ذكر مسير خالد بن الوليد إلى العراق وصلح الحيرة
ص 237
في هذه السنة في المحرم منها أرسل أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة يأمره بالمسير إلى العراق وقيل بل قدم المدينة من اليمامة فسيره أبو بكر إلى العراق فسار حتى نزل ببانقيا وباروسما وأليس وصالحه أهلها وكان الذي صالحه عليها ابن صلوبا على عشرة آلاف دينار سوى حرزة كسرى وكانت على كل رأس أربعة دراهم وأخذ منهم الجزية ثم سار حتى نزل الحيرة فخرج إليه أشرافها مع إياس بن قبيصة الطائي وكان أميرا عليها بعد النعمان بن المنذر فدعاهم خالد إلى الإسلام أو الجزية أو المحاربة فاختاروا الجزية فصالحهم على تسعين ألف درهم فكانت أول جزية أخذت من الفرس في الإسلام هي والقريات التي صالح عليها وقيل إنما أمره أبو بكر أن يبدأ بالأبلة وكتب إلى عياض بن غنم أن يقصد العراق ويبدأ بالمصيخ ويدخل العراق من أعلاه ويسير حتى يلقى خالدا وكان المثنى بن حارثة الشيباني قد استأذن أبا بكر أن يغزو بالعراق فأذن له فكان يغزوهم قبل قدوم خالد وأمر أبو بكر خالدا وعياضا أن يستنفرا من قاتل أهل الردة وأن لا يغزون معهما مرتدا ففعلا وكتبا إليه يستمدانه فأمد خالدا بالقعقاع بن عمرو التميمي فقيل له أتمد رجلا قد ارفض عند جنوده برجل واحد فقال لا يهزم جيش فيهم مثل هذا
وأمد عياضا بعبد بن غوث الحميري وكتب أبو بكر إلى المثنى وحرملة ومعذور وسلمى أن يلحقوا بخالد بالأبلة فقدم خالد ومعه عشرة آلاف مقاتل وكان مع المثنى وأصحابه ثمانية آلاف ولما قدم خالد فرق جنده ثلاث فرق ولم يحملهم على طريق واحد على مقدمته المثنى وبعده عدي بن حاتم وجاء خالد بعدهما ووعدهما الحفير ليجتمعوا به و ليصادموا عدوهم وكان ذلك الفرج أعظم فروج فارس شأنا وأشدها شوكة فكان صاحبه أسوار اسمه هرمز فكان يحارب العرب في البر والهند في البحر فلما سمع هرمز بهم كتب إلى أردشير الملك بالخبر وجمع جموعه ثم تعجل هو إلى الكواظم في سرعان أصحابه ليتلقى خالدا فسمع انهم تواعدوا الحفير فسبقهم إليه ونزل به وجعل على مقدمته قباذ وأنوشجان وكانا من أولاد أردشير الأكبر واقترنوا في السلاسل لئلا يفروا فسمع بهم خالد فمال بالناس إلى كاظمة فسبقه هرمز إليها وكان نسيء المجاورة للعرب فكلهم عليه حنق وكانوا يضربونه مثلا في الخبث فيقولون أكفر من هرمز
وقدم خالد فنزل على غير ماء فقال له أصحابه في ذلك ما تفعل فقال لهم لعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين فحطوا أثقالهم والخيل وقوف وتقدم خالد إلى الفرس فلاقاهم واقتتلوا وأرسل الله سحابة فاغدرت وراء صف المسلمين فقويت قلوبهم وخرج هرمز ودعا خالدا إلى البراز وواطأ أصحابه على الغدر بخالد فبرز إليه خالد ومشى نحوه راجلا ونزل هرمز أيضا وتضاربا فاحتضنه خالد وحمل أصحاب هرمز فما شغله ذلك عن قتله وحمل القعقاع بن عمرو فأزاحهم وانهزم أهل فارس وركبهم المسلمون إلى الليل وسميت الوقعة ذات السلاسل ونجا قباذ وأنوشجان
غزوة ذات السلاسل
ص 238
