في هذه السنة افتتحت أذربيجان وقيل سنة ثمان عشرة بعد فتح همذان والري وجرجان فنبدأ بذكر فتح هذه البلاد ثم نذكر أذربيجان بعدها
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين
قد تقدم مسير نعيم بن مقرن إلى همذان وفتحها على يده ويد القعقاع بن عمرو فلما رجعا عنها كفر أهلها مع خسروشنوم فلما قدم عهد نعيم من عند عمر ودع حذيفة وسار يريد همذان وعاد حذيفة إلى الكوفة فخرج نعيم بن مقرن على تعبية إلى همذان فاستولى على بلادها جميعا وحاصرها فلما رأى أهلها ذلك سألوا الصلح ففعل وقبل منهم الجزية وقد قيل إن فتحها كان سنة أربع وعشرين بعد مقتل عمر بستة أشهر
فبينما نعيم بهمذان في إثني عشر ألفا من الجند كاتب الديلم وأهل الري أذربيجان إذا خرج موتا في الديلم حتى نزل بواج روذ وأقبل الزينبي أبو الفرخان في أهل الري وأقبل اسفنديار أخو رستم في أهل أذربيجان فاجتمعوا وتحصن منهم أمراء المسالح وبعثوا إلى نعيم بالخبر فاستخلف يزيد بن قيس الهمداني وخرج إليهم فاقتتلوا بواج روذ قتالا شديدا وكانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند فانهزم الفرس هزيمة قبيحة وقتل منهم مقتلة كبيرة لا يحصون فأرسلوا إلى عمر مبشرا فأمر عمر نعيما بقصد الري وقتال من بها والمقام بها بعد فتحها
وقيل إن المغيرة بن شعبة وهو عامل على الكوفة أرسل جرير بن عبد الله إلى همذان فقاتله أهلها وأصيبت عينه بسهم فقال احتسبتها عند الله الذي زين بها وجهي ونور لي ما شاء ثم سلبنيها في سبيله ثم فتحها على مثل صلح نهاوند وغلب على أرضها قسرا وقيل كان فتحها على يد المغيرة بنفسه وكان جرير على مقدمته وقيل فتحها قرظة بن كعب الأنصاري
لما سير المغيرة جريرا إلى همذان ففتحها سير البراء بن عازب في جيش إلى قزوين وأمره أن يسير إليها فإن فتحها غزا الديلم منها وإنما كان مغزاهم قبل من دستبي فسار البراء حتى أتى أبهر وهو حصن فقاتلوه ثم طلبوا الأمان فأمنهم وصالحهم ثم غزا قزوين فلما بلغ أهلها الخبر أرسلوا إلى الديلم يطلبون النصرة فوعدوهم ووصل المسلمون إليهم فخرجوا لقتالهم والديلم وقوف على الجبل لا يمدون يدا فلما رأى أهل قزوين ذلك طلبوا الصلح على صلح أبهر وقال بعض المسلمين
( قد علم الديلم إذ تحارب % حين أتى في جيشه ابن عازب )
( بأن ظن المشركين كاذب % فكم قطعنا في دجى الغياهب )
( من جبل وعر ومن سباسب )
وغزا البراء الديلم حتى أدوا إليه الأتاوة وغزا جيلان والطيلسان وفتح زنجان عنوة ولما ولي الوليد بن عقبة الكوفة غزا الديلم وجيلان وموقان والبير والطيلسان ثم انصرف
ثم انصرف نعيم من بواج روذ حتى قدم الري وخرج الزينبي أبو الفرخان من الري فلقي نعيما طالبا الصلح ومسالما له ومخالفا لملك الري وهو سياوخش بن مرهان بن بهرام جوبين فاستمد سياوخش أهل دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان فأمدوه خوفا من المسلمين فالتقوا مع المسلمين في سفح جبل الري إلى جنب مدينتها فاقتتلوا به وكان الزينبي قال لنعيم إن القوم كثير وأنت في قلة فابعث معي خيلا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به وناهدهم