ذكر غزوة بني لحيان
ص 77
في جمادى الأولى منها خرج رسول الله إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة واغد السير حتى نزل على غران منازل بني لحيان وهي بين أمج وعسفان فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال فلما أخطأه ما أراد منهم خرج في مائتي راكب حتى نزل بعسفان تخويفا لأهل مكة وأرسل فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم ثم عاد قافلا
غران بضم الغين المعجمة وفتح الراء وبعد الألف نون وأمج بفتح الهمزة والميم وآخره جيم
ذكر غزوة ذي قرد
ص 77
ثم قدم رسول الله المدينة فلم يقم إلا أياما قلائل حتى أغار عيينة بن حصن الفزاري في خيل غطفان على لقاح النبي وأول من نذر بهم سلمة بن الأكوع الأسلمي هكذا ذكرها أبو جعفر بعد غزوة بني لحيان عن ابن إسحاق والرواية الصحيحة عن سلمة أنها كانت بعد مقدمه المدينة منصرفا من الحديبية وبين الوقعتين تفاوت قال سلمة بن الأكوع أقبلنا مع النبي إلى المدينة بعد صلح الحديبية فبعث رسول الله بظهره مع رباح غلامه وخرجت معه بفرس طلحة بن عبيد الله فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن بن عيينة بن حصن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله فاستاقه أجمع وقتل راعيه قلت يا رباح هذه الفرس فأبلغها طلحة وأخبر النبي أن المشركين قد أغاروا على سرحه ثم استقبلت الأكمة فناديت ثلاثة أصوات يا صباحاه ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز وأقول
( خذها وأنا ابن الأكوع % واليوم يوم الرضع ) قال فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم فإذا خرج إلي فارس قعدت في أصل شجرة فرميته فعقرت به وإذا دخلوا في مضايق الجبل رميتهم بالحجارة من فوقهم فما زلت كذلك حتى ما تركت من ظهر رسول الله بعيرا إلا جعلته وراء ظهري وخلوا بيني وبينه وألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وثلاثين بردة يستخفون بها لا يلقون شيئا غلا جعلت عليه أمارة أي علامة حتى تعرفه أصحاب رسول الله حتى إذا انتهوا إلى مضايق من ثنية أتاهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ممدا فقعدوا يتضحون فلما رآني قال من هذا قالوا لقينا منه البرح وقد استنقذ كل ما بأيدينا فما برحت مكاني حتى أبصرت فوارس رسول الله يتخللون الشجر أولهم الأخرم الأسدي واسمه محرز بن نضلة من أسد بن خزيمة وعلى أثره أبو قتادة وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندي فأخذت بعنان الأخرم وقلت أحذر القوم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله وأصحابه فقال يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تحل بيني وبين الشهادة قال فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة فعقر الأخرم بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم ولحق أبو قتادة فارس رسول الله بعبد الرحمن فطعنه فانطلقوا هاربين قال سلمة فوالذي كرم وجه محمد لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد ولا غبارهم شيئا وعدلوا قبل غروب الشمس إلى غار في ماء يقال له ذو قرد ليشربوا منه وهم عطاش فنظروا إلي أعدو في آثارهم فأجليتهم عنه فما ذاقوا منه قطرة قال واشتدوا في ثنية ذي أبهر فأرشق بعضهم بسهم فيقع في نغض كتفه فقلت
( خذها وأنا ابن الأكوع % واليوم يوم الرضع )
وأرادوا فرسين على ثنية فجئت بهما أقودهما إلى النبي ولحقني عمي عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطحية فيها ماء فتوضأت وصليت وشربت ثم جئت إلى النبي وهو على الماء الذي أجليتهم عنه بذي قرد وإذا رسول الله قد أخذ تلك الإبل التي استنقذت من العدو وكل رمح وكل بردة وإذا بلال قد نحر لهم ناقة من الإبل وهو يشوي منها فقلت يا رسول الله خلني أنتخب مائة رجل فلا يبقى منهم عين تطرف فضحك وقال إنهم ليقرون بأرض غطفان فجاء رجل من غطفان فقال نحر لهم فلان جزورا فلما كشطوا عنها جلدها رأوا غبارا فقالوا أتيتم فخرجوا هاربين فلما أصبحنا قال رسول الله كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع ثم أعطاني رسول الله سهمين سهم الفارس وسهم الراجل ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة فبينما نحن نسير وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا فقال ألا من مسابق مرارا فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي ائذن لي فلأسابق الرجل قال إن شئت قال فطفرت فعدوت فربطت عليه شرفا أو شرفين ثم إني رفعت حتى ألحقه فأصكه بين كتفيه فقلت سبقتك والله قال أنا أظن فسبقته إلى المدينة فلم نمكث بها إلا ثلاثا حتى خرجنا إلى خيبر وفي هذه الغزوة نودي يا خيل الله اركبي ولم يكن يقال قبلها