وأخذ خالد سلب هرمز وكانت قلنسوته بمائة ألف لأنه كان قد تم شرفه في الفرس وكانت هذه عادتهم إذا تم شرف الإنسان تكون قلنسوته بمائة ألف وبعث خالد بالفتح والأخماس إلى أبي بكر وسار حتى نزل بموضع الجسر الأعظم بالبصرة وبعث المثنى بن حارثة في آثارهم وأرسل معقل بن مقرن إلى الأبلة ففتحها فجمع الأموال بها والسبي وهذا القول خلاف ما يعرفه أهل النقل لأن فتح الأبلة كان على يد عتبة بن غزوان أيام عمر بن الخطاب سنة أربع عشرة وحاصر المثنى بن حارثة حصن المرأة ففتحه وأسلمت ولم يعرض خالد وأصحابه إلى الفلاحين لأن أبا بكر أمرهم بذلك
ذكر وقعة الثني
ص 239
لما وصل كتاب هرمز إلى أردشير بخبر خالد أمده بقارن بن قريانس فخرج قارن من المدائن ممد الهرمز فلما انتهى إلى المذار لقيته المنهزمون فاجتمعوا ورجعوا ومعهم قباذ وأنوشجان ونزلوا الثني وهو النهر وسار إليهم خالد فلقيهم واقتتلوا فبرز قارن فقتله معقل بن الأعشى بن النباش وقتل عاصم أنوشجان وقتل عدي بن حاتم قباذ وكان شرف قارن قد انتهى ولم يقاتل المسلمون بعده أحدا انتهى شرفه في الأعاجم وقتل من الفرس مقتلة عظيمة يبلغون ثلاثين ألفا سوى من غرق ومنعت المياه المسلمين من طلبهم وقسم الفيء وأنفذ الأخماس إلى المدينة وأعطى السلاب من سلبها وكانت الغنيمة عظيمة وسبى عيالات المقاتلة وأخذ الجزية من الفلاحين وصاروا ذمة وكان في السبي أبوالحسن البصري وكان نصرانيا وأمر على الجند سعيد بن النعمان وعلى الحرز سويد بن مقرن المزني وأمره بنزول الحفير وأمره ببث عماله ووضع يده في الجباية وأقام يتجسس الأخبار
ذكر وقعة الولجة
ص 239
ولما فرغ خالد من الثني واتى الخبر أردشير بعث الأندرزغر وكان فارسا من مولدي السواد وأرسل بهمن جاذويه في أثره في جيش وحشر إلى الأندرزغر من بين الحيرة وكسكر ومن عرب الضاحية والدهاقين وعسكروا بالولجة وسمع بهم خالد فسار إليهم من الثني فلقيهم بالولجة وكمن له فقاتلهم قتالا شديدا أشد من الأول حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ واستبطأ خالد كمينه وكان قد وضع لهم كمينا في ناحيتين عليهم بسر بن أبي رهم وسعيد بن مرة العجلي فخرجوا من ناحيتين فانهزمت صفوف الأعاجم وأخذ خالد من بين أيديهم والكمين من خلفهم فقتل منهم خلقا كثيرا ومضى الأندرزغر منهزما فمات عطشا وأصاب خالد ابنا لجابر بن بجير وابنا لعبد الأسود من بكر بن وائل وكانت وقعة الولجة في صفر وبذل الأمان للفلاحين فعادوا وصاروا ذمة وسبي ذراري المقاتلة ومن أعانهم
ذكر وقعة أليس وهو على الفرات
ص 240
لما أصاب خالد يوم الولجة ما أصاب من نصارى بكر بن وائل الذين أعانوا الفرس غضب لهم نصارى قومهم فكاتبوا الفرس واجتمعوا على أليس وعليهم عبد الأسود العجلي وكان مسلموا بني عجل منهم عتيبة بن النهاس وسعيد بن مرة وفرات بن حيان ومذعور بن عدي والمثنى بن لاحق أشد الناس على أولئك النصارى وكتب أردشير إلى بهمن جاذويه وهو بقسيناثا يأمره بالقدوم على نصارى العرب بأليس فقدم بهمن جاذويه جابان إليهم وأمره بالتوقف عن المحاربة إلى أن يقدم عليه ورجه بهن جاذويه إلى أردشير ليشاوره فيما يفعل فوجده مريضا فتوقف عليه فاجتمع على جابان نصارى عجل وتيم اللات وضبيعة وجابر بن بجير وعرب الضاحية من أهل الحيرة وكان خالد لما بلغه تجمع نصارى بكر وغيرهم سار إليهم ولا يشعر بدنو جابان وليست لخالد همة إلا من تجمع له من عرب الضاحية ونصاراهم فأقبل فلما طلع جابان بأليس قالت العجم له أنعاجلهم أم نغذي الناس ولا نريهم أنا نحفل بهم ثم نقاتلهم بعد الفراغ فقال جابان إن تركوكم فتهاونوا بهم
