكل منكم بوقر تمر وتنصرفون عنا فإني لست أشتهي أن أقتلكم ولا أسركم

فتكلم المغيرة فحمد الله وأثنى عليه وقال غن الله خالق كل شيء ورازقه فمن صنع شيئا فإنما هو بصنعه وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك فنحن نعرفه فالله صنعه بكم ووضعه فيكم وهو له دونكم وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال والضيق والاختلاف فنحن نعرفه ولسنا ننكره والله ابتلانا به والدنيا دول ولم يزل أهل الشدائد يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليه ولم يزل أهل الرخاء يتوقعون الشدائد حتى تنزل بهم ويصيروا إليها ولو شكرتم ما آتاكم الله لكان شكركم يقصر عما أوتيتم وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال ولو كنا فيما ابتلينا به أهل الكفر لكان عظيم ما ابتلينا به مستجلبا من الله رحمة ورأفة علينا ولكن الشأن غير ما تذهبون إليه أو كنتم تعرفوننا به إن الله تبارك وتعالى بعث فينا رسولا ثم ذكر مثل ما تقدم من ذكر الإسلام والجزية والقتال وقال له وإن عيالنا قد ذاقوا طعام بلادكم فقالوا لا صبر لنا عنه

فقال رستم إذا تموتون دونها فقال المغيرة يدخل من قتل منا الجنة ومن قتل منكم يدخل النار ويظفر من بقي منا بمن بقي منكم

فاستشاط رستم غضبا ثم حلف بالشمس أن لا يرتفع الصبح غدا حتى نقتلكم أجمعين

وانصرف المغيرة وخلص رستم بأهل فارس وقال أين هؤلاء منكم هؤلاء والله الرجال صادقين كانوا أم كاذبين والله لئن كان بلغ من عقلهم وصونهم لسرهم أن لا يختلفوا فما قوم أبلغ لما أرادوا منهم ولئن كانوا صادقين فما يقوم لهؤلاء شيء

فلجوا وتجلدوا وقال والله إني لأعلم أنكم تصغون إلى ما أقول لكم وإن هذا منكم رثاء

فازدادوا لجاجة فأرسل رستم رسولا خلف المغيرة وقال له إذا قطع القنطرة ووصل إلى أصحابه فأعلمه أن عينه تفقأ غدا فأعلمه الرسول ذلك فقال المغيرة بشرتني بخير وأجر ولولا أن أجاهد بعد هذا اليوم أشباهكم من المشركين لتمنيت أن الأخرى ذهبت أيضا فرآهم يضحكون من مقالته ويتعجبون من بصيرته فرجع إلى رستم فأخبره فقال أطيعوني يا أهل فارس إني لأرى لله فيكم نقمة لا تستطيعون ردها

ثم أرسل إليه سعد بقية ذوي الرأي فساروا وكانوا ثلاثا إلى رستم فقالوا له إن أميرنا يدعوك إلى ما هو خير لنا ولك والعافية أن تقبل ما دعاك إليه ونرجع إلى أرضنا وترجع إلى أرضك وداركم لكم وأمركم فيكم وما أصبتم مما ورائكم كان زيادة لكم دوننا وكنا عونا لكم على أحد إن أرادكم فاتق الله ولا يكونن هلاك قومك على يدك وليس بينك وبين أن تغبط بهذا الأمر إلا أن تدخل فيه وتطرد به الشيطان عنك

فقال لهم إن الأمثال أوضح من كثير من الكلام وسأضرب لكم مثلكم تبصروا إنكم كنتم أهل جهد في المعيشة وقشف في الهيئة لا تنتصفون ولا تمتنعون فلم نسئ جواركم وكنا نميركم ونحسن إليكم فلما طعمتم طعامنا وشربتم شرابنا وصفتم لقومكم ذلك ودعوتموهم ثم أتيتمونا

وإنما مثلكم ومثلنا كمثل رجل كان له كرم فرأى فيه ثعلبا فقال وما ثعلب فانطلق الثعلب فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم فلما اجتمعوا إليه سد صاحب الكرم النقب الذي كن يدخلن منه فقتلهن

فقد علمت أن الذي حملكم على هذا الحرص والطمع والجهد فارجعوا عنا عامكم هذا ونحن نميركم فإني لا أشتهي أن أقتلكم

ومثلكم أيضا كالذباب يرى العسل فيقول من يوصلني إليه وله درهمان فإذا دخله غرق ونشب فيقول من يخرجني وله أربعة دراهم

وقال أيضا أن رجلا وضع سلة وجعل طعاما فيها فأتى ف \ أتى الجرذان فخرقوا السلة فدخلوا فيها فأراد سدها فقيل له لا تفعل إذا تخرقه لكن أنقب بحياله ثم اجعل قصبة مجوفة فإذا دخلها الجرذان وخرجن منها فاقتل كل ما خرج منها وقد سددت عليهم أن يقتحموا القصبة ولا يخرج منها أحد إلا قتل

فما دعاكم إلى ما صنعتم ولا أرى عددا ولا عدة

قال فتكلم القوم وذكروا سوء حالهم وما من الله به عليهم من إرسال رسوله واختلافهم أولا ثم اجتماعهم على الإسلام وما أمرهم به من الجهاد وقالوا

وأما ما ضربت لنا من الأمثال فليس كذلك ولكن سنضرب مثلكم إنما مثلكم كمثل رجل غرس أرضا واختار لها الشجر والحب وأجرى إليها الأنهار وزينها بالقصور وأقام فيها فلاحين يسكنون قصورها ويقومون على جناتها فخلا الفلاحون في القصور على ما لا يحب وفي الجنان بمثل ذلك فأطال إمهالهم فلم يستحيوا من تلقاء أنفسهم استعتبهم فكابروه فدعا إليها غيرهم وأخرجهم منها فإن ذهبوا عنها تخطفهم الناس وإن أقاموا فيها صاروا خولا لهؤلاء فيسومونهم الخسف أبدا

والله لو لم يكن ما نقول حقا ولم يكن إلا الدنيا لما صبرنا عن الذي نحن فيه من لذيذ عيشكم ورأينا من زبرجكم ولقارعناكم حتى نغلبكم عليه فقال رستم أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم فقالوا بل اعبروا إلينا ورجعوا من عنده عشيا

