ذكر غزوة الرجيع
ص 58
في هذه السنة في صفر كانت غزوة الرجيع وكان سببها أن رهطا من عضل والقارة قدموا على النبي فقالوا إن فينا إسلاما فابعث لنا نفرا يفقهوننا في الدين ويقرؤننا القرآن فبعث معهم ستة نفر وأمر عليهم عاصم بن ثابت وقيل مرثد بن أبي مرثد فلما كانوا بالهدأة غدروا واستصرخوا عليهم حيا من هذيل يقال لهم بنو لحيان فبعثوا لهم مائة رجل فالتجأ المسلمون إلى جبل فاستنزلوهم وأعطوهم العهد فقال عاصم والله لا انزل على عهد كافر اللهم خبر نبيك عنا وقاتلهم هو ومرثد وخالد بن البكير ونزل إليهم ابن الدثنة وخبيب بن عدي ورجل آخر فأوثقوهم فقال الرجل الثالث هذا أول الغدر والله لا اتبعكم فقتلوه
وانطلقوا بخبيب وابن الدثنة فباعوهما بمكة فأخذ خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بأحد فأخذوه ليقتلوه بالحارث فبينما خبيب عند بنات الحارث استعار من بعضهن موسى يستحد بها للقتل فدب صبي لها فجلس على فخذ حبيب والموسى في يده فصاحت المرأة فقال خبيب أتخشين أن اقتله إن الغدر ليس من شأننا فكانت المرأة تقول ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب لقد رأيته وما بمكة ثمرة وإن في يده لقطف من عنب يأكله ما كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا فلما خرجوا من الحرم بخبيب ليقتلوه قال ردوني أصلي ركعتين فتركوه فصلاهما فجرت سنة لمن قتل صبرا ثم قال خبيب لولا أن تقولوا جزع لزدت وقال أبياتا منها
( ولست أبالي حين اقتل مسلما % على أي شق كان في الله مصرعي )
( وذلك في ذات الإله وإن يشأ % يبارك على أوصال شلو ممزع )
اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ثم صلبوه وأما عاصم بن ثابت فإنهم أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد وكانت نذرت أن تشرب الخمر في رأس عاصم لأنه قتل ابنيها بأحد فجاءت النحل فمنعته فقالوا دعوه حتى يمسي فنأخذه فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما وكان عاهد الله أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك فمنعه الله في مماته كما منع في حياته وأما ابن الدثنة فإن صفوان بن أمية بعث به مع غلامه نسطاس إلى التنعيم ليقتله بابنيه فقال نسطاس أنشدك الله أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وإنك في أهلك قال ما احب أن محمدا الآن مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي فقال أبو سفيان ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا ثم قتله نسطاس
خبيب بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة بعدها ياء تحتها نقطتان وآخره باء موحدة أيضا والبكير بضم الباء الموحدة تصغير بكر
ذكر إرسال عمرو بن أمية لقتل أبي سفيان
ص 59
ولما قتل عاصم وأصحابه بعث رسول الله عمرو بن أمية الضمري إلى مكة مع رجل من الأنصار وأمرهما بقتل أبي سفيان بن حرب قال عمرو فخرجت أنا ومعي بعير لي وبرجل صاحبي علة فكنت احمله على بعيري حتى جئنا بطن يأجج فعقلنا بعيرنا في فناء شعب وقلت لصاحبي انطلق بنا إلى دار أبي سفيان لنقتله فإن خشيت شيئا فالحق بالبعير فاركبه والحق برسول الله وأخبره الخبر وخل عني فإني عالم بالبلد
فدخلنا مكة ومعي خنجر قد أعددته إن عاقني إنسان ضربته به فقال لي صاحبي هل لك أن نبدأ فنطوف ونصلي ركعتين فقلت إن أهل مكة يجلسون بأفنيتهم وأنا أعرف بها فلم يزل بي حتى أتينا البيت فطفنا وصلينا ثم خرجنا فمررنا بمجلس لهم فعرفني بعضهم فصرخ بأعلى صوته هذا عمرو بن أمية فثار أهل مكة إلينا وقالوا ما جاء إلا لشر وكان فاتكا متشيطنا في الجاهلية
