ذكر إسلام كعب بن زهير
ص 145
قيل خرج كعب بن زهير بن أبي سلمى أو أبو سلمى ربيعة المزني ومعه أخوه بجير حتى أتيا أبرق العزاف فقال له بجير اثبت في غنمنا حتى آتي هذا الرجل فأسمع منه فأقام كعب وسار بجير إلى رسول الله فأسلم وبلغ ذلك كعبا فقال
( ألا أبلغا عني بجيرا رسالة % فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا )
( سقاك بها المأمور كأسا روية % فانهلك المأمور منها وعلكا )
( ففارقت أسباب الهدى واتبعته % على أي شيء ويب غيرك دلكا )
( على خلق لم تلف أما ولا أبا % عليه ولم تدرك عليه أخالكا )
( فإن أنت لم تفعل فلست بآسف % ولا قائل أما عثرت لعالكا )
فلما بلغ رسول الله قوله غضب وأهدر دمه فكتب بذلك بجير إلى أخيه بعد عود رسول الله من الطائف وقال النجاء النجاء وما أدري إن تتفلت ثم كتب إليه إذا أتاك كتابي هذا فأسلم وأقبل إليه فإنه لا يأخذ مع الإسلام بما كان قبله فأسلم كعب وجاء حتى أناخ راحلته بباب المسجد ورسول الله مع أصحابه قال كعب فعرفته بالصفة فتخطيت الناس إليه فأسلمت وقلت الأمان يا رسول الله هذا مقام العائذ بك قال من أنت فقلت كعب بن زهير قال الذي يقول ثم التفت إلى أبي بكر فقال كيف قال فأنشده أبو بكر الأبيات التي أولها ألا أبلغا عني بجيرا رسالة فقال كعب ما هكذا قلت يا رسول الله إنما قلت
( سقاك أبو بكر بكأس روية % فانهلك المأمون منها وعلكا )
فقال رسول الله مأمون والله فتجهمته الأنصار وأغلظت له ولانت له قريش وأحبت إسلامه فأنشده قصيدته التي أولها
( بانت سعاد فقلبي اليوم متبول % متيم عندها لم يفد مكبول ) فلما انتهى إلى قوله
( وقال كل خليل كنت آمله % لا ألهينك إني عنك مشغول )
( فقلت خلوا سبيلي لا أبالكم % فكل ما قدر الرحمن مفعول )
( كل ابن أنثى وإن طالت سلامته % يوما على آلة حدباء محمول )
( نبئت أن رسول الله أوعدني % والعفو عند رسول الله مأمول )
ثم قال
( في فتية من قريش قال قائلهم % ببطن مكة لما أسلموا زولوا )
( زالوا فما زال انكاس ولا كشف % عند اللقاء ولا ميل معازيل )
فنظر رسول الله إلى قريش فأومأ إليهم أن اسمعوا حتى قال
( يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم % ضرب إذا عرد السود التنابيل )
( لا يقع الطعن إلا في نحورهم % وما لهم عن حياض الموت تهليل )
يعرض بالأنصار لغلظتهم التي كانت عليه فأنكرت قريش قوله وقالوا لم تمدحنا إذ هجوتهم ولم يقبلوا ذلك منه وعظم على الأنصار هجوه فشكوه فقال يمدحهم
( من سره كرم الحساة فلا يزل % في مقنب من صالحي الأنصار )
( ورثوا المكارم كابرا عن كابر % إن الخيار هم بنو الأخيار )
( الناظرون بأعين محمرة % كالجمر غير كليلة الأبصار )
( الباذلون نفوسهم ودماءهم % يوم الهياج وسطوة الجياد )
( يتطهرون يرونه نسكا لهم % بدماء من قتلوا من الكفار )
في أبيات فكساه النبي بردة كانت عليه فلما كان زمن معاوية أرسل إلى كعب أن بعنا بردة رسول الله فقال ما كنت لأوثر بثوب رسول الله أحدا فلما مات كعب اشتراها معاوية من أولاده بعشرين ألف درهم وهي البردة التي عند الخلفاء الآن وقيل إنما أمر رسول الله بقتله وقطع لسانه لأنه كان تشبب بأم هانئ بنت أبي طالب
أبو سلمى بضم السين والإمالة والمأمور بالراء قال بعض العلماء إنما كره رسول الله ذلك لأن العرب كانت تقول لمن يتكلم بالشيء من تلقاء نفسه مأمور بالراء يريدون أن الذي يقول تأمره به الجن وإن كان رسول الله مأمورا من الله تعالى ولكنه كرهه لعادتهم فلما قال المأمون بالنون رضي به لأنه مأمون على الوحي وبجير بالباء الموحدة المضمومة وبالجيم
ذكر غزوة تبوك
ص 148
لما عاد رسول الله أقام بالمدينة بعد عوده من الطائف ما بين ذي الحجة إلى رجب أم أمر الناس بالتجهز لغزو الروم وأعلم الناس مقصدهم لبعد الطريق وشدة الحر وقوة العدو وكان قبل ذلك إذا أراد غزوة ورى بغيرها وكان سببها أن النبي بلغه أن هرقل ملك الروم ومن عنده من متنصرة العرب قد عزموا على قصده فتجهز هو والمسلمون وساروا إلى الروم وكان الحر شديدا والبلاد مجدبة والناس في عسرة وكانت الثمار قد طابت فأحب الناس المقام في ثمارهم فتجهزوا على كره فكان ذلك الجيش يسمى جيش العسرة فقال رسول الله للجد بن قيس وكان من رؤساء المنافقين هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر فقال والله لقد عرف قومي حبي للنساء وأخشى أن لا أصبر على نساء بني الأصفر فإن رأيت أن تأذن لي ولا تفتني فقال رسول الله قد أذنت لك فأنزل الله تعالى ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني الآية وقال قائل من المنافقين لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد وشكا في الحق وإرجافا بالرسول فنزل قوله تعالى وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا الآية
ثم إن النبي تجهز وأمر بالنفقة في سبيل الله وأنفق أهل الغنى وانفق أبو بكر جميع ما بقي عنده من ماله وانفق عثمان نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم منها قيل كانت ثلاثمائة بعير وألف دينار ثم إن رجالا من المسلمين أتوا النبي وهم البكاؤون وكانوا سبعة نفر من الأنصار وغيرهم وكانوا أهل حاجة فاستحملوه فقال لا أجد ما أحملكم عليه فتولوا يبكون فلقيهم يامين بن عمير بن كعب النضري فسألهم عما يبكيهم فأعلموه فأعطى أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد الله بن مغفل المزني بعيرا فكانا يعتقبانه مع رسول الله وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إلى رسول الله فلم يعذرهم الله وكان عدة من المسلمين تخلفوا من غير شك منهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وأبو خيثمة وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم
فلما سار رسول الله تخلف عنه عبد الله بن أبي المنافق فيمن تبعه من أهل النفاق واستخلف رسول الله على المدينة سباع بن عرفطة وعلى أهله علي بن أبي طالب فأرجف به المنافقون وقالوا ما استخلفه إلا استثقالا له فلما سمع علي ذلك أخذ سلاحه ولحق برسول الله فأخبره ما قال المنافقون فقال كذبوا وإنما خلفتك لما ورائي فارجع فاخلفني في أهلي واهلك أما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فرجع علي إلى المدينة
فسار رسول الله ثم إن أبا خيثمة أقام أياما فجاء يوما إلى أهله وكانت له امرأتان وقد رشت كل امرأة منهما عريشها وبردت له ماء وصنعت طعاما فلما رآه قال يكون رسول الله في الحر والريح وأبو خيثمة في الظل البارد والماء البارد والطعام المهيء والمرأة الحسناء في ماله مقيم ما هذا بالنصف والله ما أحل عريشا منهما حتى ألحق برسول الله فهيأ زاده وخرج إلى ناضحه فركبه وطلب رسول الله فأدركه بتبوك فقال الناس يا رسول الله هذا راكب مقبل فقال رسول الله كن أبا خيثمة فقالوا هو والله أبو خيثمة وأتى رسول الله فأخبره بخبره فدعا له
وكان رسول الله حين مر بالحجر وهو بطريقه وهو منزل ثمود قال لأصحابه لا تشربوا من هذا الماء شيئا ولا تتوضأوا منه وما كان من عجين فألقوه واعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا ولا يخرج الليلة أحد إلا مع صاحب له ففعل ذلك الناس ولم يخرج أحد إلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته فأصابه جنون وأما الذي طلب بعيره فاحتمله الريح إلى جبلي طيئ فأخبر بذلك رسول الله فقال ألم أنهكم أن لا يخرج أحد إلا مع صاحب له فأما الذي خنق فدعا له فشفي وأما الذي حملته الريح فأهدته طيئ إلى رسول الله بعد عوده إلى المدينة وأصبح الناس بالحجر ولا ماء معهم فشكوا ذلك إلى النبي فدعا الله فأرسل سحابة فأمطرت حتى روي الناس واحتملوا حاجتهم من الماء وكان بعض المنافقين يسير مع رسول الله فلما جاء المطر قال له بعض المسلمين هل بعد هذا شيء قال سحابة مارة
وضلت ناقة رسول الله في الطريق فقال لأصحابه وفيهم عمارة بن حزم وهو عقبي بدري إن رجلا قال إن محمدا يخبركم الخبر من السماء وهو لا يدري أين ناقته وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله عز وجل وقد دلني الله عليها وهي في الوادي في شعب كذا قد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا فأتوه بها فرجع عمارة إلى أصحابه فخبرهم بما قال رسول الله عن الناقة تعجبا مما رأى وكان زيد بن لصيب القينقاعي منافقا وهو في رحل عمارة قد قال هذه المقالة فأخبر عمارة بأن زيدا قد قالها فقام عمارة يطأ عنقه وهو يقول في رحلي داهية ولا أدري اخرج عني يا عدو الله من رحلي ولا تصحبني فزعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك وحسن إسلامه وقيل لم يزل متهما حتى هلك
ووقف بأبي ذر جمله فتخلف عليه فقيل يا رسول الله تخلف أبو ذر فقال ذروه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم فكان يقولها لكل من تخلف عنه فوقف أبو ذر على جمله فلما أبطأ عليه أخذ رحله عنه وحمله على ظهره وتبع النبي ماشيا فنظر الناس فقالوا يا رسول الله هذا رجل على الطريق وحده فقال رسول الله كن أبا ذر فلما تأمله الناس قالوا هو أبو ذر فقال رسول الله يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده ويشهده عصابة من المؤمنين فلما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة فأصابه بها أجله ولم يكن معه إلا امرأته وغلامه فأوصاهما أن يغسلاه ويكفناه ثم يضعاه على الطريق فأول ركب يمر بهما يستعينان بهم على دفنه ففعلا ذلك فاجتاز بهما عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق فأعلمته امرأة أبي ذر بموته فبكى ابن مسعود وقال صدق رسول الله تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك ثم واروه
وانتهى رسول الله إلى تبوك فأتى يوحنا بن رؤبة صاحب أيلة فصالحه على الجزية وكتب له كتابا فبلغت جزيتهم ثلاثمائة دينار ثم زاد فيها الخلفاء من بني أمية فلما كان عمر بن عبد العزيز لم يأخذ منهم غير ثلاثمائة وصالح أهل أذرح على مائة دينار في كل رجب وصالح أهل جرباء على الجزية وصالح أهل مقنا على ربع ثمارهم
وأرسل رسول الله خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل وكان نصرانيا من كندة فقال لخالد إنك تجده يصيد البقر فخرج خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه على منظر العين وأكيدر على سطح داره فباتت البقرة تحك بقرونها باب الحصن فقالت امرأته هل رأيت مثل هذا قط قال لا والله قالت فمن يترك هذا قال لا أحد ثم نزل وركب فرسه ومعه نفر من أهل بيته ثم خرج يطلب البقر فتلقتهم خيل رسول الله وأخذته وقتلوا أخاه حسانا وأخذ خالد من أكيدر قباء ديباج مخوص بالذهب فأرسله إلى رسول الله قبل قدومه فجعل المسلمون يلمسونه ويتعجبون منه فقال رسول الله أتعجبون من هذا لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا وقدم خالد بأكيدر على رسول الله فحقن دمه وصالحه على الجزية وخلى سبيله فرجع إلى قريته
وأقام رسول الله بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها ولم يقدم عليه الروم والعرب المتنصرة فعاد إلى المدينة وكان في الطريق ماء يخرج من وشل لا يروي إلا الراكب والراكبين بواد يقال له وادي المشقق فقال رسول الله من سبقنا فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه فسبقه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه فلما جاء رسول الله أخبروه بفعلهم فلعنهم ودعا عليهم ثم نزل رسول الله إليه فوضع يده تحته وجعل يصب إليها يسيرا من الماء فدعا فيه ونضحه في الوشل فانخرق الماء جريا شديدا فشرب الناس واستقوا وسار رسول الله حتى قارب المدينة فاتاه خبر مسجد الضرار فأرسل مالك بن الدخشم فحرقه وهدمه وأنزل الله فيه والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين الآيات وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا وكان قد أخرج من دار خذام بن خالد من بني عمرو بن عوف
وقدم رسول الله وكان قد تخلف عنه رهط من المنافقين فأتوه يحلفون له ويعتذرون فصفح عنهم رسول الله ولم يعذرهم الله ورسوله وتخلف أولئك النفر الثلاثة وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع تخلفوا من غير شك ولا نفاق فنهى رسول الله عن كلامهم فاعتزلهم الناس فبقوا كذلك خمسين ليلة ثم انزل الله توبتهم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم الآيات إلى قولهم صادقين وكان قدوم رسول الله المدينة من تبوك في رمضان
يامين النضري بالنون والضاد المعجمة وعبد الله بن مغفل بالغين المعجمة والفاء المفتوحة وزيد بن لصيت باللام المضمومة والصاد المهملة وآخره تاء مثناة من فوقها وخذام بن خالد بالخاء المكسورة والذال المعجمتين وأكيدر بالهمزة المضمومة والكاف المفتوحة والدال المهملة المكسورة وآخره راء مهملة
ذكر قدوم عروة بن مسعود الثقفي على النبي مسلما وقيل بل أدركه في الطريق مرجعه من الطائف وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام فقال رسول الله إنهم قاتلوك فقال أنا أحب إليهم من أبكارهم ورجا أن يوافقوه لمنزلته فيهم فلما رجع إلى الطائف صعد إلى علية له وأشرف منها عليهم وأظهر الإسلام ودعاهم إليه فرموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله فقيل له ما ترى في دمك فقال كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها إلي ليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله فادفنوني معهم فلما مات دفنوه معهم وقال رسول الله فيه إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه
ذكر قدوم وفد ثقيف
ص 153
وفي هذه السنة في رمضان قدم وفد ثقيف على رسول الله وسبب ذلك أنهم ائتمروا بينهم ورأوا أن من يحيط بهم من العرب قد نصبوا لهم القتال وشنوا الغارات عليهم وكان أشدهم في ذلك مالك بن عوف النصري فلا يخرج منهم مال إلا نهب ولا إنسان إلا اخذ فلما رأوا عجزهم اجتمعوا وأرسلوا عبد ياليل بن عمرو بن عمير والحكم بن عمرو بن وهب وشرحبيل بن غيلان وهؤلاء من الأحلاف وأرسلوا من بني مالك عثمان بن أبي العاص وأوس بن عوف ونمير بن خرشة فخرجوا حتى قدموا على رسول الله فأنزلهم في قبة في المسجد فكان خالد بن سعيد بن العاص يمشي بينهم وبين النبي وكان رسول الله يرسل إليهم ما يأكلونه مع خالد وكانوا لا يأكلون طعاما حتى يأكل خالد منه حتى أسلموا
وكان فيما سألوا رسول الله أن يدع الطاغية وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين فأبى عليهم وكان قصدهم بذلك أن يتسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم فنزلوا إلى شهر فلم يجبهم وسألوه أن يعفيهم من الصلاة فقال لا خير في دين لا صلاة فيه فأجابوا وأسلموا وأمر عليهم رسول الله عثمان بن أبي العاص وكان أصغرهم لما رأى من حرصه على الإسلام والتفقه في الدين ثم رجعوا إلى بلادهم وأرسل رسول الله معهم المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن حرب ليهدما الطاغية فخرجا مع القوم حتى قدما الطائف فتقدم المغيرة فهدمها وقام قومه من بني شعيب دونه خوفا أن يرمى بسهم وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها وأخذ حليها ومالها وكان أبو مليح بن عروة بن مسعود وقراب بن الأسود بن مسعود قدما على رسول الله لما قتل عروة والأسود فأمرهما رسول الله أن يقضي منه دين عروة والأسود ابني مسعود ففعلا وكان الأسود مات كافرا فسأل ابنه قارب بن الأسود رسول الله أن يقضي دين أبيه فقال إنه كافر فقال يصل مسلم ذا قرابته يعني أنه أسلم فيصل أباه وإن كان مشركا
ذكر غزوة طيئ وإسلام عدي بن حاتم
ص 155
في هذه السنة في شهر ربيع الآخر أرسل النبي علي بن أبي طالب في سرية إلى دار طيئ وأمره أن يهدم صنمهم الفلس فسار إليهم وأغار عليهم فغنم وسبى وكسر الصنم وكان متقلدا سيفين يقال لأحدهما مخذم وللآخر رسوب فأخذهما علي وحملهما إلى رسول الله وكان الحارث بن أبي شمر أهدى السيفين للصنم فعلقا عليه وأسر بنتا لحاتم الطائي وحملت إلى رسول الله بالمدينة فأطلقها وإما إسلام عدي بن حاتم فقال عدي جاءت خيل رسول الله فأخذوا أختي وناسا فأتوا بهم رسول الله فقالت أختي يا رسول الله هلك الوالد وغالب الوافد فامنن علي من الله عليك فقال ومن وافدك قالت عدي بن حاتم قال الذي فر من الله ورسوله فمن عليها وإلى جانبه رجل قائم وهو علي بن أبي طالب قال سليه حملانا فسألته فأمر لها به وكساها وأعطاها نفقة قال عدي وكنت ملك طيئ آخذ منهم المرباع وأنا نصراني فلما قدمت خيل رسول الله هربت إلى الشم من الإسلام وقلت أكون عند أهل ديني فبينا أنا بالشام إذ جاءت أختي وأخذت تلومني على تركها وهربي بأهلي دونها ثم قالت لي أرى أن تلحق بمحمد سريعا فإن كان نبيا كان للسابق فضله وإن كان ملكا كنت في عز وأنت أنت قال فقدمت على رسول الله فسلمت عليه وعرفته نفسي فانطلق إلى بيتي فلقيته امرأة ضعيفة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها فقلت ما هذا بملك ثم دخلت بيته فأجلسني على وسادة وجلس على الأرض فقلت في نفسي ما هذا ملك فقال لي يا عدي إنك تأخذ المرباع وهو لا يحل في دينك ولعلك إنما يمنعك من الإسلام ما ترى من حاجتنا وكثرة عدونا والله ليفيضن المال فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ووالله لتسمعن بالمرأة تسير من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف إلا الله ووالله لتسمعن بالقصور البيض من بابل وقد فتحت قال فأسلمت فقد رأيت القصور البيض وقد فتحت ورأيت المرأة تخرج إلى البيت لا تخاف إلا الله ووالله لتكونن الثالثة ليفيضن المال حتى لا يقبله أحد
ذكر قدوم الوفود على رسول الله
ص 156
لما افتتح رسول الله مكة وأسلمت ثقيف وفرغ من تبوك ضربت إليه وفود العرب من كل وجه وغنما كانت العرب تنتظر بإسلامها قريشا إذ كانوا إمام الناس وأهل الحرم وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام لا تنكر العرب ذلك وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله وخلافه فلما فتحت مكة وأسلمت قريش عرفت العرب أنها لا طاقة لها بحرب رسول الله ولا عداوته فدخلوا في الدين أفواجا كما قال الله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا
وقدمت وفودهم في هذه السنة
قدم وفد بني أسد على رسول الله وقالوا أتيناك قبل أن ترسل إلينا رسولا فأنزل الله تعالى يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم الآية
وفيها قدم وفد بلى في شهر ربيع الأول فنزلوا على رويفع بن ثابت البلوي
وفيها قدم وفد الزاريين وهم عشرة نفر
وفيها قدم على رسول الله وفد بني تميم مع حاجب بن زرارة بن عدس وفيهم الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم والحتات ومعتمر بن زيد في وفد عظيم ومعهم عيينة بن حصن الفزاري فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله من وراء حجراته أن اخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك رسول الله وخرج إليهم فقالوا جئنا نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا فأذن لهم فقام عطارد فقال الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثرهم عددا وأيسرهم عدة فمن يفاخرنا فليعدد مثل عددنا فقال رسول الله لثابت بن قيس أجب الرجل فقام ثابت فقال الحمد لله الذي له السموات والأرض خلقه قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه ولم يكن شيء قط إلا من فضله ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمهم نسبا وأصدقهم حديثا وأفضلهم حسبا فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله تعالى من العالمين ثم دعا الناس إلى الإيمان فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه اكرم الناس نسبا وأحسن الناس وجوها وخير الناس فعالا ثم كان أول الخلق استجابة لله حين دعاه نحن فنحن أنصار الله ووزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا والسلام عليكم فقالوا يا رسول الله ائذن لشاعرنا فأذن له فقام الزبرقان بن بدر فقال