قرد بفتح القاف والراء
ذكر غزوة بني المصطلق من خزاعة
ص 80
ذكرت هذه الغزوة بعد غزوة ذي قرد وكانت في شعبان من السنة سنة ست وكان بلغ رسول الله أن بني المصطلق تجمعوا له وكان قائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي فلما سمع بهم خرج إليهم فلقيهم بماء لهم يقال له المريسيع بناحية قديد فاقتتلوا فانهزم المشركون وقتل من قتل منهم وأصيب رجل من المسلمين من بني ليث بن بكر اسمه هشام بن صبابة أخو مقيس بن صبابة أصابه رجل من الأنصار بسهم من رهط عبادة بن الصامت وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ وأصاب رسول الله سبايا كثيرة فقسمها في المسلمين وفيهم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار فوقعت في السهم لثابت بن قيس أو لابن عم له فكاتبته عن نفسها فأتت رسول الله فاستعانته في كتابتها فقال لها هل لك على خير من ذلك قالت وما هو يا رسول الله قال أقضي كتابتك وأتزوجك قالت نعم يا رسول الله ففعل وسمع الناس الخبر فقالوا أصهار رسول الله فأعتقوا أكثر من مائة بيت من أهل بني المصطلق فما كانت امرأة أعظم بركة على قومها منها
وبينما الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له جهجاه فازدحم هو وسنان الجهني حليف بني عوف من الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الأنصار وصرخ جهجاه يا معشر المهاجرين فغضب عبد الله بن أبي بن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم غلام حدث السن فقال أوقد فعلوها قد كاثرونا في بلادنا أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ثم أقبل على من حضره من قومه فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم ببلادكم وقاسمتموهم أموالكم والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادك فسمع ذلك زيد فمشى به إلى النبي وذلك عند فراغ رسول الله من غزوه فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله مر به عباد بن بشر فليقتله فقال رسول الله كيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولكن أذن بالرحيل فارتحل في ساعة لم يكن يرتحل فيها ليقطع ما الناس فيه فلقيه أسيد بن حضير فسلم عليه وقال يا رسول الله لقد رحت في ساعة لم تكن تروح فيها فقال أوبلغك ما قال عبد الله بن أبي قال وماذا قال قال زعم إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال أسيد فأنت والله تخرجه إن شئت فإنك العزيز وهو الذليل
ثم قال يا رسول الله ارفق به فوالله لقد من الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا وسمع عبد الله بن أبي أن زيدا أعلم النبي قوله فمشى إلى رسول الله فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به وكان عبد الله في قومه شريفا فقالوا يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أخطأه وأنزل الله إذا جاءك المنافقون تصديقا لزيد فلما نزلت أخذ رسول الله بأذن زيد وقال هذا الذي أوفى الله بأذنه وبلغ عبد الله بن أبي بن سلول ما كان من أمر أبيه فأتى النبي فقال يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبي فإن كنت فاعلا فملاني به فأنا أحمل إليك رأسه وأخشى أن تأمر غيري بقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال النبي بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا فكان بعد ذلك إذا أحدث حدثا عاتبه قومه وعنفوه وتوعدوه فقال رسول الله لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم كيف ترى ذلك يا عمر أما والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله لأرعدت له انف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته فقال عمر أمر رسول الله أعظم بركة من أمري وفيها قدم مقيس بن صبابة مسلما فيما يظهر فقال يا رسول الله جئت مسلما وجئت أطلب دية أخي وكان قتل خطأ فأمر له بدية أخيه هشام بن صبابة وقد تقدم ذكر قتله آنفا فأقام عند رسول الله غير كثير ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ثم خرج إلى مكة مرتدا فقال
( شفى النفس أن قد بات في القاع مسندا % تضرج ثوبيه دماء الأخادع )
( وكانت هموم النفس من قبل قتله % تلم فتحميني وطاء المضاجع )
( حللت به نذري وأدركت ثؤرتي % وكنت إلى الأصنام أول راجع ) مقيس بكسر الميم وسكون القاف وفتح الياء تحتها نقطتان وصبابة بصاد مهملة وببائين موحدتين بينهما ألف وأسيد بهمزة مضمومة وحضير بضم الحاء المهملة وفتح الضاد
