الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
19

ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين

الجزء الثاني 15 عنصر صفحة 438
ص 438

قال بعضهم كان فتح إصطخر سنة ثلاث وعشرين وقيل كان فتحها بعد توج الآخرة

ذكر الخبر عن فتح توج ص 438

لما خرج أهل البصرة الذين توجهوا إلى فارس أمراء عليها وكان معها سارية بن زنيم الكناني فساروا وأهل فارس مجتمعون بتوج فلم يقصدهم المسلمون بل توجه كل أمير إلى الجهة التي أمر بها وبلغ ذلك أهل فارس فافترقوا إلى بلدانهم كما افترق المسلمون ليمنعوها فكانت تلك هزيمتهم وتشتت أمورهم فقصد مجاشع بن مسعود لسابور وأردشيرخرة فيمن معه فالتقى هو والفرس بتوج فاقتتلوا ما شاء الله ثم انهزم الفرس وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا كل قتلة وغنموا ما في عسكرهم وحصروا توج فافتتحوها وقتلوا منهم خلقا كثيرا وغنموا ما فيها وهذه توج الآخرة والأولى هي التي استقدمتها جنود العلاء بن الحضرمي أيام طاوس ثم دعوا إلى الجزية فرجعوا وأقروا بها وأرسل مجاشع بن مسعود السلمي بالبشارة والأخماس إلى عمر بن الخطاب

ذكر فتح إصطخر وجور وغيرهما $ ص 438

وقصد عثمان بن أبي العاص الثقفي لإصطخر فالتقى هو وأهل إصطخر بجور فاقتتلوا وانهزم الفرس وفتح المسلمون جور ثم إصطخر وقتلوا ما شاء الله ثم فر منهم من فر فدعاهم عثمان إلى الجزية والذمة فأجابه الهربذ إليها فتراجعوا وكان عثمان قد جمع الغنائم لما هزمهم فبعث بخمسها إلى عمر وقسم الباقي في الناس وفتح عثمان كازرون والنوبندجان وغلب على أرضها وفتح هو وأبو موسى مدينة شيراز وأرجان وفتحا سينيز على الجزية والخراج وقصد عثمان أيضا جنابا ففتحها ولقيه جمع الفرس بناحية جهرم فهزمهم وفتحها

ثم أن شهرك خلع في آخر خلافة عمر وأول خلافة عثمان ونشط أهل فارس ودعاهم إلى النقض فوجه إليه عثمان بن أبي العاص ثانية وأتته الأمداد من البصرة وأميرهم عبيد الله بن معمر وشبل بن معبد فالتقوا بأرض فارس فقال شهرك لابنه وهما في المعركة وبينهما وبين قرية لهما تدعى شهرك ثلاثة فراسخ يا بني أين يكون غداؤنا ها هنا أم بشهرك قال له يا أبت إن تركونا فلا يكون غداؤنا ها هنا ولا بشهرك ولا نكون إلا في المنزل ولكن والله ما أراهم يتركوننا فما فرغا من كلامهما حتى شب المسلمون الحرب فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل شهرك وابنه وخلق عظيم والذي قتل شهرك الحكم بن أبي العاص أخو عثمان وقيل قتله سوار بن همام العبدي حمل عليه فطعنه فقتله وحمل ابن شهرك على سوار فقتله

وقيل إن إصطخر كانت سنة ثمان وعشرين وكانت فارس الآخرة سنة تسع وعشرين وقيل إن عثمان بن أبي العاص أرسل أخاه الحكم من البحرين في ألفين إلى فارس ففتح جزيرة بركاوان في طريقه ثم سار إلى توج وكان كسرى أرسل شهرك فالتقوا مع شهرك وكان الجارود وأبو صفرة على مجنبتي المسلمين وأبو صفرة هذا والد المهلب فحمل الفرس على المسلمين فهزموهم فقال الجارود أيها الأمير فرد الجند فقال سترى أمرك فقال فما لبثوا حتى رجعت خيل لهم ليس عليها فرسانها والمسلمون يتبعونهم يقتلونهم فنثرت الرؤوس بين يدي ومعي بعض ملوكهم يقال له المكعبر فارق كسرى وبحق بي فأتيت برأس ضخم فرأى المكعبر رأسا ضخما فقال أيها الأمير هذا رأس الازدهاق يعني شهرك وحوصر الفرس بمدينة سابور فصالح عليها ملكها أرزنبان فاستعان به الحكم على قتال أهل إصطخر ومات عمر وبعث عثمان بن عفان عبيد الله بن معمر مكانه فبلغ عبيد الله أرزنبان يريد الغدر به فقال له أحب أن تتخذ لأصحابي طعاما وتذبح لهم بقرة وتجعل عظامها في الجفنة التي تليني فإني أحب أن أتمشش العظام ففعل وجعل يأخذ العظم الذي لا يكسر إلا بالفؤوس فيكسره بيده ويأخذ مخه وكان من أشد الناس فقال أرزنبان فأخذ برجله وقال هذا مقام العائذ بك وأعطاه عهدا وأصابت عبيد الله منجنيق فأوصاهم وقال إنكم ستفتحون هذه المدينة إن شاء الله فاقتلوهم بني ساعة فيها ففعلوا فقتلوا منهم بشرا كثيرا ومات عبيد الله بن معمر وقيل إن قتله كان سنة تسع وعشرين