فعصوه وبسطوا الطعام ووضعوا الأطعمة وتداعوا إليها وتوافوا إليها وانتهى خالد إليهم وحط الأثقال فلما وضعت توجه إليهم وطلب مبارزة عبد الأسود وابن أبجر ومالك بن قيس فبرز إليه مالك من بينهم فقال له خالد يا ابن الخبيثة ما جرأك علي من بينهم وليس فيك وفاء فضربه فقتله خالد وأعجل الأعاجم عن طعامهم قبل أن يأكلوا فقال لهم جابان ألم أقل لكم والله ما دخلتني من مقدم جيش وحشة إلا هذا وقال لهم حيث لم تقدروا على الأكل فسموا الطعام فإن ظفرتم فأيسرها لك وإن كانت لهم هلكوا بأكله فلم يفعلوا واقتتلوا قتالا شديدا والمشركون يزيدهم كلبا وثبوتا توقعهم قدوم بهمن جاذويه فصابروا المسلمين فقال خالد اللهم إن هزمتهم فعلي أن لا أستبقي منهم من أقدر عليه حتى أجري من دمائهم نهرهم فانهزمت فارس فنادى منادي خالد الأسراء الأسراء إلا من امتنع فاقتلوه فأقبل بهم المسلمون أسراء ووكل بهم من يضرب أعناقهم يوما وليلة
فقال له القعقاع وغيره لو قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم فأرسل عليها الماء تبر يمينك ففعل وسمي نهر الدم ووقف خالد على الطعام وقال للمسلمين قد نفلتكموه فتعشى به المسلمون وجعل من لم ير الرقاق يقول ما هذه الرقاع البيض وجعل من قد عرفها يجيبهم ويقول لهم مازحا هل سمعتم برقيق العيش فيقولون نعم فيقولون هو هذا وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا وكانت الوقعة في صفر فلما فرغ من أليس سار إلى أمغيشيا وقيل اسمها منيشيا فأصابوا فيها ما لم يصيبوا مثله لأن أهلها أعجلهم المسلمون أن ينقلوا أموالهم وأثاثهم وكراعهم وغير ذلك وأرسل إلى أبي بكر بالفتح ومبلغ الغنائم والسبي وأخرب أمغيشيا فلما بلغ ذلك أبا بكر قال عجزت النساء أن يلدن مثل خالد
ذكر وقعة يوم فرات بادقلي وفتح الحيرة
ص 241
ثم سار خالد من امغيشيا إلى الحيرة وحمل الرجال والأثقال في السفن فخرج مرزبان الحيرة وهو الأزاذبة فعسكر عند الغريين وأرسل ابنه فقطع الماء عن السفن فبقيت على الأرض فسار خالد في خيل نحو ابن الأزاذبة فلقيه على فرات بادقلي فضربه وقتله وقتل أصحابه وسار نحو الحيرة فهرب منه الأزاذابه وكان قد بلغه موت أردشير وقتل ابنه فهرب بغير قتال ونزل المسلمون عند الغريين وتحصن أهل الحيرة فحصرهم في قصورهم وكان ضرار بن الأزور محاصرا القصر الأبيض وفيه إياس بن قبيصة الطائي وكان ضرار بن الخطاب محاصرا قصر الغريين وفيه عدي بن عدي المقتول وكان ضرار بن مقرن المزني عاشر عشرة إخوة محاصرا قصر ابن مازن وفيه ابن أكال وكان المثنى محاصرا قصر ابن بقيلة وفيه عمرو بن عبد المسيح بن بقيلة فدعوهم جميعا وأجلوهم يوما وليلة فأبى أهل الحيرة وقاتلهم المسلمون فافتتحوا الدور والديار واكثروا القتل فنادى القسيسون والرهبان يا أهل القصور ما يقتلنا غيركم