( نحن الكرام فلا حي يعادلنا % منا الملوك وفينا تنصب البيع )
( وكم قسرنا من الأحياء كلهم % عند النهاب وفضل العرب يتبع )
( ونحن يطعم عند القحط مطعمنا % من الشواء إذا لم يؤنس القزع )
( بما ترى الناس تأتينا سراتهم % من كل أرض هويا ثم تصطنع )
( فننحر الكوم عبطا في أرومتنا % للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا )
( فلا ترانا إلى حي نفاخرهم % ألا استقادوا وكان الرأس يقتطع )
( إنا أبينا ولم يأب لنا أحد % إنا كذلك عند الفخر نرتفع )
( فمن يفاخرنا في ذاك يعرفنا فيرجع القول والأخبار تستمع )
قال وكان حسان بن ثابت غائبا فدعاه رسول الله ليجيب شاعرهم قال حسان فلما سمعت قوله قلت على نحوه
( إن الذوائب من فهر وإخوتهم % قد بينوا سنة للناس تتبع )
( قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم % أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا )
( يرضى بها كل من كانت سريرته % تقوى الإله وكل البر يصطنع )
( سجية تلك منهم غير محدثة % إن الخلائق فاعلم شرها البدع )
( إن كان في الناس سباقون بعدهم % فكل سبق لأدنى سبقهم تبع )
( لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم % عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا )
( إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم % أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا )
( أعفة ذكرت في الوحي عفتهم % لا يطمعون ولا يزرى بهم طمع )
( لا يبخلون على جار بفضلهم % ولا يمسهم من مطمع طبع )
( إذا نصبنا لحي لم ندب لهم % كما يدب إلى الوحشية الذرع )
( كأنهم في الوغى والموت مكتنع % أسد بحلية في أرساغها فدع )
( أكرم بقوم رسول الله شيعتهم % إذا تفرقت الهواء والشيع )
( فإنهم افضل الحياء كلهم % إن جد بالناس جد القول أو شمعوا )
فلما فرغ حسان قال القرع بن حابس إن هذا الرجل لمؤتى له خطيبهم أخطب من خطيبنا وشاعرهم أشعر من شاعرنا وأصواتهم أحلى من أصواتنا
ثم أسلموا وأجازهم رسول الله فأحسن جوائزهم
وفيهم أنزل الله تعالى إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون الآيات
الحتات بالحاء المهملة وتاءين كل واحدة منهما معجمة باثنتين من فوق وعيينة بضم العين المهملة وياءين كل واحدة منهما مثناة من تحت ونون
وفيها قدم على رسول الله كتب ملوك حمير مقرين بالإسلام مع رسولهم الحارث بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين وهمدان فأرسل إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم وكتب إليهم رسول الله يأمرهم بما عليهم في الإسلام وينهاهم عما حرم عليهم
وفيها قدم وفد بهراء على رسول الله فنزلوا على المقداد بن عمرو وكانوا ثلاثة عشر رجلا
وفيها قدم وفد بني البكاء
وفيها قدم وفد بني فزارة وهم بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن
وفيها قدم وفد ثعلبة بن منقذ
وفيها قدم وفد سعد بن بكر وكان وافدهم ضمام بن ثعلبة فسأل رسول الله عن شرائع الإسلام وأسلم فلما رجع إلى قومه قال رسول الله لئن صدق ليدخلن الجنة فلما قدم على قومه اجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال بئست اللات والعزى فقالوا اتق البرص والجذام والجنون
فقال ويحكم إنهما لا يضران ولا ينفعان وإن الله قد بعث رسولا وانزل عليه كتابا وقد استنقذكم به مما كنتم فيه
وأظهر إسلامه فما أمسى ذلك اليوم في حاضره رجل مشرك ولا امرأة مشركة فما سمع بوافد قم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة
ذكر حج أبي بكر رضي الله عنه
ص 159
$ وفيها حج أبو بكر بالناس ومعه عشرون بدنة لرسول الله ولنفسه خمس بدنات وكان في ثلاثمائة رجل فلما كان بذي الحليفة أرسل رسول الله في أثره عليا وأمره بقراءة سور براءة على المشركين فأدركه بالعرج وأخذها منه فعاد أبو بكر وقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شيء
قال لا ولكن لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني ألا ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وصاحبي على الحوض قال بلى
فسار أبو بكر أميرا على الموسم فأقام الناس الحج وحجت العرب الكفار على عادتهم في الجاهلية وعلي يؤذن ببراءة فنادى يوم الأضحى لا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى مدته فقالوا نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب ورجع المشركون فلام بعضهم بعضا وقالوا ما تصنعون وقد أسلمت قريش فأسلموا
وفي هذه السنة فرضت الصدقات وفرق رسول الله فيها عماله على الصدقات
وفيها في شعبان توفيت أم كلثوم بنت النبي وهي زوج عثمان بن عفان وغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب وقيل غسلتها نسوة من الأنصار منهن أم عطية وصلى عليها رسول الله ونزل في حفرتها أبو طلحة
وفيها مات عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وكان ابتداء مرضه في شوال ومكث عشرين ليلة فلما توفي جاء ابنه عبد الله إلى النبي فسأله قميصه فأعطاه فكفنه فيه وجاء رسول الله ليصلي عليه فقام عمر في صدره وقال يا رسول الله أتصلي عليه وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا يعدد أيامه ورسول الله يتبسم ثم قال أخر عني عمر قد خيرت فاخترت قد قيل لي استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ولو علمت أن لو زدت على السبعين غفر لهم لزدت ثم صلى عليه وقام على قبره حتى فرغ منه
فأنزل الله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره الآية
وفيها نعى النبي النجاشي للمسلمين وكان موته في رجب سنة تسع وصلى عليه رسول الله
وفيها توفي أبو عامر الراهب عند النجاشي
ذكر وفد نجران مع العاقب والسيد
ص 161
وفيها أرسل رسول الله خالد بن الوليد إلى بني الحارث بنجران في شهر ربيع الآخر وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ثلاثا فإن أجابوا أقام فيهم وعلمهم شرائع الإسلام وغن لم يفعلوا قاتلهم فخرج إليهم ودعاهم إلى الإسلام فأجابوا وأسلموا فأقام فيهم وكتب إلى رسول الله يعلمه إسلامهم وعاد خالد ومعه وفدهم فيهم قيس بن الحصين بن يزيد بن قينان ذي الغصة ويزيد بن عبد مدان وغيرهما فقدموا على رسول الله ثم عادوا عنه في بقية شوال أو في ذي الحجة وأرسل إليهم عمرو بن حزم يعلمهم شرائع الإسلام ويأخذ صدقاتهم وكتب معه كتابا وتوفي رسول الله وعمرو بن حزام على نجران
وأما نصارى نجران فإنهم أرسلوا العاقب والسيد في نفر إلى رسول الله وأرادوا مباهلته فخرج رسول الله ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين فلما رأوهم قالوا هذه وجوه لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لأزالها ولم يباهلوه وصالحوه على ألفي حلة ثمن كل حلة أربعون درهما وعلى أن يضيفوا رسل رسول الله وجعل لهم ذمة الله تعالى وعهده أن لا يفتنوا عن دينهم ولا يعشروا وشرط عليهم أن لا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به
فلما استخلف أبو بكر عاملهم بذلك فلما استخلف عمر أجلى أهل الكتاب عن الحجاز وأجلى أهل نجران فخرج بعضهم إلى الشام وبعضهم إلى نجرانية الكوفة واشترى منهم عقارهم وأموالهم وقيل إنهم كانوا قد كثروا فبلغوا أربعين ألفا فتحاسدوا بينهم فأتوا عمر بن الخطاب وقالوا أجلنا وكان عمر بن الخطاب قد خافهم على المسلمين فاغتنمها فأجلاهم فندموا بعد ذلك ثم استقالوه فأبى فيقوا كذلك إلى خلافة عثمان
فلما ولي علي أتوه وقالوا ننشدك الله خطك بيمينك فقال ن عمر كان رشيد الأمر وأنا أكره خلافه وكان عثمان قد أسقط عنهم مائتي حلة وكان صاحب النجرانية بالكوفة يبعث إلى من بالشام والنواحي من أهل نجران يجبونهم الحلل فلما ولي معاوية ويزيد بن معاوية شكوا إليه تفرقهم وموت من مات منهم وإسلام من أسلم منهم وكانوا قد قلوا وأروه كتاب عثمان فوضع عنهم مائتي حلة تكملة أربعمائة حلة
فلما ولي الحجاج العراق وخرج عليه عبد الرحمن بن الأشعث اتهم الدهاقين بموالاته واتهمهم معهم فردهم إلى ألف وثلاثمائة حلة وأخذهم بحلل وشيء فلما ولي عمر بن عبد العزيز شكوا إليه فناءهم ونقصهم وإلحاح العرب عليهم بالغارة وظلم الحجاج فأمر بهم فأحصوا فوجدوا على العشر من عدتهم الأولى فقال أرى هذا الصلح جزية وليس على أرضهم شيء وجزية المسلم والميت ساقطة فألزمهم مائتي حلة فلما تولى يوسف بن عمر الثقفي ردهم إلى أمرهم الأول عصبية للحجاج فلما استخلف السفاح عمدوا إلى طريقه يوم ظهوره من الكوفة فألقوا فيها الريحان ونثروا عليه فأعجبه ذلك من فعلهم ثم رفعوا إليه أمرهم وتقربوا إليه بأخواله بني الحارث بن كعب فكلمه فيهم عبد الله بن الحارث فردهم إلى مائة حلة فلما ولي الرشيد شكوا إليه العمال فأمر أن يعفوا من العمال وأن يكون مؤداهم بيت المال
وفيها قدم وفد سلامان في شوال وهم سبعة نفر رأسهم حبيب السلاماني وفيها قدم وفد غسان في رمضان ووفد عامر في شهر رمضان أيضا وفيها قدم وفد الأزد رأسهم صرد بن عبد الله في بضعة عشر رجلا فأسلم وأمره رسول الله على من أسلم من قومه وأمره أن يجاهد بمن اسلم من أهل بيته المشركين فسار إلى مدينة جرش وفيها قبائل من اليمن فيهم خثعم فحاصرهم قريبا من شهر فامتنعوا منه فرجع حتى كان بجبل يقال له كشر فظن أهل جرش أنه منهزم فخرجوا في طلبه فأدركوه فعطف عليهم فقاتلهم قتالا شديدا وقد كان أهل جرش قد بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله وهو بالمدينة ينظران حاله فبينما هما عنده بعد العصر إذ قال بأي بلاد الله شكر
فقالا ببلادنا جبل يقال له كشر فقال إنه ليس بكشر ولكنه شكر قالا فما له يا رسول الله قال إن بدن الله لتنحر عنده الآن فقال لهما أبو بكر أو عثمان ويحكما إنه ينعي لكما قومكما فقوما إلى رسول الله فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عنهم ففعلا فقال اللهم ارفع عنهم فخرجا من عنده إلى قومهما فوجداهم قد أصيبوا ذلك اليوم في تلك الساعة التي ذكر فيها النبي حالهم وخرج وفد جرش إلى رسول الله حتى قدموا عليه فأسلموا
وفيها قدم وفد مراد مع فروة بن مسيك المرادي على رسول الله مفارقا لملوك مندة ومعاندا لهم وقد كان قبيل الإسلام بين مراد وهمدان وقعة ظفرت فيها همدان وأكثروا القتلى في مراد وكان يقال لذلك اليوم يوم الرزم وكان رئيس همدان الأجدع بن مالك والد مسروق وفي ذلك يقول فروة
( فإن نغلب فغلابون قدما % وإن نهزم فغير مهزمينا )
( وما إن طبنا جبن ولكن % منايانا ودولة آخرينا )
( كذاك الدهر دولته سجال % تكر صروفه حينا وحينا )
( فبينا ما يسر به ويرضى % ولو لبست غضارته سنينا )
( إذا انقلبت به كرات دهر % فألفى للألى غبطوا طحينا )
( ومن يغبط بريب الدهر منهم % يجد ريب الزمان له خؤنا )
( فلو خلد الملوك إذن خلدنا % ولو بقي الكرام إذن بقينا )
( فأفنى ذلكم سروات قومي % كما أفنى القرون الأولينا )
ولما توجه فروة إلى رسول الله مفارقا لقومه قال
( لما رأيت ملوك كندة أعرضت % كالرجل خان الرجل عرق نساءها )
( يممت راحلتي أؤم محمدا % أرجو فضائلها وحسن ثرائها )
فلما انتهى إلى رسول الله قال له يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الرزم
فقال يا رسول الله من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي ولم يسؤه ذلك فقال رسول الله إن ذلك لا يزيد قومك في الإسلام إلا خيرا
فاستعمله رسول الله على مراد وزبيد ومذحج كلها وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص فكان على الصدقات وكان معه في بلاده إلى أن توفي رسول الله
وفيها أرسل فروة بن عمرو الجذامي ثم النفاثي رسولا إلى رسول الله بإسلامه وأهدى له بغلة بيضاء وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب وكان منزله معان في أرض الشام فلما بلغ الروم إسلامه طلبوه حتى أسروه فحبسوه فقال في محبسه ذلك
( طرقت سليمى موهنا فشجاني % والروم بين الباب والقروان )
( صد الخيال وساءه ما قد رأى % وهممت أن أغفي وقد أبكاني )
( لا تكحلن العين بعدي إثمدا % سلمى ولا تدنن للإنسان )
فلما اجتمعت الروم لصلبه على ماء لهم يقال له عفرى بفلسطين قال
( ألا هل أتى سلمى بأن خليلها % على ماء عفرى فوق إحدى الرواحل )
( على ناقة لم يلقح الفحل أمها % مشذبة أطرافها بالمناجل )
وهذا من أبيات المعاني فلما قدموه ليصلبوه قال
( بلغ سراة المسلمين بأنني % سلم لربي أعظمي ومقامي )
ثم ضربوا عنقه وصلبوه
وفيها قدم وفد زبيد على رسول الله مع عمرو بن معد يكرب وكان رسول الله قد استعمل على زبيد ومراد فروة بن مسيك في هذه السنة قبل قدوم عمرو فلما عاد عمرو من عند رسول الله أقام في قومه بني زبيد وعليهم فروة بن مسيك فلما توفي رسول الله ارتد عمرو
وفيها قدم وفد عبد القيس على رسول الله وفيهم الجارود بن عمرو وكان نصرانيا فأسلم وأسلم من معه وكان الجارود حسن الإسلام صلبا على دينه حتى هلك وكان نهى قومه عن الردة بعد موت النبي لما ارتدوا مع الغرور وهو المنذر بن النعمان وقد كان رسول الله بعث العلاء بن الحضرمي قبل الفتح إلى المنذر بن ساوى العبدي فأسلم وحسن إسلامه ثم هلك بعد وفاة رسول الله وقبل ردة أهل البحرين والعلاء أمير لرسول الله على البحرين
وفيها قدم وفد بني حنيفة وفيهم مسيلمة الكذاب وكان منزله في دار ابنة الحارث امرأة من الأنصار واجتمع مسيلمة برسول الله ثم عاد إلى اليمامة وتنبأ وتكذب لهم وادعى أنه شريك رسول الله في النبوة فاتبعه بنو حنيفة
وفيها قدم وفد كندة مع الأشعث بن قيس وكانوا ستين راكبا فقال الأشعث نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار
فقال النبي نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا
وفيها قدم وفد محارب وفيها قدم وفد الرهاويين وهم بطن من مذحج ورهاء بفتح الراء قاله عبد الغني بن سعيد وفيها قدم وفد عبس وفيها قدم وفد صدف وافوا رسول الله في حجة الوداع وفيها قدم وفد خولان وكانوا عشرة وفيها قدم وفد بني عامر بن صعصعة فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وجبار بن سلمى بضم السين وبالإمالة بن مالك بن جعفر وكان هؤلاء الثلاثة رؤوس القوم
وشياطينهم وكان عامر يريد الغدر برسول الله فقال له قومه إن الناس قد أسلموا فأسلم فقال لا أتبع عقب هذا الفتى ثم قال لأربد إذا قدمنا عليه فإني شاغله عنك فاعله بالسيف من خلفه فلما قدموا جعل يكلم النبي ويقول له يا محمد خالني فيقول النبي لا والله حتى تؤمن بالله وحده قالها ثلاثا يشغله ليفتك به أربد فلم يفعل أربد شيئا فقال عامر للنبي لأملأنها عليك خيلا حمرا ورجالا
فلما ولى قال رسول الله اللهم اكفني عامرا فلما خرجوا قال عامر لأربد لم لا قتلته قال كلما هممت بقتله دخلت بيني وبينه حتى ما أرى غيرك أفأضربك بالسيف
وخرجوا راجعين إلى بلادهم فلما كانوا ببعض الطريق أرسل الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله وإنه لفي بيت امرأة سلولية فمات وجعل يقول يا بني عامر أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية
وأرسل الله على أربد صاعقة فأحرقته وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لأمه
وفيها قدم على رسول الله وفد طيئ فيهم زيد الخيل وهو سيدهم فأسلموا وحسن إسلامهم وقال رسول الله ( ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا ما كان من زيد الخيل فإنه لم يبلغ فيه كل ما فيه )
ثم سماه زيد الخير وأقطع له فيد وأرضين معها فلما رجع أصابته الحمى بقرية من نجد فمات فيها
وفيها كتب مسيلمة الكذاب إلى رسول الله يذكر أنه شريكه في النبوة وأرسل الكتاب مع رسولين فسألهما رسول الله عنه فصدقاه فقال لهما لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما وكان كتاب مسيلمة من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد فإني قد أشركت معك في الأمر وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكن قريشا قوم يعتدون
فكتب إليه رسول الله بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد فالسلام على من اتبع الهدى فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين
وقيل إن دعوى مسيلمة وغيره النبوة كانت بعد حجة الوداع ومرضته التي مات فيها فلما سمع الناس بمرضه وثب الأسود العنسي باليمن ومسيلمة باليمامة وطليحة في بني أسد
ذكر إرسال علي إلى اليمن وإسلام همدان
ص 167
في هذه السنة بعث رسول الله عليا إلى اليمن وقد كان أرسل قبله خالد بن الوليد إليهم يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه فأرسل عليا وأمره أن يعقل خالدا ومن شاء من أصحابه ففعل وقرأ علي كتاب رسول الله على أهل اليمن فأسلمت همدان كلها في يوم واحد فكتب بذلك إلى رسول الله فقال السلام على همدان يقوله ثلاثا
ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام وكتب بذلك إلى رسول الله فسجد شكرا لله تعالى
ذكر بعث رسول الله أمراءه على الصدقات
ص 167
وفيها بعث رسول الله أمراءه وعماله على الصدقات فبعث المهاجرين أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء فخرج عليه العنسي وهو بها وبعث زياد بن لبيد الأنصاري إلى حضرموت على صدقاتهم وبعث عدي بن حاتم الطائي على صدقات طيئ وأسد وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة وجعل الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم على صدقات سعد بن زيد مناة بن تميم وبعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وبعث علي بن أبي طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم وجزيتهم ويعود ففعل وعاد ولقي رسول الله بمكة في حجة الوداع واستخلف على الجيش الذي معه رجلا من أصحابه وسبقهم إلى النبي فلقيه بمكة فعمد الرجل إلى الجيش فكساهم كل رجل حلة من البز الذي كان مع علي فلما دنا الجيش خرج علي ليتلقاهم فرأى عليهم الحلل فنزعها عنهم فشكاه الجيش إلى رسول الله فقام النبي خطيبا فقال أيها الناس لا تشكوا عليا فوالله إنه لأخشن في ذات الله وفي سبيل الله
ذكر حجة الوداع
ص 169
خرج رسول الله إلى الحج لخمس ليال بقين من ذي القعدة لا يذكر الناس إلا الحج فلما كان بسرف أمر الناس أن يحلوا بعمرة إلا من ساق الهدي وكان رسول الله قد ساق الهدي وناس معه وكان علي بن أبي طالب قد لقيه محرما فقال له النبي حل كما حل أصحابك فقال إني قد أهللت بما أهل به رسول الله فبقي على إحرامه
ونحر رسول الله الهدي عنه وعن علي وحج بالناس فأراهم مناسكهم وعلمهم سنن حجهم وخطب خطبته التي بين فيها للناس ما بين وكان الذي يبلغ عنه بعرفة ربيعة بن أمية بن خلف لكثرة الناس فقال بعد حمد الله