ذكر فتح فسا ودار ابجرد ص 440

وقصد سارية بن زنيم الدئلي فسا ودار ابجرد حتى انتهى إلى عسكرهم فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله ثم أنهم استمدوا وتجمعوا وتجمعت إليهم أكراد فارس فدهم المسلمين أمر عظيم وجمع كثير وأتاهم الفرس من كل جانب فرأى عمر فيما يرى النائم تلك الليلة معركتهم وعددهم في ساعة من النهار فنادى من الغد الصلاة جامعة حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم وكان ابن زنيم والمسلمون بصحراء إن أقاموا فيها أحيط بهم وإن استندوا إلى جبل من خلفهم لو يؤتوا إلا من وجه واحد فقام فقال يا أيها الناس إني رأيت هذين الجمعين وأخبر بحالهما وصاح عمر وهو يخطب يا سارية ابن زنيم الجبل الجبل

ثم أقبل عليهم وقال إن لله جنودا ولعل بعضها أن تبلغهم فسمع سارية ومن معه الصوت فلجأوا إلى الجبل ثم قاتلوهم من وجه واحد فهزمهم الله وأصاب المسلمون مغانمهم وأصابوا في الغنائم سفطا فيه جوهر فاستوهبه منهم سارية وبعث به وبالفتح مع رجل إلى عمر وكان الرسل والوفد يجازون وتقضى لهم حوائجهم فقال له سارية استقرض ما تبلغ به وما تخلفه لأهلك على جائزتك فقدم الرجل البصرة ففعل ثم خرج فقدم على عمر وهو يطعم الطعام فأمره فجلس وأكل فلما انصرف عمر تبعه الرسول فظن عمر أنه لم يشبع فأمره فدخل بيته فلما جلس أتي عمر بغذائه خبز وزيت وملح جريش فأكلا فلما فرغ قال الرجل أنا رسول سارية يا أمير المؤمنين قال مرحبا وأهلا

ثم أدناه حتى مس ركبته وسأله عن المسلمين فأخبره بقصة الدرج فنظر إليه وصاح به ثم قال لا ولا كرامة حتى يقدم علي ذلك الجند فيقسمه بينه فطرده فقال يا أمير المؤمنين إني قد أنضيت جملي واستقرضت في جائزتي فأعطني ما أتبلغ به فما زال حتى أبدله بعيرا من إبل الصدقة وجعل بعيره في إبل الصدقة ورجع الرسول مغضوبا عليه محروما حتى قدم البصرة فنفذ لأمر عمر وسأل أهل المدينة الرسول هل سمعوا شيئا يوم الوقعة قال نعم سمعنا يا سارية الجبل الجبل وقد كدنا نهلك فلجأنا إليه ففتح الله علينا

ذكر فتح كرمان ص 441

ثم قصد سهيل بن عدي كرمان ولحقه أيضا عبد الله بن عبد الله بن عتبان وعلى مقدمة سهيل بن عدي النسير بن عمرو العجلي وحشد لهم أهل كرمان واستعانوا عليهم بالقفص فاقتتلوا في أداني أرضهم ففض الله تعالى المشركين وأخذ المسلمون عليهم الطريق وقتل النسير بن عمرو العجلي مرزبانها فدخل النسير من قبل طريق القرى اليوم إلى جيرفت وعبد الله بن عبد الله من مفازة شير فأصابوا ما أرادوا من بعير أو شاء فقوموا الإبل والغنم فتحاصوها بالأثمان لعظم البخت على العراب وكرهوا أن يزيدوا وكتبوا إلى عمر بذلك فأجابهم إذا رأيتم أن في البخل فضلا فزيدوا وقيل إن الذي فتح كرمان عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي في خلافة عمر ثم أتى الطبسين من كرمان ثم قدم على عمر فقال أقطعني الطبسين فأراد أن يفعل فقيل إنهما رستاقان فامتنع عمر من ذلك