فنادى أهل القصور المسلمين قد قبلنا واحدة من ثلاث وهي إما الإسلام أو الجزية أو المحاربة فكفوا عنهم وخرج إليهم إياس بن قبيصة وعمرو بن عبد المسيح بن قيس بن حيان بن الحارث وهو بقيلة وغنما سمي بقيلة لأنه خرج على قومه في بردين أخضرين فقالوا يا حار ما أنت إلا بقيلة خضراء فأرسلوهم إلى خالد فكان الذي يتكلم عنهم عمرو بن عبد المسيح فقال له خالد كم أتى عليك قال مئو سنين قال فما أعجب ما رأيت قال رأيت القرى منظومة ما بين دمشق والحيرة تخرج المرأة من الحيرة فلا تتزود إلا رغيفا فتبسم خالد وقال هل لك من شيخك إلا عقلة خرفت والله يا عمرو وقال لأهل الحيرة ألم يبلغني أنكم خبثة خدعة مكرة فما بالكم تتناولون حوائجكم بخرف لا يدري من أين جاء
فأحب عمرو أن يريه من نفسه ما يعرف به عقله ويستدل به على صحة ما حدثه به قال وحقك إني لأعرف من أين جئت قال فمن أين خرجت قال أقرب أم بعد قال ما شئت قال من بطن أمي قال فأين تريد قال أمامي قال وما هو قال الآخرة قال فمن أين أقصى أثرك قال من صلب أبي قال ففيم أنت قال في ثيابي قال أتعقل قال أي والله وأقيد قال خالد إنما أسألك قال فأنا أجيبك قال أسلم أنت أم حرب قال بل سلم قال فما هذه الحصون قال بنيناها للسفيه نحبسه حتى ينهاه الحليم قال خالد قتلت أرض جاهلها وقتل أرضا عالمها القوم أعلم بما فيهم فقال عمرو أيها الأمير النملة أعلم بما في بيتها من الجمل بما في بيت النملة وكان مع ابن بقيلة خادم معه كيس فيه سم فأخذه خالد ونثره في يده وقال لم تستصحب هذا قال خشيت أن تكونوا على غير ما رأيت وقد أتيت على أجلي فكان الموت احب إلي من مكروه ادخله على قومي وعلى أهل قريتي فقال خالد إنها لن تموت نفسي حتى تأتي على أجلها وقال باسم الله خير الأسماء رب الأرض والسماء الذي لا يضر مع اسمه داء الرحمن الرحيم فأهووا إليه ليمنعوه وبادرهم وابتلع السم فقال ابن بقيلة والله لتبلغن ما أردتم ما دام أحد منكم هكذا وأبى خالد أن يصالحهم غلا على تسليم كرامة بنت عبد المسيح إلى شويل فأبوا فقالت لهم هونوا وأسلموني فإني سأفتدي ففعلوا فأخذها شويل فافتدت منه بألف درهم فلامه الناس فقال ما كنت أظن أن عددا أكثر من هذا
وكان سبب تسليمها إليه أن النبي لما ذكر استيلاء أمته على ملك فارس والحيرة سأله شويل أن يعطي كرامة ابنة عبد المسيح وكان رآها شابلة فمال إليها فوعده النبي ذلك فلما فتحت الحيرة طلبها وشهد له شهود بوعد النبي أن يسلمها إليه فسلمها إليه خالد وصالحهم على مائة ألف وتسعين ألفا وقيل على مائتي ألف وتسعين ألفا وأهدوا له هدايا فبعث بالفتح والهدايا إلى أبي بكر فقبلها أبو بكر من الجزية وكتب إلى خالد أن يأخذ منهم بقية الجزية ويحسب لهم الهدية
وكان فتح الحيرة في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وكتب لهم خالد كتابا فلما كفر أهل السواد بعد موت أبي بكر ضيعوا الكتاب فلما افتتحها المثنى ثانية عاد بشرط آخر فلما عادوا كفروا وافتتحها سعد بن أبي وقاص ووضع عليهم أربعمائة ألف سوى الحرزة قال خالد ما لقيت قوما كأهل فارس وما لقيت من أهل فارس كأهل أليس
ذكر ما بعد الحيرة
ص 243