حديث الإفك
ص 82
وكان حديث الإفك في غزوة بني المصطلق لما رجع رسول الله فكان ببعض الطريق قال أهل الإفك ما قالوا وكان من حديثه ما روي عن عائشة قالت كان رسول الله إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه فخرج سهمي فخرج بي معه وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلقة لم يتفكهن باللحم وكنت إذا وصل بعيري جلست في هودجي ثم يأتي القوم الذين يرحلون بعيري فيحملون الهودج وأنا فيه فيضعونه على ظهر البعير ثم يأخذون برأس البعير ويسيرون قالت فلما قفل رسول الله من سفره ذلك وكان قريبا من المدينة بات بمنزل بعض الليل ثم ارتحل هو والناس وكنت قد خرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي من جزع ظفار انسل من عنقي ولا أدري فلما رجعت التمست العقد فلم أجده وأخذ الناس في الرحيل فرجعت إلى المكان الذي كنت فيه التمسه فوجدته وجاء القوم الذين يرحلون بعيري فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه فاحتملوه على عادتهم وانطلقوا ورجعت إلى المعسكر وما فيه من داع ولا مجيب فتلففت بجلبابي واضطجعت في مكاني وعرفت أنهم يرجعون إلي إذا افتقدوني قالت فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي وقد كان تخلف عن العسكر لحاجته فلم يبت مع الناس فلما رأى سوادي أقبل حتى وقف علي فعرفني وكان رآني قبل أن يضرب الحجاب فلما رآني استرجع وقال ما خلفك قالت فما كلمته ثم قرب البعير وقال اركبي فركبت وأخذ برأس البعير مسرعا فلما نزل الناس واطمأنوا اطلع الرجل يقود بي فقال أهل الإفك ما قالوا فارتعج العسكر ولم أعلم بشيء من ذلك
ثم قدمنا المدينة فاشتكيت شكوى شديدة وقد انتهى الحديث إلى رسول الله وإلى أبوي ولا يذكران لي منه شيئا إلا أني أنكرت من رسول الله بعض لطفه فكان إذا دخل علي وأمي تمرضني قال كيف تيكم لا يزيد على ذلك فوجدت في نفسي مما رأيت من جفائه لي فاستأذنته في الانتقال إلى أمي لتمرضني فأذن لي وانتقلت ولا أعلم بشيء مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة قالت وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف نعافها ونكرهها إنما كانت النساء يخرجن كل ليلة فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح ابنة أبي رهم بن المطلب وكانت أمها خالة أبي بكر الصديق قالت فوالله إنها لتمشي إذ عثرت في مرطها فقالت تعس مسطح قالت قلت لعمر الله بئسما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا قالت أوما بلغك الخبر قلت وما الخبر فأخبرتني بالذي كان قالت فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي فرجعت فما زلت ابكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي وقلت لمي تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا قالت أي بنية خفضي عليك فوالله قلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها قالت وقد قام رسول الله في الناس فخطبهم ولا اعلم بذلك ثم قال أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهن غير الحق ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت عليه إلا خيرا وما دخل بيتا من بيوتي إلا معي
وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش وذلك أن زينب أختها كانت عند رسول الله فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضارني لأختها فلما قال رسول الله تلك المقالة قال أسيد بن حضير يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفكهم وإن يكونوا من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك فقال سعد بن عبادة والله ما قلت هذه المقالة إلا وقد عرفت أنهم من الخزرج ولو كانوا من قومك ما قلت هذا فقال أسيد كذبت ولكنك منافق تجادل عن المنافقين وتثاور الناس حتى كاد يكون بينهم شر ونزل رسول الله ودعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما فأما أسامة فأثنى خيرا وأما علي فقال إن النساء لكثير وسل الخادم تصدقك فدعا رسول الله بريرة يسألها فقام إليها علي فضربها ضربا شديدا وهو يقول اصدقي رسول الله فقالت والله ما اعلم إلا خيرا وما كنت أعيب عليها شيئا إلا أنها كانت تنام عن عجينها فتأتي الداجن فتأكله
ثم قالت دخل علي رسول الله وعندي أبواي وامرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فإن كنت قارفت سوءا فتوبي إلى الله قالت فوالله لقد تقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئا وانتظرت أبواي أن يجيباه فلم يفعلا فقلت ألا تجيبانه فقالا والله ما ندري بما نجيبه وما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على أبي بكر تلك الأيام