وأرسل سعد إلى الناس أن يقفوا مواقفهم وأرسل إليهم شأنكم والعبور فأرادوا القنطرة فقال لا ولا كرامة أما شيء غلبناكم عليه فلن نرده عليكم تكفلوا معبرا غير القناطر

فباتوا يسكرون العتيق حتى الصباح بالتراب والقصب والبراذع حتى جعلوه طريقا واستتم بعدما ارتفع النهار

ورأى رستم من الليل كأن ملكا نزل من السماء فأخذ قسي أصحابه فختم عليها ثم صعد بها إلى السماء فاستيقظ مهموما واستدعى خاصته فقصها عليهم وقال إن الله ليعظنا لو اتعظنا

ولما ركب رستم ليعبر كان عليه درعان ومغفر وأخذ سلاحه وأمر بفرسه فأسرج فأتى به فوثب فإذا هو على فرسه ولم يضع رجله في الركاب وقال غدا ندقهم دقا

فقال له رجل إن شاء الله فقال وإن لم يشأ ثم قال إنما ضغا الثعلب حين مات الأسد يعنى كسرى وغنى أخشى أن تكون هذه سنة القرود وإنما قال هذه الأشياء توهينا للمسلمين عند الفرس وإلا فالمشهور عنه الخوف من المسلمين وقد أظهر ذلك إلى من يثق به

ذكر يوم أرماث ص 314

لما عبر الفرس العتيق جلس رستم على سريره وضرب عليه طيارة وعبى في القلب ثمانية عشر فيلا عليها صناديق ورجال وفي المجنبتين ثمانية أو سبعة وأقام الجالينوس بينه وبين ميمنته والفيرزان بينه وبين ميسرته وبقيت القنطرة بين الخيلين

وكان يزدجرد قد وضع بينه وبين رستم رجالا على كل دعوة رجلا أولهم على باب إيوانه وآخرهم مع رستم فكلما فعل رستم شيئا قال الذي معه للذي يليه كان كذا وكذا ثم يقول الثاني ذلك للذي يليه وهكذا إلى أن ينتهي إلى يزدجرد في أسرع وقت

وأخذ المسلمون مصافهم وكان بسعد دماميل وعرق النسا فلا يستطيع الجلوس إنما هو مكب على وجهه في صدره وسادة على سطح القصر يشرف على الناس والصف في أصل حائطه لو تعداه الصف فواق ناقة لأخذ برمته فما كرته هول تلك الأيام شجاعة وذكر ذلك الناس وعابه بعضهم بذلك فقال

( نقاتل حتى أنزل الله نصره % وسعد بباب القادسية معصم )

( فابنا وقد آمت نساء كثيرة % ونسوة سعد ليس فيهن أيم )

فبلغت أبياته سعدا فقال اللهم إن كان هذا كاذبا وقال الذي قاله رياء وسمعة فاقطع عني لسانه فإنه لواقف في الصف يومئذ أتاه سهم غرب فأصاب لسانه فما تكلم بكلمة حتى لحق بالله تعالى وقال جرير بن عبد الله نحو ذلك أيضا وكذلك غيره

ونزل سعد إلى الناس فاعتذر إليهم وأراهم ما به من القروح في فخذيه وإليتيه فعذره الناس وعلموا حاله ولما عجز عن الركوب استخلف خالد بن عرفطة على الناس فاختلف عليه فأخذ نفرا ممن شغب عليه فحبسهم في القصر منهم أبو محجن الثقفي وقيدهم وقيل بل كان حبس أبي محجن بسبب الخمر وأعلم الناس أنه قد استخلف خالدا وإنما يأمرهم خالد فسمعوا وأطاعوا وخطب الناس يومئذ وهو يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة وحثهم على الجهاد وذكرهم ما وعدهم الله من فتح البلاد وما نال من كان قبلهم من المسلمين من الفرس وكذلك فعل أمير كل قوم وأرسل سعد نفرا من ذوي الرأي والنجدة منهم المغيرة وحذيفة وعاصم وطليحة وقيس الأسدي وغالب وعمرو بن معد يكرب وأمثالهم ومن الشعراء الشماخ والحطيئة وأوس بن مغراء وعبدة بن الطبيب وغيرهم وأمرهم بتحريض الناس على القتال ففعلوا

وكان صف المشركين على شفير العتيق وكان صف المسلمين مع حائط قديس والخندق فكان المسلمون والمشركون بين الخندق والعتيق ومع الفرس ثلاثون ألف مسلسل وأمر سعد الناس بقراءة سورة الجهاد وهي الأنفال فلما قرئت هشت قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها

فلما فرغ القراء منها قال سعد الزموا مواقفكم حتى تصلوا الظهر فإذا صليتم فإني مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا فإذا سمعتم الثانية فكبروا والبسوا عدتكم ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا لينشط فرسانكم الناس فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعا حتى تخالطوا عدوكم وقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله

فلما كبر سعد الثالثة برز أهل النجدات فأنشبوا القتال وخرج إليهم من الفرس أمثالهم فاعتوروا الطعن والضرب وقال غالب بن عبد الله الأسدي

( قد علمت واردة المسائح % ذات اللسان والبيان الواضح )

( أني سمام البطل المسالح % وفارج الأمم المهم الفادح )

فخرج إليه هرمز وكان من ملوك الباب والأبواب وكان متوجا فأسره غالب فجاء بع سعدا ورجع وخرج عاصم وهو يقول

( قد علمت بيضاء صفراء اللبب % مثل اللجين إذ تغشاه الذهب )

( أني امرؤ لا من يعنيه السبب % مثلي على مثلك يغريه العتب )

فطارد فارسيا فانهزم فاتبعه عاصم حتى خالط صفهم فحموه فأخذ عاصم رجلا على البغل وعاد به وإذ هو خباز الملك معه من طعام الملك وخبيصة فأتى به سعدا فنفله أهل موقفه وخرج فارسي فطلب البراز فبرز إليه عمرو بن معد يكرب فأخذه وجلد به الأرض فذبحه وأخذ سواريه ومنطقته