أيها الناس اسمعوا قولي فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا وكل ربا موضوع فلكم رؤوس أموالكم وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله
وكل دم في الجاهلية موضوع وأول دم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وكان مسترضعا في بني ليث فقتله بنو هذيل أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم أيها الناس إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله
وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض
وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله
أيها الناس استوصوا بالنساء خيرا
وهي خطبة طويلة
وقال حين وقف بعرفة هذا الموقف للجبل الذي هو عليه وكل عرفة موقف وقال بالمزدلفة هذا الموقف وكل مزدلفة موقف ولما نحر بمنى قال هذا المنحر وكل منى منحر
فقضى رسول الله الحج وكانت حجة الوداع وحجة البلاغ وذلك أن رسول الله لم يحج بعدها وأرى الناس مناسكهم وعلمهم حجهم
ذكر عدد غزاته صلى الله عليه وسلم وسراياه
ص 171
وكان آخر غزوة غزاها رسول الله بنفسه غزوة تبوك وجميع غزواته بنفسه تسع عشرة غزوة قال الواقدي هكذا يرويه أهل العراق عن زيد بن أرقم وهو خطأ لأن زيدا غزا مؤتة مع عبد الله بن رواحة وهو رديفه على رحله ولم يغز مع النبي غير ثلاث غزوات أو أربع
وقيل غزا رسول الله ستا وعشرين غزوة وقيل سبعا وعشرين فمن قال ستا وعشرين جعل غزوة خيبر ووادي القرى واحدة لأنه لم يرجع من خيبر حين فرغ من أمرها إلى منزله ولكنه مضى منها إلى وادي القرى ومن فرق بينهما جعل غزواته سبعا وعشرين جعل خيبر غزوة ووادي القرى غزوة
وأول غزوة غزاها ودان وهي الأبواء ثم بواط بناحية رضوى ثم العشيرة ثم بدر الأولى لطلب كرز بن جابر ثم بدر التي قتل فيها قريشا ثم غزوة بني سليم ثم غزوة السويق ثم غزوة غطفان وهي غزوة ذي أمر ثم غزوة بحران بالحجاز ثم غزوة أحد ثم غزوة حمراء الأسد ثم غزوة بني النضير ثم غزوة ذات الرقاع ثم غزوة بدر الآخرة ثم غزوة دومة الجندل ثم غزوة الخندق ثم غزوة بني قريظة ثم غزوة بني لحيان من هذيل ثم غزوة ذي قرد ثم غزوة بني المصطلق ثم غزوة الحديبية ثم غزوة خيبر ثم عمرة القضاء ثم غزوة فتح مكة ثم غزوة حنين ثم غزوة الطائف ثم غزوة تبوك
قاتل منها في تسع غزوات بدر وأحد والخندق وقريظة والمصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف
واختلف في عدد سراياه فقيل كانت خمسا وثلاثين ما بين سرية وبعث وقيل ثمانيا وأربعين
وفي هذه السنة قدم جرير بن عبد الله البجلي في رمضان مسلما فبعثه إلى ذي الخلصة فهدمها وكان من حجر أبيض بتبالة وهو صنم بجبلة وخثعم وأزد السراة فلما أتى رسول الله خبر هدمه سجد شكرا لله تعالى
وفيها أسلم باذان باليمن وبعث بإسلامه إلى رسول الله
ذكر عدد حج النبي صلى الله عليه وسلم وعمره
ص 172
قال جابر حج النبي حجتين حجة قبل أن يهاجر وحجة بعدما هاجر معها عمرة
وقال عمر اعتمر رسول الله ثلاث عمر وقالت عائشة أربع عمر وروي مثل ذلك عن ابن عمر
ذكر صفة النبي وأسمائه وخاتم النبوة
ص 172
قال علي بن أبي طالب كان رسول الله ليس بالطويل ولا بالقصير ضخم الرأس واللحية شثن الكفين والقدمين ضخم الكراديس مشربا وجهه حمرة طويل المسربة إذا مشى تكفأ تكفئا كأنما ينحط من صبب لم أر قبله ولا بعده مثله
وكان أدعج العينين سبط الشعر سهل الخدين ذا وفرة كأن عنقه إبريق فضة وإذا التفت التفت جميعا كأن العرق في وجهه اللؤلؤ الرطب لطيب عرقه وريحه
قال أبو عبيدة وغيره شثن الكفين والقدمين يعني أنهما إلى الغلظ أقرب وقوله ضخم الكراديس يعني ألواح الأكتاف والمسربة الشعر ما بين السرة واللبة والصبب الإنحدار والدعج في العين السواد والسبط من الشعر ضد الجعد وكان بين كتفيه خاتم النبوة وهي بضعة ناشزة حولها شعر
وأما أسماؤه فهي كما قال رسول الله أنا محمد وأنا أحمد والمقتفى والحاشر ونبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة والعاقب والماحي الذي يمحو الله به الكفر
والحاشر الذي يحشر الناس على قدمه والعاقب آخر الأنبياء
وأما شعره وشيبه فقال أنس لم يشنه الله بالشيب وقيل كان في مقدم لحيته عشرون شعرة بيضاء ولم يخضب قال جابر بن سمرة وكان في مفرق رأسه شعرات بيض إذا دهنه غطاهن الدهن وأخرجت أم سلمة شعره مخضوبا بالحناء والكتم وقال أبو رمثة كان رسول الله يخضب وكان شعره يبلغ كتفيه أو منكبيه وقالت أم هانئ كان له ضفائر أربع
ذكر شجاعته وجوده
ص 173
قال أنس كان رسول الله أشجع الناس وأسمح الناس وأحسن الناس وقع في المدينة فزع فركب فرسا عريانا لأبي طلحة ما عليه سرج وعليه السيف فسبق الناس إليه فجعل يقول أيها الناس لم تراعوا لم تراعوا وقال علي بن أبي طالب كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله فكان أقربنا إلى العدو
وكفى بهذا شجاعة أن مثل علي الذي هو هو في شجاعته يقول هذا وقد تقدم في غزواته ما يستدل به على تمكنه من الشجاعة وأنه لم يقاربه فيها أحد
ذكر عدد أزواج النبي وسراريه وأولاده
ص 173
قال ابن الكلبي إن النبي تزوج خمس عشرة امرأة ودخل بثلاث عشرة وجمع بين إحدى عشرة وتوفي عن تسع وأول امرأة تزوجها خديجة بنت خويلد وكان تزوجها قبله عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ومات عنها وتزوجها بعد عتيق أبو هالة بن زرارة بن نباش بن عدي التميمي فولدت له هند بن أبي هالة ثم مات عنها فتزوجها رسول الله فولدت له ثمانية القاسم والطيب والطاهر وعبد الله وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة فأما الذكور فماتوا وهم صغار وأما الإناث فبلغن ونكحن وولدن ولم يتزوج على خديجة في حياتها أحدا وكان موتها قبل الهجرة بثلاث سنين ولم يولد له ولد من غيرها إلا إبراهيم
فلما توفيت خديجة نكح بعدها سودة بنت زمعة وقيل عائشة فأما عائشة فكانت يوم تزوجها صغيرة بنت ست سنين
وأما سودة فكانت امرأة ثيبا وكانت قبله عند السكران بن عمرو بن عبد شمس أخي سهيل بن عمرو وكان من مهاجرة الحبشة فتنصر بها ومات فخلف عليها رسول الله وهو بمكة وكان الذي خطبها عليه خولة بنت حكيم زوجة عثمان بن مظعون فدخل بسودة بمكة زوجها منه أبوها زمعة بن قيس فلما تزوجها كان أخوها عبد بن زمعة غائبا فلما قدم جعل يحثي التراب على رأسه فلما أسلم قال إني سفيه حيث فعلت ذلك وندم على ما كان منه
وأما عائشة فدخل بها بالمدينة وهي ابنة تسع سنين ومات عنها وهي ابنة ثمان عشرة سنة ولم يتزوج بكرا غيرها وماتت سنة ثمان وخمسين
ثم تزوج بعدها حفصة بنت عمر بن الخطاب وكانت قبله عند خنيس بن حذافة السهمي خنيس بالخاء المعجمة والنون والسين المهملة وكان بدريا ولم يشهد من بني سهم بدرا غيره ولم تلد له شيئا وماتت بالمدينة في خلافة عثمان ثم تزوج بعدها أم سلمة ابنة أبي أمية زاد الركب المخزومية وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي شهد بدرا وكان فارس القوم وأصابته جراحة يوم أحد فمات منها وتزوجها رسول الله قبل الأحزاب وماتت سنة تسع وخمسين وقيل بعد قتل الحسين رضي الله عنه ثم تزوج زينب بنت خزيمة من بني عامر بن صعصعة ويقال لها أم المساكين وتوفيت في حياته ولم يمت في حياته غيرها وغير خديجة بنت خويلد وكانت زينب قبله عند الطفيل بن الحارث بن المطلب ثم تزوج عام المريسيع جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار الخزاعية من بني المصطلق وكانت قبله عند مسافع بن صفوان المصطلقي لم تلد له شيئا ثم تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب وكانت عند عيد الله بن جحش وكان من مهاجرة الحبشة فتنصر ومات بها فأرسل النبي إلى النجاشي فخطبها عليه وتزوجها وهي بالحبشة وزوجها منه خالد بن سعيد بن العاص وقيل بل خطبها إلى عثمان بن عفان فزوجها منه وبعث فيها إلى النجاشي فساق منه المهر أربعمائة دينار وأرسلها إليه وتوفيت في خلافة أخيها معاوية فلم تلد له شيئا ثم تزوج زينب بنت جحش وكانت قبله عند زيد بن حارثة مولاه فلم تلد له شيئا فزوجها الله إياه وبعث في ذلك جبريل وكانت تفخر على نساء النبي وتقول أنا أكرمهن وليا وسفيرا وهي أول من توفي من أزواجه بعده توفيت في خلافة عمر ثم تزوج عام خيبر صفية بنت حيي بن اخطب وكانت قبله تحت سلام بن مشكم فتوفي عنها وخلف عليها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق فقتله محمد بن مسلمة صبرا بأمر النبي ثم أعتقها النبي وتزوجها سنة ست وماتت سنة ست وثلاثين ثم تزوج ميمونة ابنة الحارث الهلالية وكانت قبله عند مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي ولم تلد له شيئا ثم خلف عليها أبو رهم بن عبد العزى بعد مسعود ثم رسول الله بعده وهي خالة ابن عباس وخالد بن الوليد وتزوجها في عمرة القضاء بسرف ثم تزوج امرأة من بني كلاب يقال لها شاه بنت رفاعة وقيل هي سني ابنة أسماء بن الصلت وقيل ابنة الصلتبن حبيب توفيت قبل أن يدخل بها ثم تزوج الشنباء ابنة عمرو الغفارية وقيل الكنانية فمات إبراهيم ابنه قبل أن يدخل بها فقالت لو كان نبيا ما مات ابنه فطلقها ثم تزوج غزية ابنة جابر الكلابية خطبها عليه أبو أسيد بضم الهمزة الساعدي فلما قدمت على النبي استعاذت بالله منه ففارقها ثم تزوج أسماء ابنة النعمان بن الأسود بن شراحيل الكندي فلما دخل بها وجد بها بياضا فمتعها وردها إلى أهلها وقيل بل استعاذت منه أيضا فردها
والعالية ابنة ظبيان فجمعها ثم فارقها وقتيلة بنت قيس أخت الأشعث فتوفي عنها قبل أن يدخل بها فارتدت وفاطمة ابنة شريح وقال ابن الكلبي غزية هي أم شريك قال وقيل إنه تزوج خولة ابنة الهذيل بن هبيرة وليلى ابنة الخطيم الأنصارية عرضت نفسها عليه فتزوجها فأخبرت قومها فقالوا أنت غيور وله نساء فاستقيليه فاستقالته فأقالها ففارقها
وأما من خطب النبي من النساء ولم ينكحها فمنهن أم هانئ بنت أبي طالب خطبها ولم يتزوجها ومنهن ضباعة بنت عامر من بني قشير ومنهن صفية بنت بشامة أخت العور العنبري ومنهن أم حبيبة ابنة عمه العباس فوجد العباس أخاه من الرضاعة فتركها ومنهن جمرة ابنة الحارث ابن أبي حارثة خطبها فقال أبوها بها سوء ولم يكن بها فرجع إليها فوجدها قد برصت
وأما سراريه فهي مارية ابنة شمعون القبطية وولدت له إبراهيم وريحانة ابنة زيد القرطية وقيل هي من بني النضير
ذكر موالي رسول الله
ص 176
فمنهم زيد بن حارثة وابنه أسامة بن زيد وثوبان ويكنى أبا عبد الله أصله من الشراة وسكن حمص بعد موت النبي ومات سنة سبع وخمسين وقيل سكن الرملة ولا عقب له وشقران وكان من الحبشة وقيل من الفرس واسمه صالح بن عدي واختلف في أمره فقيل إن رسول الله ورثه من أبيه وقيل كان لعبد الرحمن بن عوف فوهبه للنبي وأعقب
وأبو رافع واسمه إبراهيم وقيل أسلم فقيل كان للعباس فوهبه للنبي فأعتقه رسول الله وقيل كان لأبي أحيحة بن سعيد بن العاص فاعتق ثلاثة من بنيه أنصباءهم منه وشهد معهم بدرا وهم كفار وقتلوا يومئذ ووهب خالد بن سعيد نصيبه منه للنبي فأعتقه وابنه البهي واسمه رافع وأخوه عبيد الله بن أبي رافع كان يكتب لعلي بن أبي طالب
وسلمان الفارسي وكنيته أبو عبد الله من أهل أصبهان وقيل من أهل رامهرمز أصابه سبيا بعض من كلب وبيع من يهودي بوادي القرى فكاتب اليهودي وأعانه النبي حتى عتق وسفينة كان لأم سلمة فأعتقته وشرطت عليه خدمة رسول الله حياته قيل اسمه مهران وقيل رباح وقيل كان من عجم الفرس
وأنسة يكنى أبا مسروح وهو من مولدي السراة وكان يأذن على رسول الله وشهد معه بدرا وأحدا والمشاهد كلها وقيل كان من الفرس
وأبو كبشة واسمه سليم قيل كان من موالي مكة وقيل كان من مولدي أرض دوس اشتراه رسول الله وأعتقه وشهد مع رسول الله بدرا والمشاهد كلها وتوفي يوم استخلف عمر بن الخطاب سنة ثلاث عشرة
ورويقع أبو مويهبة كان من مولدي مزينة فاشتراه رسول الله وأعتقه
ورباح الأسود كان يأذن على رسول الله
وفضالة نزل الشام ومدعم كان عبدا لرفاعة فوهبه لرسول الله قتل بوادي القرى
وأبو ضميرة قيل كان من الفرس من ولد بشتاسب الملك فأصابه رسول الله في بعض وقائعه فأعتقه وهو جد أبي الحسين
ويسار وكان نوبيا أصابه في بعض غزواته فأعتقه وهو الذي قتله العرنيون الذين أغاروا على لقاح رسول الله
ومهران مولاه حدث عن النبي
وكان له خصي يقال له مأبور أهداه له المقوقس مع مارية وسيرين قيل إنه الذي قذفت مارية به فبعث رسول الله عليا ليقتله فرآه خصيا فتركه
وخرج إليه من الطائف وهو محاصرهم أربعة أعبد فأعتقهم منه أبو بكرة
ذكر من كان يكتب لرسول الله
ص 177
ذكر أن عثمان بن عفان كان يكتب له أحيانا وعلي بن أبي طالب أحيانا وخالد بن سعيد وأبان بن سعيد والعلاء بن الحضرمي
وأول من كتب له أبي بن كعب وكتب له زيد بن ثابت وكتب له عبد الله بن سعد بن أبي سرح ثم ارتد ورجع إلى الإسلام يوم الفتح وكتب له معاوية بن أبي سفيان وحنظلة الأسيدي بضم الهمزة وتشديد الياء كذلك يقوله المحدثون وهو منسوب إلى أسيد بن عمرو بن تميم بالتشديد إجماعا
ذكر أسماء خيله
ص 178
قيل أول فرس ملكه فرس اشتراه بالمدينة من أعرابي من فزارة بعشرة أواق وكان اسمه الضرس فسماه رسول الله السكب وأول غزوة غزاها عليه أحد ليس مع المسلمين يومئذ فرس غيره وفرس لأبي بردة بن نيار اسمه ملاوح
وكان له فرس يدعى المرتجز وهو الفرس الذي شهد به خزيمة بن ثابت وكان صاحبه من بني مرة
وكان له ثلاثة أفراس لزاز والظرب واللحيف فأما لزاز فأهداه له المقوقس وأما اللحيف فأهداه له ربيعة بن أبي البراء وأما الظرب فأهداه له فروة بن عمرو الجذامي
وكان له فرس يقال له الورد أهداه له تميم الداري فوهبه النبي لعمر بن الخطاب فحمل عليه في سبيل الله فوجده يباع
وقيل كان له فرس اسمه اليعسوب
تفسير هذه الأسماء السكب الكثير الجري كأنما يصب جريه صبا واللحيف سمي به لطول ذنبه كأنه يلحف الأرض بذنبه أي يغطيها ولزاز سمي به لشدة تلززه والظرب سمي به لشدة خلقه سمي بالجبل الصغير والمرتجز سمي به لحسن صهيله واليعسوب سمي به لأنه أجود خيله لأن اليعسوب الرئيس
ذكر بغاله وحميره وإبله
ص 179
كانت له دلدل وهي أول بغلة رؤيت في الإسلام أهداها له المقوقس ومعها حمار اسمه عفير وبقيت البغلة إلى زمن معاوية
وأهدى له فروة بن عمرو بغلة يقال لها فضة فوهبها لأبي بكر وحماره يعفور نفق بعد منصرفه من حجة الوداع
وأما إبله فكانت له القصواء وهي التي أخذها من أبي بكر بأربعمائة درهم وهاجر عليها وكانت من نعم بني الحريش وبقيت مدة وهي العضباء والجدعاء أيضا قال ابن المسيب كان في طرف أذنها جدع وقيل لم يكن بها جدع
وأما لقاحه فكان له عشرون لقحة بالغابة وهي التي أغار عليها القوم يأتي لبنها أهله كل ليلة وكان له لقاح غزار منهن الحناء والسمراء والعريس والسعدية والبغوم واليسيرة والرياء ومهرة والشقراء وأما منائحه فكانت له سبع منائح من الغنم عجرة وزمزم وسقيا وبركة وورشة وأطلال وأطراف وسبعة أعنز يرعاهن أيمن بن أم أيمن
تفسير هذه الأسماء عفير تصغير ترخيم الأعفر وهو الأبيض بياضا غير خالص ومنه أيضا اسم حماره يعفور كأخضر ويخضور البغام صوت الإبل ومنه البغوم والباقي لا يحتاج إلى شرح
ذكر أسماء سلاحه
ص 179
كان له ذو الفقار غنمه يوم بدر وكان لمنبه بن الحجاج وقيل لغيره
وغنم من بني قينقاع ثلاثة أسياف سيفا قلعيا وسيفا يدعى بتارا وسيفا يدعى الحتف
وكان له المخذم ورسوب
وقدم معه المدينة سيفان شهد بأحدهما بدرا يسمى العضب
وكان له ثلاثة أرماح وثلاثة قسي قوس اسمه الروحاء وقوس يدعى البيضاء وقوس نبع يدعى الصفراء
وكان له درع يقال لها الصعدية وكان له درع يقال لها فضة غنمها من بني قينقاع وكان له درع تسمى ذات الفضول كانت عليه يوم أحد هي وفضة وكان له ترس فيه تمثال كبش فكرهه رسول الله فأصبح وقد أذهبه الله عز وجل
تفسير هذه الأسماء سمي السيف ذو الفقار لحفر فيه والسيف المخذم القاطع والرسوب الذي يمضي في الضربة ويثبت فيها
ذكر أحداث سنة إحدى عشرة
ص 181
في المحرم من هذه السنة بعث النبي بعثا إلى الشام وأميرها أسامة بن زيد مولاه وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين فتكلم المنافقون في إمارته وقالوا أمر غلاما على جلة المهاجرين والأنصار
فقال رسول الله إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل وإنه لخليق للإمارة وكان أبوه خليقا لها
وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون منهم أبو بكر وعمر فبينما الناس على ذلك ابتدأ برسول الله
ذكر مرض رسول الله ووفاته
ص 181
ابتدأ برسول الله مرضه أواخر صفر في بيت زينب بنت جحش وكان يدور على نسائه حتى اشتد مرضه في بيت ميمونة فجمع نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيت عائشة ووصلت أخبار بظهور الأسود العنسي باليمن ومسيلمة باليمامة وطليحة في بني أسد وعسكر بسميراء وسيجئ ذكر أخبارهم إن شاء الله تعالى فتأخر مسير أسامة لمرض رسول الله ولخبر الأسود العنسي ومسيلمة فخرج النبي عاصبا رأسه من الصداع فقال إني رأيت فيما يرى النائم أن في عضدي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا فأولتهما بكذاب اليمامة وكذاب صنعاء وأمر بإنفاذ جيش أسامة وقال لعن الله الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
وخرج أسامة فضرب بالجرف العسكر وتمهل الناس وثقل رسول الله ولم يشغله شدة مرضه عن إنفاذ أمر الله فأرسل إلى نفر من الأنصار في أمر الأسود فأصيب الأسود في حياة رسول الله قبل وفاته بيوم فأرسل إلى جماعة من الناس يحثهم على جهاد من عندهم من المرتدين
وقال أبو مويهبة مولى رسول الله أيقظني رسول الله ليلة وقال إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي فانطلقت معه فسلم عليهم ثم قال ليهنئكم ما أصبحتم فيه قد أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها الآخرة شر من الأولى ثم قال قد أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد بها ثم الجنة وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي فاخترت لقاء ربي ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف فبدئ بمرضه الذي قبض فيه قالت عائشة فلما رجع من البقيع وجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول وارأساه قال بل أنا والله يا عائشة وارأساه ثم قال ما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك فقلت كأني بك والله لو فعلت ذلك فرجعت إلى بيتي فعرست ببعض نسائك فتبسم وتتام به وجعه وتمرض في بيتي فخرج منه يوما بين رجلين أحدهما الفضل بن العباس والآخر علي قال الفضل فأخرجته حتى جلس على المنبر ثم قال ناد بالناس فاجتمعوا إليه فحمد الله وكان أول ما تكلم به النبي أن صلى على أصحاب أحد فأكثر واستغفر لهم ثم قال
أيها الناس أن قد دنا مني حقوق من بين أظهركم فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه ولا يخش الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني
ألا وإن أحكم إلي من أخذ مني حقا إن كان له أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس وقد أرى أن هذا غير مغن عني حتى أقوم فيكم مرارا
ثم نزل فصلى الظهر ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولى فادعى عليه رجل بثلاثة دراهم فأعطاه عوضها ثم قال