فقلت لصاحبي النجاء هذا والله الذي كنت أحذر أما أبو سفيان فليس إليه سبيل فانج بنفسك فخرجنا نشتد حتى سعدنا الجبل فدخلنا غارا فبتنا فيه ليلتنا ننتظر أن يسكن الطلب قال فوالله إني لفيه إذ أقبل عثمان بن مالك التيمي يختل بفرسه له فقام على باب الغار فخرجت إليه فضربته بالخنجر تحت الثدي فصاح صيحة أسمع أهل مكة فأقبلوا إليه ورجعت إلى مكاني فوجدوه وبه رمق فقالوا من ضربك قال عمرو بن أمية ثم مات ولم يقدر يخبرهم بمكاني وشغلهم قتل صاحبهم عن طلبي فاحتملوه ومكثنا في الغار يومين حتى سكن عنا الطلب ثم خرجنا إلى التنعيم فإذا بخشبة خبيب وحوله حرس فصعدت بخشبته فاحتللته واحتملته على ظهري فما مشيت به إلا نحو أربعين خطوة حتى نذروا بي فطرحته فاشتدوا في أثري فأخذت الطريق فأعيوا ورجعوا وانطلق صاحبي فركب البعير وأتى النبي فأخبره وأما خبيب فلم ير بعد ذلك وكأن الأرض ابتلعته قال وسرت حتى دخلت غارا بضجنان ومعي قوسي وأسهمي فبينا أنا فيه إذ دخل علي رجل من بني الدئل أعور طويل يسوق غنما فقال من الرجل قلت من بني الدئل فاضطجع معي ورفع عقيرته يتغنى ويقول
( ولست بمسلم ما دمت حيا % ولست أدين دين المسلمينا )
ثم نام فقتلته أسوأ قتلة ثم سرت فإذا رجلان بعثتهما قريش يتجسسان أمر رسول الله فرميت أحدهما بسهم فقتلته واستأسرت الآخر فقدمت على النبي وأخبرته الخبر فضحك حتى بدت نواجذه ودعا لي بخير
وفي هذه السنة تزوج رسول الله زينب بنت خزيمة أم المساكين من بني هلال في شهر رمضان وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها وولى المشركون الحج في هذه السنة
ذكر بئر معونة
ص 62
في هذه السنة في صفر قتل جمع من المسلمين ببئر معونة وكان سبب ذلك أن أبا براء بن عازب بن عامر بن مالك بن جعفر بن ملاعب الأسنة سيد بني عامر بن صعصعة قدم المدينة وأهدى للنبي هدية فلم يقبلها وقال يا أبا براء لا أقبل هدية مشرك ثم عرض عليه الإسلام فلم يبعد عنه ولم يسلم وقال إن أمرك هذا حسن فلو بعثت رجلا من أصحابك إلى أهل نجد يدعوهم إلى أمرك لرجوت أن يستجيبوا لك فقال رسول الله أخشى عليهم أهل نجد فقال أبو براء أنا لهم جار فبعث رسول الله سبعين رجلا فيهم المنذر بن عمر والأنصاري والحارث بن الصمة وحرام بن ملحان وعامر بن فهيرة وغيرهم قيل كانوا أربعين فساروا حتى نزلوا ببئر معونة من أرض بني عامر وحرة بني سليم فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب النبي إلى عامر بن الطفيل فلما أتاه لم ينظر إلى الكتاب وعدا على حرام فقتله فلما طعنه قال الله أكبر فزت ورب الكعبة
واستصرخ بني عامر فلم يجيبوه وقالوا لن نخفر أبا براء فقد أجارهم فاستصرخ بني سليم عصية ورعل وذكوان فأجابوه وخرجوا حتى أحاطوا بالمسلمين فقاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد الأنصاري فإنهم تركوه وبه رمق فعاش حتى قتل يوم الخندق وكان في سرح القوم عمرو بن أمية ورجل من الأنصار فرأيا الطير تحوم على العسكر فقالا إن لها لشأنا فأقبلا ينظران فإذا القوم صرعى وإذا الخيل واقفة فقال عمرو نلحق برسول الله فنخبره الخبر فقال الأنصاري لا أرغب بنفسي عن موطن فيه المنذر بن عمرو ثم قاتل القوم حتى قتل فأخذوا عمرو بن أمية أسيرا فلما علم عامر أنه من معد فأطلقه وخرج عمرو حتى إذا كان بالقرقرة لقي رجلين من بني عامر فنزلا معه ومعهما عقد من رسول الله ولم يعلم به عمرو فقتلهما ثم أخبر النبي الخبر فقال له لقد قتلت قتيلين لأدينهما ثم قال رسول الله هذا عمل أبي براء فشق عليه ذلك وكان فيمن قتل عامر بن فهيرة فكان عامر بن الطفيل يقول من الرجل منهم لما قتل رفع بين السماء والأرض قالوا هو عامر بن فهيرة وقال حسان بن ثابت يحرض بني أبي براء على عامر بن الطفيل
( بني أم البنين ألم يرعكم % وأنتم من ذوائب أهل نجد )
( تهكم عامر بأبي براء % ليخفره وما خطأ كعمد )
في أبيات له فقال كعب بن مالك
( لقد طارت شعاعا كل وجه % خفارة ما أجار أبو براء )
في أبيات أخرى فلما بلغ ربيعة بن أبي براء ذلك حمل على عامر بن الطفيل فطعنه فخر عن فرسه فقال إن مت فدمي لعمي وأنزل الله عز وجل في أهل بئر معونة قرآنا ? < بلغوا قومنا عنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه > ? ثم نسخت
معونة بفتح الميم وضم العين المهملة وبعد الواو نون وحرام بالحاء المهملة والراء وملحان بكسر الميم وبالحاء المهملة
ذكر إجلاء بني النضير
ص 63