ذكر فتح سجستان ص 442

وقصد عاصم بن عمرو سجستان ولحقه عبد الله بن عمير فاستقبلهم أهلها فالتقوا هم وأهل سجستان في أداني أرضهم فهزمهم المسلمون ثم اتبعوهم حتى حصروهم بزرنج ومخروا أرض سجستان ما شاؤوا ثم إنهم طلبوا الصلح على زرنج وما احتازوا من الأرضين فأعطوا وكانوا قد اشترطوا في صلحهم أن فدافدها حمى فكان المسلمون يتجنبونها خشية أن يصيبوا منها شيئا فيخفر وأقيم أهل سجستان على الخراج وكانت سجستان أعظم من خراسان وأبعد فروجا يقاتلون القندهار والترك وأمما كثيرة وكانت فيما بين السند إلى نهر بلخ بحياله فلم يزل كذلك حتى كان زمن معاوية فهرب الشاه من أخيه رتبيل إلى بلد فيها يدعى آمل ودان لسلم بن زياد وهو يومئذ على سجستان ففرح بذلك وعقد لهم وأنزلهم البلاد وكتب إلى معاوية بذلك يرى أنه فتح عليه فقال معاوية إن ابن أخي ليفرح بإمارته ليحزنني وينبغي له أن يحزنه قال ولم يا أمير المؤمنين قال إن آمل بلدة بينها وبين زرنج صعوبة وتضايق وهؤلاء قوم غدر فإذا اضطرب الجبل غدرا فأهون ما يجيء منهم أنهم يغلبون على بلاد آمل بأسرها وأقرهم على عهد سلم بن زياد فلما وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه وغلب على آمل واعتصم منه رتبيل بمكانه ولم يرضه ذلك حين تشاغل عنه الناس حتى طمع في زرنج فغزاها وحصر من بها حتى أتتهم الأمداد من البصرة وصار رتبيل والذين معه عصبة وكانت تلك البلاد مذللة إلى أن مات معاوية وقيل في فتح سجستان غير هذا وسيرد ذكره إن شاء الله تعالى

ذكر فتح مكران ص 442

وقصد الحكم بن عمرو التغلبي مكران حتى انتهى إليها ولحق به شهاب بن المخارق وسهيل بن عدي وعبد الله بن عبد الله بن عتبان فانتهوا إلى دوين النهر وأهل مكران على شاطئه فاستمد ملكهم ملك السند فأمده بجيش كثيف فالتقوا مع المسلمين فانهزموا وقتل منهم في المعركة مقتلة عظيمة واتبعهم المسلمون يقتلونهم أياما حتى انتهوا إلى النهر ورجع المسلمون إلى مكران فأقاموا بها وكتب الحكم إلى عمر بالفتح وبعث إليه بالأخماس مع صحار العبدي واستأمره في الفيلة فلما قدم المدينة سأل عمر عن مكران وكان لا يأتيه أحد إلا سأل عن الوجه الذي يجيء منه فقال يا أمير المؤمنين هي أرض سهلها جبل وماؤها وشل وثمرها دقل وعدوها بطل وخيرها قليل وشرها طويل والكثير فيها قليل والقليل فيها ضائع وما وراءها شر منها فقال أسجاع أنت أم مخبر لا والله لا يغزوها جيش لي أبدا وكتب إلى سهيل والحكم بن عمرو أن لا يجوزن مكران أحد من جنودكما واقتصرا على ما دون النهر وأمرهما ببيع الفيلة التي غنمها المسلمون ببلاد الإسلام وقسم أثمانها على الغانمين

مكران بضم الميم وسكون الكاف

ذكر خبر بيروذ من الأهواز ص 443

ولما فصلت الخيول إلى الكور اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الأكراد وغيرهم وكان عمر قد عهد إلى أبي موسى أن يسير إلى أقصى ذمة البصرة حتى لا يؤتى المسلمون من خلفهم وخشي أن يهلك بعض جنوده أو يخلفوا في أعقابهم فاجتمع الأكراد ببيروذ وأبطأ أبو موسى حتى تجمعوا ثم سار فنزل بهم ببيروذ فالتقوا في رمضان بين نهر تيري ومناذر وقد توافى إليها أهل النجدات من أهل فارس والأكراد ليكيدوا المسلمين وليصيبوا منهم عورة ولم يشكوا في واحدة من اثنتين فقام المهاجر بن زياد وقد تحنط واستقتل وعزم أبو موسى على الناس فأفطروا وتقدم المهاجر فقاتل قتالا شديدا حتى قتل ووهن الله المشركين حتى تحصنوا في قلة وذلة واشتد جزع الربيع بن زياد على أخيه المهاجر وعظم عليه فقده فرق له أبو موسى فاستخلفه عليهم في جند