أنت فإنهم إذا خرجنا عليهم لن يثبتوا لك فبعث معه نعيم خيلا من الليل عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو فأدخلهم الزينبي المدينة ولا يشعر القوم وبيتهم نعيم بياتا فشغلهم عن مدينتهم فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من وراءهم فانهزموا فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب فيها وأفاء الله على المسلمين بالري نحوا من في المدائن وصالحه الزينبي على الري ومرزبه عليهم نعيم فلم يزل شرف الري في أهل الزينبي الأكبر ومنهم شهرام وفرخام وسقط آل بهرام وأخرب نعيم مدينتهم وهي التي يقال لها العتيقة وأمر الزينبي فبنى مدينة الري الحدثي وكتب نعيم إلى عمر بالفتح وأنفذ الأخماس وكان البشير المضارب العجلي وراسله المصمغان في الصلح على شيء يفتدي به منه على دنباوند فأجابه إلى ذلك وقد قيل إن فتح الري كان على يد قرظة بن كعب وقيل كان فتحها سنة إحدى وعشرين وقيل غير ذلك والله أعلم
لما أرسل نعيم إلى عمر بالبشارة وأخماس الري كتب إليه عمر يأمره بإرسال أخيه سويد بن مقرن ومعه هند بن عمرو الجملي وغيره إلى قومس فسار سويد نحو قومس فلم يقم له أحد فأخذها سلما وعسكر بها وكاتبه الذين لجأوا إلى طبرستان منهم والذين أخذوا المفاوز فأجابهم إلى الصلح والجزية وكتب لهم بذلك ثم سار سويد إلى جرجان فعسكر بها ببسطام وكتب إلى ملك جرجان وهو زرنان صول وكاتبه زرنان صول وصالحه على جرجان على الجزية وكفاية حرب جرجان وأن يعينه سويد إن غلب فأجابه سويد إلى ذلك وتلقاه زرنان صول قبل دخوله جرجان فدخل معه وعسكر بها حتى جبي الخراج وسمى فروجها فسدها بترك دهستان ورفع الجزية عمن قام بمنعها وأخذها من الباقين وقيل كان فتحها سنة ثمان عشرة وقيل سنة ثلاثين زمن عثمان قيل وراسل الأصبهبد صاحب طبرستان سويدا في الصلح على أن يتوادعا ويجعل له شيئا على غير نصر ولا معونة على أحد فقبل ذلك منه وكتب له كتابا
في هذه السنة سار عمرو بن العاص من مصر إلى برقة فصالحه أهلها على الجزية وأن يبيعوا من أبنائهم من أرادوا بيعه فلما فرغ من برقة سار إلى طرابلس الغرب فحاصرها شهرا فلم يظفر بها وكان قد نزل شرقيها فخرج رجل من بني مدلج يتصيد في سبعة نفر وسلكوا غرب المدينة فلما رجعوا اشتد عليهم الحر فأخذوا على جانب البحر ولم يكن السور متصلا بالبحر وكانت سفن الروم في مرساها مقابل بيوتهم فرأى المدليجي وأصحابه مسلكا بين البحر والبلد فدخلوا منه وكبروا فلم يكن للروم ملجأ إلا سفنهم أنهم ظنوا أن المسلمين قد دخلوا البلد ونظر عمرو ومن معه فرأى السيوف في المدينة وسمعوا الصياح فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم البلد فلم يفلت الروم إلا بما خف معهم في مراكبهم وكان أهل حصن سبرة قد تحصنوا لما نزل عمرو على طرابلس فلما امتنعوا عليه بطرابلس أمنوا واطمأنوا فلما فتحت طرابلس جند عمرو عسكرا كثيفا وسيره إلى سبرة فصبحوها وقد فتح أهلها الباب وأخرجوا مواشيهم لتسرح لأنهم لم يكن بلغهم خبر طرابلس فوقع المسلمون عليهم ودخلوا البلد مكابرة وغنموا ما فيه وعادوا إلى عمرو ثم سار عمرو بن العاص إلى برقة وبها لواتة وهم من البربر