أيها الناس من كان عنده شيء فليؤده ولا يقل فضوح الدنيا ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة
ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم ثم قال
إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده فبكى أبو بكر وقال فديناك بأنفسنا وآبائنا فقال رسول الله لا يبقين في المسجد باب إلا باب أبي بكر فإني لا أعلم أحدا لأفضل في الصحبة عندي منه ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام ثم أوصى بالأنصار فقال
يا معشر المهاجرين أصبحتم تزيدون وأصبحت الأنصار لا تزيد والأنصار عيبتي التي أويت إليها فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم
قال ابن مسعود نعى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر فلما دنا الفراق جمعنا في بيت عائشة فنظر إلينا فشدد ودمعت عيناه وقال مرحبا بكم حياكم الله رحمكم الله آواكم الله حفظكم الله رفعكم الله وفقكم الله سلمكم الله قبلكم الله أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله بكم واستخلفه عليكم وأؤديكم إليه إني لكم منه نذير وبشير أن لا تعلوا على الله في عباده وبلاده فإنه قال لي ولكم تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين قلنا فمتى أجلك قال دنا الفراق والمنقلب إلى الله وسدرة المنتهى والرفيق الأعلى وجنة المأوى فقلنا من يغسلك قال أهلي الأدنى فالأدنى قلنا فيم نكفنك قال في ثيابي هذه إن شئتم أو في بياض قلنا فمن يصلي عليك قال مهلا غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيرا فبكينا وبكى ثم قال إذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري ثم اخرجوا عني ساعة ليصلي علي جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت مع الملائكة ثم ادخلوا علي فوجا فوجا فصلوا علي ولا تؤذوني بتزكية ولا رنة ولا صيحة وليبدأ بالصلاة علي رجال أهل بيتي ثم نساؤهم ثم أنتم بعد أقرؤوا أنفسكم مني السلام ومن غاب من أصحابي فأقرؤوه مني السلام ومن تابعكم على ديني فأقرؤوه السلام
قال ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس ثم جرت دموعه على خديه اشتد برسول الله مرضه ووجعه فقال ائتوني بدواة وبيضاء أكتب لكم كتابا لا تضلون بعدي أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا إن رسول الله يهجر فجعلوا يعيدون عليه فقال دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه فأوصى بثلاث أن يخرج المشركون من جزيرة العرب وأن يجازى الوفد بنحو مما كان يجيزهم وسكت عن الثالثة عمد أو قال نسيتها وخرج علي بن أبي طالب من عند رسول الله في مرضه فقال الناس كيف أصبح رسول الله فقال أصبح بحمد الله بارئا فأخذ بيده العباس بن عبد المطلب فقال أنت بعد ثلاث عبد العصا وإن رسول الله سيتوفى في مرضه هذا وإني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب فاذهب إلى رسول الله فسأله فيمن يكون هذا المر فإن كان فينا علمناه وإن كان في غيرنا أمره فأوصى بنا فقال علي لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدا والله لا أسألها رسول الله أبدا قال فما اشتد الضحى حتى توفي رسول الله
قالت عائشة قالت أسماء بنت عميس ما وجعه إلا ذات الجنب فلو لددتموه ففعلوا فلما أفاق قال لما فعلتم هذا قالوا ظننا أن بك ذات الجنب قال لم يكن الله ليسلطها علي ثم قال لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأن أنظر إلا عمي وكان العباس حاضرا ففعلوا
قال أسامة لما ثقل رسول الله هبطت أنا ومن معي إلى المدينة فدخلنا عليه وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها علي فعلمت انه يدعو لي قالت عائشة وكنت أسمع رسول الله يقول كثيرا إن الله لم يقبض نبيا حتى يخيره قالت فلما احتضر كان آخر كلمة سمعتها منه وهو يقول بل الرفيق الأعلى قالت قلت إذا والله لا يختارنا وعلمت أنه تخير ولما اشتد مرضه آذنه بلال بالصلاة فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت عائشة فقلت إنه رجل رقيق وإنه متى يقم مقامك لا يطيق ذلك فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس فقلت نثل ذلك فغضب وقال إنكم صواحبات يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس فتقدم أبو بكر فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله خفة فخرج بين رجلين فلما دنا من أبي بكر تأخر أبو بكر فأشار إليه أن قم مقامك فقعد رسول الله يصلي إلى جنب أبي بكر جالسا فكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي والناس يصلون بصلاة أبي بكر وصلى أبو بكر بالناس سبعة عشر صلاة وقيل ثلاثة أيام ثم إن رسول الله خرج في اليوم الذي توفي فيه إلى الناس في صلاة الصبح فكاد الناس يفتتنون في صلاتهم فرحا برسول الله وتبسم رسول الله فرحا لما رأى من هيئتهم في الصلاة ثم رجع وانصرف الناس وهم يظنون أن رسول الله قد أفاق من وجعه ورجع أبو بكر إلى منزله بالسنح
قالت عائشة رأيت رسول الله وهو يموت وعنده قدح فيه ماء يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول اللهم أعني على سكرات الموت قال ثم دخل بعض آل أبي بكر وفقي يده سواك فنظر إليه نظرا عرفت أنه يريده فأخذته فلينته ثم ناولته إياه فاستن به كأشد ما رأيته يستن بسواك قبله ثم وضعه ثم ثقل في حجري قالت فذهبت أنظر في وجهه وإذا بصره قد شخص وهو يقول بل الرفيق الأعلى فقبض قالت توفي وهو بين سحري ونحري فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله قبض في حجري فوضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي
ولما اشتد برسول الله وجعه ونزل به الموت جعل يأخذ الماء بيده ويجعله على وجهه ويقول واكرباه فتقول فاطمة واكربي لكربتك يا أبتي فيقول رسول الله لا كرب على أبيك بعد اليوم فلما رأى شدة جزعها استدناها وسارها فبكت ثم سارها الثانية فضحكت فلما توفي رسول الله سألتها عائشة عن ذلك قال أخبرني انه ميت فبكيت ثم اخبرني أني أول أهله لحوقا به فضحكت وروي عنها أنها قالت ثم سارني الثاني وأخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة فضحكت وكان موته يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ودفن من الغد نصف النهار وقيل مات نصف النهار يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول
ولما توفي كان أبو بكر بمنزله بالسنح وعمر حاضر فلما توفي قام عمر فقال إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي وإنه والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا انه مات وأقبل أبو بكر وعمر يكلم الناس ولم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله وهو مسجى في ناحية البيت عليه بردة حبرة فكشف عن وجهه ثم قبله وقال بابي أنت وأمي طيب حيا وميتا أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها ثم رد الثوب على وجهه ثم خرج وعمر يكلم الناس فأمره بالسكوت فأبى إلا أن يتكلم فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا هذه الآية وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين قال فوالله لكأن الناس ما سمعوها غلا منه قال عمر فوالله ما هو إلا إذا سمعتها فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي وقد علمت أن رسول الله قد مات
ولما توفي رسول الله ووصل خبره إلى مكة وعامله عليها عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية استخفى عتاب وارتجت مكة وكاد أهلها يرتدون فقام سهيل بن عمر وعلى باب الكعبة وصاح بهم فاجتمعوا إليه فقال يا أهل مكة لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد والله ليتمن الله هذا الأمر كما ذكر رسول الله فلقد رأيته قائما مقامي هذا وحده وهو يقول قولوا معي لا إله إلا الله تدين لكم العرب وتؤدي إليكم العجم الجزية والله لتنفقن كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله فمن بين مستهزئ ومصدق فكان ما رأيتم والله ليكونن الباقي فامتنع الناس من الردة وهذا المقام الذي قاله رسول الله لما أسر سهيل بن عمرو في بدر لعمر بن الخطاب وقد ذكر هناك
| حديث السقيفة وخلافة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه
لما توفي رسول الله اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح فقال ما هذا فقالوا منا أمير ومنكم أمير فقال أبو بكر منا الأمراء ومنكم الوزراء ثم قال أبو بكر قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر وأبا عبيدة أمين هذه الأمة فقال عمر أيكم يطيب نفسا أن يخلف قدمين قدمهما النبي فبايعه عمر وبايعه الناس فقالت الأنصار أو بعض الأنصار لا نبايع إلا عليا قال وتخلف علي وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة وقال الزبير لا أغمد سيفا حتى يبايع علي فقال عمر خذوا سيفه واضربوا به الحجر ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة وقيل لما سمع علي بيعة أبي بكر خرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلا حتى بايعه ثم استدعى إزاره ورداءه فتجلله والصحيح أن أمير المؤمنين ما بايع إلا بعد ستة أشهر والله أعلم وقيل لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من أموركم أين المستضعفان أين الأذلان علي والعباس ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ثم قال لعلي أبسط يدك أبايعك فوالله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجلا فأبى علي عليه السلام عليه فتمثل بشعر المتلمس
( ولن يقيم على خسف يراد به % إلا الأذلان غير الحي والوتد )
( هذا على الخسف مربوط برمته % وذا يشج فلا يبكي له أحد )
فزجره علي وقال والله إنك ما أردت بهذا إلا الفتنة وإنك والله طالما بغيت للإسلام شرا لا حاجة لنا في نصيحتك
وقال ابن عباس كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف القرآن فحج عمر وحججنا معه فقال لي عبد الرحمن شهدت أمير المؤمنين اليوم بمنى وقال له رجل سمعت فلانا يقول لو مات عمر لبايعت فلانا فقال عمر إني لقائم العشية في الناس أحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا الناس أمرهم قال فقلت يا أمير المؤمنين إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وهم الذين يغلبون على مجلسك وأخاف أن تقول مقالة لا يعوها ولا يحفظوها ولا يضعوها على مواضعها ويطيروا بها كل مطير ولكن أمهل حتى تقدم المدينة وتخلص بأصحاب رسول الله فتقول ما قلت متمكنا فيعوا مقالتك فقال والله لأقومن بها أول مقام أقومه بالمدينة قال
فلما قدمت المدينة هجرت يوم الجمعة لحديث عبد الرحمن فلما جلس عمر على المنبر حمد الله وأثنى عليه ثم قال بعد أن ذكر الرجم وما نسخ من القرآن فيه إنه بلغني أن قائلا منكم يقول لو مات أمير المؤمنين بايعت فلانا فلا يغرن امرءا أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فقد كانت كذلك ولك الله وقى شرها وليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر وإنه كان خيرنا حين توفي رسول الله وإن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة وتخلف عنا الأنصار بأسرها واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار فانطلقنا نحوهم فلقينا رجلان صالحان من الأنصار أحدهما عويم بن ساعدة والثاني معن بن عدي وكانا شهدا بدرا فقالا لنا ارجعوا اقضوا أمركم بينكم فقلنا والله لنأتينهم قال فأتينا الأنصار وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة وبين أظهرهم رجل مزمل قلت من هذا قالوا سعد بن عبادة فقلت ما شأنه قالوا وجع فقام رجل منهم فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر قريش رهط بيننا وقد دفت إلينا دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يغصبونا الأمر
فلما سكت وكنت قد زورت في نفسي مقالة أقولها بين يدي أبي بكر فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر على رسلك فكرهت أن أعصيه فقام فحمد الله وما ترك شيئا كنت زورت في نفسي إلا جاء به أو بأحسن منه وقال يا معشر الأنصار إنكم لا تذكرون فضلا إلا أنتم له أهل وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش هم أوسط العرب دارا أو نسبا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وإني والله ما كرهت من كلامه كلمة غيرها إن كنت أقدم فتضرب عنقي فيما لا يقربني إلى إثم أحب إلي من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر
فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل فقال أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير وارتفعت الأصوات وكثر اللغط فلما خفت الاختلاف قلت لأبي بكر ابسط يدك أبايعك فبسط يده فبايعته وبايعه الناس ثم نزونا على سعد بن عبادة فقال قائلهم قتلتم سعدا فقلت قتل الله سعدا وإنا والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من بيعة أبي بكر خشيت إن فارقت القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى به وإما أن نخالفهم فيكون فسادا
وقال أبو عمرة الأنصاري لما قبض النبي اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة وأخرجوا سعد بن عبادة ليولوه الأمر وكان مريضا فقال بعد أن حمد الله يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لأحد من العرب إن محمدا لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان فما آمن به إلا القليل ما كانوا يقدرون على منعه ولا على إعزاز دينه ولا على دفع ضيم حتى إذا أراد الله بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة ورزقكم الإيمان به وبرسوله والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه والجهاد لأعدائه فكنتم أشد الناس على عدوه حتى استقامت العرب لأمر الله طوعا وكرها وأعطى البعيد المقادة صاغرا فدانت لرسوله بأسيافكم العرب وتوفاه الله وهو عنكم راض وبكم قرير العين استبدوا بهذا الأمر دون الناس فإنه لكم دونهم فأجابوه بأجمعهم أن وفقت وأصبت الرأي ونحن نوليك هذا الأمر فإنك مقنع ورضا للمؤمنين
ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم فقالوا فإن أبى المهاجرون من قريش وقالوا نحن المهاجرون وأصحابه الأولون وعشيرته وأولياؤه فعلام تنازعوننا هذا الأمر بعده فقالت طائفة منهم فإنا نقول منا أمير ومنكم أمير ولن نرضى بدون هذا أبدا فقال سعد هذا أول الوهن وسمع عمر الخبر فأتى منزل النبي وأبو بكر فيه فأرسل إليه أن اخرج إلي فأرسل إليه إني مشتغل فقال عمر قد حدث أمر لا بد لك من حضوره فخرج إليه فأعلمه الخبر فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة قال عمر فأتيناهم وقد كنت زورت كلاما أقوله لهم فلما دنوت أقول أسكتني أبو بكر ويتكلم بكل ما أردت أن أقول فحمد الله وقال غن الله قد بعث فينا رسولا إلى خلقه وشهيدا على أمته ليعبدوه ويوحدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى من حجر وخشب فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والإيمان به والمواساة له والصبر معه على شدة أذى قومهم وتكذيبهم إياه وكل الناس لهم مخالف زأر عليهم فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنف الناس لهم فهو أول من عبد الله في هذه الأرض وآمن بالله وبالرسول وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده لا ينازعهم إلا ظالم وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم في الإسلام رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله وجعل إليكم هجرته وفيكم جلة أزواجه وأصحابه فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم فنحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تفاوتون بمشورة ولا تقضى دونكم الأمور
فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال يا معشر الأنصار أملكوا عليكم أمركم فإن الناس في ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولا يصدر الناس إلا عن رأيكم أنتم أهل العز والثروة وأولو العدد والمنعة وذوو البأس والنجدة وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وينتقض عليكم أمركم أبي هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنكم أمير
فقال عمر هيهات لا يجتمع اثنان في قرن والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبينا من غيركم ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم ولنا بذلك الحجة الظاهرة على من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته
فقال الحباب بن المنذر يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم ما سألتموه فأجلوهم عن هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان الناس لهذا الدين أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب أنا أبو شبل في عرينة الأسد والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة فقال عمر إذا ليقتلك الله فقال بل إياك يقتل
فقال أبو عبيدة يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من بدل وغير فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال يا معشر الأنصار إنا والله وإن كنا أولى فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا والكدح لنفسنا فما ينبغي أن نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغي به من الدنيا عرضا إلا أن محمدا من قريش وقومه أولى به وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم
فقال أبو بكر هذا عمر وهذا أبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا فقالا والله لا نتولى هذا الأمر عليك وأنت أفضل المهاجرين وخليفة رسول الله في الصلاة وهي أفضل دين المسلمين فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك أو يتولى هذا الأمر عليك ابسط يدك نبايعك فلما ذهبا يبايعانه سبقهما بشير بن سعد فبايعه فناداه الحباب بن المنذر عققت عقاقا ما أحوجك إلى ما صنعت أنفست على ابن عمك الإمارة فقال لا والله ولكني كرهت أن أنازع القوم حقا جعله الله لهم ولما رأت الأوس ما صنع بشير وما تطلب الخزرج من تأمير سعد قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير وكان نقيبا والله لئن وليتها الخزرج مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا فقوموا فبايعوا أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه فانكسر على سعد والخزرج ما أجمعوا عليه وأقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب ثم تحول سعد بن عبادة إلى داره فبقي أياما وأرسل إليه أن اقبل فبايعه فإن الناس قد بايعوا فقال لا والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبلي وأخضب سنان رمحي وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني ولو اجتمع معكم الجن والإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي فقال عمر لا تدعه حتى يبايع فقال بشير بن سعد إنه قد لج وأبى ولا يبايعكم حتى يقتل وليس بمقتول حتى يقتل معه أهله وطائفة من عشيرته فاتركوه ولا يضركم تركه وإنما هو رجل واحد فتركوه وجاءت أسلم فبايعت فقوي أبو بكر بهم وبايع الناس بعد