وحملت الفيلة عليهم ففرقت بين الكتائب فنفرت الخيل وكانت الفرس قد قصدت بجيلة بسبعة عشر فيلا فنفرت خيل بجيلة فكادت بجيلة تهلك لنفار خيلها عنها وعمن معها وأرسل سعد إلى بني أسد أن دافعوا عن بجيلة وعمن معها من الناس فخرج طليحة بن خويلد وحمال بن مالك في كتائبهما فباشروا الفيلة حتى عدلها ركبانها وخرج إلى طليحة عظيم منهم فقتله طليحة

وقام الأشعث بن قيس في كندة حين استصرخهم سعد فقال يا معشر كندة لله در بني أسد أي فري يفرون وأي هز يهزون عن موقفهم أغنى كل قوم ما يليهم وأنتم تنتظرون من يكفيكم البأس أشهد ما أحسنتم أسوة قومكم من العرب منذ اليوم وأنهم ليقتلون ويقاتلون وأنتم جثاة على الركب تنظرون فوثب إليه عدد منهم عشرة فقالوا عثر الله جدك إنك لتؤبسنا جاهدا ونحن أحسن الناس موقفا فمن أين خذلنا قومنا العرب وأسأنا أسوتهم فها نحن معك فنهد ونهدوا معه فأزالوا الذين بإزائهم فلما رأى الفرس ما يلقى الناس والفيلة من كتيبة أسد رموهم بحدهم وحملوا عليهم وفيهم ذو الحاجب والجالينوس والمسلمون ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد فاجتمعت حلبة فارس على أسد ومعهم تلك الفيلة فثبتوا لهم وكبر سعد الرابعة وزحف إليهم المسلمون ورحا الحرب تدور على أسد وحملت الفيول على الميمنة والميسرة فكانت الخيول تحيد عنها فأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو التميمي فقال يا معشر بني تميم ألستم أصحاب الإبل والخيل أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة

قالوا بلى والله ثم نادى في رجال من قومه رماة وآخرين لهم ثقافة فقال يا معشر الرماة ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل وقال يا معشر أهل الثقافة استدبروا الفيلة فقطعوا وضنها وخرج يحميهم

ورحا الحرب تدور على أسد وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد وأقبل أصحاب عاصم على الفيلة فأخذوا بأذناب توابيتها فقطعوا وضنها وارتفع عواؤهم فما بقي لهم فيل إلا أوى وقتل أصحابها ونفس عن أسد وردوا فارسا عنهم إلى مواقفهم واقتتلوا حتى غربت الشمس ثم حتى ذهبت هدأة من الليل ثم رجع هؤلاء وهؤلاء

وأصيب من أسد تلك العشية خمسمائة وكانوا ردءا للناس وكان عاصم حامية للناس

وهذا اليوم الأول وهو يوم أرماث فقال عمرو بن شاس الأسدي

( جلينا الخيل من أكناف نيق % إلى كسرى فوافقها رعالا )

( تركن لهم على الأقسام شجوا % وبالحقوين أياما طوالا )

( قتلنا رستما وبنيه قسرا % تثير الخيل فوقهم الهيالا )

الأبيات وكان سعد قد تزوج سلمى امرأة المثنى بن حارثة الشيباني بعده بشراف فلما جال الناس يوم أرماث وكان سعد لا يطيق الجلوس جعل سعد يتململ جزعا فوق القصر فلما رأت سلمى ما يصنع الفرس قال وامثنياه ولا مثنى للخيل اليوم قالت ذلك عند رجل صخر مما يرى في أصحابه ونفسه فلطم وجهها وقال أين المثنى عن هذه الكتيبة التي تدور عليها الرحى يعنى أسدا وعاصما

فقالت أغيرة وجبنا فقال والله لا يعذرني اليم أحد إن لم تعذريني وأنت ترين ما بي والناس أحق أن لا يعذروني فتعلقها الناس ولم يبق شاعر إلا اعتد بها عليه وكان غير جبان ولا ملوم

ذكر يوم أغواث ص 321

ولما أصبح القوم وكل سعد بالقتلى والجرحى من ينقلهم إلى العذيب فسلم الجرحى إلى النساء ليقمن عليهم وأما القتلى فدفنوا هناك على مشرق وهو واد بين العذيب وعين الشمس

مقدم القعقاع بن عمرو ص 321

فلما نقل سعد القتلى والجرحى طلعت نواصي الخيل من الشام وكان فتح دمشق قبل القادسية بشهر فلما قدم كتاب عمر على أبي عبيدة بن الجراح بإرسال أهل العراق سيرهم وعليهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو التميمي فتعجل القعقاع فقدم على الناس صبيحة هذا اليوم وهو يوم أغواث وقد عهد إلى أصحابه أن يتقطعوا أعشارا وهم ألف كلما بلغ عشرة مدى البصر سرحوا في آثارهم عشرة فقدم أصحابه في عشرة فأتى الناس فسلم عليهم وبشرهم بالجنود وحرضهم على القتال وقال أيها الناس إني قد جئتكم في قوم والله إن لو كانوا بمكانكم ثم أحسوكم حسدوكم خطوتها وحاولوا أن يطيروا بها دونكم اصنعوا كما أصنع

وطلب البراز فقالوا فيه يقول أبو بكر لا يهزم جيش فيهم مثل هذا وسكنوا إليه

فخرج إليه ذو الحاجب فعرفه القعقاع فنادى يا لثارات أبي عبيد وسليط وأصحاب الجسر وتضاربا فقتله القعقاع

وجعلت خيله ترد إلى الليل وتنشط الناس وكأن لم يكن بالأمس مصيبة وفرحوا بقتل ذي الحاجب وانكسرت الأعاجم بذلك

وطلب القعقاع البراز فخرج إليه الفيرزان والبنذوان فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان بن الحارث أحد بني تيم اللات فتبارزوا فقتل القعقاع الفيرزان وقتل الحارث البنذوان