وخرج أبو موسى حتى بلغ أصبهان واجتمع بها بالمسلمين الذين يحاصرون جيا فلما فتحت رجع أبو موسى إلى البصرة وفتح الربيع بن زياد الحارثي بيروذ من نهر تيري وغنم ما معهم ووفد أبو موسى وفدا معهم الأخماس فطلب ضبة بن محصن العنزي أن يكون في الوفد فلم يجبه أبو موسى وكان أبو موسى قد اختار من سبي بيروذ ستين غلاما فانطلق ضبة إلى عمر شاكيا وكتب أبو موسى إلى عمر بخبره فلما قدم ضبة على عمر سلم عليه فقال من أنت فأخبره فقال لا مرحبا ولا أهلا فقال أما المرحب فمن الله وأما الأهل فلا أهل

ثم سأله عمر عن حاله فقال إن أبي موسى انتقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه وله جارية تغدى جفنة وتعشى جفنة تدعى عقيلة وله قفيزان وله خاتمان وفوض إلى زياد بن أبي سفيان أمور البصرة وأجاز الحطيئة بألف فاستدعى عمر أبا موسى فلما قدم عليه حجبه أياما ثم استدعاه فسأل عمر ضبة عما قال فقال أخذ ستين غلاما لنفسه فقال أبو موسى دللت عليهم وكان لهم فداء ففديتهم وقسمته بين المسلمين فقال ضبة ما كذب ولا كذبت فقال له قفيزان فقال أبو موسى قفيز لأهلي أقوتهم به وقفيز للمسلمين في أيديهم يأخذون به أرزاقهم فقال ضبة ما كذب ولا كذبت فلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر فعلم أن ضبة قد صدقه قال وولي زيادا أمور الناس ولا يعرف هذا ما يلي قال رأيت له رأيا ونبلا فأسندت إليه عملي قال وأجاز الحطيئة بألف قال سددت فمه بمالي أن يشتمني فرده عمر وأمره أن يرسل إليه زيادا وعقيلة ففعل فلما قدم عليه زياد سأله عن حاله وعطائه والفرائض والسنن والقرآن فرآه فقيها فرده وأمر أمراء البصرة أن يسيروا برأيه وحبس عقيلة بالمدينة وقال عمر إلا إن ضبة غضب على أبي موسى وفارقه مراغما إن فاته أمر من أمر الدنيا فصدق عليه وكذب فأفسد كذبه صدقه فإياكم والكذب فإنه يهدي إلى النار

بيروذ بفتح الباء الموحدة وسكون الياء تحتها نقطتان وضم الراء وسكون الواو وآخره ذال معجمة

ذكر خبر سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد ص 444

كان عمر إذا اجتمع إليه جيش من المسلمين أمر عليهم أميرا من أهل العلم والفقه فاجتمع إليه جيش من المسلمين فبعث عليهم سلمة بن قيس الأشجعي فقال سر باسم الله قاتل في سبيل الله من كفر بالله فإذا لقيتم عدوكم فادعوهم إلى الإسلام فإن أجابوا وأقاموا بدارهم فعليهم الزكاة وليس لهم من الفيء نصيب وإن ساروا معكم فلهم مثل الذي لكم وعليهم مثل الذي عليكم وإن أبوا فادعوهم إلى الجزية فإن أجابوا فاقبلوا منهم وإن أبوا فقاتلوهم وإن تحصنوا منكم وسألوكم أن ينزلوا على حكم الله ورسوله أو ذمة الله ورسوله فلا يجيبوهم فإنكم لا تدرون أتصيبون حكم الله ورسوله وذمتهما أم لا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا ولا تمثلوا قال فساروا حتى لقوا عدوا من الأكراد المشركين فدعوهم إلى الإسلام أو الجزية فلم يجيبوا فقاتلوهم فهزموهم وقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية فقسمه بينهم ورأى سلمة جوهرا في سفط فاسترضى عنه المسلمين وبعث به إلى عمر فقدم الرسول بالبشارة وبالسفط على عمر فسأله عن أمور الناس وهو يخبره حتى أخبره بالسفط فغضب غضبا شديدا وأمر به فوجئ به في عنقه ثم إنه قال إن تفرق الناس قبل أن تقدم عليهم ويقسمه سلمة فيهم لأسوأنك فسار حتى قدم على سلمة فباعه وقسمه في الناس وكان الفص يباع بخمسة دراهم وقيمته عشرون ألفا وحج بالناس هذه السنة عمر بن الخطاب وحج معه أزواج النبي وهي آخر حجة حجها وفيها قتل عمر رضي الله عنه