قيل إن عمرو بن حريث قال لسعيد بن زيد متى بويع أبو بكر قال يوم مات رسول الله كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة قال الزهري بقي علي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة رضي الله عنها فبايعوه فلما كان الغد من بيعة أبي بكر جلس على المنبر وبايعه الناس بيعة عامة ثم تكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه والقوي ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق إن شاء الله تعالى لا يدع أحد منكم الجهاد فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله
أسيد بن حضير بضم الهمزة وبالحاء المهملة المضمومة وبالضاد المعجمة وآخره راء
ذكر تجهيز النبي ودفنه
ص 194
فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله ودفن يوم الثلاثاء وقيل بقي ثلاثة أيام لم يدفن والأول أصح وكان الذي ولي غسله علي والعباس والفضل وقثم ابنا العباس وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله وحضرهم أوس بن خولي الأنصاري وكان بدريا وكان العباس وأبناه يقلبونه وأسامة وشقران يصبون الماء وعلي يغسله وعليه قميص وهو يقول بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيا وميتا ولم ير من رسول الله ما يرى من ميت واختلفوا في غسله في ثيابه أو مجردا فألقى الله عليهم النوم ثم كلمهم مكلم لا يدرى من هو أن غسلوا رسول الله وعليه ثيابه ففعلوا ذلك
وكفن رسول الله في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا واختلفوا في موضع دفنه فقال أبو بكر سمعت رسول الله يقول ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض فرفع فراشه ودفن موضعه وحفر أبو طلحة الأنصاري لحدا ودخل الناس يصلون عليه إرسالا الرجال ثم النساء ثم الصبيان ثم العبيد ودفن ليلة الأربعاء وكان الذي نزل قبره علي بن أبي طالب والفضل وقثم ابنا العباس وشقران وقال أوس بن خولي الأنصاري لعلي أنشدك الله وحظنا من رسول الله فأمره بالنزول فنزل وكان المغيرة بن شعبة يدعي أنه أحدث الناس عهدا برسول الله ويقول ألقيت خاتمي في قبره عمدا فنزلت لآخذها وسأل ناس من أهل العراق عليا عن ذلك فقال كذب المغيرة أحدثنا عهدا به قثم بن العباس واختلفوا في عمره يوم مات فقال ابن عباس وعائشة ومعاوية وابن المسيب كان عمره ثلاثا وستين سنة وقال ابن عباس أيضا ودغفل بن حنظلة كان عمره خمسا وستين سنة وقال عروة بن الزبير كان عمره ستين سنة
| الخلفاء الراشدين
| خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
| سنة 11 ه 13 ه
ذكر إنفاذ جيش أسامة بن زيد
ص 198
قد ذكرنا استعمال النبي أسامة بن زيد على جيش وأمره بالتوجه إلى الشام وكان قد ضرب البعث على أهل المدينة ومن حولها وفيهم عمر بن الخطاب فتوفي النبي ولم يسر الجيش وارتدت العرب إما عامة أو خاصة من كل قبيلة وظهر النفاق واشرأبت يهود والنصرانية وبقي المسلمون كالغنم في الليلة المطيرة لفقد نبيهم وقلتهم وكثرة عدوهم فقال الناس لأبي بكر إن هؤلاء يعنون جيش أسامة جند المسلمين والعرب على ما ترى قد انتقضت بك فلا ينبغي أن تفرق جماعة المسلمين عنك
فقال أبو بكر والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تختطفني لأنفذت جيش أسامة كما أمر النبي فخاطب الناس وأمرهم بالتجهز للغزو وأن يخرج كل من هو من جيش أسامة إلى معسكره بالجرف فخرجوا كما أمرهم وحبس أبو بكر من بقي من تلك القبائل التي كانت لهم الهجرة في ديارهم فصاروا مسايح حول قبائلهم وهم قليل
فلما خرج الجيش إلى معسكرهم بالجرف وتكاملوا أرسل أسامة عمر بن الخطاب وكان معه في جيشه إلى أبي بكر يستأذنه أن يخرج بالناس وقال إن معي وجوه الناس وجلتهم ولا آمن على خليفة رسول الله وحرم رسول الله والمسلمين أن يتخطفهم المشركون وقال من مع أسامة من الأنصار لعمر بن الخطاب إن أبا بكر خليفة رسول الله ألا فامض فأبلغه عنا واطلب إليه أن يولي أمرنا أقدم سنا من أسامة
فخرج عمر بأمر أسامة إلى أبي بكر فأخبره بما قال أسامة فقال لو خطفتني الكلاب والذئاب لأنفذته كما أمر به رسول الله ولا أرد قضاء قضى به رسول الله ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته
قال عمر فإن الأنصار تطلب رجلا أقدم سنا من أسامة
فوثب أبو بكر وكان جالسا وأخذ بلحية عمر وقال ثكلتك أمك يا بن الخطاب استعمله رسول الله وتأمرني أن أعزله ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم وأشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب فقال له أسامة يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن فقال والله لا نزلت ولا أركب وما علي أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له وسبعمائة درجة ترفع له وسبعمائة سيئة تمحى عنه
فلما أراد أن يرجع قال لأسامة إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل فإذن له ثم وصاهم فقال لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ولا تقعروا نخلا وتحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها شيئا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيف خفقا اندفعوا باسم الله أقناكم الله بالطعن والطاعون وأوصى أسامة أن يفعل ما أمر به رسول الله فسار وأوقع بقبائل من ناس قضاعة التي ارتدت وغنم وعاد وكانت غيبته أربعين يوما وقيل سبعين يوما وكان إنفاذ جيش أسامة أعظم الأمور نفعا للمسلمين فإن العرب قالوا لو لم يكن بهم قوة لما أرسلوا هذا الجيش فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوه
ذكر أخبار الأسود العنسي باليمن
ص 200
واسمه عيهلة بن كعب بن عوف العنسي بالنون وعنس بطن من مذحج وكان يلقب ذا الخمار لأنه معتما متخمرا أبدا وكان النبي قد جمع لباذان حين أسلم وأسلم أهل اليمن عمل اليمن جميعه وأمره على جميع مخاليفه فلم يزل عاملا عليه حتى مات فلما مات باذان فرق رسول الله أمراءه في اليمن فاستعمل عمرو بن حزم على نجران وخالد بن سعيد بن العاص على ما بين نجران وزبيد وعامر بن شهر على همدان وعلى صنعاء شهر بن بادان وعلى عك والأشعريين الطاهر بن أبي هالة وعلى مأرب أبا موسى وعلى الجند يعلى بن أمية وكان معاذ معلما يتنقل في عمالة كل عامل باليمن وحضرموت واستعمل على أعمال حضرموت زياد بن لبيد الأنصاري وعلى السكاسك والسكون عكاشة بن ثور وعلى بني معاوية بن كندة عبد الله أو المهاجر فاشتكى رسول الله فلم يذهب حتى وجهه أبو بكر فمات رسول الله وهؤلاء عماله على اليمن وحضرموت
وكان أول من اعترض الأسود الكاذب شهر وفيروز وداذويه وكان الأسود العنسي لما عاد رسول الله من حجة الوداع وتمرض من السفر غير مرض موته بلغه ذلك فادعى النبوة وكان مشعبذا يريهم الأعاجيب فاتبعته مذحج وكانت ردة الأسود أول ردة في الإسلام على عهد رسول الله وغزا نجران فأخرج عنها عمرو بن حزم وخالد بن سعيد ووثب قيس بن عبد يغوث بن مكشوح على فروة بني مسيك وهو على مراد فأجلاه ونزل منزله وسار الأسود عن نجران إلى صنعاء وخرج إليه شهر بن باذان فلقيه فقتل شهر لخمس وعشرين ليلة من خروج الأسود وخرج معاذ هاربا حتى لحق بأبي موسى وهو بمأرب فلحقا بحضرموت ولحق بفروة من تم على إسلامه من مذحج واستتب للأسود ملك اليمن ولحق أمراء اليمن إلى الطاهر بن أبي هالة إلا عمرا وخالدا فإنهما رجعا إلى المدينة والطاهر يومئذ بجبال عك وجبال صنعاء وغلب الأسود على ما بين مفازة حضرموت إلى الطائف إلى البحرين والأحساء إلى عدن واستطار أمره كالحريق وكان معه سبعمائة فارس يوم لقي شهرا سوى الركبان واستغلظ أمره وكان خليفته في مذحج عمرو بن معد يكرب وكان خليفته على جنده قيس بن عبد يغوث وأمر الأبناء إلى فيروز وداذويه وكان الأسود تزوج امرأة شهر بن باذان بعد قتله وهي ابنة عم فيروز وخاف من بحضرموت من المسلمين أن يبعث إليهم جيشا أو يظهر بها كذاب مثل الأسود فتزوج معاذ إلى السكون فعطفوا عليه
وجاء إليهم وإلى من باليمن من المسلمين كتاب النبي يأمرهم بقتال الأسود فقام معاذ في ذلك وقويت نفوس المسلمين وكان الذي قدم بكتاب النبي وبر بن يحنس الأزدي قال جشنس الديلمي فجاءتنا كتب النبي يأمرنا بقتاله إما مصادمة أو غيلة يعني إليه وإلى فيروز وداذويه وأن نكاتب من عنده دين فعملنا في ذلك فرأينا أمرا كثيفا وكان قد تغير لقيس بن عبد يغوث فقلنا إن قيسا يخاف على دمه فهو لأول دعوة فدعوناه وأبلغناه عن النبي فكأنما نزلنا عليه من السماء فأجابنا وكاتبنا الناس فأخبره الشيطان شيئا من ذلك فدعا قيسا أن شيطانه يأمره بقتله لميله إلى عدوه فحلف قيس لأنت أعظم في نفسي من أن أحدث نفسي بذلك
ثم أتانا فقال يا جشنس ويا فيروز ويا داذويه فأخبرنا بقول الأسود فبينا نحن معه يحدثنا إذا أرسل إلينا الأسود فتهددنا فاعتذرنا إليه ونجونا منه ولم نكد وهو مرتاب بنا ونحن نحذره فبينا نحن على ذلك إذ جاءتنا كتب عامر بن شهر وذي زود وذي مران وذي الكلاع وذي ظلم يبذلون لنا النصر فكاتبناهم وأمرناهم أن لا يفعلوا شيئا حتى نبرم أمرنا وإنما اهتاجوا لذلك حين كاتبهم النبي وكتب أيضا إلى أهل نجران فأجابوه وبلغ ذلك الأسود وأحس بالهلاك قال فدخلت على آزاد وهي امرأته التي تزوجها بعد قتل زوجها شهر بن باذان فدعوتها إلى ما نحن عليه وذكرتها قتل زوجها شهر وإهلاك عشيرتها وفضيحة النساء فأجابت وقالت والله ما خلق الله شخصا أبغض إلي منه ما يقوم لله على حق ولا ينتهي عن محرم فأعلموني أمركم أخبركم بوجه الأمر قال فخرجت وأخبرت فيروز وداذويه وقيسا قال وإذ قد جاء رجل فدعا قيسا إلى الأسود فدخل في عشرة من مذحج وهمدان فلم يقدر على قتله معهم وقال له ألم أخبرك الحق وتخبرني الكذب إنه يعني شيطانه يقول لي إن لا تقطع من قيس يده يقطع رقبتك
فقال قيس إنه ليس من الحق أن أهلك وأنت رسول الله فمرني بما أحببت أو اقتلني فموتة أهون من موتات فرق له وتركه وخرج قيس فمر بنا وقال اعملوا عملكم ولم يقعد عندنا فخرج علينا الأسود في جمع فقمنا له وبالباب مائة ما بين بقرة وبعير فنحرها ثم خلاها ثم قال أحق ما بلغني عنك يا فيروز وبوأ له الحربة لقد هممت أن أنحرك فقال لقد اخترتنا لصهرك وفضلتنا على الأبناء فلو لم تكن نبيا لما بعنا نصيبنا منك بشيء فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر الدنيا والآخرة
فقال له اقسم هذه فقسمها ولحق به وهو يسمع سعاية رجل بفيروز وهو يقول له أنا قاتله غدا وأصحابه ثم التفت فإذا فيروز فأخبره بقسمتها ودخل الأسود ورجع فيروز فأخبرنا الخبر فأرسلنا إلى قيس فجاءنا فاجتمعنا على أن أعود إلى المرأة فأخبرها بعزيمتنا ونأخذ رأيها فأتيتها فأخبرتها فقالت هو متحرز وليس من القصر شيء إلا والحرس محيطون به غير هذا البيت فإن ظهره إلى مكان كذا وكذا فإذا أمسيتم فانقبوا عليه فإنكم من دون الحرس وليس دون قتله شيء وستجدون فيه سراجا وسلاحا
فتلقاني الأسود خارجا من بعض منازله فقال ما أدخلك علي ووجأ رأسي حتى سقطت وكان شديدا فصاحت المرأة فأدهشته عني ولولا ذلك لقتلني وقال جاءني ابن عمي زائرا ففعلت به هذا فتركني فأتيت أصحابي فقلت النجاء الهرب وأخبرتهم الخبر فإنا على ذلك حيارى إذ جاءنا رسولها يقول لا تدعن ما فارقتك عليه فلم أزل به حتى اطمأن فقلنا لفيروز ائتها فتثبت منها ففعل فلما أخبرته قال ننقب على بيوت مبطنة فدخل فاقتلع البطانة وجلس عندها كالزائر فدخل عليها الأسود فأخذته غيرة فأخبرته برضاع وقرابة منها محرم فأخرجه فلما أمسينا عملنا في أمرنا وأعلمنا أشياعنا وعجلنا عن مراسلة الهمدانيين والحميريين فنقبنا البيت من خارج ودخلنا وفيه سراج تحت جفنة واتقينا بفيروز كان أشدنا فقلنا انظر ماذا ترى فخرج ونحن بينه وبين الحرس معه في مقصورة فلما دنا من باب البيت سمع غطيطا شديدا والمرأة قاعدة فلما قام على باب أجلسه الشيطان وتكلم على لسانه وقال ما لي ولك يا فيروز فخشي إن رجع أن يهلك وتهلك المرأة فعاجله وخالطه وهو مثل الجمل فأخذ برأسه فقتله ودق عنقه ووضع ركبته في ظهره فدقه ثم قام ليخرج فأخذت المرأة بثوبه وهي ترى أنه لم يقتله فقال قد قتلته وأرحتك منه وخرج فأخبرنا فدخلنا معه فخار كما يخور الثور فقطعت رأسه بالشفرة وابتدر الحرس المقصورة يقولون ما هذا
فقالت المرأة النبي يوحى إليه فخمدوا وقعدنا نأتمر بيننا فيروز وداذويه وقيس كيف نخبر أشياعنا فاجتمعنا على النداء فلما طلع الفجر نادينا بشعارنا الذي بيننا وبين أصحابنا ففزع المسلمون والكافرون ثم نادينا بالأذان فقلت أشهد أن محمدا رسول الله وأن عيهلة كذاب وألقينا إليهم رأسه وأحاط بنا أصحابه وحرسه وشنوا الغارة وأخذوا صبيانا كثيرة وانتهبوا فنادينا أهل صنعاء من عنده منهم فأمسكه ففعلوا فلما خرج أصحابه فقدوا سبعين رجلا فراسلونا وراسلناهم على أن يتركوا لنا ما في أيديهم ونترك ما في أيدينا ففعلنا ولم يظفروا منا بشيء وترددوا فيما بين صنعاء ونجران وتراجع أصحاب النبي إلى أعمالهم وكان يصلي بنا معاذ بن جبل وكتبنا إلى رسول الله بخبره وذلك في حياته وأتاه الخبر من ليلته وقدمت رسلنا وقد توفي رسول الله فأجابنا أبو بكر قال ابن عمر أتى الخبر من السماء إلى النبي في ليلته التي قتل فيها فقال قتل العنسي قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين قيل من قتله قال قتله فيروز $ قيل كان أول أمر العنسي إلى آخره ثلاثة أشهر وقيل قريب من أربعة أشهر وكان قدوم البشير بقتله في آخر ربيع الأول بعد موت النبي فكان أول بشارة أتت أبا بكر وهو بالمدينة قال فيروز لما قتلنا الأسود عاد أمرنا كما كان وأرسلنا إلى معاذ بن جبل فصلى بنا ونحن راجون مؤملون لم يبق شيء نكرهه إلا تلك الخيول من أصحاب الأسود فأتى موت النبي فانتقضت الأمور واضطربت الأرض
العنسي بالعين والنون
وفي هذه السنة ماتت فاطمة بنت النبي ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان وهي ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها وقيل توفيت بعد النبي بثلاثة أشهر وقيل بستة أشهر وغسلها علي وأسماء بنت عميس وصلى عليها العباس بن عبد المطلب ودخل قبرها العباس وعلي والفضل بن العباس
وفيها توفي عبد الله بن أبي بكر الصديق وكان أصابه سهم بالطائف وهو مع النبي رماه به أبو محجن ودمل الجرح ثم انتقض عليه فمات في شوال وفي هذا العام الذي بويع فيه أبو بكر ملك يزدجرد بلاد فارس وفيه أعني سنة إحدى عشرة اشترى عمر بن الخطاب مولاه أسلم بمكة من ناس من الأشعريين
ذكر أخبار الردة
ص 204
قال عبد الله بن مسعود لقد قمنا بعد رسول الله مقاما كدنا نهلك فيه لولا أن الله من علينا بأبي بكر أجمعنا على أن لا نقاتل على ابنة مخاض وابنة لبون وأن نأكل قرى عربية ونعبد الله حتى يأتينا اليقين فعزم الله لأبي بكر على قتالهم فوالله ما رضي منهم إلا بالخطة المخزية أو الحرب المجلية فأما الخطة المخزية فأن يقروا بأن من قتل منهم في النار ومن قتل منا في الجنة وأن يدوا قتلانا ونغنم ما أخذنا منهم وأن ما أخذوا منا مردود علينا وأما الحرب المجلية فأن يخرجوا من ديارهم
وأما أخبار الردة فإنه لما مات النبي وسير أبو بكر جيش أسامة ارتدت العرب وتضرمت الأرض نارا وارتدت كل قبيلة عامة أو خاصة إلا قريشا وثقيفا واستغلظ أمر مسيلمة وطليحة واجتمع على طليحة عوام طيئ وأسد وارتدت غطفان تبعا لعيينة بن حصن فإنه قال نبي من الحليفين يعني أسدا وغطفان أحب إلينا من نبي من قريش وقد مات محمد وطليحة حي فاتبعه وتبعته غطفان وقدمت رسل النبي من اليمامة وأسد وغيرهما وقد مات فدفعوا كتبهم لأبي بكر وأخبروه الخبر عن مسيلمة وطليحة فقال لا تبرحوا حتى تجيء رسل أمرائكم وغيرهم بأدهى مما وصفتم فكان كذلك وقدمت كتب أمراء النبي من كل مكان بانتقاض العرب عامة وخاصة وتسلطهم على المسلمين
فحاربهم أبو بكر بما كان رسول الله يحاربهم بالرسل فرد رسلهم بأمره واتبع رسلهم رسلا وانتظر بمصادمتهم قدوم أسامة فكان عمال رسول الله على قضاعة وكلب امرؤ القيس بن الأصبغ الكلبي وعلى القين عمرو بن الحكم وعلى سعد هذيم معاوية الوالبي فارتد وديعة الكلبي فيمن تبعه وبقي امرؤ القيس على دينه وارتد زميل بن قطبة القيني وبقي عمرو وارتد معاوية فيمن اتبعه من سعد هذيم فكتب أبو بكر إلى امرئ القيس وهو جد سكينة بنت الحسين فسار بوديعة إلى عمرو فأقام لزميل والي معاوية العذري وتوسطت خيل أسامة ببلاد قضاعة فشن الغارة فيهم فغنموا وعادوا سالمين
ذكر خبر طليحة الأسدي
ص 205
وكان طليحة بن خويلد الأسدي من بني أسد بن خزيمة قد تنبأ في حياة رسول الله فوجه إليه النبي ضرار بن الأزور عاملا على بني أسد وأمرهم بالقيام على من ارتد فضعف أمر طليحة حتى لم يبق إلا أخذه فضربه بسيف فلم يصنع فيه شيئا فظهر بين الناس أن السلاح لا يعمل فيه فكثر جمعه ومات النبي وهم على ذلك فكان طليحة يقول إن جبريل يأتيني وسجع للناس الأكاذيب وكان يأمرهم بترك السجود في الصلاة ويقول إن الله لا يصنع بتعفر وجوهكم وتقبح أدباركم شيئا اذكروا الله اعبدوه قياما إلى غير ذلك
وتبعه كثير من العرب عصبية فلهذا كان أكثر أتباعه من أسد وغطفان وطيئ فسارت فزارة وغطفان إلى جنوب طيبة وأقامت طيئ على حدود أراضيهم وأسد بسميراء واجتمعت عبس وثعلبة بن سعد ومرة بالأبرق من الربذة واجتمع إليهم ناس من بني كنانة فلم تحملهم البلاد فافترقوا فرقتين أقامت فرقة بالأبرق وسارت فرقة إلى ذي القصة وأمدهم طليحة بأخيه حبال فكان عليهم وعلى من معهم من الدئل وليث ومدلج وأرسلوا إلى المدينة يبذلون الصلاة ويمنعون الزكاة
فقال أبو بكر والله لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه وكان عقل الصدقة على أهل الصدقة مع الصدقة وردهم فرجع وفدهم فأخبروهم بقلة من في المدينة وأطمعوهم فيها وجعل أبو بكر بعد مسير الوفد على أنقاب المدينة عليا وطلحة والزبير وابن مسعود وألزم أهل المدينة بحضور المسجد خوف الغارة من العدو لقربهم فما لبثوا إلا ثلاثا حتى طرقوا المدينة غارة مع الليل وخلفوا بعضهم بذي حسي ليكونوا لهم رداءا فوافوا ليلا الأنقاب وعليها المقاتلة فمنعوهم وأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر فأرسل إليهم أبو بكر أن الزموا أماكنكم ففعلوا فخرج في أهل المسجد
على النواضح فردوا العدو واتبعوهم حتى إذا بلغوا حسي فخرج عليهم الردء بأنحاء قد نفخوها وجعلوا فيها الحبال ثم دهدهوها بأرجلهم على الأرض فنفرت إبل المسلمين وهم عليها ولا تنفر من شيء نفارها من الأنحاء ورجعت بهم إلى المدينة ولم يصرع مسلم ولم يصب
وظن الكفار بالمسلمين الوهن وبعثوا إلى أهل ذي القصة بالخبر فقدموا عليهم وبات أبو بكر ليلته يتهيأ يعبي الناس وخرج على تعبئة يمشي وعلى ميمنته النعمان بن مقرن وعلى مسيرته عبد الله بن مقرن وعلى أهل الساقة سويد بن مقرن معه الركائب فما طلع الفجر إلا وهم والعدو على صعيد واحد فما شعروا بالمسلمين حتى وضعوا فيهم السيوف فما ذر قرن الشمس حتى ولوهم الأدبار وغلبوهم على عامة ظهرهم وقتل رجال واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة وكان أول الفتح ووضع بها النعمان بن مقرن في عدد ورجع إلى المدينة فذل له المشركون