قيل كان الدهاقين يتربصون بخالد وينظرون ما يصنع أهل الحيرة فلما صالحهم واستقاموا له أتته الدهاقين من تلك النواحي أتاه دهقان فرات سريا وصلوا بابن نسطونا ونسطونا فصالحوه على ما بين الفلاليج إلى هرمز جرد على ألفي ألف وقيل ألف ألف سوى ما كان لآل كسرى وبعث خالد عماله ومسالحه وبعث ضرار بن الأزور وضرار بن الخطاب والقعقاع بن عمرو والمثنى بن حارثة وعيبة بن النهاس فنزلوا على السيب وهم كانوا أمراء الثغور مع خالد وأمرهم بالغارة فمخروا ما وراء ذلك إلى شاطئ دجلة وكتب خالد إلى أهل فارس يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية فإن أجابوا وإلا حاربهم فكان العجم مختلفين بموت أردشير إلا أنهم قد أنزلوا بهمن جاذويه بهرسير ومعه غيره كأنه مقدمة لهم وجبى خالد الخراج في خمسين ليلة وأعطاه المسلمين ولم يبق لأهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمر لاختلافهم بموت أردشير إلا أنهم مجمعون على حرب خالد وخالد مقيم بالحيرة يصعد ويصوب سنة قبل خروجه إلى الشام والفرس يخلعون ويملكون ليس إلا الدفع عن بهر سير وذلك أن شيري بن كسرى قتل كل من كان يناسبه إلى أنو شروان وقتل أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه من كان بين أنو شروان وبين بهرام جور فبقوا لم يقدروا على من يملكونه ممن يجتمعون عليه فلما وصلهم كتب خالد تكلم نساء آل كسرى فولى الفرخزاد بن البنذوان إلى أن يجتمع آل كسرى على من يملكونه إن وجدوه
ووصل جرير بن عبد الله البجلي إلى خالد بعد فتح الحيرة وكان سبب وصوله إليه أنه كان مع خالد بن سعيد بن العاص بالشام فاستأذنه في المسير إلى أبي بكر ليكلمه في قومه ليجمعهم له وكانوا أوزاعا متفرقين في العرب فأذن له فقدم على أبي بكر فذكر له ذلك وأن رسول الله وعده به وشهد له الشهود وسأله إنجاز ذلك فغضب أبو بكر وقال له نرى شغلنا وما نحن فيه بغوث المسلمين ممن بإزائهم من الأسدين فارس والروم ثم أنت تكفلني التشاغل بما لا يغني عما هو أرضى لله ولرسوله دعني وأمره بالمسير إلى خالد بن الوليد فسار حتى قدم عليه بعد فتح الحيرة ولم يشهد شيئا مما قبلها بالعراق ولا شيئا مما كان خالد فيه من قتل أهل الردة
عتيبة بالتاء المثناة من فوقها وبالياء المثناة من تحتها وبالباء الموحدة
ذكر فتح الأنبار
ص 244
ثم سار خالد على تعبيته التي خرج فيها من الحيرة إلى الأنبار وإنما سمي الأنبار لأن أهراء الطعام كانت بها أنابير وعلى مقدمته الأقرع بن حابس فلما بلغها أطاف بها وانشب القتال وكان قليل الصبر عنه إذا رآه أو سمع به وتقدم إلى رماته فأوصاهم أن يقصدوا عيونهم فرموا رشقا واحدا ثم تابعوا فأصابوا ألف عين فسميت تلك الوقعة ذات العيون وكان على من بها من الجند شيرزاد صاحب ساباط وكان أعقل أعجمي يومئذ فلما رأى ذلك أرسل يطلب الصلح على أمر لم يرضه خالد فرد رسله ونحر من إبل العسكر كل ضعيف وألقاه في خندقهم ثم عبره فاجتمع المسلمون والكفار في الخندق فأرسل شيرزاد إلى خالد وبذل له ما أراد فصالحه على أن يلحقه بمأمنه في جريدة ليس معهم من متاع شيء وخرج شيرزاد إلى بهمن جاذويه ثم صالح خالد من حول الأنبار وأهل كلواذى
ذكر فتح عين التمر
ص 245