ونادى القعقاع يا معشر المسلمين باشروهم بالسيوف فإنما يحصد الناس فاقتتلوا حتى المساء فلم ير أهل فارس في هذا اليوم ما يعجبهم وأكثر المسلمون فيهم القتل ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فيل كانت توابيتها قد تكسرت بالأمس فاستأنفوا عملها فلم يفرغوا منها حتى كان الغد وجعل القعقاع كلما طلعت قطعة من أصحابه كبر وكبر المسلمون ويحمل ويحملون وحمل بنو عم للقعقاع عشرة عشرة على إبل قد ألبسوها وهي مجللة مبرقعة وأطافت بهم خيولهم تحميهم وأمرهم القعقاع أن يحملوها على خيل الفرس يتشبهون بالفيلة ففعلوا بهم هذا اليوم وهو يوم أغواث كما فعلت فارس يوم أرماث فجعلت خيل الفرس تفر منها وركبتها خيول المسلمين فلما رأى الناس ذلك سروا بهم فلقي الفرس من الإبل يوم أغواث أعظم ما لقي المسلمون من الفيلة يوم أرماث

وحمل رجل من تميم ممن كان يحمي العشرة يقال لها سواد على رستم يريد قتله فقتل دونه وخرج رجل من فارس يبارز فبرز إليه الأعراف بن الأعلم العقيلي فقتله ثم برز إليه آخر فقتله وأحاطت بهم فوارس منهم فصرعوه وأخذوا سلاحه فغبر في وجوههم التراب حتى رجع إلى أصحابه

وحمل القعقاع بن عمرو يومئذ ثلاثين حملة كلما طلعت قطعة حمل حملة وأصاب فيها وقتل فكان آخرهم بزرجمهر الهمذاني

وبارز الأعور بن قطبة شهريار سجستان فقتل كل واحد منهما صاحبه

وقاتلت الفرس إلى انتصاف النهار فلما اعتدل النهار وتزاحف الناس فاقتتلوا حتى انتصف الليل فكانت ليلة أرماث تدعى الهداة وليلة أغواث تدعى السواد

ولم يزل المسلمون يرون يوم أغواث الظفر وقتلوا فيه عامة أعلامهم وجالت فيه خيل القلب وثبت رجلهم فلولا أن خيلهم عادت اخذ رستم أخذا وبات الناس على مثل ما بات عليه القوم ليلة أرماث ولم يزل المسلمون ينتمون لدن أمسوا حتى تفيأوا فلما سمع سعد ذلك قال لبعض من عنده إن تم الناس على الانتماء فلا توقظني فإنهم أقوياء على عدوهم وإن سكتوا ولم ينتم الآخرون فلا توقظني فإنهم على السواء فإن سمعتهم ينتمون فأيقظني فإن انتماءهم من السوء

قتال أبي محجن الثقفي ص 323

ولما اشتد القتال بالسواد وكان أبو محجن قد حبس وقيد فهو في القصر فصعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله فزبره ورده فنزل قال لسلمى زوج سعد هل لك إلى خير قالت وما ذاك قال أن تخلين عني وتعيريني البلقاء فالله علي إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في قيدي فأبت فقال

( كفى حزنا أن ترتدي الخيل بالقنا % وأترك مشدودا علي وثاقيا )

( إذا قمت عناني الحديد وأغلقت % مصارع دوني قد تصم المناديا )

( وقد كنت ذا مال كثير وإخوة % فقد تركوني واحدا لا أخا ليا )

( ولله عهد لا أخيس بعهده % لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا )

فرقت له سلمى وأطلقته وأعطته البلقاء فرس سعد فركبها حتى إذا كان بحيال المسمنة كبر ثم حمل على ميسرة الفرس ثم رجع خلف المسلمين وحمل على ميمنتهم وكان يقصف الناس قصفا منكرا وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه من النهار فقال بعضهم هو من أصحاب هاشم أو هاشم بنفسه وكان سعد يقول وهو مشرف على الناس مكب من فوق القصر والله لولا محبس أبي محجن لقلت هذا أبو محجن وهذه البلقاء

وقال بعض الناس هذا الخضر وقال بعضهم لولا إن الملائكة لا تباشر الحرب لقلنا إنه ملك يثبتنا ولا يذكره الناس ولا يأبهون له لأنه بات في محبسه

فلما انتصف الليل وتراجع المسلمون والفرس عن القتال أقبل أبو محجن فدخل القصر وأعاد رجليه في القيد وقال

( لقد علمت ثقيف غير فخر % بأنا نحن أكرمهم سيوفا )

( وأكثرهم دروعا سابغات % وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا )

( وأنا وفدهم في كل يوم % فإن عميوا فسل بهم عريفا )

( وليلة قادس لم يشعروا بي % ولم أشعر بمخرجي الزحوفا )

( فإن أحبس فذالكم بلائي % وإن أترك أذيقهم الحتوفا ) فقالت له سلمى في أي شيء حبسك هذا الرجل فقال والله ما حبسني بحرام اكلته ولا شربته ولكنني كنت صاحب شراب في الجاهلية وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني فقلت

( إذا مت فادفني إلى اصل كرمة % تروي عظامي بعد موتي عروقها )

( ولا تدفنني بالفلاة فإنني % أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها )

فلذلك حبسني فلما أصبحت أتت سعدا فصالحته وكانت مغاضبة له وأخبرته بخبر أبي محجن فدعا به فأطلقه فقال اذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله قال لا جرم والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدا

ذكر يوم عماس ص 325

ثم أصبحوا اليوم الثالث وهم على مواقفهم وبين الصفين من قتلى المسلمين ألفان من جريح وميت ومن المشركين عشرة آلاف فجعل المسلمون ينقلون قتلاهم إلى المقابر والجرحى إلى النساء وكان الناس والصبيان يحفرون القبور وكان على الشهداء حاجب بن زيد

وأما قتلى المشركين فبين الصفين لم ينقلوا وكان ذلك مما قوى المسلمين وبات القعقاع تلك الليلة يسرب أصحابه إلى المكان الذي فارقهم فيه من الأمس وقال إذا طلعت الشمس فأقبلوا مائة مائة فإن جاء هاشم فذاك وإلا جددتم للناس رجاء وجدا