فلما أن استعجما علي بكيت ثم قلت والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا والله لئن أقررت والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني ولئن أنكرت لا تصدقونني ثم التمست اسم يعقوب فلم أجده فقلت ولكني أقول كما قال أبو يوسف فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ولشأني كان أصغر في نفسي أن ينزل الله في قرآنا يتلى ولكني كنت أرجو أن يرى رؤيا يكذب الله بها عني قالت فوالله ما برح رسول الله من مجلسه حتى جاء الوحي فسجي بثوبه فأما أنا والله ما فزعت ولا باليت قد عرفت أني بريئة وأن الله غير ظالمي وأما أبواي فما سري عن رسول الله حتى ظننت لتخرجن أنفسهما
( ونحن بكينا من فراقك مرة % وأخرى وواسيناك في العسر واليسر )
( وأنت فلم تبعد فنعم فتى الهوى % جميل العفاف والمودة في ستر )
فقال لها
( أرأيتك إن طالبتكم فوجدتكم % بحلية أو ألفيتكم بالخوانق )
( ألم يك حقا أن ينول عاشق % تكلف أدلاج السرى في الودائق )
( فلا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرة % أثيبي بود قبل إحدى الصفائق )
( أثيبي بود قبل أن يشحط النوى % وينأى لأمر بالحبيب المفارق )
فإني لآبه بالذي أرعينه % ولا منظر مذ غبت عني برائق )
( علي بآيات العشيرة شاغل % ولا ذكر إلا ذكر هيمان وامق )
فقدموه فضربوا عنقه
هذا الشعر لعبد الله بن علقمة الكناني وكان من جذيمة مع حبيشة بنت حبيش الكنانية أنه خرج مع أمه وهو غلام نحو المحتلم لتزور جارة لها وكان لها ابنة اسمها حبيشة بنت حبيش فلما رآها عبد الله هويها ووقعت في نفسه وأقامت أمه عند جارتها وعاد عبد الله إلى أهله ثم عاد ليأخذ أمه بعد يومين فوجد حبيشة قد تزينت لأمر كان في الحي فازداد بها عجبا وانصرفت أمه فمشى معها وهو يقول
( وما أدري بلى إني لأدري % أصوب القطر أحسن أم حبيش )
( حبيشة والذي خلق البرايا % وما إن عندنا للصب عيش )
فسمعت أمه فتغافلت عنه ثم إنه رأى ظبيا على ربوة فقال
( يا أمنا خبريني غير كاذبة % وما يريد سؤول الحق بالكذب )
( أتلك أحسن أم ظبية برابية % لا بل حبيشة في عيني وفي أرب )
فزجرته أمه وقالت ما أنت وهذا وقد زوجتك ابنة عمك فهي من أجمل تلك النساء وأتت امرأة عمير فأخبرتها الخبر وقالت زيني ابنتك ففعلت وأدخلتها عليه فأطرق فقالت أمه أيهما الآن احسن فقال
( إذا غيبت عني حبيشة مرة % من الدهر لا املك عزاء ولا صبرا )
( كأن الحشا حر السعير تحثه % وقود الغضا والقلب مضطرم الجمرا )
( وجعل يراسل الجارية وتراسله فعلقته كما علقها وأكثر قول الشعر فيها فمن ذلك
( حبيشة جدي ثم جدك جامع % بشملكم شملي وأهلكم أهلي )
( وهل أنا متلف بثوبك مرة % بصحراء بين الألبتين إلى النحل )
فلما علم أهلها خبرها حجبوها عنه فازداد غرامه فقالوا لها عديه السرحة فإذا أتاك فقولي له نشدتك الله إن أحببتني فوالله ما على الأرض أبغض إلي منك ونحن قريب نسمع ما تقولين فوعدته وجلسوا قريبا فأقبل لموعد لها فلما دنا منها دمعت عيناها والتفت إلى جانب أهلها وهم جلوس فعرف أنهم قريب وبلغه الحال فقال
( فإن قلت ما قالوا لقد زدتني جوى % على أنه لم يبق سر ولا ستر )
( ولم يك حي عن نواك بذلته % فيسلبني عنك التجنب والهجر )
( وما انس للأشياء ولا أنس ومقها % ونظرتها حتى يغيبني القبر )
وبعث النبي أثر ذلك خالد بن الوليد فكان منه ما تقدم ذكره
وفي هذه السنة تزوج النبي مليكة ابنة داود الليثية وكان أبوها قتل يوم فتح مكة فجاء إليها بعض أزواج النبي فقلن لها ألا تستحين تزوجين رجلا قتل أباك فاستعاذت منه وكانت جميلة حدثة ففارقها
وفيها هدم خالد بن الوليد العزى ببطن نخلة لخمس ليال بقين من رمضان وكان هذا البيت تعظمه قريش وكنانة ومضر كلها وكان سدنتها بنو شيبان بن سليم حلفاء بني هاشم فلما سمع صاحبها بمسير خالد بن الوليد إليها علق عليها سيفه وقال
( أيا عز شدي شدة لا شوى لها % على خالد ألقى القناع وشمري ) فلما انتهى خالد إليها جعل السادن يقول أعزي بعض غضباتك فخرجت امرأة سوداء حبشية عريانة مولولة وكسر الصنم وهدم البيت ثم رجع إلى النبي فاخبره فقال تلك العزى لا تعبد أبدا وفيها هدم عمرو بن العاص سواع وكان برهاط لهذيل فلما كسر الصنم أسلم سادنه ولم يجد في خزانته شيئا وفيها هدم سعد بن زيد الأشهلي مناة بالمشلل وكان للأوس والخزرج
ذكر غزوة هوازن بحنين
ص 134