ذكر الخبر عن مقتل عمر رضي الله عنه ص 445

قال المسور بن مخرمة وكانت أمه عاتكة بن عوف خرج عمر بن الخطاب يطوف يوما في السوق فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة وكان نصرانيا فقال يا أمير المؤمنين أعدني على المغيرة بن شعبة فإن علي خراجا كثيرا قال وكم خراجك قال درهمان كل يوم قال وإيش صناعتك قال نجار نقاش حداد قال فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من الأعمال قد بلغني أنك تقول لو أردت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت قال نعم قال فاعمل لي رحى قال لئن سلمت لأعملن لك رحى يتحدث بها من بالمشرق والمغرب ثم انصرف عنه فقال عمر لقد أوعدني العبد الآن ثم انصرف العبد إلى منزله فلما كان الغد جاءه كعب الأحبار فقال له يا أمير المؤمنين اعهد فإنك ميت في ثلاث ليال قال وما يدريك قال أجده في كتاب التوراة قال عمر أتجد عمر بن الخطاب في التوراة قال اللهم لا ولكني أجد حليتك وصفتك وأنك قد فني أجلك قال وعمر لا يحس وجعا فلما كان الغد جاءه كعب فقال بقي يومان فلما كان الغد جاءه كعب فقال مضى يومان وبقي يوم

فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالا فإذا استوت كبر ودخل أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر له رأسان نصابه في وسطه فضرب عمر ست ضربات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته وقتل معه كليب بن أبي البكير الليثي وهو خليفة وقتل جماعة غيره فلما وجد عمر حر السلاح سقط وأمر عبد الرحمن بن عوف فصلى بالناس وعمر طريح فاحتمل فأدخل بيته ودعا عبد الرحمن فقال له إني أريد أن أعهد إليك قال أتشير علي بذلك قال اللهم لا قال والله لا أدخل فيه أبدا قال فهبني صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض

ثم دعا عليا وعثمان والزبير وسعدا فقال انتظروا أخاكم طلحة ثلاثا فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم أنشدك الله يا علي إن وليت من أمور الناس شيئا أن لا تحمل بني هاشم على رقاب الناس أنشدك الله يا عثمان إن وليت من أمور الناس أن لا تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس أنشدك الله يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئا أن لا تحمل أقاربك على رقاب الناس قوموا فتشاوروا ثم اقضوا أمركم وليصل بالناس صهيب

ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فقال قم على بابهم فلا تدع أحدا يدخل إليهم وأوصى الخليفة من بعدي بالأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان أن يحسن إلى محسنهم ويعفو عن مسيئهم وأوصى الخليفة بالعرب فإنهم مادة الإسلام أن يؤخذ من صدقاتهم حقها فتوضع في فقرائهم وأوصى الخليفة بذمة رسول الله أن يوفى لهم بعهدهم اللهم هل بلغت لقد تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الراحة يا عبد الله بن عمر أخرج فانظر من قتلني قال يا أمير المؤمنين قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة قال الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل سجد لله سجدة واحدة يا عبد الله بن عمر اذهب إلى عائشة فسلها أن تأذن لي أن أدفن مع النبي وأبي بكر يا عبد الله إن اختلف القوم فكن مع الأكثر فإن تشاوروا فكن مع الحزب الذي فيه عبد الرحمن بن عوف يا عبد الله ائذن للناس فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه ويقول لهم أهذا عن ملأ منكم فيقولون معاذ الله قال ودخل كعب الأحبار مع الناس فلما رآه عمر قال

( توعدني كعب ثلاثا أعدها % ولا شك أن القول ما قال لي كعب )

( وما بي حذار الموت إني لميت % ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب )

ودخل عليه علي يعوده فقعد عند رأسه وجاء ابن عباس فأثنى عليه فقال له عمر أنت لي بهذا يا ابن عباس فأومأ إلى علي أن قل نعم فقال ابن عباس نعم فقال عمر لا تغرني أنت وأصحابك ثم قال يا عبد الله خذ رأسي عن الوسادة فضعه في التراب لعل الله جل ذكره ينظر إلي فيرحمني والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع ودعي له طبيب من بني الحارث بن كعب فسقاه نبيذا فخرج غير متغير فسقاه لبنا فخرج كذلك أيضا فقال له اعهد يا أمير المؤمنين قال قد فرغت