ولما فرغ خالد من الأنبار واستحكمت له استخلف عليها الزبرقان بن بدر وسار إلى عين التمر وبها مهران بن بهرام جوبين في جمع عظيم من العجم وعقة بن أبي عقة في جمع عظيم من العرب من النمر وتغلب وإياد وغيرهم فلما سمعوا بخالد قال عقة لمهران إن العرب أعلم بقتال العرب فدعنا وخالدا قال صدقت لعمري فأنتم أعلم بقتال العرب وإنكم لمثلنا في قتال العجم فجدعه واتقى به وقال دونكموهم وإن احتجتم إلينا أعناكم فلامه أصحابه من الفرس على هذا القول فقال لهم دعوني فإن لم أرد إلا ما هو خير لكم وشر لهم إنه قد جاءكم من قتل ملوككم وفل حدكم فاتقيته بهم فإن كانت لكم على خالد فهي لكم وإن كانت الأخرى لم يبلغوا منهم حتى يهنوا فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم مضعفون فاعترفوا له بفضل الرأي وسار عقة إلى خالد فالتقوا فحمل خالد بنفسه على عقة وهو يقيم صفوفه فاحتضنه وأخذه أسيرا وانهزم عسكره من غير قتال فأسر أكثرهم فلما بلغ الخبر مهران هرب في جنده وتركوا الحصن فلما انتهى المنهزمون إليه تحصنوا به فنازلهم خالد فطلبوا منه الأمان فأبى فنزلوا على حكمه فأخذهم أسرى وقتل عقة ثم قتلهم أجمعين وسبى كل من في الحصن وغنم ما فيه ووجد في بيعتهم أربعين غلاما يتعلمون الغنجيل فأخذهم فقسمهم في أهل البلاء منهم سيرين أبو محمد ونصير أبو موسى وحمران مولى عثمان وأرسل إلى أبي بكر بالخبر والخمس وفي عين التمر قتل عمير بن راب السهمي وكان من مهاجرة الحبشة ومات بها بشير بن سعد الأنصاري والد النعمان فدفن بها إلى جانب عمير
ذكر خبر دومة الجندل
ص 246
ولما فرغ خالد من عين التمر أتاه كتاب عياض بن غنم يستمده على من بإزائه من المشركين فسار خالد إليه فكان بإزائه بهراء وكلب وغسان وتنوخ والضجاعم وكانت دومة على رئيسين أكيدر بن عبد الملك والجودي بن ربيعة فأما أكيدر فلم ير قتال خالد وأشار بصلحه خوفا فلم يقبلوا منه فقال لن أمالئكم على حرب خالد فشأنكم فخرج عنهم وسمع خالد بمسيره فأرسل إلى طريقه عاصم بن عمرو معارضا له فأخذه أسيرا فقتله وأخذ ما كان معه وسار حتى نزل على أهل دومة الجندل فجعلها بينه وبين عياض وكان النصارى الذين أمدوا أهل دومة من العرب محيطين بحصن دومة لم يحملهم الحصن فلما اطمأن خالد خرج إليه الجودي في جمع ممن عنده من العرب لقتاله وأخرج طائفة أخرى إلى عياض فقاتلهم عياض فهزمهم فهزم خالد من يليه وأخذ الجودي أسيرا وانهزموا إلى الحصن فلم يحملهم فلما امتلأ أغلقوا الباب دون أصحابهم فبقوا حوله حرداء فأخذهم خالد فقتلهم حتى سد باب الحصن وقتل الجودي وقت الأسرى إلا أسرى كلب فإن بني تميم قالوا لخالد قد أمناهم وكانوا حلفاءهم فتركهم وقال ما لي ولكم أتحفظون أمر الجاهلية وتضيعون أمر الإسلام فقال له عاصم لا تحسدهم العافية ولا يحوذهم الشيطان
ثم أخذ الحسن قهرا فقتل المقاتلة وسبى الذرية والسرح فباعهم واشترى خالد ابنة الجودي وكانت موصوفة وأقام خالد بدومة الجندل فطمع الأعاجم وكاتبهم عرب الجزيرة غضبا لعقة فخرج زرمهر وروزبة يريدان الأنبار واتعدا حصيدا والخنافس فسمع القعقاع بن عمرو وهو خليفة خالد على الحيرة فأرسل أعبد بن فدكي وأمره بالحصيد وأرسل عروة بن الجعد البارقي إلى الخنافس فخرجا فحالا بينهما وبين الريف ورجع خالد إلى الحيرة فبلغة ذلك وكان عازما على مصادمة أهل المدائن فمنعه من ذلك كراهية مخالفة أبي بكر فعجل القعقاع بن عمرو وأبا ليلى بن فدكي إلى روزبه وزرمهر فسبقاه إلى عين التمر ووصل إلى خالد كتاب امرئ القيس الكلبي أن الهذيل بن عمران قد عسكر بالمصيخ ونزل ربيعة بن بجير بالثني وبالبشر غضبا لعقة يريدان زرمهر وروزبة فخرج خالد وسار إلى القعقاع وأبي ليلى فاجتمع بهما بالعين فبعث القعقاع إلى حصيد وبعث أبا ليلى إلى الخنافس