ففعلوا ولا يشعر به أحد وأصبح الناس على مواقفهم فلما ذر قرن الشمس أقبل أصحاب القعقاع فحين رآهم كبر وكبر المسلمون وقالوا جاء المدد وقد كان عاصم بن عمرو أمر أن يصنع مثلها فجاؤوا من قبل خفا وتقدموا وتكتبت الكتائب واختلفوا الضرب والطعن والمدد متتابع فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم فأخبر بما صنع القعقاع فعبى أصحابه سبعين سبعين وكان فيهم قيس بن هبيرة بن عبد يغوث المعروف بقيس بن المكشوح المرادي ولم يكن من أهل الأيام إنما كان باليرموك فانتدب مع هاشم حتى إذا خالط القلب كبر وكبر المسلمون وقد أخذوا مصافهم وقال هاشم أول قتال المطاردة ثم المراماة ثم حمل على المشركين يقاتلهم حتى خرق صفهم إلى العتيق ثم عاد

وكان المشركون قد باتوا يعملون توابيتهم حتى أعادوها وأصبحوا على مواقفهم وأقبلت الرجالة مع الفيل يحمونها أن تقطع وضنها ومع الرجالة فرسان يحمونهم إذا أرادوا كتيبة دلفوا لها بفيل وأتباعه لينفروا بهم خيلهم فلم تنفر الخيل منهم كما كانت بالأمس لأن الفيل إذا كان وحده كان أوحش وإذا أطافوا به كان آنس فكان القتال كذلك حتى عدل النهار وكان يوم عماس من أوله إلى آخره شديدا العرب والعجم فيه سواء ولا تكون بينهم نقطة إلا أبلغوها يزدجرد بالأصوات فيبعث إليهم أهل النجدات ممن بقي عنده فيقوون بهم فلولا أن الله ألهم القعقاع ما فعل في اليومين وأتاح لهم بهاشم وإلا كسر ذلك المسلمين

وقاتل قيس بن المكشوح وكان قد قدم مع هاشم قتالا شديدا وحرض أصحابه وقال عمرو بن معد يكرب إني حامل على الفيل ومن حوله لفيل بإزائهم فلا تدعوني أكثر من جزر جزور فإن تأخرتم عني فقدتم أبا ثور يعني نفسه وأين لكم مثل أبي ثور فإن أدركتموني وجدتموني وفي يدي السيد

فحمل وضرب فيهم حتى ستره الغبار وحمل أصحابه فأفرج المشركون عنه بعدما صرعوه وإن سيفه لفي يده يصارمهم وقد طعن فرسه فأخذ برجل فرس أعجمي فلم يطق الجري فنزل عنه صاحبه إلى أصحابه وركبه عمرو وبرز فارسي فبر إليه رجل من المسلمين يقال له شبر بن علقمة وكان قصيرا فترجل الفارسي إليه فاحتمله وجلس على صدره ثم أخذ سيفه ليذبحه ومقود فرسه مشدود في منطقته فلما سل سيفه نفر الفرس فجذبه المقود فقلبه عنه وتبعه المسلم فقتله وأخذ سلبه فباعه باثني عشر ألفا

فلما رأى سعد الفيول قد فرقت بين الكتائب وعادت لفعلها يوم أرماث أرسل إلى القعقاع وعاصم ابني عمرو اكفياني الأبيض وكانت كلها آلفة له وكان بإزائهما وقال لحمال والزبيل اكفياني الأجرب وكان بإزائهما فأخذ القعقاع وعاصم رمحين أصمين لينين وتقدما في خيل ورجال وفعل حمال والزبيل بمثل فعلهما فلما خالطوهما اكتنفوها فنظر كل واحد منهما يمنة ويسرة وهما يريدان أن يتخبطا فحمل القعقاع وعاصم والفيل متشاغل بمن حوله فوضعا رمحيهما في عيني الفيل الأبيض فنفض رأسه فطرح ساسته ودلى مشفره فضربه القعقاع فرمى به ووقع لجنبه وقتلوا من كان عليه وحمل حمال والزبيل الأسديان على الفيل الآخر وهو متشاغل بملاحظة من اكتنفه فطعنه حمال في عينه فأقعى ثم استوى وضربه الزبيل فأبان مشفره وبصر به سائسه فبقر أنفه وجبينه بالطبرزين فأفلت الزبيل جريحا فبقي الفيل جريحا متحيرا بين الصفين كلما جاء صف المسلمين وخزوه وإذا أتى صف المشركين نخسوه وولى الفيل وكان يدعى الأجرب وقد عور حمال عينيه فألقى نفسه في العتيق فاتبعته الفيلة فخرقت صف الأعاجم فعبرت في أثره فأتت المدائن في توابيتها وهلك من فيها

فلما ذهبت الفيلة وخلص المسلمون والفرس ومال الظل تزاحف المسلمون فاجتلدوا حتى أمسوا وهم على السواء فلما أمسى الناس اشتد القتال وصبر الفريقان فخرجا على السواء

ذكر ليلة الهرير وقتل رستم ص 327

قيل إنما سميت بذلك لتركهم الكلام إنما كانوا يهرون هريرا

وأرسل سعد طليحة وعمرا ليلة الهرير إلى مخاضة أسفل العسكر ليقوما عليها خشية أن يأتيه القوم منها وقال لهما إن وجدتما القوم قد سبقوكما إليها فنزلا بحيالهم وإن لم تجداهم علموا بها فأقيما حتى يأتيكما أمري

فلما أتياها قال طليحة لو خضنا وأتينا الأعاجم من خلفهم قال عمرو بل نعبر أسفل فافترقا وأخذ طليحة وراء العسكر وكبر ثلاث تكبيرات ثم ذهب وقد ارتاع أهل فارس وتعجب المسلمون وطلبه الأعاجم فلم يدركوه وأما عمرو فإنه أغار أسفل المخاضة ورجع

وخرج مسعود بن مالك الأسدي وعاصم بن عمرو وابن ذي البردين الهلالي وابن ذي السهمين وقيس بن هبيرة الأسدي وأشباههم فطاردوا القوم فإذا هم لا يشدون ولا يريدون غير الزحف فقدموا صفوفهم وزاحفهم الناس بغير إذن سعد فأصيب ليلتئذ خالد بن يعمر التميمي ثم العمري وكان أول من زاحفهم القعقاع