ولما احتضر ورأسه في حجر ولده عبد الله قال

( ظلوم لنفسي غير إني مسلم % أصلي الصلاة كلها وأصوم )

ولم يزل يذكر الله تعالى ويديم الشهادة إلى أن توفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وقيل طعن يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة ودفن يوم الأحد هلال محرم سنة أربع وعشرين وكانت ولايته عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام وبويع عثمان لثلاث مضين من المحرم وقيل كانت وفاته لأربع بقين من ذي الحجة وبويع عثمان لليلة بقيت من ذي الحجة واستقبل بخلافته هلال محرم سنة أربع وعشرين وكانت خلافة عمر على هذا القول عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام وصلى عليه صهيب وحمل إلى بيت عائشة ودفن عند النبي وأبي بكر ونزل في قبره عثمان وعلي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وعبد الله بن عمر

ذكر نسب عمر وصفته ص 448

فأما نسبه فهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي وكنيته أبو حفص وأمه حنتمة بنت هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهي ابنة عم أبي جهل وقد زعم من لا معرفة له أنها أخت أبي جهل وليس بشيء وسماه النبي الفاروق وقيل بل سماه أهل الكتاب

وأما صفته فكان طويلا آدم أصلع أعسر يسر يعني يعمل بيديه وكان لطوله كأنه راكب وقيل كان أبيض أبهق يعني شديد البياض تعلوه حمرة طوالا أصلع أشيب وكان يصفر لحيته ويرجل رأسه بالحناء وكان مولده قبل الفجار بأربع سنين وكان عمره خمسا وخمسين سنة وقيل ابن ستين سنة وقيل ابن ثلاث وستين سنة وأشهر وهو الصحيح وقيل ابن إحدى وستين سنة

رياح بكسر الراء وبالياء تحتها نقطتان

ذكر أسماء ولده ونساءه ص 449

تزوج عمر في الجاهلية زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح فولدت له عبد الله وعبد الرحمن الأكبر وحفصة وتزوج مليك بنت جرول الخزاعي في الجاهلية فولدت له عبيد الله بن عمر ففارقها في الهدنة فخلفه عليها أبو جهم بن حذيفة وقتل عبيد الله بصفين مع معاوية

وقيل كانت أمه أم زيد الأصغر أم كلثوم بنت جرول الخزاعي وكان الإسلام فرق بينها وبين عمر

وتزوج قريبة بنت أبي أمية المخزومي في الجاهلية ففارقها في الهدنة أيضا فتزوجها بعده عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فكانا سلفي رسول الله لأن قريبة أخت أم سلمى زوج النبي وتزوج أم حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومي في الإسلام فولدت له فاطمة فطلقها وقيل لم يطلقها وتزوج جميلة أخت عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأوسي الأنصاري في الإسلام فولدت له عاصما فطلقها ثم تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وأمها فاطمة بنت رسول الله وأصدقها أربعين ألفا فولدت له رقية وزيدا وتزوج فكيهة امرأة من اليمن فولدت له عبد الرحمن الأوسط وقيل الأصغر وقيل كانت عنده فكيهة أم ولد فولدت له زينب وهي أصغر ولد عمر وتزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وكانت قبله عند عبد الله بن أبي بكر الصديق فقتل عنها فلما مات عمر تزوجها الزبير بن العوام فقتل عنها أيضا فخطبها علي فقالت لا أفعل إني أضن بك عن القتل فإنك بقية الناس فتركها

وخطب أم كلثوم ابنة أبي بكر الصديق إلى عائشة فقالت أم كلثوم لا حاجة لي فيه إنه خشن العيش شديد على النساء

فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فقال أنا أكفيك فأتى عمر فقال بلغني خبر أعيذك بالله منه

قال ما هو قال خطبت أم كلثوم بنت أبي بكر قال نعم أفرغبت بي عنها أم رغبت بها عني قال ولا واحدة ولكنها حدثة نشأت تحت كنف أمير المؤمنين في لين ورفق وفيك غلظة ونحن نهابك وما نقدر أن نرك عن خلق من أخلاقك فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك وقال فكيف بعائشة وقد كلمتها قال أنا لك بها وأدلك على خير منها أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب تعلق منها بنسب من رسول الله