ذكر وقعة حصيد والخنافس
ص 247
فسار القعقاع نحو حصيد وقد اجتمع بها روزبة وزرمهر فالتقوا بحصيد فقتل من العجم مقتلة عظيمة فقتل القعقاع زرمهر وقتل عصمة بن عبد الله أحد بني الحارث بن طريف الضبي روزبة وكان عصمة من البررة وهم كل فخذ هاجرت بأسرها والخيرة كل قوم هاجروا من بطن وغنم المسلمون ما في حصيد وانهزمت الأعاجم إلى الخنافس وسار أبو ليلى بمن معه إلى الخنافس وبها المهبوذان على العسكر فلما أحس المهبوذان بهم هرب إلى المصيخ إلى الهذيل بن عمران
ذكر وقعة مصيخ بني البرشاء
ص 247
ولما انتهى الخبر إلى خالد بمصاب أهل الحصيد وهرب أهل الخنافس كتب إلى القعقاع وأبي ليلى وأعبد وعروة ووعدهم ليلة وساعة يجتمعون فيها إلى المصيخ وهو بين حوران والقلت وخرج خالد من العين قاصدا إليهم على الإبل يجنب الخيل فلما كانت تلك الساعة من ليلة الموعد اتفقوا جميعا بالمصيخ فأغاروا على الهذيل ومن معه وهم نائمون من ثلاثة أوجه فقتلوهم وأفلت الهذيل في ناس قليل وكثر فيهم القتل وكان مع الهذيل عبد العزى بن أبي رهم أخو أوس مناة ولبيد بن جرير وكانا قد أسلما ومعهما كتاب أبي بكر بإسلامهما فقتلا في المعركة فبلغ ذلك أبا بكر وقول عبد العزى
( أقول إذا طرق الصباح بغارة % سبحانك اللهم رب محمد )
( سبحان ربي لا إله غيره % رب البلاد ورب من يتورد )
فوداهما وأوصى بأولادهما فكان عمر يعتد بقتلهما وقتل مالك بن نويرة على خالد فيقول أبو بكر كذلك يلقى من نازك أهل الشرك وقد كان حرقوص بن النعمان بن النمر قد نصحهم فلم يقبلوا منه فجلس مع زوجته وأولاده يشربون فقال لهم اشربوا شراب مودع هذا خالد بالعين وجنوده بالحصيد ثم قال
( ألا اسقياني قبل خيل أبا بكر % لعل منايانا قريب وما ندري )
فضرب رأسه فإذا هو في جفنة فيها الخمر وقتلوا أولاده فأخذوا بناته وقيل إن قتل حرقوص وهذه الوقعة ووقعة الثني كان في مسير خالد بن الوليد من العراق إلى الشام وسيذكر إن شاء الله تعالى
ذكر وقعة الثني والزميل
ص 248
وكان ربيعة بن بجير التغلبي بالثني والبشر وهو الزميل وهما شرقي الرصافة قد خرج غضبا لعقة وواعد روزبه وزرمهر والهذيل ولما أصاب خالد أهل المصيخ واعد القعقاع وأبا ليلى ليلة وأمرهما بالمسير ليغيروا عليهم فسار خالد من المصيخ فاجتمع هو وأصحابه بالثني فبيتهم من ثلاثة أوجه كما فعل بأهل المصيخ وجردوا فيهم السيوف فلم يفلت منهم مخبر وغنم وسبى وبعث بالخبر والخمس مع النعمان بن عوف إلى أبي بكر فاشترى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بنت ربيعة بن بجير التغلبي فاتخذها فولدت له عمر ورقية