وقال سعد اللهم اغفر له وانصره فقد أذنت له إذ لم يستأذني ثم قال أرى الأمر ما فيه هذا فإذا كبرت ثلاثا فاحملوا وكبر واحدة فلحقهم أسد فقال اللهم اغفرها لهم وانصرهم ثم حملت النخع فقال اللهم اغفرها لهم وانصرهم ثم حملت بجيلة فقال اللهم اغفرها لهم وانصرهم ثم حملت كندة فقال اللهم اغفرها لهم وانصرهم ثم زحف الرؤساء ورحا الحرب تدور على القعقاع وتقدم حنظلة بن الربيع وأمراء الأعشار وطليحة وغالب وحمال وأهل النجدات

ولما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضا وخالطوا القوم واستقبلوا الليل استقبالا بعدما صلوا العشاء وكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتهم إلى الصباح وأفرغ الله الصبر عليهم إفراغا وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها ورأى العرب والعجم أمرا لم يروا مثله قط وانقطعت الأخبار والأصوات عن سعد ورستم وأقبل سعد على الدعاء فلما كان عند الصبح انتمى الناس فلأستدل بذلك على أنهم الأعلون

وكان أول شيء سمعه نصف الليل الباقي صوت القعقاع بن عمرو وهو يقول

( نحن قتلنا معشرا وزائدا % أربعة وخمسة وواحدا )

( نحسب فوق اللبد الأساودا % حتى إذا ماتوا دعوت جاهدا )

( الله ربي واحترزت عامدا % )

وقتلت كندة تركا الطبري وكان مقدما فيهم وأصبح الناس ليلة الهرير وتسمى ليلة القادسية من بين تلك الليالي وهم حسرى لم يغمضوا ليلتهم كلها فسار القعقاع في الناس فقال إن الدائرة بعد ساعة لمن بدا القوم فاصبروا ساعة واحملوا فإن النصر مع الصبر فآثروا الصبر على الجزع فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء وصمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه مع الصبح فلما رأت ذلك القبائل قام فيها رؤساؤهم وقالوا لا يكونن هؤلاء أجد في أمر الله منكم ولا هؤلاء يعني الفرس أجرأ على الموت منكم ولا أسخى أنفسا عن الدنيا تنافسوها فحملوا فيما يليهم وخالطوا من بإزائهم فاقتتلوا حتى قام قائم الظهيرة فكان أول من زال الفيرزان والهرمزان فتأخروا وثبتا حيث انتهيا وانفرج القلب وركد عليهم النقع وهبت ريح عاصف فقلعت طيارة رستم عن سريره فهوت في العتيق وهي دبور ومال الغبار عليهم وانتهى القعقاع ومن معه إلى السرير فعثروا به وقد قام رستم عنه حين أطارت الريح الطيارة إلى بغلا قد قدمت عليه بمال يومئذ فهي واقفة فاستظل في ظل بغل وحمله وضرب هلال بن علفة الحمل الذي تحته رستم فقطع حباله ووقع عليه أحد العدلين ولا يراه هلال ولا يشعر به فأزال عن ظهره فقارا وضربه هلال ضربة فنفحت مسكا ومضى رستم نحو العتيق فرمى بنفسه فيه واقتحمه هلال عليه فتناوله وقد عام وهلال قائم وأخذ برجليه ثم خرج به فضرب جبينه بالسيف حتى قتله ثم ألقاه بين أرجل البغال ثم صعد السرير وقال قتلت رستم ورب الكعبة إلي إلي فأطافوا به ولا يحسون السرير ولا يرونه وكبروا فنفله سعد سلبه وكان قد أصابه الماء ولم يظفر بقلنسوته ولو ظفر بها لكانت قيمتها مائة ألف

وقيل إن هلالا لما قصد رستم رماه رستم بنشابة أثبت قدمه بالركاب فحمل عليه هلال فضربه فقتله ثم احتز رأسه وعلقه ونادى قتلت رستم فانهزم قلب المشركين وقام الجالينوس على الردم ونادى الفرس إلى العبور وأما المقترنون فإنهم جشعوا فتهافتوا في العتيق فوخزهم المسلمون برماحهم فما أفلت منهم مخبر وهم ثلاثون ألفا

وأخذ ضرار بن الخطاب درفش كابيان وهو العلم الأكبر الذي كان للفرس فعوض منه ثلاثين ألفا وكانت قيمته ألف ألف ومائتي ألف وقتلوا في المعركة عشرة آلاف سوى من قتلوا في الأيام قبله

وقتل من المسلمين قبل ليلة الهرير ألفان وخمسمائة وقتل ليلة الهرير ويوم القادسية ستة آلاف فدفنوا في الخندق حيال مشرق ودفن من كان قبل ليلة الهرير على مشرق وجمعت الأسلاب والأموال فجمع منها شيء لم يجمع قبله ولا بعده مثله

وأرسل سعد إلى هلال فسأله عن رستم فأحضره فقال جرده إلا ما شئت فأخذ سلبه فلم يدع عليه شيئا وأمر القعقاع وشرحبيل باتباعهم حتى بلغا مقدار الخرارة من القادسية

وخرج زهرة بن الحوية التميمي في آثارهم في ثلاثمائة فارس ثم أدركه الناس فلحق المنهزمين والجالينوس يجمعهم فقتله زهرة وأخذ سلبه وقتلوا ما بين الخرارة إلى السليحين إلى النجف وعادوا من اثر المنهزمين ومعهم الأسرى فرؤي شاب من النخع وهو يسوق ثمانين رجلا أسرى من الفرس واستكثر سعد سلب الجالينوس فكتب فيه إلى عمر فكتب عمر إلى سعد تعمد إلى مثل زهرة وقد صلى بمثلي ما صلى به وقد بقي عليك من حربك ما بقي تكسر قرنه وتفسد قلبه امض له سلبه وفضله على أصحابه عند عطائه بخمسمائة ولما اتبع المسلمون الفرس كان الرجل يشير إلى الفارسي فيأتي فيقتله وربما اخذ سلاحه فقتله به وربما أمر رجلين فيقتل أحدهما صاحبه