وكانت في شوال وسببها أنه لما سمعت هوازن بما فتح الله على رسوله من مكة جمعها مالك بن عوف النصري من بني نصر بن معاوية بن بكر وكانوا مشفقين من أن يغزوهم رسول الله بعد فتح مكة وقالوا لا مانع له من غزونا والرأي أن نغزوه قبل أن يغزونا واجتمع إليه ثقيف يقودها قارب بن الأسود بن مسعود سيد الأحلاف وذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه الأحمر بن الحارث سيد بني مالك ولم يحضرها من قيس عيلان إلا نصر وجشم وسعد بن بكر وناس من بني هلال ولم يحضرها كعب ولا كلاب وفي جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب وكان شيئا مجربا فلما أجمع مالك بن عوف المسير إلى رسول الله حط مع الناس أموالهم ونساءهم فلما نزلوا أوطاس جمع الناس وفيهم دريد بن الصمة فقال دريد بأي واد أنتم فقالوا بأوطاس قال نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير ويعار الشاء وبكاء الصغير قالوا ساق مالك مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم فقال يا مالك إن هذا يوم له ما بعده ما حملك على ما صنعت قال سقتهم مع الناس ليقاتل كل إنسان عن حريمه وماله قال دريد راعي ضأن والله هل يرد المنهزم شيء إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك وقال ما فعلت كعب وكلاب قالوا لم يشهدها أحد منهم قال غاب الجدو والحد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب وودت أنكم فعلتم ما فعلا
ثم قال يا مالك ارفع من معك إلى عليا بلادهم ثم الق القوم على متون الخيل فإن كانت تلك لك لحق بك من وراءك وإن كانت عليك كنت قد أحرزت اهلك ومالك قال مالك والله لا افعل ذلك إنك قد كبرت وكبر علمك والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري وكره أن يكون لدريد فيها ذكر ورأي فقال دريد هذا يوم لم أشهده ولم يفتني
ثم قال مالك أيها الناس إذا رأيتم القوم فاكسروا جفون سيوفكم وشدوا عليهم شدة رجل واحد وبعث مالك عيونه ليأتوه بالخبر فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالكم فقال ويلكم ما شأنكم قالوا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق فوالله ما تماسكنا أن حل بنا ما ترى فلم ينهه ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد
ولما بلغ رسول الله خبر هوازن أجمع المسير إليهم وبلغه أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا فأرسل إليه رسول الله وهو يومئذ مشرك أعرنا سلاحك نلق فيه عدونا غدا فقال له صفوان أغصبا يا محمد فقال بل عارية مضمونة نؤديها إليك قال ليس بهذا بأس فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح ثم سار النبي ومعه ألفان من مسلمة الفتح مع عشرة آلاف من أصحابه فكانوا اثني عشر ألفا فلما رأى رسول الله كثرة من معه قال لن نغلب اليوم من قلة وذلك قوله تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وقيل إنما قالها رجل من بكر
واستعمل رسول الله على من بمكة عتاب بن أسيد قال جابر فلما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا في عماية الصبح وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه ومضايقه قد أجمعوا وتهيؤا وأعدوا له فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد فانهزم الناس أجمعون لا يلوي أحد على أحد وانحاز رسول الله ذات اليمين ثم قال أيها الناس هلموا إلي أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله قاله ثلاثا
ثم احتملت الإبل بعضها بعضا إلا أنه قد بقي مع النبي نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته منهم أبو بكر وعمر وعلي والعباس وابنه الفضل وأبو سفيان بن الحارث وربيعة بن الحارث وأيمن بن أم أيمن وأسامة بن زيد قال وكان رجل من هوازن على جمل احمر بيده راية سوداء أمام الناس فإذا أدرك رجلا طعنه وإذا فاته الناس رفع رايته لمن وراءه فاتبعوه فحمل عليه علي فقتله
ولما انهزم الناس تكلم رجال من أهل مكة بما في أنفسهم من الضغن فقال أبو سفيان بن حرب لا تنتهي هزيمتهم دون البحر والأزلام معه في كنانته وقال كلدة بن الحنبلي وهو أخو صفوان بن أمية لأمه وكان صفوان بن أمية يومئذ مشركا الآن بطل السحر فقال له صفوان اسكت فض الله فاك فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن وقال شيبة بن عثمان اليوم أدرك ثأري من محمد وكان أبوه قتل بأحد قال فأدرت به لأقتله شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك وعلمت أنه منع مني وكان العباس مع النبي آخذا بلجام دابته دلدل وهو عليها وكان العباس جسيما شديد الصوت فقال له رسول الله يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة ففعل فأجابوه لبيك لبيك فكان الرجل يريد أن يثني بعيره فلا يقدر فيأخذ سلاحه ثم ينزل عنه ويؤم الصوت فاجتمع على رسول الله مائة رجل فاستقبل بهم القوم وقاتلهم فلما رأى النبي شدة القتال قال