وخطب أم أبان بنت عتبة بن ربيعة فكرهته وقالت يغلق بابه ويمنع خيره ويدخل عابسا ويخرج عابسا

ذكر بعض سيرته رضي الله عنه ص 450

قال عمر إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائده فلينظر قائده حيث يقوده فأما أنا ورب الكعبة لأحملنهم على الطريق قال نافع العبسي دخلت حير الصدقة مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب قال فجلس عثمان في الظل يكتب وقام علي على رأسه يملي عليه ما يقول عمر وعمر قائم في الشمس في يوم شديد الحر عليه بردان أسودان اتزر بأحدهما ولف الآخر على رأسه يعد إبل الصدقة يكتب ألوانها وأسنانها

فقال علي لعثمان في كتاب الله يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ثم أشار علي بيده إلى عمر وقال هذا القوي الأمين )

وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة رأيت عمر أخذ بتبنة من الأرض فقال يا ليتني هذه النبتة يا ليتني لم أك شيئا يا ليت أمي لم تلدني يا ليتني كنت نسيا منسيا

وقال الحسن قال عمر لئن عشت إن شاء الله لأسيرن في الرعية حولا فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني أما عمالهم فلا يرفعونها إلي وأما هم فلا يصلون إلي فأسير إلى الشام فأقيم شهرين وبالجزيرة شهرين وبمصر شهرين وبالبحرين شهرين وبالكوفة شهرين وبالبصرة شهرين والله لنعم الحول هذا

وقيل لعمر إن ها هنا رجلا من الأنبار له بصر بالديوان لو اتخذته كاتبا فقال لقد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين

قيل خطب عمر الناس فقال والذي بعث محمدا بالحق لو أن جملا هلك ضياعا بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه

وقال أبو فراس خطب عمر الناس فقال أيها الناس إني والله ما أرسل إليكم عمالا ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه

فوثب عمرو بن العاص فقال يا أمير المؤمنين أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعية فأدب بعض رعيته إنك لتقصه منه

قال أي والذي نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه وكيف لا أقصه منه وقد رأيت النبي يقص من نفسه ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تحمدوهم فتفتنوهم ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم قال بكر بن عبد الله جاء عمر بن الخطاب إلى باب عبد الرحمن بن عوف فضربه فجاءت المرأة ففتحته ثم قالت له لا تدخل حتى أدخل البيت وأجلس مجلسي فلم يدخل حتى جلست ثم قالت ادخل فدخل ثم قال هل من شيء فأتته بطعام فأكل وهو يصلي في بيته ليلا فقال له تجوز أيها الرجل فسلم حينئذ ثم أقبل عليه فقال له ما جاء بك في هذه الساعة قال رفقة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سراق المدينة فانطلق فلنحرسهم

فأتيا السوق فقعدا على نشز من الأرض يتحدثان فرفع لهما مصباح فقال عمر ألم أنه عن المصابيح بعد النوم

فانطلقا فإذا قوم على شراب لهم قال انطلق فقد عرفته فلما أصبح أرسل إليه قال يا فلان كنت وأصحابك البارحة على شراب

قال وما علمك يا أمير المؤمنين قال شيء شهدته قال أو لم ينهك الله عن التجسس فتجاوز عنه

وإنما نهى عمر عن المصابيح لأن الفأرة تأخذ الفتيلة فترمي بها في سقف البيت فتحرقه وكانت السقوف إذ ذاك من جريد وقد كان رسول الله نهى عن ذلك قبله

وقال أسلم وخرج عمر إلى حرة وأقم وأنا معه حتى إذا كنا بصرار إذ نار تسعر فقال يا أسلم إني أرى هؤلاء ركبا قصر بهم الليل والبرد انطلق بنا إليهم

فهرولنا حتى دنونا منهم فإذا امرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على نار وصبيانها يتضاغون فقال عمر السلام عليكم يا أصحاب الضوء وكره أن يقول يا أصحاب النار

قالت وعليك السلام قال أدنو قالت أدن بخير أو دع فدنا فقال ما بالكم قالت قصر بنا الليل والبرد قال فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون قالت من الجوع قال وأي شيء في هذه القدر قالت مالي ما أسكتهم حتى يناموا فأنا أعللهم وأوهمهم أني أصلح لهم شيئا حتى يناموا الله بيننا وبين عمر قال أي رحمك الله ما يدري بكم عمر قالت يتولى امرنا ويغفل عنا فأقبل علي وقال انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عدلا فيه كبة شحم فقال احمله على ظهري قال أسلم فقلت أنا احمله عنك مرتين أو ثلاثا فقال آخر ذلك أنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أم لك