وكان سبب مسير البربر إليها والى غيرها من الغرب أنهم كانوا بنواحي فلسطين من الشام وكان ملكهم جالوت فلما قتل سارت البرابر وطلبوا الغرب حتى إذا انتهوا إلى لوبية ومرافية وهما كورتان من كور مصر الغربية تفرقوا فسارت زناتة ومغيلة وهما قبيلتان من البربر إلى الغرب فسكنوا الجبال وسكنت لواتة أرض برقة وتعرف قديما بأنطابلس وانتشروا فيها حتى بلغوا السوس ونزلت هوارة مدينة لبدة ونزلت نفوسة إلى مدينة سبرة وجلا من كان بها من الروم لذلك وقام الأفارق وهم خدم الروم على صلح يؤدونه إلى من غلب على بلادهم وسار عمرو بن العاص كما ذكرنا فصالحه أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها جزية وشرطوا أن يبيعوا من أرادوا من أولادهم في جزيتهم
قال فلما افتتح نعيم الري بعث سماك بن خرشة الأنصاري وليس بأبي دجانة ممدا لبكير بن عبد الله بأذربيجان أمره عمر بذلك فسار سماك نحو بكير وكان بكير حين بعث إليها سار حتى إذا طلع بجبال جرميذان طلع عليها اسفنديار بن فرخزاذ مهزوما من بواج روذ فكان أول قتال لقيه بأذربيجان فاقتتلوا فهزم الفرس وأخذ بكير اسفنديار أسيرا فقال له اسفنديار الصلح احب إليك أم الحرب قال بل الصلح قال أمسكني عندك فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجيء إليهم لم يقوموا لك وجلوا إلى الجبال التي حولها من القبج والروم ومن كان على التحصن تحصن إلى يوم ما
فأمسكه عنده وصارت البلاد إليه إلا ما كان من حصن وقدم عليه سماك بن خرشة ممدا واسفنديار في أساره وقد افتتح ما يليه وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه وكتب بكير إلى عمر يستأذنه في التقدم فأذن له أن يتقدم نحو الباب وأن يستخلف على ما افتتحه فاستخلف عليه عتبة بن فرقد فأقر عتبة سماك بن خرشة على عمل بكير الذي كان افتتحه وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد وكان بهرام بن فرخزاد قصد طريق عتبة وأقام به في عسكره حتى قدم عليه عتبة فاقتتلوا فانهزم بهرام فلما بلغ خبره اسفنديار وهو في الأسر عند بكير قال الآن تم الصلح وطفئت الحرب فصالحه وأجاب إلى ذلك أهل أذربيجان كلهم وعادت أذربيجان سلما وكتب بذلك بكير وعتبة إلى عمر وبعثا بما خمسا ولما جمع عمر لعتبة عمل بكير كتب لأهل أذربيجان كتابا بالصلح وفيها قدم عتبة على عمر بالخبيص الذي كان أهدى له وكان عمر يأخذ عماله بموافاة الموسم كل سنة يمنعهم بذلك عن الظلم
في هذه السنة كان فتح الباب وكان عمر رد أبا موسى إلى البصرة وبعث سراقة بن عمرو وكان يدعى ذا النور إلى الباب وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة وكان أيضا يدعى ذا النور وجعل على إحدى مجنبتيه حذيفة بن أسيد الغفاري وعلى الأخرى بكير بن عبد الله الليثي وكان بكير سبقه إلى الباب وجعل على المقاسم سلمان بن ربيعة الباهلي فسار سراقة فلما خرج من أذربيجان قدم بكير إلى الباب وكان عمر قد أمد سراقة بحبيب بن مسلمة من الجزيرة وجعل مكانه زياد بن حنظلة