( أنا النبي لا كذب % أنا ابن عبد المطلب )
الآن حمي الوطيس وهو أول من قالها واقتتل الناس قتالا شديدا وقال النبي لبغلته دلدل البدي دلدل فوضعت بطنها على الأرض فأخذ حفنة من تراب فرمى به في وجوههم فكانت الهزيمة فما رجع الناس إلا والأسارى في الحبال عند رسول الله وقيل بل أقبل شيء اسود من السماء مثل البجاد حتى سقط بين القوم فإذا نمل أسود مبثوث فكانت الهزيمة ولما انهزمت هوازن قتل من ثقيف وبني مالك سبعون رجلا فأما الحلاف من ثقيف فلم يقتل منهم غير رجلين لأنهم انهزموا سريعا وقصد بعض المشركين الطائف ومعهم مالك بن عوف واتبعت خيل رسول الله المشركين فقتلهم فأدرك ربيعة بن رفيع السلمي دريد بن الصمة ولم يعرفه لأنه كان في شجار لكبره وأناخ بعيره فإذا هو شيخ كبير فقال له دريد ماذا تريد قال أقتلك قال ومن أنت فانتسب له ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا فقال دريد بئس ما سلحتك أمك خذ سيفي فاضرب به ثم ارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإني كذلك كنت أقتل الرجال وإذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة فرب يوم قد منعت فيه نساءك فقتله فلما أخبر أمه قالت والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا واستلب أبو طلحة الأنصاري يوم حنين عشرين رجلا وحده وقتلهم فقال رسول الله ( من قتل قتيلا فله سلبه ) وقتل أبو قتادة الأنصاري قتيلا وأجهضه القتال عن اخذ سلبه فأخذه غيره فلما قال رسول الله ذلك قام أبو قتادة فقال قتلت قتيلا وأخذ غيري سلبه فقال الذي أخذ السلب هو عندي فارضه مني يا رسول الله فقال أبو بكر لا والله لا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله تقاسمه فرد عليه السلب
وكان لبعض ثقيف غلام نصراني فقتل فبينما رجل من الأنصار يستلب قتلى ثقيف إذ كشف العبد فرآه أغرل فصرخ بأعلى صوته يا معشر العرب إن ثقيفا لا تختتن فقال له المغيرة بن شعبة لا تقل هذا إنما هو غلام نصراني وأراه قتلى ثقيف مختتنين ومر رسول الله في الطريق بامرأة مقتولة فقال من قتلها قالوا خالد بن الوليد فقال لبعض من معه أدرك خالدا فقل له إن رسول الله ينهاك أن تقتل امرأة أو وليدا أو عسيفا والعسيف الأجير
وكان بعض المشركين بأوطاس فأرسل إليهم رسول الله أبا عامر الأشعري عم أبي موسى فرمى أبو عامر بسهم قيل رماه سلمة بن دريد بن الصمة وقتل أبو موسى سلمة هذا بعمه أبي عامر وانهزم المشركون بأوطاس وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا فساقوا في السبي الشيماء ابنة الحارث بن عبد العزى فقالت لهم إني والله أخت صاحبكم من الرضاعة فلم يصدقوها حتى أتوا بها النبي فقالت له إني أختك قال وما علامة ذلك قالت عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك فعرفها وبسط لها رداءه وأجلسها عليه وخيرها فقال إن أحببت فعندي مكرمة محبة وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك قالت بل تمتعني وتردني إلى قومي ففعل وأمر رسول الله بالسبايا والأموال فجمعت إلى الجعرانة وجعل عليها بديل بن ورقاء الخزاعي واستشهد من المسلمين بحنين أيمن بن أم أيمن ويزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى وغيرهما
ذكر حصار الطائف
ص 138
لما قدم المنهزمون من ثقيف ومن انضم إليهم من غيرهم إلى الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتهم واستحصروا وجمعوا ما يحتاجون إليه فسار إليهم النبي فلما كان ببحرة الرغا ابتنى بها مسجدا فصلى فيه قبل وصوله إلى الطائف وقتل بها رجلا من بني ليث قصاصا كان قد قتل رجلا من هذيل فأمر بقتله وهو أول دم أقيد به في الإسلام وسار إلى ثقيف فحصرهم بالطائف نيفا وعشرين يوما ونصب عليهم منجنيقا أشار به سلمان الفارسي وقاتلهم قتالا شديدا حتى كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من المسلمين تحت دبابة عملوها ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد المحماة فخرجوا من تحتها فرماهم من بالطائف بالنبل فقتلوا رجالا فأمر رسول الله بقطع أعناب ثقيف فقطعت ونزل إلى رسول الله نفر من رقيق أهل الطائف فأعتقهم منهم أبو بكرة نفيع بن الحارث عبد الحارث بن كلدة وإنما قيل له أبو بكرة ببكرة نزل فيها وغيره فلما أسلم أهل الطائف تكلمت سادات أولئك العبيد في أن يردهم رسول الله إلى الرق فقال لا أفعل أولئك عتقاء الله