فوثب بنو عبس وذبيان على من فيهم من المسلمين فقتلوهم كل قتلة وفعل من وراءهم فعلهم فحلف أبو بكر ليقتلن في المشركين بمن قتلوا من المسلمين وزيادة وازداد المسلمون قوة وثباتا على دينهم في كل قبيلة وازداد لها المشركون انعكاسا من أمرهم في كل قبيلة وطرقت المدينة صدقات نفر كانوا على صدقة الناس منهم صفوان والزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم وذلك لتمام ستين يوما من مخرج أسامة وقدم أسامة بعد ذلك بأيام وقيل كانت غزوته وعوده في أربعين يوما فلما قدم أسامة استخلفه أبو بكر على المدينة وجنده معه ليستريحوا ويريحوا ظهرهم ثم خرج فيمن كان معه فناشده المسلمون ليقيم فأبى وقال لأواسينكم بنفسي وسار إلى ذي حسي وذي القصة حتى نزل بالأبرق فقاتل من به فهزم الله المشركين وأخذ الحطيئة أسيرا فطارت عبس وبنو بكر وأقام أبو بكر بالأبرق أياما وغلب على بني ذبيان وبلادهم وحماها لدواب المسلمين وصدقاتهم ولما انهزمت عبس وذبيان رجعوا إلى طليحة وهو ببزاخة وكان رحل من سميراء إليها فأقام عليها وعاد أبو بكر إلى المدينة
فلما استراح أسامة وجنده وكان قد جاءهم صدقات كثيرة تفضل عليهم قطع أبو بكر البعوث وعقد الألوية فعقد أحد عشر لواء عقد لواء لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له وعقد لعكرمة بن أبي جهل وأمره بمسيلمة وعقد للمهاجر بن أبي أمية وأمره بجنود العنسي ومعونة الأبناء على قيس بن مكشوح ومن أعانه من أهل اليمن عليهم ثم يمضي إلى كندة بحضرموت وعقد لخالد بن سعيد وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشام وعقد لعمرو بن العاص وأرسله إلى قضاعة وعقد لحذيفة بن محصن الغلفاني وأمره بأهل دبا وعقد لعرفجة بن هرثمة وأمره بمهرة وأمرهما أن يجتمعا وكل واحد منهما على صاحبه في عمله وبعث شرحبيل بن حسنة في أثر عكرمة بن أبي جهل وقال إذا فرغ من اليمامة فالحق بقضاعة وأنت على خيلك تقاتل أهل الردة وعقد لمعن بن جابر وأمره ببني سليم ومن معهم من هوازن وعقد لسويد بن مقرن وأمره بتهامة باليمن وعقد للعلاء بن الحضرمي وأمره بالبحرين ففصلت الأمراء من ذي القصة ولحق بكل أمير جنده وعهد إلى كل أمير وكتب إلى جميع المرتدين نسخة واحدة يأمرهم بمراجعة الإسلام ويحذرهم وسير الكتب إليهم مع رسله
ولما انهزمت عبس وذبيان ورجعوا إلى طليحة ببزاخة أرسل إلى جديلة والغوث من طيئ يأمرهم باللحاق به فتعجل إليه بعضهم وأمروا قومهم باللحاق بهم فقدموا على طليحة وكان أبو بكر بعث عدي بن حاتم قبل خالد إلى طيئ واتبعه خالدا وأمره أن يبدأ بطيئ ومنهم يسير إلى بزاخة ثم يثلث بالبطاح ولا يبرح إذا فرغ من قوم حتى يأذن له وأظهر أبو بكر للناس أنه خارج إلى خيبر بجيش حتى يلاقي خالدا يرهب العدو بذلك وقدم عدي على طيئ فدعاهم وخوفهم فأجابوه وقالوا له استقبل الجيش فأخره عنا حتى نستخرج من عند طليحة منا لئلا يقتلهم فاستقبل عدي خالدا وهو بالسنح وأخبره بالخبر فتأخر خالد وأرسلت طيئ إلى إخوانهم عند طليحة فلحقوا بهم فعادت طيئ إلى خالد بإسلامهم ورحل خالد يريد جديلة فاستمهله عدي عنهم ولحق بهم عدي يدعوهم إلى الإسلام فأجابوه فعاد إلى خالد بإسلامهم ولحق بالمسلمين ألف راكب منهم وكان خير مولود ولد في أرض طيئ وأعظمه بركة عليهم
وأرسل خالد بن الوليد عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم الأنصاري طليعة فلقيهما حبال أخو طليحة فقتلاه فبلغ خبره طليحة فخرج هو وأخوه سلمة فقتل طليحة عكاشة وقتل أخوه ثابتا ورجعا وأقبل خالد بالناس فرأوا عكاشة وثابتا قتيلين فجزع لذلك المسلمون وانصرف بهم خالد نحو طيئ فقال له طيئ نحن نكفيك قيسا فإن بني أسد حلفاؤنا فقال قاتلوا أي الطائفتين شئتم فقال عدي بن حاتم لو نزل هذا على الذين هم أسرتي الأدنى فالأدنى لجاهدتهم عليه والله لا أمتنع عن جهاد بني أسد لحلفهم فقال له خالد إن جهاد الفريقين جهاد لا تخالف رأي أصحابك وامض بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط ثم تعبئ لقتالهم ثم سار حتى التقيا على بزاخة وبنو عامر قريبا يتربصون على من تكون الدائرة قال فاقتتل الناس على بزاخة وكان عيينة بن حصن مع طليحة في سبعمائة من بني فزارة فقاتلوا قتالا شديدا وطليحة متلفف في كسائه يتنبأ لهم فلما اشتدت الحرب كر عيينة على طليحة وقال له هل جاءك جبريل بعد قال لا فرجع فقاتل ثم كر على طليحة فقال له لا أبالك أجاءك جبريل قال لا فقال عيينة حتى متى قد والله بلغ منا
ثم رجع فقاتل قتالا شديدا ثم كر على طليحة فقال هل جاءك جبريل قال نعم قال فماذا قال لك قال قال لي إن لك رحى كرحاه وحديثا لا تنساه فقال عيينة قد علم الله أنه سيكون حديث لا ننساه انصرفوا يا بني فزارة فإنه كذاب فانصرفوا وانهزم الناس وكان طليحة قد أعد فرسه وراحلته لامرأته النوار فلما غشوه ركب فرسه وحمل امرأته ثم نجا بها وقال يا معشر فزارة من استطاع أن يفعل هكذا وينجو بامرأته فليفعل
ثم انهزم فلحق بالشام ثم نزل على كلب فأسلم حين بلغه أن أسدا وغطفان قد أسلموا ولم يزل مقيما في كلب حتى مات أبو بكر وكان خرج معتمرا في إمارة أبي بكر ومر بجنبات المدينة فقيل لأبي بكر هذا طليحة فقال ما أصنع به قد أسلم
ثم أتى عمر فبايعه حين استخلف فقال له أنت قاتل عكاشة وثابت والله لا أحبك أبدا فقال يا أمير المؤمنين ما يهمك من رجلين أكرمهما الله بيدي ولم يهني بأيديهما فبايعه عمر وقال له يا خدع ما بقي من كهانتك فقال نفخة أو نفختان بالكير ثم رجع إلى قومه فأقام عندهم حتى خرج إلى العراق
ولما انهزم الناس عن طليحة أسر عيينة بن حصن فقدم به على أبي بكر فكان صبيان المدينة يقولون له وهو مكتوف يا عدو الله أكفرت بعد إيمانك فيقول والله ما آمنت بالله طرفة عين فتجاوز عنه أبو بكر وحقن دمه وأخذ من أصحاب طليحة رجلا كان عالما به فسأله خالد عما كان يقول فقال إن مما أتى به والحمام واليمان والصرد الصوام وقد صمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق والشام قال ولم يؤخذ منهم سبي لأنهم كانوا قد أحرزوا حريمهم فلما انهزموا أقروا بالإسلام خشية على عيالاتهم فأمنهم
حبال بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وبعد الألف لام وذو القصة بفتح القاف والصاد المهملة وذو حسى بضم الحاء المهملة والسين المهملة المفتوحة ودبا بفتح الدال المهملة وبالباء الموحدة وبزاخة بضم الباء الموحدة وبالزاي والخاء المعجمة
ذكر ردة بني عامر وهوازن وسليم
ص 209
وكانت بنو عامر تقدم إلى الردة رجلا وتؤخر أخرى وتنظر ما تصنع أسد وغطفان فلما أحيط بهم وبنو عامر على قادتهم وسادتهم كان قرة بن هبيرة في كعب ومن لافها وكان أسلم ثم ارتد في زمن النبي ولحق بالشام بعد فتح الطائف فلما توفي النبي أقبل مسرعا حتى عسكر في بني كعب فبلغ ذلك أبا بكر فبعث إليه سرية عليها القعقاع بن عمرو وقيل بل قعقاع بن سور وقال له لتغير على علقمة لعلك تقتله أو تستأسره
فخرج في تلك السرية حتى أغار على الماء الذي عليه علقمة وكان لا يبرح إلا مستعدا فسابقهم على فرسه فسبقهم مراكضة وأسلم أهله وولده وأخذهم القعقاع وقدم بهما على أبي بكر فجحدوا أن يكونوا على حال علقمة ولم يبلغ أبا بكر عنهم أنهم فارقوا دارهم وقالوا له ما ذنبنا فيما صنع علقمة فأرسلهم ثم أسلم فقبل ذلك منه
وأقبلت بنو عامر بعد هزيمة أهل بزاخة يقولون ندخل فيما خرجنا منه ونؤمن بالله ورسوله وأتوا خالدا فبايعهم على ما بايع أهل بزاخة وأعطوا بأيديهم على الإسلام وكانت بيعته عليكم عهد الله وميثاقه لتؤمنن بالله ورسوله ولتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة وتبايعون على ذلك أبناءكم ونساءكم فيقولون نعم ولم يقبل من أحد من أسد وغطفان وطيئ وسليم وعامر إلا أن يأتوه بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على الإسلام في حال ردتهم فأتوه بهم فمثل بهم وحرقهم ورضخهم بالحجارة ورمى بهم من الجبال ونكسهم في الآبار وخزق بالنبال وأرسل إلى أبي بكر يعلمه ما فعل وأرسل إليه قرة بن هبيرة ونفرا موثقين وزهير أيضا
وأما أم زمل فاجتمع فلال غطفان وطيئ وسليم وهوازن وغيرها إلى أم زمل سلمى بنت مالك بن حذيفة بن بدر وكانت أمها أم قرفة بنت ربيعة بن بدر وكانت أم زمل قد سبيت أيام أمها أم قرفة وقد تقدمت الغزوة فوقعت لعائشة فأعتقتها ورجعت إلى قومها وارتدت واجتمع إليها الفل فأمرتهم بالقتال وكثف جمعها وعظمت شوكتها فلما بلغ خالدا أمرها سار إليها فاقتتلوا قتالا شديدا أول يوم وهي واقفة على جمل كان لأمها وهي في مثل عزها فاجتمع على الجمل فوارس فعقروه وقتلوها وقتل حول جملها مائة رجل وبعث بالفتح إلى أبي بكر
وأما خبر الفجاءة السلمي واسمه إياس بن عبد ياليل فإنه جاء إلى أبي بكر فقال له أعني بالسلاح أقاتل به أهل الردة فأعطاه سلاحا وأمره إمرة فخالف إلى المسلمين وخرج حتى نزل بالجواء وبعث نخبة بن أبي الميثاء من بني الشريد وأمره بالمسلمين فشن الغارة على كل مسلم في سليم وعامر وهوازن فبلغ ذلك أبا بكر فأرسل إلى طريفة بن حاجز يأمره أن يجمع له ويسير إليه وبعث إليه عبد الله بن قيس الحاشي عونا فنهضا إليه و طلباه فلاذ منهما ثم لقياه على الجواء فاقتتلوا وقتل نخبة وهرب الفجاءة فلحقه طريفة فأسره ثم بعث به إلى أبي بكر فلما قدم أمر أبو بكر أن توقد له نار في مصلى المدينة ثم رمي به فيها مقموطا
وأما خبر أبي شجرة بن عبد العزى السلمي وهو ابن الخنساء فإنه كان قد ارتد فيمن ارتد من سليم وثبت بعضهم على الإسلام مع معن بن حاجز وكان أميرا لأبي بكر فلما سار خالد إلى طليحة كتب إلى معن أن يلحقه فيمن معه على الإسلام من بني سليم فسار واستخلف على عمله أخاه طريفة بن حاجز فقال أبو شجرة حين ارتد
( صحا القلب عن مي هواه وأقصرا % وطاوع فيها العاذلين فأبصرا )
( ألا أيها المدلي بكثرة قومه % وحظك منهم أن تضام وتقهرا )
( سل الناس عنا كل يوم كريهة % إذا ما التقينا دار عين وحسرا )
( ألسنا نعاطي ذا الطماح لجامه % ونطعن في الهيجا إذا الموت أقفرا )
( فرويت رمحي من كتيبة خالد % وإني لأرجو بعدها أن أعمرا )
ثم إن أبا شجرة اسلم فلما كان زمن عمر قدم المدينة فرأى عمر وهو يقسم في المساكين فقال أعطني فإني ذو حاجة فقال ومن أنت فقال أنا أبو شجرة بن عبد العزى السلمي قال أي عدو الله لا والله ألست الذي تقول
( فرويت رمحي من كتيبة خالد % وإني لأرجو بعدها أن أعمرا )
وجعل يعلوه بالدرة في رأسه حتى سبقه عدوا إلى ناقته فركبها ولحق بقومه وقال
( ضن علينا أبو حفص بنائله % وكل مختبط يوما له ورق )
في أبيات
ذكر قدوم عمرو بن العاص من عمان
ص 211
كان رسول الله قد أرسل عمرو بن العاص إلى جيفر عند منصرفه من حجة الوداع فمات رسول الله وعمرو بعمان فأقبل حتى انتهى إلى البحرين فوجد المنذر بن ساوى في الموت ثم خرج عنه إلى بلاد بني عامر فنزل بقرة بن هبيرة وقرة يقدم رجلا ويؤخر أخرى ومعه عسكر من بني عامر فذبح له وأكرم مثواه فلما أراد الرحلة خلا به قره وقال يا هذا إن العرب لا تطيب لكم نفسا بالأتاوة فإن أعفيتموها من أخذ أموالها فستسمع لكم وتطيع وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم فقال له عمرو أكفرت يا قرة أتخوفنا بالعرب فوالله لأوطئن عليك الخيل في حفش أمك والحفش بيت تنفرد فيه النفساء وقدم على المسلمين بالمدينة فأخبرهم فطافوا به يسألونه فأخبرهم أن العساكر معسكرة من دبا إلى المدينة فتفرقوا وتحلقوا حلقا وأقبل عمر يريد التسليم على عمرو فمر على حلقة فيها علي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد فلما دنا عمر منهم سكتوا فقال فيم أنتم فلم يجيبوه فقال لهم إنكم تقولون ما أخوفنا على قريش من العرب قالوا صدقت قال فلا تخافوهم إنا والله منكم على العرب أخوف مني من العرب عليكم والله لو تدخلون معاشر قريش جحرا لدخلته العرب في آثاركم فاتقوا الله فيهم ومضى عمر فلما قدم بقرة بن هبيرة على أبي بكر أسيرا استشهد بعمرو على إسلامه فأحضر أبو بكر عمرا فسأله فأخبره بقول قرة إلى أن وصل إلى ذكر الزكاة فقال قرة مهلا يا عمرو فقال كلا والله لأخبرنه بجميعه فعفا عنه أبو بكر وقبل إسلامه
ذكر بني تميم وسجاح
ص 212
$ وأما بنو تميم فإن رسول الله فرق فيهم عماله فكان الزبرقان منهم وسهل بن منجاب وقيس بن عاصم وصفوان بن صفوان وسبرة بن عمرو ووكيع بن مالك ومالك بن نويرة فلما وقع الخبر بموت رسول الله سار صفوان بن صفوان إلى أبي بكر بصدقات بني عمرو وأقام قيس بن عاصم ينظر ما الزبرقان صانع ليخالفه فقال حين أبطأ عليه الزبرقان في عمله وا ويلتاه من ابن العكلية والله لقد مزقني ما أدري ما أصنع لئن أنا بعثت بالصدقة إلى أبي بكر وبايعته لينجزن ما معه في بني سعد فيسودني فيهم ولئن نجزتها في بني سعد ليأتين أبا بكر فليسودني عنده فقسمها على المقاعس والبطون ووافى الزبرقان فاتبع صفوان بن صفوان بصدقات الرباب وهي ضبة بن أد بن طابخة وعدي وتيم وعكل وثور بنو عبد مناة بن أد وبصدقات عوف والأبناء وهذه بطون من تميم ثم ندم قيس بعد ذلك فلما أظله العلاء بن الحضرمي أخرج الصدقة فتلقاه بها ثم خرج معه وتشاغلت تميم بعضها ببعض وكان ثمامة بن أثال الحنفي يأتيه إمداد تميم فلما حدث هذا الحديث أضر ذلك بثمامة وكان مقاتلا لمسيلمة الكذاب حتى قدم عليه عكرمة بن أبي جهل فبينما الناس ببلاد تميم مسلمهم بإزاء من أراد الردة وارتاب إذ جاءتهم سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التميمية قد أقبلت من الجزيرة وادعت النبوة وكانت ورهطها في أخوالها من تغلب تقود أفناء ربيعة معها الهذيل بن عمران في بني تغلب وكان نصرانيا فترك دينه واتبعها وعقبة بن هلال في النمر وزياد بن فلان في إياد والسليل بن قيس في شيبان فأتاهم أمر أعظم مما هم فيه لاختلافهم والتشاغل بما بينهم وكانت سجاح تريد غزو أبي بكر فأرسلت إلى مالك بن نويرة تطلب الموادعة فأجابها وردها عن غزوها وحملها على أحياء من بني تميم فأجابته وقالت أنا امرأة من بني يربوع فإن كان ملك فهو لكم
وهرب منها عطارد بن حاجب وسادة بن مالك وحنظلة إلى بني العنبر وكرهوا ما صنع وكيع وكان قد وادعها وهرب منها أشباههم من بني يربوع وكرهوا ما صنع مالك بن نويرة واجتمع مالك ووكيع وسجاح فسجعت لهم سجاح وقالت أعدوا الركاب واستعدوا للنهاب ثم أغيروا على الرباب فليس دونهم حجاب
فساروا إليهم فلقيهم ضبة وعبد مناة فقتل بينهم قتلى كثيرة وأسر بعضهم من بعض ثم تصالحوا
وقال قيس بن عاصم شعرا ظهر فيه ندمه على تخلفه عن أبي بكر بصدقته ثم سارت سجاح في جنود الجزيرة حتى بلغت النباج فأغار عليهم أوس بن خزيمة الهجيمي في بني عمرو فأسر الهذيل وعقة ثم اتفقوا على أن يطلق أسرى سجاح ولا يطأ أرض أوس ومن معه ثم خرجت سجاح في الجنود وقصدت اليمامة وقالت عليكم باليمامة وذفوا ذفيف الحمامة فإنها غزوة صرامة لا يلحقكم بعدها ملامة
فقصدت بني حنيفة فبلغ ذلك مسيلمة فخاف إن هو شغل بها أن يغلب ثمامة وشرحبيل بن حسنة والقبائل التي حولها على حجر وهي اليمامة فأهدى لها ثم أرسل إليها يستأمنها على نفسه حتى يأتيها فأمنته فجاءها في أربعين من بني حنيفة وكانت راسخة في علم النصرانية فقال مسيلمة لنا نصف الأرض وكان لقريش نصفها لو عدلت وقد رد الله عليك النصف الذي ردت قريش حاجب
( أمست نبيتنا أنثى نطوف بها % وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا )
وصالحها مسيلمة على غلات اليمامة سنة تأخذ النصف وتترك عنده من يأخذ النصف فأخذت النصف وانصرفت إلى الجزيرة وخلفت الهذيل وعقة وزيادا لأخذ النصف الباقي فلم يفاجئهم إلا دنو خالد إليهم فارفضوا فلم تزل سجاح في تغلب حتى نقلهم معاوية عام المجاعة في زمانه وجاءت وعهم وحسن إسلامهم وإسلامها وانتقلت إلى البصرة وماتت بها وصلى عليها سمرة بن جندب وهو على البصرة لمعاوية قبل قدوم عبيد الله بن زياد من خراسان وولايته البصرة وقيل إنها لما قتل مسيلمة سارت إلى أخوالها تغلب بالجزيرة فماتت عندهم ولم يسمع لها بذكر
ذكر مال بن نويرة
ص 215
لما رجعت سجاح إلى الجزيرة ارعوى مالك بن نويرة وندم وتحير في أمره وعرف وكيع وسماعة قبح ما أتيا فراجعا رجوعا حسنا ولم يتجبرا وأخرجا الصدقات فاستقبلا بها خالدا وسار خالد بعد أن فرغ من فزارة وغطفان وأسد وطيئ يريد البطاح وبها مالك بن نويرة قد تردد عليه أمره وتخلفت الأنصار عن خالد وقالوا ما هذا بعهد الخليفة إلينا إن الخليفة عهد إلينا إن نحن فرغنا من بزاخة واستبرأنا بلاد القوم أن نقيم حتى يكتب إلينا
فقال خالد قد عهد إلي أن أمضي وأنا الأمير ولو لم يأت كتاب بما رأيته فرصة وكنت إن أعلمته فاتتني لم أعلمه حتى انتهزها وكذلك لو ابتلينا بأمر ليس فيه منه عهد لم ندع أن نرى أفضل ما يحضرنا ثم نعمل به وهذا مالك بن نويرة بحيالنا فأنا قاصد إليه ومن معي من المهاجرين ولست أكرههم ومضى خالد وندمت الأنصار وتذامروا وقالوا إن أصاب القوم خيرا حرمتموه وإن أصيبوا ليجتنبنكم الناس فلحقوه ثم سار حتى قدم البطاح فلم يجد بها أحدا وكان مالك بن نويرة قد فرقهم ونهاهم عن الاجتماع وقال يا بني يربوع إنا دعينا إلى هذا الأمر فأبطأنا عنه فلم نفلح وقد نظرت فيه فرأيت الأمر يتأتى لهم بغير سياسة وإذا الأمر لا يسوسه الناس فإياكم ومناوأة قوم صنع لهم فتفرقوا وادخلوا في هذا الأمر فتفرقوا على ذلك
ولما قدم خالد البطاح بث السرايا وأمرهم بداعية الإسلام وأن يأتوه بكل من لم يجب وإن امتنع أن يقتلوه وكان قد أوصاهم أبو بكر أن يؤذنوا إذا نزلوا منزلا فإن أذن القوم فكفوا عنهم وإن لم يؤذنوا فاقتلوا وانهبوا وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم عن الزكاة فإن أقروا فاقبلوا منهم وإن أبوا فقاتلوهم قال فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع فاختلفت السرية فيهم وكان فيهم أبو قتادة فكان فيمن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا فلما اختلفوا أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء فأمر خالد مناديا فنادى دافئوا أسراكم وهي في لغة كنانة القتل فظن القوم أنه أراد القتل ولم يرد إلا الدفء فقتلوهم فقتل ضرار بن الأزور مالكا وسمع خالد الواعية فخرج وقد فرغوا منهم فقال إذا أراد الله أمرا أصابه
وقد اختلف القوم فيهم فقال أبو قتادة هذا عملك فزبره خالد فغضب ومضى حتى أتى أبا بكر فغضب أبو بكر حتى كلمه عمر فيه فلم يرض إلا أن يرجع إليه فرجع إليه حتى قدم معه المدينة وتزوج خالد أم تميم امرأة مالك فقال عمر لأبي بكر إن سيف خالد فيه رهق وأكثر عليه في ذلك فقال هيه يا عمر تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد فإني لا أشيم سيفا سله الله على الكافرين وودى ملكا وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ففعل ودخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد وقد غرز في عمامته أسهما فقام إليه عمر فنزعها وحطمها وقال له أرثاء قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته والله لأرجمنك بأحجارك وخالد لا يكلمه يظن أن رأي أبي بكر مثله ودخل على أبي بكر فأخبره الخبر واعتذر إليه فعذره وتجاوز عنه وعنفه في التزويج الذي كانت عليه العرب من كراهته أيام الحرب فخرج خالد وعمر جالس فقال هلم إلي يا ابن أم سلمة فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه
وقيل إن المسلمين لما غشوا مالكا وأصحابه ليلا أخذوا السلاح فقالوا نحن المسلمون فقال أصحاب مالك ونحن المسلمون قالوا لهم ضعوا السلاح فوضعوه ثم صلوا وكان يعتذر في قتله إنه قال ما أخال صاحبكم إلا قال كذا وكذا فقال له أو ما تعده لك صاحبا ثم ضرب عنقه