ولما أطل عبد الرحمن بن ربيعة على الباب والملك بها يومئذ شهريار وهو من ولد شهريار الذي أفسد بني إسرائيل وأغزى الشام بهم فكاتبه شهريار واستأمنه على أن يأتيه ففعل فأتاه فقال إني بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة ليست لهم أحساب ولا ينبغي لذي الحسب والعقل أن يعينهم على ذي الحسب ولست من القبج ولا الأرمن في شيء وإنكم قد غلبتم على بلادي وأمتي فأنا اليوم منكم ويدي مع أيديكم وجزيتي إليكم والنصر لكم والقيام بما تحبون فلا تسوموننا الجزية فتوهنوننا بعدوكم قال فسيره عبد الرحمن إلى سراقة فلقيه بمثل ذلك فقبل منه سراقة ذلك وقال لا بد من الجزية ممن يقيم ولا يحارب العدو فأجابه إلى ذلك وكتب سراقة في ذلك إلى عمر فأجازه عمر واستحسنه
لما فرغ سراقة من الباب أرسل بكير بن عبد الله وحبيب بن مسلمة وحذيفة بن أسيد وسلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية فوجه بكيرا إلى موقان وحبيبا إلى تفليس وحذيفة إلى جبال اللان وسلمان إلى الوجه الآخر وكتب سراقة بالفتح إلى عمر وبإرسال هؤلاء النفر إلى الجهات المذكورة فأتى عمر أمر لم يظن أن يستتم له بغير مؤنة لأنه فرج عظيم وجند عظيم فلما استوثقوا واستحلوا الإسلام وعدله مات سراقة واستخلف عبد الرحمن بن ربيعة ولم يفتتح أحد من أولئك القواد إلا بكير فإنه فض أهل موقان ثم تراجعوا على الجزية عن كل حالم دينار وكان فتحها سنة إحدى وعشرين ولما بلغ عمر موت سراقة واستخلافه عبد الرحمن بن ربيعة أقر عبد الرحمن على فرج الباب وأمره بغزو الترك
أسيد في هذه التراجم بفتح الهمزة وكسر السين والنور في الموضعين بالراء
لمل أمر عمر عبد الرحمن بن ربيعة بغزو الترك خرج بالناس حتى قطع الباب فقال له شهريار ما تريد أن تصنع قال أريد غزو بلنجر والترك قال إنا لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب قال عبد الرحمن لكنا لا نرضى منهم بذلك حتى نغزوهم في ديارهم وبالله إن معنا أقواما لو يأذن لهم أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم قال وما هم قال أقوام صحبوا رسول الله ودخلوا في هذا الأمر بنية كانوا أصحاب حياء وتكرم في الجاهلية فازداد حياؤهم وتكرمهم ولا يزال هذا الأمر لهم دائما ولا يزال النصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم وحتى يلفتوا عن حالهم فغزا بلنجر غزاة في زمن عمر فقالوا ما اجترأ علينا إلا ومعه الملائكة تمنعهم من الموت فهربوا منه وتحصنوا فرجع بالغنيمة والظفر وقد بلغت خيله البيضاء على رأس مائتي فرسخ من بلنجر وعادوا ولم يقتل منهم أحد
ثم غزاهم أيام عثمان بن عفان غزوات فظفر كما كان يظفر حتى تبدل أهل الكوفة لاستعمال عثمان من كان ارتد استصلاحا لهم ولم يصلحهم ذلك فزادهم فسادا فغزا عبد الرحمن بن ربيعة بعد ذلك فتذامرت الترك واجتمعوا في الغياض فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله وهرب عنه أصحابه فخرجوا عليه عند ذلك فاقتتلوا واشتد قتالهم ونادى مناد من الجو صبرا آل عبد الرحمن وموعدكم الجنة فقاتل عبد الرحمن حتى قتل وانكشف أصحابه وأخذ الراية سلمان بن ربيعة أخوه فقاتل بها ونادى مناد من الجو صبرا آل سلمان فقال سلمان أو ترى جزعا وخرج سلمان بالناس معه أبو هريرة الدوسي على جيلان فقطعوها إلى جرجان واجترأ الترك بعدها ولم يمنعهم ذلك من اتخاذ جسد عبد الرحمن فهم يستسقون به إلى الآن