ثم إن خويلة بنت حكيم السلمية وهي امرأة عثمان بن مظعون قالت يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية بنت غيلان أو حلي الفارعة بنت عقيل وكانتا من أكثر نساء ثقيف حليا فقال لها رسول الله أرأيت إن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة فخرجت فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب فدخل عليه عمر وقال يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خويلة أنك قد قلته قال قد قلته قال أفلا أؤذن بالرحيل يا رسول الله قال بلى فأذن بالرحيل فأذن عمر فيهم بالرحيل وقيل إن رسول الله استشار نوفل بن معاوية الديلي في المقام عليهم فقال يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك فأذن بالرحيل فلما رجع الناس قال رجل يا رسول الله ادع على ثقيف قال اللهم اهد ثقيفا وأت بهم فلما رأت ثقيف الناس قد رحلوا عنهم نادى سعيد بن عبيد الثقفي ألا إن الحي مقيم فقال عيينة بن حصن أجل والله مجدة كراما فقال رجل من المسلمين قاتلك الله يا عيينة أتمدحهم بالامتناع عن رسول الله قال إني والله ما جئت لأقاتل معكم ثقيفا ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب من ثقيف جارية أتبطنها لعلها تلد لي رجلا فإن ثقيفا قوم مناكير
واستشهد بالطائف اثنا عشر رجلا منهم عبد الله بن أبي أمية المخزومي وأمه عاتكة بنت عبد المطلب وعبد الله بن أبي بكر الصديق رمي بسهم فمات منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله والسائب بن الحارث بن عدي وغيرهم وأخذت بادية بنت غيلان التي قال فيها هيت المخنث لعبد الله بن أبي أمية إن فتح الله عليكم الطائف فسل رسول الله أن ينفلك بادية بنت غيلان فأنها هيفاء شموع نجلاء إن تكلمت تغنت وإن قامت تثنت وإن مشت ارتجت وإن قعدت تبنت تقبل بأربع وتدبر بثمان بثغر كالأقحوان بين رجليها كالقعب المكفأ فقال النبي لقد علمت الصفة ومنعه من الدخول إلى نسائه
ذكر قسمة غنائم حنين
ص 140
لما رحل رسول الله من الطائف سار حتى نزل الجعرانة فيمن معه من الناس وأتته وفود هوازن بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا يا رسول الله إنا أصل وعشيرة وقد أصابنا ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك وقام زهير أبو صرد من بني سعد بن بكر وهم الذين أرضعوا رسول الله فقال يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك ولو أنا أرضعنا الحارث بن أبي شمر الغساني أو النعمان بن المنذر لرجونا عطفه وأنت خير المكفولين ثم قال
( امنن علينا رسول الله في كرم % فإنك المرء نرجوه وندخر )
( امنن على نسوة قد عاقها قدر % ممزق شملها في دهرها غير )
في أبيات فخيرهم رسول الله بين أبنائهم ونسائهم وبين أموالهم فاختاروا أبنائهم ونسائهم فقال أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فإذا أنا صليت بالناس فقولوا إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم وأسأل فيكم فلما صلى الظهر فعلوا ما أمرهم به فقال رسول الله ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وقال المهاجرون والأنصار ما كان لنا فهو لرسول الله وقال الأقرع بن حابس ما كان لي ولبني تميم فلا وقال عيينة بن حصن ما كان لي ولفزارة فلا وقال عباس بن مرداس ما كان لي ولسليم فلا فقالت بنو سليم ما كان لنا فهو لرسول الله فقال وهنتموني فقال رسول الله من تمسك بحقه من السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول شيء نصيبه فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم وسأل رسول الله عن مالك بن عوف فقيل إنه بالطائف فقال أخبروه إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة بعير فأخبر مالك بذلك فخرج من الطائف سرا ولحق برسول الله فأسلم وحسن إسلامه واستعمله رسول الله على قومه وعلى من أسلم من تلك القبائل التي حول الطائف فأعطاه أهله وماله ومائة بعير وكان يقاتل بمن أسلم معه من ثمالة وفهم وسلمة ثقيفا لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم
ولما فرغ رسول الله من رد سبايا هوازن ركب واتبعه الناس يقولون يا رسول الله أقسم علينا فيئنا من الإبل والغنم حتى ألجأوه إلى شجرة فاختطفت رداءه فقال ردوا علي ردائي أيها الناس فوالله لو كان لي عدد شجر تهامة نعم لقسمتها عليكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا ثم رفع وبرة من سنام بعير وقال ليس لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس وهو مردود عليكم فأدوا الخياط والمخيط فإن الغلول يكون على أهله عارا ونارا وشنارا يوم القيامة فمن أخذ شيئا رده ثم أعطى المؤلفة قلوبهم وكانوا من أشراف الناس يتألفهم على الإسلام فأعطى أبا سفيان وابنه معاوية وحكيم بن حزام والعلاء بن جارية الثقفي والحارث بن هشام وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس ومالك بن عوف النصري كل واحد منهم مائة بعير وأعطى دون المائة رجالا منهم مخرمة بن نوفل الزهري وعمير بن وهب بن عمرو وسعيد بن يربوع وأعطى العباس بن مرداس أباعر فسخطها وقال يعاتب رسول الله