وقدم متمم بن نويرة على أبي بكر يطلب بدم أخيه ويسأله أن يرد عليهم سبيهم فأمر أبو بكر برد السبي وودى مالكا من بيت المال ولما قدم على عمر قال له ما بلغ بك الوجد على أخيك
قال بكيته حولا حتى أسعدت عيني الذاهبة عيني الصحيحة وما رأيت نارا قط إلا كدت أتقطع أسفا عليه لأنه كان يوقد ناره إلى الصبح مخافة أن يأتيه ضيف ولا يعرف مكانه قال فصفه لي قال كان يركب الفرس الحرون ويقود الجمل الثفال وهو بين المزادتين النضوختين في الليلة القرة وعليه شملة فلوت معتقلا رمحا خطلا فيسري ليلته ثم يصبح وكأن وجهه فلقة قمر قال أنشدني بعض ما قلت فيه فأنشدته مرثيته التي يقول فيها
( وكنا كندماني جذيمة حقبة % من الدهر حتى قيل لن يتصدعا )
( فلما تفرقنا كأني ومالكا % لطول اجتماع لم نبت ليلة معا )
فقال عمر لو كنت أقول الشعر لرثيت أخي زيدا فقال متمم ولا سواء يا أمير المؤمنين لو كان أخي صرع مصرع أخيك لما بكيته فقال عمر ما عزاني أحد بأحسن مما عزيتني به
وفي هذه الوقعة قتل الوليد وأبو عبيدة ابنا عمارة بن الوليد وهما ابنا أخي خالد لهما صحبة
ذكر مسيلمة وأهل اليمامة
ص 217
قد ذكرنا فيما تقدم مجيء مسيلمة إلى النبي فلما مات النبي وبعث أبو بكر السرايا إلى المرتدين أرسل عكرمة بن أبي جهل في عسكر إلى مسيلمة وأتبعه شرحبيل بن حسنة فعجل عكرمة ليذهب بصوتها فواقعهم فنكبوه وأقام شرحبيل بالطريق حين أدركه الخبر وكتب عكرمة إلى أبي بكر بالخبر فكتب إليه أبو بكر لا أرينك ولا تراني لا ترجعن فتوهن الناس امض إلى حذيفة وعرفجة فقاتل أهل عمان ومهرة ثم تسير أنت وجندك تستبرئون الناس حتى تلقى مهاجر بن أبي أمية باليمن وحضرموت
فكتب إلى شرحبيل يأمره بالمقام إلى أن يأتي خالد فإذا فرغوا من مسيلمة تلحق بعمرو بن العاص تعينه على قضاعة فلما رجع خالد من البطاح إلى أبي بكر واعتذر إليه فقبل عذره ورضي عنه ووجهه إلى مسيلمة وأوعب معه المهاجرين والأنصار وعلى الأنصار ثابت بن قيس بن شماس وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد بن الخطاب وعلى القبائل على كل قبيلة رجل وأقام خالد بالبطاح ينتظر وصول البعث إليه فلما وصلوا إليه سار إلى اليمامة وبنو حنيفة يومئذ كثيرون وكانت عدتهم أربعين ألف مقاتل في قراها وحجرها وعجل شرحبيل بن حسنة وفعل فعل عكرمة وبادر خالدا بقتال مسيلمة قبل قدوم خالد عليه فنكب فحاجز فلما قدم عليه خالد لامه خالد وأمد أبو بكر خالدا بسليط ليكون ردءا له لئلا يؤتى من خلفه فخرج فلما دنا من خالد وجد تلك الخيول التي انتابت تلك البلاد قد فرقوا فهربوا وكان منهم قريبا ردءا لهم وكان أبو بكر يقول لا أستعمل أهل بدر أدعهم حتى يلقوا الله بصالح أعمالهم فإن الله يدفع بهم وبالصالحين أكثر وأفضل مما ينتصر بهم وكان عمر يرى استعمالهم على الجند وغيره وكان مع مسيلمة نهار الرجال بن عنفوة وكان قد هاجر إلى النبي وقرأ القرآن وفقه في الدين وبعثه معلما لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة وليشدد من أمر المسلمين فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة شهد له أنه سمع محمدا يقول إن مسيلمة قد أشرك معه فصدقوه واستجابوا له وكان مسيلمة ينتهي إلى أمره وكان يؤذن له عبد الله بن النواجة والذي يقيم له حجير بن عمير فكان حجير يقول أشهد أن مسيلمة يزعم أنه رسول الله فقال مسيلمة أفصح حجير فليس في المجمجة خير وهو أول من قالها وكان مما جاء به وذكر أنه وحي يا ضفدع بنت ضفدع نقي ما تنقين أعلاك في الماء وأسفلك في الطين لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين
وقال أيضا والمبديات زرعا والحاصدات حصدا والذاريات قمحا والطاحنات طحنا والخابزات خبزا والثاردات ثردا واللاقمات لقما إهالة وسمنا لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر ريفكم فامنعوه والمعتر فآووه والباغي فناوؤه وأتته امرأة فقالت إن نخلنا لسحيق وإن آبارنا لجرز فادع الله لمائنا ونخلنا كما دعا محمد لأهل هزمان فسأل نهارا عن ذلك فذكر أن النبي دعا لهم وأخذ من ماء آبارهم فتمضمض منه ومجه في الآبار ففاضت ماءا وأنجبت كل نخلة وأطلعت فسيلا قصيرا مكمما ففعل مسيلمة ذلك فغار ماء الآبار ويبس النخل وإنما ظهر ذلك بعد مهلكه
وقال له نهار أمر يدك على أولاد بني حنيفة مثل محمد ففعل وأمر يده على رؤوسهم وحنكهم فقرع كل صبي مسح رأسه ولثغ كل صبي حنكه و نما استبان ذلك بعد مهلكه وقيل جاءه طلحة النمري فسأله عن حاله فأخبره أنه يأتيه رجل في ظلمة فقال أشهد أنك الكاذب وأن محمدا صادق ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر فقتل معه يوم عقرباء كافرا
ولما بلغ مسيلمة دنو خالد ضرب عسكره بعقرباء وخرج إليه الناس وخرج مجاعة بن مرارة في سرية يطلب ثأرا لهم في بني عامر فأخذه المسلمون وأصحابه فقتلهم خالد واستبقاه لشرفه في بني حنيفة وكانوا ما بين أربعين إلى ستين وترك مسيلمة الأموال وراء ظهره فقال شرحبيل بن مسيلمة يا بني حنيفة قاتلوا فإن اليوم يوم الغيرة فإن انهزمتم تستردف النساء سبيات وينكحن غير خطيبات فقاتلوا عن أحسابكم وامنعوا نساءكم فاقتتلوا بعقرباء وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة وكانت قبله مع عبد الله بن حفص بن غانم فقتل فقالوا نخشى عليك من نفسك فقال بئس حامل القرآن أنا إذا وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس وكانت العرب على راياتهم ومجاعة أسير مع أم تميم في فسطاطها والتقى الناس وكان أول من لقي المسلمين نهار الرجال بن عنفوة فقتل قتله زيد بن الخطاب واشتد القتال ولم يلق المسلمون حربا مثلها قط وانهزم المسلمون وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة وإلى خالد فزال خالد عن الفسطاط ودخلوا الفسطاط إلى مجاعة وهو عند امرأة خالد وكان سلمه إليها فأرادوا قتلها فنهاهم مجاعة عن قتلها وقال أنا لها جار فنعمت الحرة فتركوها وقال لهم عليكم بالرجال فقطعوا الفسطاط ثم إن المسلمين تداعوا فقال ثابت بن قيس بئس ما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين اللهم إني أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء يعني أهل اليمامة وأعتذر إليك مما يصنع هؤلاء يعني المسلمين ثم قاتل حتى قتل وقال زيد بن الخطاب لا نحور بعد الرجال والله لا أتكلم اليوم حتى نهزمهم أو أقتل فأكلمه بحجتي غضوا أبصاركم وعضوا على أضراسكم أيها الناس واضربوا في عدوكم وامضوا قدما ففعلوا فردوهم إلى مصافهم حتى أعادوهم إلى أبعد من الغاية التي حيزوا إليها من عساكرهم وقال أبو حذيفة يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال وحمل خالد في الناس حتى ردوهم إلى أبعد مما كانوا واشتد القتال وتذامرت بنو حنيفة وقاتلت قتالا شديدا وكانت الحرب يومئذ تارة للمسلمين وتارة للكافرين وقتل سالم وأبو حذيفة وزيد بن الخطاب وغيرهم من أولي البصائر
فلما رأى خالد ما الناس فيه قال امتازوا أيها الناس لنعلم بلاء كل حي ولنعلم من أين نؤتى فامتازوا وكان أهل البوادي قد جنبوا المهاجرين والأنصار وجنبهم المهاجرون والأنصار فلما امتازوا قال بعضهم لبعض اليوم يستحي من الفرار فما رؤي يوم كان أعظم نكاية من ذلك اليوم ولم يدر أي الفريقين كان أعظم نكاية غير أن القتل كان في المهاجرين والأنصار وأهل القرى أكثر منهم في أهل البوادي وثبت مسيلمة فدارت رحاهم عليهم فعرف خالد أنها لا تركد إلا بقتل مسيلمة ولم تحفل بنو حنيفة بمن قتل منهم ثم برز خالد ودعا إلى البراز ونادى بشعارهم وكان شعارهم يا محمداه فلم يبرز إليه أحد إلا قتله ودارت رحى المسلمين وطحنت ودعا خالد مسيلمة فأجابه فعرض عليه أشياء مما يشتهي مسيلمة فكان إذا هم بجوابه أعرض بوجهه ليستشير شيطانه فينهاه أن يقبل فأعرض بوجهه مرة وركبه خالد وأرهقه فأدبر وزال أصحابه وصاح خالد في الناس وقال دونكم لا تقيلوهم فركبوهم فكانت هزيمتهم
وقالوا لمسيلمة أين ما كنت تعدنا فقال قاتلوا عن أحسابكم ونادى المحكم يا بني حنيفة الحديقة الحديقة فدخلوها وأغلقوا عليهم بابها وكان البراء بن مالك وهو أخو أسد بن مالك إذا حضر الحرب أخذته رعدة حتى يقعد عليه الرجال ثم يبول فإذا بال ثار كما يثور الأسد فأصابه ذلك فلما بال وثب وقال إلي أيها الناس أنا البراء بن مالك إلي إلي وقاتل قتالا شديدا فلما دخلت بنو حنيفة الحديقة قال البراء يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة فقالوا لا نفعل فقال والله لتطرحنني عليهم بها فاحتمل حتى أشرف على الجدار فاقتحمها عليهم وقاتل على الباب وفتحه للمسلمين ودخلوها عليهم فاقتتلوا أشد قتال وكثر القتلى في الفريقين لا سيما في بني حنيفة فلم يزالوا كذلك حتى قتل مسيلمة واشترك في قتله وحشي مولى جبير بن مطعم ورجل من الأنصار كلاهما قد أصابه أما وحشي فدفع عليه حربته وضربه الأنصاري بسيفه قال ابن عمر فصرخ رجل قتله العبد الأسود فولت بنو حنيفة عند قتله منهزمة وأخذهم السيف من كل جانب وأخبر خالد بقتل مسيلمة فخرج بمجاعة يرسف في الحديد ليدله على مسيلمة فجعل يكشف له القتلى حتى مر بمحكم اليمامة وكان رجلا جسيما وسيما فقال هذا صاحبكم فقال مجاعة لا هذا والله خير منه وأكرم هذا محكم اليمامة
ثم دخل الحديقة فإذا رويجل أصيفر أخينس فقال مجاعة هذا صاحبكم قد فرغتم منه وقال خالد هذا صاحبكم الذي فعل بكم ما فعل
وكان الذي قتل محكم اليمامة عبد الرحمن بن أبي بكر رماه بسهم في نحره وهو يخطب ويحرض الناس فقتله وقال مجاعة لخالد ما جاءك إلا سرعان الناس وإن الحصون مملوءة فقال ويلك ما تقول قال هو والله الحق فهلم إلى الصلح على ما ورائي فصالحه على كل شيء دون النفوس وقال أنطلق إليهم فأشاورهم فانطلق إليهم وليس في الحصون إلا النساء والصبيان ومشيخة فانية ورجال ضعفى فألبسهم الحديد وأمر النساء أن ينشرن شعورهن ويشرفن على الحصون حتى يرجع إليهم فرجع إلى خالد فقال قد أبوا أن يجيزوا ما صنعت وقد أشرف لك بعضهم نقضا علي وهم مني براء فرأى خالد الحصون مملوءة وقد نهكت المسلمين الحرب وطال اللقاء وأحبوا أن يرجعوا على الظفر ولم يدروا ما هو كائن لو كان فيها رجال وقتال وقد قتل من المهاجرين والأنصار من أهل قصبة المدينة يومئذ ثلاثمائة وستون ومن المهاجرين من غير المدينة ثلاثمائة رجل وقتل ثابت بن قيس قطع رجل من المشركين رجله فأخذها ثابت وضربه بها فقتله وقتل من بني حنيفة بعقرباء سبعة آلاف وبالحديقة مثلها وفي الطلب نحو منها وصالحه خالد على الذهب والفضة والسلاح ونصف السبي وقيل ربعه فلما فتحت الحصون لم يكن فيها إلا النساء والصبيان والضعفاء فقال خالد لمجاعة ويحك خدعتني فقال هم قومي ولم أستطع إلا ما صنعت
ووصل كتاب أبي بكر إلى خالد أن يقتل كل محتلم وكان قد صالحهم فوفى لهم ولم يغدر
ولما رجع الناس قال عمر لابنه عبد الله وكان معهم ألا هلكت قبل زيد هلك زيد وأنت حي ألا واريت وجهك عني
فقال عبد الله سأل الله الشهادة فأعطيها وجهدت أن تساق إلي فلم أعطها
وفي هذه السنة بعد وقعة اليمامة أمر أبو بكر بجمع القرآن لما رأى من كثرة من قتل من الصحابة لئلا يذهب القرآن وسيرد مبينا سنة ثلاثين
من قتل باليمامة
ص 222
وممن قتل باليمامة شهيدا من الصحابة عباد بن بشر الأنصاري شهد بدرا وغيرها
وقتل عباد بن الحارث الأنصاري وكان شهد أحدا وقتل بها عمير بن أوس بن عتيك الأنصاري وكان شهد أحد وفيها قتل عامر بن ثابت بن سلمة الأنصاري وفيها قتل عمارة بن حزم الأنصاري أخو عمرو وكان بدريا وفيها قتل علي بن عبد الله بن الحارث من بني عامر بن لؤي وكان له صحبة وقتل بها عائذ بن ماعص الأنصاري وقيل قتل يوم بئر معونة وقتل فيها فروة بن النعمان وقيل ابن الحارث بن النعمان الأنصاري وكان قد شهد أحدا وما بعدها وفيها قتل قيس بن الحارث بن عدي الأنصاري عم البراء بن عازب وقيل بل قتل بأحد وقتل بها سعد بن جماز الأنصاري وكان قد شهد أحدا وقتل بها أبو دجانة الأنصاري وهو بدري وقيل بل عاش بعد ذلك وشهد صفين مع علي عليه السلام والله أعلم وقتل باليمامة سلمة بن مسعود بن سنان الأنصاري وقتل فيها السائب بن عثمان بن مظعون الجمحي وهو من مهاجرة الحبشة وشهد بدرا وقتل أيضا السائب بن العوام أخو الزبير لأبويه وقتيل بها الطفيل بن عمرو الدوسي شهد خيبر وقتل بها زرارة بن قيس الأنصاري له صحبة وقتل فيها مالك بن عمروالسلمي حليف بني عبد شمس وهو بدري وقتل مالك بن أمية السلمي وهو بدري ومالك بن عوس بن عتيك الأنصاري وهو ممن شهد أحدا وقتل بها معن بن عدي بن الجحد البلوي حليف الأنصار شهد العقبة وبدرا وغيرها ومسعود بن سنان الأسود حليف بني غانم وشهد أحدا
وفيها قتل النعمان بن عصر بن الربيع البلوي وهو بدري وقيل هو بكسر العين وسكون الصاد وقيل بفتحهما وفيها قتل صفوان ومالك ابنا عمرو السلمي وهما بدريان وضرار بن الأزور الأسدي وهو الذي قتل مالك بن نويرة بأمر خالد وفيها قتل عبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي وقيل قتل عبد الله بالطائف هو وأخوه السائب وفيها قتل عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى العامري عامر قيس وشهد بدرا وغيرها وفيها قتل عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول وهو بدري وعبد الله بن عتيك الأنصاري وهو قاتل ابن أبي الحقيق وهو بدري وفيها قتل شجاع بن أبي وهب الأسدي أسد خزيمة شهد بدرا وهريم بن عبد الله المطلبي القرشي وأخوه جنادة والوليد بن عبد شمس بن المغيرة المخزومي ابن عم خالد وقتل ورقة بن إياس بن عمرو الأنصاري وهو بدري ويزيد بن أوس حليف بني عبد الدار أسلم يوم الفتح وأبو حبة بن غزية الأنصاري شهد أحدا
وأبو عقيل البلوي حليف الأنصار وهو بدري وأبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي من مهاجرة الحبشة شهد أحدا ويزيد بن ثابت أخو زيد بن ثابت
الرجال بن عنفوة بالراء المفتوحة وبالجيم المشددة وقيل بالحاء المهملة والأول أكثر ومجاعة بتشديد الجيم ومحكم اليمامة بالحاء المهملة والكاف المشددة وسعد بن جماز بالجيم والميم المشددة وآخره زاي
ذكر ردة أهل البحرين
ص 224
لما قدم الجارود بن المعلى العبدي على النبي وتفقه رده إلى قومه عبد القيس فكان فيهم فلما مات النبي وكان المنذر بن ساوى العبدي مريضا فمات بعد النبي بقليل فلما مات المنذر بن ساوى ارتد بعده أهل البحرين فأما بكر فتمت على ردتها وأما عبد القيس فإنهم جمعهم الجارود وكان بلغه أنهم قالوا لو كان محمد نبيا لم يمت فلما اجتمعوا إليه قال لهم أتعلمون أنه كان لله أنبياء فيما مضى قالوا نعم قال ما فعلوا قالوا ماتوا قال فإن محمدا قد مات كما ماتوا وأنا اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
فأسلموا وثبتوا على إسلامهم وحضر أصحاب المنذر بعده حتى استنقذهم العلاء بن الحضرمي واجتمعت ربيعة بالبحرين على الردة إلا الجارود ومن تبعه وقالوا نرد الملك في المنذر بن النعمان بن المنذر وكان يسمى الغرور فلما أسلم كان يقول أنا المغرور ولسن بالغرور
وخرج الحطم بن ضبيعة أخو بني قيس بن ثعلبة في بكر بن وائل فاجتمع إليه من غير المرتدين ممن لم يزل مشركا حتى نزل القطيف وهجر واستغوى الخط ومن بها من الزط والسبابحة وبعث بعثا إلى دارين وبعث إلى جواثا فحصر المسلمين فاشتد الحصر على من بها فقال عبد الله بن حذف وقد قتلهم الجوع
( ألا أبلغ أبا بكر رسولا % وفتيان المدينة أجمعينا )
( فهل لكم إلى قوم كرام % قعود في جؤاثا محصرينا )
( كأن دماءهم في كل فج % شعاع الشمس تغشى الناظرينا )
( توكلنا على الرحمن إنا وجدنا النصر للمتوكلينا )
وكان سبب استنقاذ العلاء بن الحضرمي إياهم أن أبا بكر كان قد بعثه على قتال أهل الردة بالبحرين فلما كان بحيال اليمامة لحق به ثمامة بن أثال الحنفي في مسلمة بني حنيفة ولحق به أيضا قيس بن عاصم المنقري وأعطاه بدل ما كان قسم من الصدقة بعد موت النبي وانضم إليه عمرو والأبناء وسعد بن تميم والرباب أيضا لحقته في مثل عدته فسلك بهم الدهناء حتى كانوا في بحبوحتها نزل وأمر الناس بالنزول في الليل فنفرت إبلهم بأحمالها فما بقي عندهم بعير ولا زاد ولا ماء فلحقهم من الغم ما لا يعلمه إلا الله ووصى بعضهم بعضا فدعاهم العلاء فاجتمعوا إليه فقال ما هذا الذي غلب عليكم من الغم
فقالوا كيف نلام ونحن إن بلغنا غدا لم تحم الشمس حتى نهلك فقال لن تراعوا أنتم المسلمون وفي سبيل الله وأنصار الله فأبشروا فوالله لن تخذلوا فلما صلوا الصبح دعا العلاء ودعوا معه فلمع لهم الماء فمشوا إليه وشربوا واغتسلوا فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل تجمع من كل وجه فأناخت إليهم فسقوها وكان أبو هريرة فيهم فلما ساروا عن ذلك المكان قال لمنجاب بن راشد كيف علمك بموضع الماء قال عارف به
فقال له كن معي حتى تقيمني عليه قال فرجعت به إلى ذلك المكان فلم نجد إلا غدير الماء فقلت له والله لولا الغدير لأخبرتك إن هذا هو المكان وما رأيت بهذا المكان ماء قبل اليوم وإذا إداوة مملوءة ماءا فقال أبو هريرة هذا والله المكان وما رأيت ولهذا رجعت بك وملأت إدواتي ثم وضعتها على شفير الغدير وقلت إن كان منا من المن عرفته وإن كان عينا عرفته فإذا من المن فحمد الله ثم ساروا فنزلوا بهجر وأرسل العلاء إلى الجارود يأمره أن ينزل بعبد القيس على الحطم مما يليه وسار فيمن معه حتى نزل عليه مما يلي هجر فاجتمع المشركون كلهم إلى الحطم إلا أهل دارين واجتمع المسلمون إلى العلاء وخندق المسلمون على أنفسهم والمشركون وكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خندقهم فكانوا كذلك شهرا فبيناهم كذلك إذ سمع المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء هزيمة أو قتال فقال العلاء من يأتينا بخبر القوم فقال عبد الله بن حذف أنا فخرج حتى دنا من خندقهم فأخذوه وكانت أمه عجلية فجعل ينادي يا أبجراه فجاء أبجر بن بجير فعرفه فقال ما شأنك فقال علام أقتل وحولي عساكر من عجل وتيم اللات وغيرها
فخلصه فقال له والله إني لأظنك بئس ابن أخت أتيت الليلة أخوالك
فقال دعني من هذا وأطعمني فقد مت جوعا فقرب له طعاما فأكل ثم قال زودني واحملني يقول هذا لرجل قد غلب عليه السكر فحمله على بعير وزوده وجوزه فدخل عسكر المسلمين فأخبرهم أن القوم سكارى فخرج المسلمون عليهم فوضعوا فيهم السيف كيفما شاؤوا وهرب الكفار فمن بين مترد وناج ومقتول ومأسور واستولى المسلمون على العسكر ولم يفلت رجل إلا بما عليه فأما أبجر فأفلت وأما الحطم فقتل قتله قيس بن عاصم بعد أن قطع عفيف بن المنذر التميمي رجله وطلبهم المسلمون فأسر عفيف المنذر بن النعمان بن المنذر الغرور فأسلم وأصبح العلاء فقسم النفال ونقل رجالا من أهل البلاء ثيابا فأعطى ثمامة بن أثال الحنفي خميصة ذات أعلام كانت للحطم يباهي بها فلما رجع ثمامة بعد فتح دارين رآها بنو قيس بن ثعلبة فقالوا له أنت قتلت الحطم فقال لم أقتله ولكني اشتريتها من المغنم فوثبوا عليه فقتلوه
وقصد عظم الفلال إلى دارين فركبوا إليها السفن ولحق الباقون ببلاد قومهم فكتب العلاء إلى من ثبت على إسلامه من بكر بن وائل منهم عتيبة بن النهاس والمثنى بن حارثة وغيرهما يأمرهم بالقعود للمنهزمين والمرتدين بكل طريق ففعلوا وجاءت رسلهم إلى العلاء بذلك فأمر أن يؤتى من وراء ظهره فندب حينئذ الناس إلى دارين وقال لهم قد أراكم الله من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر فانهضوا إلى عدوكم واستعرضوا البحر