$ في هذه السنة عدل عمر فتوح أهل الكوفة والبصرة بينهم وسبب ذلك أن عمر بن سراقة كتب إلى عمر بن الخطاب يذكر له كثرة أهل البصرة وعجز خراجهم عنهم وسأله أن يزيدهم أحد الماهين أو ما سبذان وبلغ أهل الكوفة ذلك وقالوا لعمار بن ياسر وكان على الكوفة أميرا سنة وبعض أخرى اكتب إلى عمر أن رامهرمز وأيذج لنا دونهم لم يعينونا عليهما بشيء ولم يلحقونا حتى افتتحناهما فلم يفعل عمار فقال له عطارد أيها العبد الأجدع فعلام ندع فيئنا فقال لقد سببت أحب أذني إلي ولم يكتب في ذلك فأبغضوه لذلك واختصم أهل الكوفة وأهل البصرة وادعى أهل البصرة قرى افتتحها أبو موسى دون أصبهان أيام أمد به عمر بن الخطاب أهل الكوفة فقال لهم أهل الكوفة أتيتمونا مددا وقد افتتحنا البلاد فأنشبناكم في المغانم والذمة ذمتنا والأرض أرضنا
فقال عمر صدقوا فقال أهل الأيام والقادسية ممن سكن البصرة فلتعطونا نصيبنا مما نحن شركاؤكم فيه من سوادهم وحواشيهم فأعطاهم عمر مائة دينار برضا أهل الكوفة أخذها من شهد الأيام والقادسية ولما ولي معاوية وكان هو الذي جند قنسرين ممن أتاه من أهل العراقين أيام علي وإنما كان قنسرين رستاقا من رساتيق حمص حتى حصرها معاوية حين ولي بنصيبهم من فتوح العراق وأذربيجان والموصل والباب لأنه من فتوح أهل الكوفة وكان أهل الجزيرة والموصل يومئذ نافلة انتقل إليها كل من نزل بهجرته من أهل البلدين أيام علي فأعطاهم معاوية من ذلك نصيبا وكفر أهل أرمينية أيام معاوية وقد أمر حبيب بن مسلمة على الباب وحبيب يومئذ بجرزان وكاتب أهل تفليس وتلك الجبال من جرزان فاستجابوا له
وفيها عزل عمر بن الخطاب عمار بن ياسر عن الكوفة واستعمل أبا موسى وسبب ذلك أن أهل الكوفة شكوه وقالوا له إنه لا يحتمل ما هو فيه وإنه ليس بأمين ونزا به أهل الكوفة
فدعاه عمر فخرج معه وفد فكانوا أشد عليه ممن تخلف عنه وقالوا إنه غير كاف وعالم بالسياسة ولا يدري على ما استعملته وكان منهم سعد بن مسعود الثقفي عم المختار وجرير بن عبد الله فسعيا به وأخبرا عمر بأشياء يكرهها فعزله عمر وقال عمر لعمار أساءك العزل قال والله ما سرني حين استعملت ولقد ساءني حين عزلت فقال له قد علمت ما أنت بصاحب عمل ولكني تأولت ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين
ثم أقبل عمر على أهل الكوفة فقال من تريدون قالوا أبا موسى فأمره عليهم بعد عمار فأقام عليهم سنة فباع غلامه العلف فشكاه الوليد بن عبد شمس وجماعة معه وقالوا إن غلامه يتجر في جسرنا فعزله عنهم وصرفه إلى البصرة وصرف عمر بن سراقة إلى الجزيرة وخلا عمر في ناحية المسجد فنام فأتاه المغيرة بن شعبة فحرسه حتى استيقظ فقال ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين إلا من عظيم فقال وأي شيء أعظم من مائة ألف لا يرضون عن أمير ولا يرضى عنهم أمير وأحيطت الكوفة حين اختطت على مائة ألف مقاتل وأتاه أصحابه فقالوا ما شأنك فقال