( كانت نهابا تلافيتها % بكري على المهر في الأجرع )
( وإيقاظي القوم أن يرقدوا % إذا هجع الناس لم أهجع )
( فأصبح نهبي وهب العبي % د بين عيينة والأقرع )
( وقد كنت في الحرب ذا تدرإ % فلم أعط شيئا ولم أمنع )
( إلا أفائل أعطيتها % عديد قوائمه الأربع )
( وما كان حصن ولا حابس % يفوقان مرداس في المجمع )
( وما كنت دون أمري منهما % ومن تضع اليوم لا يرفع )
فأعطاه حتى رضي وقال رجل من الصحابة يا رسول الله أعطيت عيينة والأقرع وتركت جعيل بن سراقة فقال رسول الله والذي نفسي بيده لجعيل خير من طلاع الأرض رجالا كلهم مثل عيينة والأقرع ولكني تألفتهما ووكلت جعيلا إلى إسلامه وقيل إن ذا الخويصرة التميمي في هذه القسمة قال لرسول الله إنك لم تعدل اليوم فقال رسول الله ومن يعدل إذا لم أعدل فقال عمر بن الخطاب ألا نقتله فقال دعوه ستكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يوجد شيء ثم في القدح فلا يوجد شيء ثم في الفوق فلا يوجد شيء سبق الفرث والدم
وقيل إن هذا القول إنما كان في مال بعث به علي من اليمن إلى رسول الله فقسمه بين جماعة منهم عيينة والأقرع وزيد الخيل قال أبو سعيد الخدري لما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك الغنائم في قريش وقبائل العرب ولم يعط الأنصار شيئا وجدوا في أنفسهم حتى قال قائلهم لقي رسول الله قومه فأخبر سعد بن عبادة رسول الله بذلك فقال له فأين أنت من ذلك يا سعد قال ما أنا إلا من قومي قال فاجمع قومك لي في هذه الحظيرة فجمعهم فأتاهم رسول الله فقال ما حديث بلغني عنكم ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي وفقراء فأغناكم الله بي وأعداء فألف الله بين قلوبكم بي قالوا بلى والله يا رسول الله ولله ورسوله المن والفضل فقال ألا تجيبوني قالوا بماذا نجيبك فقال والله لو شئتم لقلتم فصدقتم أتيتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك وعائلا فواسيناك أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم أفلا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم والذي نفسي بيده لولا الهجرة لكنت امراءا من الأنصار ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار قال فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم وقالوا رضينا برسول الله قسما وحظا ثم انصرف رسول الله وتفرقوا
ثم اعتمر رسول الله من الجعرانة وعاد إلى المدينة واستخلف على مكة عتاب بن أسيد وترك معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن وحج عتاب بن أسيد بالناس وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج وعاد رسول الله إلى المدينة في ذي القعدة أو ذي الحجة
وفيها بعث رسول الله عمرو بن العاص إلى جيفر وعياذ ابني الجلندى من الأزد بعمان مصدقا فأخذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم وأخذ الجزية من المجوس الذين بها وهم كانوا أهل البلد وكان العرب حولها وقيل سنة سبع
وفيها تزوج رسول الله الكلابية واسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان فاختارت الدنيا حين خيرت وقيل إنها استعاذت منه ففارقها
وفيها ولدت مارية إبراهيم ابن النبي في ذي الحجة فدفعه إلى أم بردة بنت المنذر الأنصارية فكانت ترضعه وزوجها البراء بن أوس الأنصاري وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله فأرسلت أبا رافع إلى النبي يبشره بإبراهيم فوهب له مملوكا وغار نساء النبي وعظم عليهن حين رزقت مارية منه ولدا
وفيها بعث رسول الله كعب بن عمير إلى ذات أطلاح من الشام إلى نفر من قضاعة يدعوهم إلى الإسلام ومعه خمسة عشر رجلا فوصل إليهم فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه وكان رئيس قضاعة رجلا يقال له سدوس فقتلوا المسلمين ونجا عمير فتقدم إلى المدينة
وفيها بعث أيضا عيينة بن حصن الفزاري إلى بني العنبر فأغار عليهم وسبى منهم نساء وكان على عائشة عتق رقبة من بني إسماعيل فقال لها رسول الله هذا سبي بني العنبر يقدم علينا فنعطيك إنسانا فتعتقيه
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.