وارتحل وارتحلوا حتى اقتحم البحر على الخيل والإبل والحمير وغير ذلك وفيهم الراجل ودعا ودعوا وكان من دعائهم يا أرحم الراحمين يا كريم يا حليم يا أحد يا صمد يا حي يا محيي الموتى يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت يا ربنا
فاجتازوا ذلك الخليج بإذن الله يمشون على مثل رملة فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل وبين الساحل ودارين يوم وليلة بسفن البحر فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فظفر المسلمون وانهزم المشركون وأكثر السلمون القتل فيهم فما تركوا بها مخبرا وغنموا وسبوا فلما فرغوا رجعوا حتى عبروا وضرب الإسلام فيها بجرانمه وكتب العلاء إلى أبي بكر يعرفه هزيمة المرتدين وقتل الحطم وكان مع المسلمين راهب من أهل هجر فأسلم فقيل له ما حملك على الإسلام
قال ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني الله بعدها فيض في الرمال وتمهيد أثباج البحر ودعاء سمعته في عسكرهم في الهواء سحرا اللهم أنت الرحمن الرحيم لا إله غيرك والبديع فليس قبلك شيء والدائم غير الغافل الحي الذي لا يموت وخالق ما يرى وما لا يرى وكل يوم أنت في شأن علمت كل شيء بغير تعلم
فعلمت أن القوم لم يعانوا بالملائكة إلا وهم على حق فكان أصحاب النبي يسمعون هذا منه بعد
عتيبة بعد العين تاء معجمة باثنتين من فوقها وياء تحتها نقطتان ثم باء موحدة وحارثة بحاء مهملة وثاء مثلثة
ذكر ردة أهل عمان ومهرة
ص 227
قد اختلف في تاريخ حرب المسلمين هؤلاء المرتدين فقال ابن إسحاق كان فتح اليمامة واليمن والبحرين وبعث الجنود إلى الشام سنة اثنتي عشرة وقال أبو معشر ويزيد بن عياض وابن جعدبة وأبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر إن فتوح الردة كلها كانت لخالد وغيره سنة إحدى عشرة إلا أمر ربيعة بن بجير فإنه كان سنة ثلاث عشرة وقصته أنه بلغ خالد بن الوليد أن ربيعة بالمصيخ والحصيد في جمع من المرتدين فقاتله وغنم وسبى وأصاب ابنة لربيعة فبعث بها إلى أبي بكر فصارت إلى علي بن أبي طالب
وأما عمان فإنه نبغ بها ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي وكان يسامى في الجاهلية الجنلدي وادعى بمثل ما ادعى من تنبأ وغلب على عمان مرتدا والتجأ جيفر وعباد إلى الجبال وبعث جيفر إلى أبي بكر يخبره ويستمده عليه وبعث أبو بكر حذيفة بن محصن الغلفاني من حمير وعرفجة البارقي من الأزد حذيفة إلى عمان وعرفجة إلى مهرة وكل منهما أمير على صاحبه في وجهه فإذا قربا من عمان يكاتبان جيفرا فسار إلى عمان وأرسل أبو بكر إلى عكرمة بن أبي جهل وكان بعثه إلى اليمامة فأصيب فأرسل إليه أن يلحق بحذيفة وعرفجة بمن معه يساعدهما على أهل عمان ومهرة فإذا فرغوا منهم سار إلى اليمن فلحقهما عكرمة قبل عمان فلما وصلوا رجاما وهي قريب من عمان كاتبوا جيفرا وعبادا وجمع لقيط جموعه وعسكر بدبا وخرج جيقر وعباد وعسكرا بصحار وأرسلا إلى حذيفة وعكرمة وعرفجة في القدوم عليهما قدموا عليهما وكاتبوا رؤساء مع لقيط وبدأوا بسيد بني جديد فكاتبهم وكاتبوه حتى ارفضوا عنه ثم التقوا على دبا فاقتتلوا قتالا شديدا واستعلى لقيط ورأى المسلمون الخلل ورأى المشركون الظفر فبينا هم كذلك جاءت المسلمين موادهم العظمى من بني ناجية وعليهم الخريت بن راشد ومن عبد القيس وعليهم سيحان بن صوحان وغيرهم فقوى الله المسلمين بهم ووهن بهم أهل الشرك فولى المشركون الأدبار فقتل منهم في المعركة عشرة آلاف وركبوهم حتى أثخنوا فيهم وسبوا الذراري وقسموا الأموال وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة وأقام حذيفة بعمان حتى يوطئ الأمور ويسكن الناس
وأما مهرة فإن عكرمة بن أبي جهل سار إليهم لما فرغ من عمان ومعه من استنصر من ناجية وعبد القيس وراسب وسعد فاقتحم عليهم بلادهم فوافق بها جمعين من مهرة أحدهما مع سخريت رجل منهم والثاني مع المصبح أحد بني محارب ومعظم الناس معه وكانا مختلفين فكاتب عكرمة سخريتا فأجابه وأسلم وكاتب المصبح يدعوه فلم يجب فقاتله قتالا شديدا أشد من قتال دبا فانهزم المرتدون وقتل رئيسهم وركبهم المسلمون فقتلوا من شاؤوا منهم وأصابوا ما شاؤوا من الغنائم وبعث الأخماس إلى أبي بكر مع سخريت وازداد عكرمة وجنده قوة بالظهر والمتاع وأقام عكرمة حتى اجتمع الناس على الذي يحب وبايعوا على الإسلام
دبا بفتح الباء الموحدة المخففة وفتح الدال المهملة والخريت بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء المهملة المكسورة ثم ياء مثناة من تحتها وآخره تاء وسيحان بفتح السين المهملة وبالياء المثناة من تحت وبالحاء المهملة وآخره نون
ذكر خبر ردة اليمن
ص 229
لما توفي رسول الله وعلى مكة وأرضها عتاب بن أسيد وعلى عك والأشعريين الطاهر بن أبي هالة وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص ومالك بن عوف النصري عثمان على المدن ومالك على أهل الوبر وبصنعاء فيروز وداذويه يسانده وقيس بن مكشوح وعلى الجند يعلى بن أمية وعلى مأرب أبو موسى وكان منهم مع الأسود الكذاب ما ذكرناه فلما أهلك الله الأسود العنسي بقي طائفة من أصحابه يترددون بين صنعاء ونجران لا تأوي إلى أحد ومات النبي على أثر ذلك فارتد الناس فكتب عتاب بن أسيد إلى أبي بكر يعرفه خبر من ارتد في عمله وبعث عتاب أخاه خالدا إلى أهل تهامة وبها جماعة من مدلج وخزاعة وأبناء كنانة وأما كنانة فعليهم جندب بن سلمى فالتقوا بالأبارق فقتلهم خالد وفرقهم وأفلت جندب وعاد وبعث عثمان بن أبي العاص بعصا إلى شنوأة وبها جماعة من الأزد وبجيلة وخثعم وعليها حميضة بن النعمان واستعمل عثمان على السرية عثمان بن أبي ربيعة فالتقوا بشنوأة فانهزم الكفار وتفرقوا وهرب حميضة في البلاد
وأما الأخابث من العك فكانوا أول منتقض بتهامة بعد النبي ثم تجمع عك والأشعريون وأقاموا على الأعلاب طريق الساحل فسار إليهم الطاهر بن أبي هالة ومعه مسروق وقومه من عك ممن لم يرتد فالتقوا على الأعلاب فانهزمت عك ومن معهم وقتلوا قتلا ذريعا وأنتنت السبل لقتلهم وكان ذلك فتحا عظيما وورد كتاب أبي بكر على الطاهر يأمره بقتالهم وسماهم الأخابث وسمى طريقهم طريق الأخابث فبقي الاسم عليهم إلى الآن
وأما أهل نجران فلما بلغهم موت النبي وهم يومئذ أربعون ألف مقاتل أرسلوا وفدا ليجددوا عهدهم مع أبي بكر فكتب بذلك كتابا
وأما بجيلة فإن أبا بكر رد جرير بن عبد الله وأمره أن يستنفر من قومه من ثبت على الإسلام ويقاتل بهم من ارتد عن الإسلام وأن يأتي خثعم فيقاتل من خرج غضبا لذي الخلصة فخرج جرير وفعل ما أمره فلم يقم له أحد إلا نفر يسير فقتلهم وتتبعهم
حميضة بالحاء المهملة المضمومة والضاد المعجمة
ذكر خبر ردة اليمن الثانية
ص 230
وكان ممن ارتد ثانية قيس بن عبد يغوث بن مكشوح وذلك أنه لما بلغه موت النبي عمل في قتل فيروز وداذويه وجشيش وكتب أبو بكر إلى عمر ذي مران وإلى سعيد ذي زود وإلى ذي الكلاع وإلى حوشب ذي ظليم وإلى شهر ذي نياف يأمرهم بالتمسك بدينهم والقيام بأمر الله ويأمرهم بإعانة الأبناء على من ناوأهم والسمع لفيروز وكان فيروز وداذويه وقيس قبل ذلك متساندين فلما سمع قيس بذلك كتب إلى ذي الكلاع وأصحابه يدعوهم إلى قتل الأبناء وإخراج أهلهم من اليمن فلم يجيبوه ولم ينصروه على الأبناء فاستعد لهم قيس وتربص لقتل رؤسائهم وكاتب أصحاب الأسود المترددين في البلاد سرا يدعوهم ليجتمعوا معه فجاؤوا إليه فسمع بهم أهل صنعاء فقصد قيس فيروز وداذويه فاستشارهما في أمره خديعة منه ليلبس عليهما ولئلا يتهماه فاطمأنا إليه ثم إن قيسا صنع من الغد طعاما ودعا داذويه وفيروز وجشيش فخرج داذويه فدخل عليه فقتله وجاء إليه فيروز فلما دنا منه سمع امرأتين على سطحين تتحدثان فقالت إحداهما هذا مقتول كما قتل داذويه فخرج فطلبه أصحاب قيس فخرج يركض ولقيه جشيش فرجع معه فتوجها نحو جبل خولان وهم أخوال فيروز فصعدا الجبل ورجعت خيول قيس فأخبروه فثار بصنعاء وما حولها وأتته خيول الأسود واجتمع إلى فيروز جماعة من الناس وكتب إلى أبي بكر يخبره واجتمع إلى قيس عوام قبائل من كتب أبو بكر إلى رؤسائهم واعتزل الرؤساء وعمد قيس إلى الأبناء ففرقهم ثلاث فرق من أقام أقر عياله والذين ساروا مع فيروز فرق عيالهم فرقتين فوجه إحداهما إلى عدن ليحملوا في البحر وحمل الأخرى في البر وقال لهم جميعا الحقوا بأرضكم وبعث معهم من يسيرهم فكان عيال الديلمي ممن سير في البحر فلما علم فيروز ذلك جد في حربه وتجرد لها وأرسل إلى بني عقيل بن ربيعة بن عامر يستمدهم وإلى عك ليستمدهم فركبت عقيل وعليهم رجل من الحلفاء يقال له معاوية فلقوا خيل قيس بن عامر ومعهم عيالات الأبناء الذين كان قد سيرهم قيس فاستنقذوهم وقتلوا خيل قيس وسارت عك وعليهم مسروق فاستنقذوا طائفة أخرى من عيالات الأبناء وقتلوا من معهم من أصحاب قيس وأمدت عقيل وعك فيروز بالرجال فلما أتته أمدادهم خرج بهم وبمن اجتمع عنده فلقوا قيسا دون صنعاء فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم قيس وأصحابه وتذبذب أصحاب العنسي وقيس معهم فيما بين صنعاء ونجران قيل وكان فروة بن مسيك قدم على النبي مسلما فاستعمله النبي على صدقات مراد ومن نازلهم ونزل دارهم وكان عمرو بن معد يكرب الزبيدي قد فارق قومه سعد العشيرة وانحاز إليهم وأسلم معهم فلما ارتد العنسي ومعه مذحج ارتد عمرو فيمن ارتد وكان عمرو مع خالد بن سعيد بن العاص فلما ارتد سار إليه خالد فلقيه فاختلفا ضربتين فضربه خالد على عاتقه فقطع حمالة سيفه فوقع ووصلت الضربة إلى عاتقه وضربه عمرو فلم يصنع شيئا فهرب منه وأخذ خالد سيفه الصمصامة وفرسه فلما ارتد عمر وجعله العنسي بإزاء فروة فامتنع كل واحد منهما من البراح لمكان صاحبه فبينما هم كذلك قدم عكرمة بن أبي جهل أبين من مهرة وقد تقدم ذكر قتال مهرة ومعه بشر كثير من مهرة وغيرهم فاستبرأ النخع وحمير وقدم أيضا المهاجر بن أبي أمية في جمع من مكة والطائف وبجيلة مع جرير إلى نجران فانضم إليه فروة بن مسيك المرادي فأقبل عمرو بن معد يكرب مستخفيا حتى دخل على المهاجر من غير أمان فأوثقه المهاجر وأخذ قيسا أيضا فأوثقه وسيرهما إلى أبي بكر فقال يا قيس قتلت عباد الله واتخذت المرتدين والمشركين وليجة من دون المؤمنين وهم بقتله لو وجد أمرا جليا فانتفى قيس من أن يكون قارف من أمر داذويه شيئا وكان قتله سرا فتجافى له عن دمه وقال لعمرو أما تستحي أنك كل يوم مهزوم أو مأسور لو نصرت هذا الدين لرفعك الله
فقال لا جرم لأقبلن ولا أعود ثم خلى سبيله ورجعا إلى عشائرهما فسار المهاجر من نجران والتقت الخيول على أصحاب العنسي فاستأمنوا فلم يؤمنهم وقتلهم بكل سبيل ثم سار إلى صنعاء فدخلها وكتب إلى أبي بكر بذلك
ذكر ردة حضرموت وكندة
ص 232
لما توفي رسول الله وعماله على بلاد حضرموت زياد بن لبيد الأنصاري على حضرموت وعكاشة بن أبي أمية على السكاسك والسكون والمهاجر بن أبي أمية على كندة استعمله النبي ولم يخرج إليها حتى توفي النبي فبعثه أبو بكر بعد إلى قتال من باليمن ثم المسير بعد إلى عمله وكان قد تخلف عن رسول الله بتبوك فرجع رسول الله وهو عاتب عليه فبينما أم سلمة تغسل رأس النبي قالت كيف ينفعني عيش وأنت عاتب على أخي فرأت منه رقة فأومأت إلى خادمها فدعته فلم يزل بالنبي يذكر عذره حتى عذره ورضي عنه واستعمله على كندة فتوفي النبي ولم يسر إلى عمله ثم سار بعده وكان سبب ردة كندة وإجابتهم الأسود الكذاب حتى لعن النبي الملوك الأربعة منهم أنهم لما أسلموا أمر رسول الله أن يوضع بعض صدقة حضرموت في كندة وبعض صدقة كندة في حضرموت وبعض صدقة حضرموت في السكون وبعض صدقة السكون في حضرموت فقال بعض بني وليعة من كندة لحضرموت ليس لنا ظهر فإن رأيتم أن تبعثوا إلينا بذلك على ظهر
قالوا فإنا ننظر فإن لم يكن لكم ظهر فعلنا
فلما توفي رسول الله وجاء ذلك الأبان دعا زياد الناس إلى ذلك فحضروه قالت بنو وليعة أبلغونا كما وعدتم رسول الله
فقالوا إن لكم ظهرا فهلموا فاحتملوا فقالوا لزياد أنت معهم علينا فأتى الحضرميون ولج الكنديون ورجعوا إلى دارهم وترددوا في أمرهم وأمسك عنهم زياد انتظارا للمهاجر وكان المهاجر لما تأخر بالمدينة قد استخلف زيادا على عمله وسار المهاجر من صنعاء إلى عمله وعكرمة بن أبي جهل أيضا فالتقيا بمأرب ثم فوزا من صهيد حتى اقتحما حضرموت فنزل أحدهما على الأسود والآخر على وائل وكان زياد بن لبيد قد ولي صدقات بني عمرو بن معاوية من كندة بنفسه فقدم عليهم وهم بالرياض فكان أول من انتهى إليه منهم شيطان بن حجر فأخذ منهم بكرة ووسمها فإذا الناقة للعداء بن حجر أخي شيطان وليست عليه صدقة وكان أخوه قد أوهم حين أخرجها وكان اسمها شذرة وظنها غيرها فقال العداء هذه ناقتي فقال شيطان صدق أخي فإني لم أعطكموها إلا وأنا أراها غيرها فأطلقها وخذ غيرها
فرأى زياد أن ذلك منه اعتلال فاتهمه بالكفر ومباعدة الإسلام فمنعهما عنها وقال صارت في حق الله فلجا في أخذها
فقال لهما لا تكونن شذرة عليكم كالبسوس
فنادى العداء يا آل عمرو بالرياض أضام وأضطهد إن الذليل من أكل في داره ونادى حارثة بن سراقة بن معد يكرب فأقبل إلى زياد وهو واقف فقال أطلق بكرة الرجل وخذ غيرها
فقال زياد مالي إلى ذلك سبيل فقال حارثة ذاك إذا كنت يهوديا وعاج إليها وأطلق عقالها ثم ضرب على جنبها فبعثها وقام دونها فأمر زياد شبابا من حضرموت والسكون فمنعوه وكتفوه وكتفوا أصحابه وارتهنوهم وأخذوا البكرة وتصايحت كندة وغضبت بنو معاوية لحارثة وأظهروا أمرهم وغضبت حضرموت والسكون لزياد وتوافى عسكران عظيمان من هؤلاء وهؤلاء ولم يحدث بنو معاوية شيئا لمكان أسراهم ولم يجد أصحاب زياد سبيلا على بني معاوية يتعلقون به عليهم وأمرهم زياد بوضع السلاح فلم يفعلوا وطلبوا أسراهم فلم يطلقهم وقال له السكون ناهد القوم فإنه لا يعظمهم إلا ذلك ونهد إليهم ليلا فقتل منهم وتفرقوا فلما تفرقوا أطلق حارثة ومن معه فلما رجع الأسرى إلى أصحابهم حرضوهم على زياد ومن معه واجتمع منهم عسكر كثير ونادوا بمنع الصدقة فتركهم زياد ولم يخرجه إليهم وتركوا المسير إليه فأرسل الحصين بن نمير إليهم فما زال يسفر فيما بينهم وبين زياد وحضرموت والسكون حتى سكن بعضهم عن بعض فأقاموا بعد ذلك يسيرا ثم إن بني عمرو بن معاوية من كندة نزلوا المحاجر وهي أحماء حموها فنزل جمد محجرا ومخوص محجرا ومشرح محجرا وأبضعة محجرا وأختهم العمردة محجرا وهم الملوك الأربعة رؤساء عمرو الذين لعنهم رسول الله وقد ذكروا قبل ونزلت بنو الحارث بن معاوية محاجرها فنزل الأشعث بن قيس محجرا والسمط بن الأسود محجرا وأطبقت بنو معاوية كلها على منع الصدقة إلا شرحبيل بن السمط وابنه فإنهما قالا لبني معاوية إنه لقبيح بالأحرار التنقل إن الكرام ليلزمون الشبهة فيتكرمون أن ينتقلوا إلى أوضح منها مخافة العار فكيف الانتقال من الأمر الحسن الجميل والحق إلى الباطل والقبيح اللهم إنا لا نمالئ قومنا على ذلك
وانتقل ونزل مع زياد ومعهما امرؤ القيس بن عابس وقالا له بيت القوم فإن أقواما من السكاسك والسكون قد انضموا إليهم وكذلك شذاذ من حضرموت فإن لم تفعل خشينا أن تتفرق الناس عنا إليهم
فأجابهم إلى تبييت القوم فاجتمعوا وطرقوهم فوجدوهم جلوسا حول نيرانهم فعرفوا من يريدون فأكبوا على بني عمرو بن معاوية وفيهم العدد والشوكة من خمسة أوجه في خمس فرق فأصابوا مشرحا ومخوصا وجمدا وأبضعة وأختهم العمردة وأدركتهم لعنة النبي وقتلوا فأكثروا وهرب من أطلق الهرب ووهنت بنو عمرو بن معاوية فلم يأتوا بخير بعدها وعاد زياد بن لبيد بالأموال والسبي واجتازوا بالأشعث فثار في قومه واستنقذهم وجمع الجموع وكتب زياد إلى المهاجر يستحثه فلقيه الكتاب بالطريق فاستخلف على الجند عكرمة بن أبي جهل وتعجل في سرعان الناس وقدم على زياد وسار إلى كندة فالتقوا بمحجر الزرقان فاقتتلوا فانهزمت كندة وقتلت وخرجوا هرابا فالتجؤوا إلى النجير وقد رموه وأصلحوه
وسار المهاجر فنزل عليهم واجتمعت كندة في النجير فتحصنوا به فحصرهم المسلمون وقدم إليهم عكرمة فاشتد الحصر على كندة وتفرقت السرايا في طلبهم فقتلوا منهم وخرج من بالنجير من كندة وغيرهم فقاتلوا المسلمين فكثر فيهم القتل فرجعوا إلى حصنهم وخشعت نفوسهم وخافوا القتل وخاف الرؤساء على نفوسهم فخرج الأشعث ومعه تسعة نفر فطلبوا من زياد أن يؤمنهم وأهليهم على أن يفتحوا له الباب فأجابهم إلى ذلك وقال اكتبوا ما شئتم ثم هلموا الكتاب حتى أختمه
ففعلوا ونسي الأشعث أن يكتب نفسه لأن جحدما وثب عليه بسكين فقال تكتبني أو أقتلك فكتبه ونسي نفسه ففتحوا الباب فدخل المسلمون فلم يدعوا فيه مقاتلا إلا قتلوه وضربوا أعناقهم صبرا وأخذوا الأموال والسبي فلما فرغوا منهم دعا الأشعث أولئك النفر والكتاب معهم فعرضهم فأجاز من في الكتاب فإذا الأشعث ليس منهم فقال المهاجر الحمد لله الذي خطأك نوءك يا أشعث يا عدو الله قد كنت أشتهي أن يخزيك الله
وشده كتافا وهم بقتله فقيل له أخره وسيره إلى أبي بكر فهو أعلم بالحكم فيه فسيره إلى أبي بكر مع السبي
وقيل إن الحصار لما اشتد على من بالنجير نزل الأشعث إلى المهاجر وزياد والمسلمين فسألهم الأمان على دمه وماله حتى يقدموا به على أبي بكر فيرى فيه رأيه على أن يفتح لهم النجير ويسلم إليهم من فيه وغدر بأصحابه فقبلوا ذلك منه ففتح لهم الحصن فاستنزلوا من فيه من الملوك فقتلوهم وأوثقوا الأشعث وأرسلوه مع السبي إلى أبي بكر فكان المسلمون يلعنونه ويلعنه سبايا قومه وسماه نساء قومه عرف النار وهو اسم الغادر عندهم فلما قدم المدينة قال له أبو بكر ما تراني أصنع بك قال لا علم قال فإني أرى قتلك قال فإني أنا الذي راوضت القوم في عشرة فما يحل دمي قال أفوضوا إليك قال نعم قال ثم أتيتهم بما فوضوا إليك فختموه لك قال نعم قال إنما وجب الصلح بعد ختم الصحيفة على من فيها وإنما كنت قبل ذلك مراوضا
فلما خشي القتل قال أوتحتسب في خيرا فتطلق إساري وتقيلني عثرتي وتفعل بي مثل ما فعلت بأمثالي وترد علي زوجتي وقد كان خطب أم فروة أخت أبي بكر فلما قدم على النبي أخرها إلى أن يقدم الثانية فمات النبي وارتد فإن فعلت ذلك تجدني خير أهل بلادي لدين الله
فحقن دمه ورد عليه أهله وأقام بالمدينة حتى فتح العراق وقسم الغنائم بين الناس
وقيل إن عكرمة قدم بعد الفتح مددا لهم فقال زياد والمهاجر لمن معهما إن إخوانكم قدموا مددا لكم وقد سبقتموهم بالفتح فأشركوهم في الغنيمة ففعلوا وأشركوهم
ولما ولي عمر بن الخطاب قال إنه لقبيح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا وقد وسع الله عز وجل وفتح الأعاجم واستشار في فداء سبايا العرب في الجاهلية والإسلام إلا امرأة ولدت لسيدها وجعل فداء لكل إنسان سنة أبعرة أو سبعة إلا حنيفة وكندة فإنه خفف عليهم لقتل رجالهم وأهل دبا فتتبع النساء بكل مكان ففدوهن
وفيها انصرف معاذ بن جبل من اليمن وفيها استقصى أبو بكر عمر بن الخطاب وكان يقضي بين الناس خلافته كلها
وحج بالناس في هذه السنة عتاب بن أسيد وقيل عبد الرحمن بن عوف
النجير بضم النون وفتح الجيم وسكون الياء تحتها نقطتان وآخره راء حصن باليمن منيع
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.