إن أهل الكوفة قد عضلوني واستشارهم فيمن يوليه وقال ما تقولون في تولية رجل ضعيف مسلم أو رجل قوي مسدد فقال المغيرة أما الضعيف المسلم فإن إسلامه لنفسه وضعفه عليك وعلى المسلمين وأما القوي المسدد فإن سداده لنفسه وقوته لك وللمسلمين فولى المغيرة الكوفة فبقي عليها حتى مات عمر وذلك نحو سنتين وزيادة وقال له حين بعثه يا مغيرة ليأمنك الأبرار وليخفك الفجار ثم أراد عمر أن يبعث سعدا على عمل المغيرة فقتل عمر قبل ذلك فأوصى به
وفي هذه السنة غزا الأحنف بن قيس خراسان في قول بعضهم وقيل سنة ثمان عشرة وسبب ذلك أن يزدجرد لما سار إلى الري بعد هزيمة أهل جلولاء وانتهى إليها وعليها أبان جاذويه وثب عليه فأخذه فقال يزدجرد يا أبان تغدر بي قال لا ولكن قد تركت ملكك فصار في يد غيرك فأحببت أن أكتتب على ما كان لي من شيء وأخذ خاتم يزدجرد واكتتب الصكاك وسجل السجلات بكل ما أعجبه ثم ختم عليها ورد الخاتم ثم أتى بعد سعدا فرد عليه كل شيء في كتابه
وسار يزدجرد من الري إلى أصبهان ثم منها إلى كرمان والنار معه ثم قصد خراسان فأتى مرو فنزلها وبنى للنار بيتا واطمأن وأمن من أن يؤتى ودان له من بقي من الأعاجم وكاتب الهرمزان وأثار أهل فارس فنكثوا وأثار أهل الجبال والفيرزان فنكثوا فإذن عمر للمسلمين فدخلوا بلاد الفرس فسار الأحنف إلى خراسان فدخلها من الطبسين فافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار بن فلان العبدري ثم سار نحو مرو الشاهجان فأرسل إلى نيسابور مطرف بن عبد الله بن الشخير وإلى سرخس الحارث بن حسان فلما دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد إلى مرو الروذ حتى نزلها ونزل الأحنف مرو الشاهجان وكتب يزدجرد وهو بمرو الروذ إلى خاقان والى ملك الصغد والى ملك الصين يستمدهم
وخرج الأحنف من مرو الشاهجان واستخلف عليها حارثة بن النعمان الباهلي بعد ما لحقت به أمداد أهل الكوفة على أربعة أمراء علقمة بن النضر النضري وربعي بن عامر التميمي وعبد الله بن أبي عقيل الثقفي وابن أم غزال الهمداني وسار نحو مرو الروذ فلما سمع يزدجرد سار عنها إلى بلخ ونزل الأحنف مرو الروذ وقدم أهل الكوفة إلى يزدجرد واتبعهم الأحنف فالتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ فانهزم يزدجرد في أهل فارس وعبر النهر ولحق الأحنف بأهل الكوفة وقد فتح الله عليهم فبلغ من فتوحهم وتتابع أهل خراسان من هرب وشذ على الصلح فيما بين نيسابور إلى طخارستان ممن كان في مملكة كسرى وعاد الأحنف إلى مرو الروذ فنزلها واستخلف على طخارستان ربعي بن عامر وكتب الأحنف إلى عمر بالفتح فقال عمر وددت أني لم أكن بعثت إليها جندا ولوددت أن بيننا وبينها بحرا من نار فقال علي ولم يا أمير المؤمنين قال لأن أهلها سينقضون منها ثلاث مرات فيجتاحون في الثالثة فكان ذلك بأهلها أحب إلي من أن يكون بالمسلمين وكتب عمر إلى الأحنف أن يقتصر على ما دون النهر ولا يجوزه