ولحق سلمان بن ربيعة الباهلي وعبد الرحمن بن ربيعة بطائفة منهم قد نصبوا راية وقالوا لا نبرح حتى نموت فقتلهم سلمان ومن معه

وكان قد ثبت بهد الهزيمة بضعة وثلاثون كتيبة استحيوا من الفرار وقصدهم بضعة وثلاثون من رؤساء المسلمين لكل كتيبة منها رئيس وكان قتال أهل الكتائب من الفرس على وجهين منهم من هرب ومنهم من ثبت حتى قتل وكان ممن هرب من أمراء الكتائب الهرمزان وكان بإزاء عطارد ومنهم أهود وكان بإزاء حنظلة بن الربيع وهو كاتب النبي ومنهم زاد بن بهيش وكان بإزاء عاصم بن عمر ومنهم قارن وكان بإزاء القعقاع

وكان ممن ثبت وقتل شهريار بن كنارا وكان بغزاء سلمان بن ربيعة وابن الهربذ وكان بإزاء عبد الرحمن بن ربيعة والفرخان الأهوازي وكان بإزاء بسر بن أبي رهم الجهني ومنهم خشدسوم الهمذاني وكان بإزاء ابن الهذيل الكاهلي وتراجع الناس من طلب المنهزمين وقد قتل مؤذنهم فتشاح المسلمون في الأذان حتى كادوا يقتتلون وأقرع سعد بينهم فخرج سهم رجل فأذن وفضل أهل البلاء من أهل القادسية عند العطاء بخمسمائة خمسمائة وهم خمسة وعشرون رجلا منهم زهرة وعصمة الضبي والكلج وأما أهل الأيام قبلها فإنهم فرض لهم على ثلاثة آلاف فضلوا على أهل القادسية فقيل لعمر لو ألحقت بهم أهل القادسية فقال لم أكن لألحق بهم من لم يدركهم وقيل له لو فضلت من بعد داره على من قاتلهم بفنائه قال كيف أفضل عليهم وهم شجن العدو وما سويت بينهم حتى استطبتهم وهل فعل المهاجرون والأنصار إذ قاتلوا بفنائهم مثل هذا

وكانت العرب تتوقع وقعة العرب وأهل فارس بالقادسية فيما بين العذيب إلى عدن أبين وفيما بين الأبلة وأيلة يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها وكانت في كل بلد مصيخة إليها تنظر ما يكون من أمرها حتى غن كان الرجل ليريد الأمر فيقول لا انظر فيه حتى انظر ما يكون من أمر القادسية

فلما كانت وقعة القادسية سارت بها الجن فاتت بها أناسا من الإنس فسبقت أخبار الإنس إليهم وكتب سعد إلى عمر بالفتح وبعدة من قتلوا وبعدة من أصيب من المسلمين وسمى من يعرف مع سعد بن عميلة الفزاري

وكان عمر يسأل الركبان من حين يصبح إلى انتصاف النهار عن أهل القادسية ثم يرجع إلى أهله ومنزله

قال فلما لقي البشير سأله من أين فأخبره قال يا عبد الله حدثني قال هزم الله المشركين وعمر يخب معه يسأله والآخر يسير على ناقته لا يعرفه حتى دخل المدينة وإذا الناس يسلمون عليه بإمرة المؤمنين قال البشير هلا أخبرتني رحمك الله إنك أمير المؤمنين

فقال عمر لا بأس عليك يا أخي

وأقام المسلمون بالقادسية في انتظار قدوم البشير وأمر عمر الناس أن يقوموا على أقباضهم ويصلح أحوالهم ويتابع إليهم أهل الشام ممن شهد اليرموك ودمشق ممدين لهم وجاء أولهم يوم أغواث وآخرهم بعد الغد يوم الفتح فكتبوا فيهم إلى عمر يسألونه عما ينبغي أن يشار فيه مع نذير بن عمرو

وقيل كانت وقعة القادسية سنة ست عشرة قال وكان بعض أهل الكوفة يقول إنها كانت سنة خمس عشرة وقد تقدم أنها كانت سنة أربع عشرة

حميضة بن النعمان بضم الحاء المهملة وفتح الميم وبالضاد المعجمة

وبسر بن أبي رهم بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة

والحوية بفتح الحاء المهملة وكسر الواو وقيل بالجيم المضمومة وفتح الواو والأول أصح

وحمال بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم

والمعنى بضم الميم وفتح العين المهملة والنون المشددة

وحصين بن نمير بضم الحاء وفتح الصاد

ومعاوية بن حديج بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وآخره جيم

والمعتم بضم الميم وسكون العين المهملة وفتح التاء فوقها نقطتان وآخره ميم مشددة

وصرار بكسر الصاد المهملة بالراءين المهملتين بينهما ألف موضع عند المدينة

وصنين يكسر الصاد المهملة والنون المشددة بعدها ياء ساكنة معجمة باثنتين من تحتها وآخره نون موضع من ناحية الكوفة انتهى خبر القادسية

ذكر ولاية عتبة بن عزوان البصرة ص 332

قيل في هذه السنة بعث عمر عتبة بن غزوان إلى البصرة وكان بها قطبة بن قتادة السدوسي يغير بتلك الناحية كما كان يغير المثنى بناحية الحيرة فكتب إلى عمر يعلمه مكانه وأنه لو كان معه عدد يسير ظفر بمن كان قبله من العجم فنفاهم عن بلادهم وكانت الأعاجم بتلك الناحية قد هابوه بعد وقعة خالد بنهر المرأة فكتب إليه عمر يأمره بالمقام والحذر ووجه إليه شريح بن عامر أحد بني سعد بن بكر فأقبل إلى البصرة وترك بها قطبة ومضى إلى الأهواز حتى انتهى إلى دارس وفيها مسلحة الأعاجم فقتلوه فبعث عمر عتبة بن عزوان