ولما انهزم الهذيل بالمسيخ لحق بعتاب بن فلان وهو بالبشر في عسكر ضخم فبيتهم خالد بغارة شعواء من ثلاثة أوجه قبل أن يصل إليهم خبر ربيعة فقتل منهم مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها وكانت على خالد يمين ليبغتن تغلب في دارها وكانت في الأخماس ابنة مؤذن النمري وليلى بنت خالد وريحانة بنت الهذيل بن هبيرة وقسم الغنائم وبعث الخمس إلى أبي بكر مع الصباح بن فلاح المزني وسار خالد من البشر إلى الرضاب وبها هلال بن عقة فتفرق عنه أصحابه حين سمعوا بدنو خالد وسار هلال عنها فلم يلق خالد بها كيدا
ذكر وقعة الفراض
ص 249
ثم سار خالد من الرضاب إلى الفراض وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة وأفطر بها رمضان لاتصال الغزوات وحميت الروم واستعانوا بمن يليهم من مسالح الفرس فأعانوهم واجتمع معهم تغلب وإياد والنمر وساروا إلى خالد فلما بلغوا الفرات قالوا له إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم قال خالد اعبروا قالوا له تنح عن طريقنا حتى نعبر قال لا أفعل ولكن اعبروا أسفل منا وذلك للنصف من ذي القعدة سنة اثنتي عشرة فقالت الروم وفارس بعضهم لبعض احتسبوا ملككم هذا رجل يقاتل على دين وله عقل وعلم ووالله لينصرن ولنخذلن ثم لم ينتفعوا بذلك فعبروا أسفل من خالد وعظم في أعينهم وقال الروم امتازوا حتى نعرف اليوم من يثبت ممن يولي ففعلوا فاقتتلوا قتالا عظيما وانهزمت الروم ومن معهم وأمر خالد المسلمين أن لا يرفعوا عنهم فقتل في المعركة وفي الطلب مائة ألف وأقام خالد على الفراض عشرا ثم أذن بالرجوع إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم وجعل شجرة بن الأعز على الساقة وأظهر خالد أنه في الساقة
ذكر حجة خالد
ص 250
ثم خرج خالد حاجا من الفراض سرا لخمس بقين من ذي القعدة ومعه عدة من أصحابه يعسف البلاد فأتى مكة وحج ورجع فما توافى جنده بالخبر حتى وافاهم مع صاحب الساقة فقدما معا وخالد وأصحابه محلقون ولم يعلم بحجه إلا من أعلمه به ولم يعلم أبو بكر بذلك إلا بعد رجوعه فعتب عليه وكانت عقوبته إياه أن صرفه إلى الشام من العراق ممدا جموع المسلمين باليرموك وكان أهل العراق أيام علي إذا بلغهم عن معاوية شيء يقولون نحن أصحاب ذات السلاسل ويسمون ما بينها وبين الفراض ولا يذكرون ما بعد الفراض احتقارا للذي كان بعدها
وأغار خالد بن الوليد على سوق بغداد ووجه المثنى فأغار على سوق فيه جمع لقضاعة وبكر وأغار أيضا على مسكن وقطربل وتل عقرقوف وبادوريا قال الشاعر
وللمثنى بالعال معركة % شاهدها من قبيله بشر )
( كتيبة أفزعت بوقعتها % كسرى وكاد الإيوان ينفطر )
وشجع المسلمون إذا حذروا % وفي صروف التجارب العبر )
( سهل نهج السبيل فاقتفروا % آثاره والأمور تقتفر )
يعني بالعال الأنبار ومسكن وقطربل وبادوريا وفيها تزوج عمر عاتكة بنت زيد وفيها مات أبو العاص بن الربيع في ذي الحجة وأوصى إلى الزبير وتزوج علي عليه السلام ابنته أمامة وأمها زينب بنت رسول الله وفيها اشترى عمر أسلم مولاه في قول وحج بالناس هذه السنة أبو بكر واستخلف على المدينة عثمان بن عفان وقيل حج بالناس عمر بن الخطاب أو عبد الرحمن بن عوف وفيها مات أبو مرثد الغنوي وهو بدري وكان ابنه مرثد قد قتل بالرجيع وهو بدري أيضا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.