ولما عبر يزدجرد النهر مهزوما أنجده خاقان في الترك وأهل فرغانة والصغد فرجع يزدجرد وخاقان إلى خراسان فنزلا بلخ ورجع أهل الكوفة إلى الأحنف بمرو الروذ ونزل المشركون عليه بمرو أيضا وكان الأحنف لما بلغه خبر عبور يزدجرد وخاقان النهر إليه خرج ليلا يتسمع هل يسمع برأي ينتفع به فمر برجلين ينقيان علفا وأحدهما يقول لصاحبه لو أسندنا الأمير إلى هذا الجبل فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقا وكان الجبل في ظهورنا فلا يأتونا من خلفنا وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله
فرجع فلما أصبح جمع الناس ورحل بهم إلى سفح الجبل وكان معه من أهل البصرة عشرة آلاف ومن أهل الكوفة نحو منهم وأقبلت الترك ومن معها فنزلت وجعلوا يغادونهم القتال ويراوحونهم وفي الليل يتنحون عنهم فخرج الأحنف ليلة طليعة لأصحابه حتى إذا كان قريبا من عسكر خاقان وقف فلما كان وجه الصبح خرج فارس من الترك بطوقه فضرب بطبله ثم وقف من العسكر موقفا يقفه مثله فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه الأحنف فقتله وأخذ طوق التركي ووقف فخرج آخر من الترك ففعل فعل صاحبه فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه فقتله وأخذ طوقه ووقف ثم خرج الثالث من الترك ففعل فعل الرجلين فحمل عليه الأحنف فقتله ثم لنصرف الأحنف إلى عسكره وكانت عادة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم أكفاء كلهم يضرب بطبله ثم يخرجون بعد خروج الثالث فلما خرجوا تلك الليلة بعد الثالث فأتوا على فرسانهم مقتلين تشاءم خاقان وتطير فقال قد طال مقامنا وقد أصيب فرساننا ما لنا في قتال هؤلاء القوم خير فرجعوا وارتفع النهار للمسلمين ولم يروا منهم أحدا وأتاهم الخبر بانصراف خاقان والترك إلى بلخ وقد كان يزدجرد ترك خاقان مقابل المسلمين بمرو الروذ وانصرف إلى مرو الشاهجان فتحصن حارثة بن النعمان ومن معه فحصرهم واستخرج خزائنه من موضعها وخاقان مقيم ببلخ فقال المسلمون للأحنف ما ترى في اتباعهم فقال أقيموا بمكانكم ودعوهم
فلما جمع يزدجرد خزائنه وكانت كبيرة عظيمة وأراد أن يلحق بخاقان قال له أهل فارس أي شيء ترد أن تصنع قال أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو بالصين قالوا له مهلا إن هذا رأي سوء إنك إنما تأتي قوما في مملكتهم وتدع أرضك وقومك ارجع بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم فإنهم أوفياء هم أهل دين وإن عدوا يلينا في بلادنا أحب إلينا مملكة من عدو يلينا في بلاده ولا دين لهم ولا ندري ما وفاؤهم فأبى عليهم وأبوا عليه فقالوا دع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يلينا لا تخرجها من بلادنا فأبى فاعتزلوه وقاتلوه فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها وانهزم منهم ولحق بخاقان وعبر النهر من بلخ إلى فرغانة وأقام يزدجرد ببلد الترك فلم يزل مقيما زمن عمر كله إلى أن كفر أهل خراسان زمن عثمان وكان يكاتبهم ويكاتبونه وسيرد ذكر ذلك في موضعه