وكان سبب ذلك أن عامر بن الطفيل أرسل إلى النبي يطلب دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية وقد ذكرنا ذلك فخرج النبي إلى بني النضير يستعينهم فيها ومعه جماعة من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي فقالوا نعم نعينك على ما أحببت ثم خلا بعضهم ببعض وتآمروا على قتله وهو جالس إلى جنب جدار فقالوا من يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيقتله ويريحنا منه فانتدب له عمرو بن جحاش فنهاهم عن ذلك سلام بن مشكم وقال هو يعلم فلم يقبلوا منه وصعد عمرو بن جحاش فأتى الخبر من السماء إلى رسول الله بما عزموا عليه فقال وقال لأصحابه لا تبرحوا حتى آتيكم وخرج راجعا إلى المدينة فلما أبطأ قام أصحابه في طلبه فأخبرهم الخبر وأمر المسلمين بحربهم ونزل بهم فتحصنوا منه في الحصون فقطع النخل وأحرق وأرسل إليهم عبد الله بن أبي وجماعة معه أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن خرجتم خرجنا معكم وقذف الله في قلوبهم الرعب فسألوا النبي أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من الأموال إلا السلاح فأجابهم إلى ذلك فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام فكان ممن سار إلى خيبر كنانة بن الربيع وحيي بن أخطب وكان فيهم يومئذ أم عمر وصاحبة عروة بن الورد التي ابتاعوا منه وكان غفارية فكانت أموال النضير لرسول الله وحده يضعها حيث شاء فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما ولم يسلم من بني النضير إلا يامين بن عمير بن كعب وهو ابن عم عمرو بن جحاش وأبو سعيد بن وهب وأحرزا أموالهما واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وكانت رايته مع علي بن أبي طالب
سلام بتشديد اللام ومشكم بكسر الميم وسكون الشين المعجمة والكاف
غزوة ذات الرقاع
ص 65
أقام رسول الله بالمدينة بعد بني النضير شهري ربيع ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلا وهي غزوة الرقاع سميت بذلك لأجل جبل كانت الوقعة به فيه سواد وبياض وحمرة فاستخلف على المدينة عثمان بن عفان فلقي المشركين ولم يكن قتال وخاف الناس بعضهم بعضا فنزلت صلاة الخوف وقد اختلف الرواة في صلاة الخوف وهو مستقصى في كتب الفقه وجاء رجل من محارب إلى النبي فطلب منه أن ينظر إلى سيفه فأعطاه السيف فلما أخذه وهزه قال يا محمد أما تخافني قال لا قال أما تخافني وفي يدي السيف قال لا يمنعني الله منك فرد السيف إليه وأصاب المسلمون امرأة منهم وكان زوجها غائبا فلما أتى أهله أخبر الخبر فحلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب النبي دما وخرج يتبع أثر رسول الله فنزل رسول الله فقال من يحرسنا الليلة فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فأقاما بفم شعب نزله رسول الله واضطجع المهاجري وحرس الأنصاري أول الليل وقام يصلي وجاء زوج المرأة فرأى شخصه فعرف أنه ربيئة القوم فرماه بسهم فوضعه فيه فانتزعه وثبت قائما يصلي ثم رماه بسهم آخر فأصابه فنزعه وثبت يصلي ثم رماه بالثالث فوضعه فيه فانتزعه ثم ركع وسجد ثم أيقظ صاحبه وأعلمه فوثب فلما رآهما الرجل علم أنهما علما به فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري قال سبحان الله ألا أيقظتني أول ما رماك قال كنت في سورة أقرأها فلم احب أن أقطعها فلما تابع علي الرمي أعلمتك وأيم الله لولا خوفي أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها وقيل إن هذه الغزوة كانت في المحرم سنة خمس من الهجرة
ذكر غزوة بدر الثانية
ص 67
وسميت أيضا غزوة السويق وفي شعبان منها خرج رسول الله إلى بدر لميعاد أبي سفيان بن حرب حتى نزل بدرا فأقام عليها ثمان ليال ينتظر أبا سفيان وخرج أبو سفيان في أهل مكة إلى مر الظهران وقيل إلى عسفان ثم رجع ورجعت قريش معه فسماهم أهل مكة جيش السويق يقولون إنما خرجتم تشربون السويق واستخلف رسول الله على المدينة عبد الله بن رواحة وفيها تزوج رسول الله أم سلمة وفيها أمر رسول الله زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود وفيها في جمادى الأولى مات عبد الله بن عثمان بن عفان وأمه رقية بنت رسول الله وصلى عليه رسول الله وكان عمره ست سنين وفيها ولد الحسين بن علي بن أبي طالب في قول وولي الحج فيها المشركون
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.