قال له حين وجهه يا عتبة إني قد استعملتك على أرض الهند وهي حومة من حومة العدو وأرجو أن يكفيك الله ما حولها ويعينك عليها وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي أن يمدك بعرفجة بن هرثمة وهو ذو مجاهدة ومكايدة للعدو فإذا قدم عليك فاستشره وقربه وادع إلى الله فمن أجابك فاقبل منه ومن أبي فالجزية عن صغار وذلة وإلا فالسيف في غير هوادة واتق الله فيما وليت وإياك أن تنازعك نفسك إلى كبر مما يفسد عليك أخوتك وقد صحبت رسول الله فعززت به بعد الذلة وقويت به بعد الضعف حتى صرت أميرا مسلطا وملكا مطاعا تقول فيسمع منك وتأمر فيطاع أمرك فيا لها من نعمة إن لم ترفعك فوق قدرك وتبطرك على من دونك واحتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية ولهي أخوفهما عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك فتسقط سقطة تصير بها إلى جهنم أعيذك بالله ونفسي من ذلك إن الناس أسرعوا إلى الله حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها فأرد الله ولا ترد الدنيا واتق مصارع الظالمين

انطلق أنت ومن معك حتى إذا كنتم في أقصى أرض العرب وأدنى أرض العجم فأقيموا

فسار عتبة ومن معه حتى إذا كانوا بالمربد تقدموا حتى بلغوا حيال الجسر الصغير فنزلوا فبلغ صاحب الفرات خبرهم فأقبل في أربعة آلاف فالتقوا فقاتلهم عتبة بعد الزوال وكان في خمسمائة فقتلهم أجمعين ولم يبق إلا صاحب الفرات فأخذه أسيرا

ثم خطب عتبة أصحابه وقال إن الدنيا قد تصرمت وولت جدا ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الغناء إلا وإنكم منتقلون منها إلى دار القرار فانتقلوا بخير ما يحضر بكم وقد ذكر لي لو أن صخرة ألقيت من شفير جهنم لهوت سبعين خريفا ولتملأنه أو عجبتم ولقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين خريفا وليأتين عليه يوم وهو كظيظ ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة مع النبي ما لنا طعام إلا ورق السمر حتى تقرحت أشداقنا والتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد فما منا أولئك السبعة من أحد إلا وهو أمير مصر من الأمصار وسيجربون الناس بعدنا

وكان نزوله البصرة في ربيع الأول أو الآخر سنة أربع عشرة وقيل إن البصرة مصرت سنة ست عشرة بعد جلولاء وتكريت أرسله سعد إليها بأمر عمر وأن عتبة لما نزل البصرة أقام نحو شهر فخرج إليه أهل الأبلة وكان بها خمسمائة أسوار يحمونها وكانت مرفأ السفن من الصين فقاتلهم عتبة فهزمهم حتى دخلوا المدينة ورجع عتبة إلى عسكره وألقى الله الرعب في قلوب الفرس فخرجوا عن المدينة وحملوا ما خف وعبروا الماء وأخلوا المدينة ودخلها المسلمون فأصابوا متاعا وسلاحا وسبيا فاقتسموه وأخرج الخمس منه وكان المسلمون ثلاثمائة وكان فتحها في رجب أو في شعبان

ثم نزل موضع مدينة الرزق وخط موضع المسجد وبناه بالقصب وكان أول مولود بها عبد الرحمن بن أبي بكرة فلما ولد ذبح أبوه جزورا فكفتهم لقلة الناس وجمع لهم أهل دستميسان يقاتلونهم فلقيهم عتبة فهزمهم وأخذ مرزبانها أسيرا واخذ قتادة منطقته فبعث بها مع أنس بن حجنة إلى عمر فقال له عمر كيف الناس

فقال انثالت عليهم الدنيا فهم يهيلون الذهب والفضة فرغب الناس في البصرة فأتوها واستعمل عتبة مجاشع بن مسعود على جماعة وسيرهم إلى الفرات واستخلف المغيرة بن شعبة على الصلاة إلى أن يقدم مجاشع بن مسعود فإذا قدم فهو الأمير وسار عتبة إلى عمر فظفر مجاشع بأهل الفرات وجمع الفليكان عظيم من الفرس للمسلمين فخرج إليه المغيرة بن شعبة فلقيهم بالمرغاب فاقتتلوا فقال نساء المسلمين لو لحقنا بهم فكنا معهم فاتخذن من خمرهن رايات وسرن إلى المسلمين فانتهين إليهم والمشركون يقاتلونهم فلما رأى المشركون الرايات ظنوا أن مددا للمسلمين قد أقبل فانهزموا وظفر بهم المسلمون وكتب إلى عمر بالفتح فقال عمر لعتبة من استعملت على البصرة

فقال مجاشع بن مسعود قال أتستعمل رجلا من أهل الوبر على أهل المدر وأخبره بما كان من المغيرة وأمره أن يرجع إلى عمله فمات في الطريق وقيل في موته غير ذلك وسيرد ذكره سنة سبع عشرة

وكان من سبي ميسان يسار أبو الحسن البصري وأرطبان جد عبد الله بن عون بن أرطبان وقيل إن إمارة عتبة البصرة كانت سنة خمس عشرة وقيل ست عشرة والأول أصح فكانت إمارته عليها ستة أشهر

واستعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة فبقي سنتين ثم رمي بما رمي واستعمل أبا موسى وقيل استعمل بعد عتبة أبا موسى وبعده المغيرة

وفيها أعني سنة أربع عشرة ضرب عمر ابنه عبيد الله وأصحابه في شراب شربوه وأبا محجن

وفيها أمر عمر بالقيام في شهر رمضان في المساجد بالمدينة وجمعهم على أبي بن كعب وكتب إلى الأمصار بذلك

وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب وكان على مكة عتاب بن أسيد في قول وعلى اليمن يعلى بن منية وعلى الكوفة سعد بن أبي وقاص وعلى الشام أبو عبيدة بن الجراح وعلى البحرين عثمان بن أبي العاص وقيل العلاء بن الحضرمي وعلى عمان حذيفة بن حصن

وفي هذه السنة مات أبو قحافة والد أبي بكر الصديق بعد موت ابنه وفيها مات سعد بن عبادة الأنصاري وقيل سنة إحدى عشرة وقيل سنة خمس عشرة وفيها قتل سليط بن عمرو بن عامر بن لؤي وفيها ماتت هند بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية وكان إسلامها يوم الفتح

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.