ثم أقبل أهل فارس بعد رحيل يزدجرد على الأحنف فصالحوه وعاقدوه ودفعوا إليه تلك الخزائن والأموال وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على افضل ما كانوا عليه زمن الأكاسرة واغتبطوا بملك المسلمين وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهمه يوم القادسية وسار الأحنف إلى بلخ فنزلها بعد عبور خاقان النهر منها ونزل أهل الكوفة في كورها الأربع ثم رجع إلى مرو الروذ فنزلها وكتب بفتح خاقان ويزدجرد إلى عمر وبعث إليه الأخماس ووفد إليه الوفود ولما عبر خاقان ويزدجرد النهر لقوا رسول يزدجرد الذي أرسله إلى ملك الصين فأخبرهما أن ملك الصين قال له صف لي هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم فإني أراك تذكر قلة منهم وكثرة منكم ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل منكم مع كثرتكم إلا بخير عندهم وشر فيكم فقلت سلني عما أحببت فقال أيوفون بالعهد قلت نعم قال وما يقولون لكم قبل القتال قال قلت يدعوننا إلى واحدة من ثلاث إما دينهم فإن أجبنا أجرونا مجراهم أو الجزية والمنعة أو المنابذة قال فكيف طاعتهم أمراءهم قلت أطوع قوم وأرشدهم قال فما يحلون وما يحرمون فأخبرته قال هل يحلون ما حرم عليهم أو يحرمون ما حلل لهم قلت لا قال فإن هؤلاء القوم لا يزالون على ظفر حتى يحلوا حرامهم أو يحرموا حلالهم
ثم قال أخبرني عن لباسهم فأخبرته وعن مطاياهم فقلت الخيل العراب ووصفتها له فقال نعمت الحصون ووصفت له الإبل وبروكها وقيامها بحملها فقال هذه صفة دواب طوال الأعناق وكتب معه إلى يزدجرد إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجند أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق علي ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك لو يحاولون الجبال لهدوه أولو خلا لهم سربهم أزالوني ما داموا على وصف فسالمهم وارض منهم بالمسالمة ولا تهيجهم ما لم يهيجوك فأقام يزدجرد بفرغانة ومعه آل كسرى بعهد من خاقان
ولما وصل خبر الفتح إلى عمر بن الخطاب جمع الناس وخطبهم وقرأ عليهم كتاب الفتح وحمد الله في خطبته على إنجاز وعده ثم قال ألا وإن ملك المجوسية قد هلك فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضر بمسلم ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبنائهم لينظر كيف تعملون فلا تبدلوا فيستبدل الله بكم غيركم فإني لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم
وقيل إن فتح خراسان كان زمن عثمان وسيرد هناك
لما استعمل عمر عزرة بن قيس على حلوان حاول فتح شهرزور فلم يقدر عليها فغزاها عتبة بن فرقد ففتحها بعد قتال على مثل صلح حلوان فكانت العقارب تصيب الرجل من المسلمين فيموت وصالح أهل الصامغان وداراباذ على الجزية والخرج وقتل خلقا كثيرا من الأكراد وكتب إلى عمر أن فتوحي قد بلغ أذربيجان فولاه إياها وولى هرثمة بن عرفجة الموصل ولم يزل شهرزور وأعمالها مضمومة إلى الموصل حتى أفردت عنها آخر خلافة الرشيد
في هذه السنة غزا معاوية بلاد الروم ودخلها في عشرة آلاف فارس من المسلمين وفيها ولد يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب وكان عماله على الأمصار فيها عماله في السنة قبلها إلا الكوفة فإن عامله عليها المغيرة بن شعبة وإلا البصرة فإن عامله عليها صار أبا موسى الأشعري
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