فحملته عليه فانطلق وانطلقت معه نهرول حتى انتهينا إليها فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيئا فجعل يقول لها ذري علي وأنا أحرك لك وجعل ينفخ تحت القدر وكان ذا لحية عظيمة فجعلت انظر إلى الدخان من خلل لحيته حتى انضج ثم انزل القدر فاتته بصحفة فأفرغها فيها ثم قال أطعميهم وأنا أسطح لك فلم يزل حتى شبعوا ثم خلى عندها فضل ذلك وقام وقمت معه فجعلت تقول جزاك الله خيرا أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين

فيقول قولي خيرا فإنك إذا جئت أمير المؤمنين وجدتيني هناك إن شاء الله

ثم تنحى ناحية ثم استقبلها وربض مربض السبع فجعلت أقول له إن لك شأنا غير هذا لا يكلمني حتى رأى الصبية يضحكون ويصطرعون ثم ناموا وهدأوا

فقام وهو يحمد الله ثم اقبل علي فقال يا أسلم الجوع أسهرهم وأبكاهم فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت منهم

صرار بكسر الصاد المهملة ورائين

قال سالم بن عبد الله بن عمر وكان عمر إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله فقال إني نهيت الناس عن كذا وكذا وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم وأقسم بالله لا أجد أحدا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة قال سلام بن مسكين وكان عمر إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر وربما خرج عطاؤه فقضاه قال وهو أول من دعي بأمير المؤمنين وذلك أنه لما ولي قالوا له يا خليفة خليفة رسول الله فقال عمر هذا أمر يطول كلما جاء خليفة قالوا يا خليفة خليفة خليفة رسول الله بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم فسمي أمير المؤمنين

وهو أول من كتب التاريخ وقد تقدم وهو أول من اتخذ بيت مال وأول من عس الليل وأول من عاقب على الهجاء وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد وأول من جمع الناس في صلاة الجنازة على أربع تكبيرات وكانوا قبل ذلك يصلون أربعا وخمسا وستا

قال الواقدي وهو أول من جمع الناس على إمام يصلي بهم التراويح في شهر رمضان وكتب به إلى البلدان وأمرهم به وهو أول من حمل الدرة وضرب بها وأول من دون في الإسلام الدواوين وكتب الناس على قبائلهم وفرض لهم العطاء قال زاذان قال عمر لسلمان أملك أنا أم خليفة قال له سلمان إن أنت جيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ووضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة فبكى عمر وقال أبو هريرة يرحم الله ابن حنتمة لقد رأيته عام الرمادة وإنه ليحمل على ظهره جرابين وعكة زيت في يده وإنه ليعتقب هو وأسلم فلما رآني قال من أين يا أبا هريرة قلت قريبا فأخذت أعقبه فحملناه حتى انتهينا إلى صرار فإذا نحو من عشرين بيتا من محارب فقال لهم ما أقدمكم

قالوا الجهد وأخرجوا لنا جلد الميتة مشويا كانوا يأكلونه ورمة العظام مسحوقة كانوا يستفونها فرأيت عمر طرح رداءه ثم اتزر فما زال يطبخ حتى أشبعهم ثم أرسل أسلم إلى المدينة فجاءنا بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبانة ثم كساهم وكان يختلف إليهم والى غيرهم حتى رفع الله ذلك قال أبو خيثمة رأت الشفاء بنت عبد الله فتيانا يقصدون في المشي ويتكلمون رويدا فقالت ما هذا قالوا نساك فقالت كان والله عمر إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع وهو والله ناسك حقا

قال الحسن خطب عمر الناس وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة منها أدم قال أبو عثمان النهدي رأيت عمر يرمي الجمرة وعليه غزار مرقع بقطعة جراب وقال علي رأيت عمر يطوف بالكعبة وعليه إزار فيه إحدى وعشرون رقعة فيها أدم وقال الحسن كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد كما يعاد المريض

وقيل إنه سمع قارئا يقرأ والطور فلما انتهى إلى قوله تعالى إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع سقط ثم تحامل إلى منزله فمرض شهرا من ذلك قال الشعبي كان عمر يطوف في الأسواق ويقرأ القرآن ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم قال موسى بن عقبة أتى رهط إلى عمر فقالوا له كثر العيال واشتدت المؤنة فزدنا في عطائنا قال فعلتموها جمعتم بين الضرائر واتخذتم الخدم من مال الله عز وجل أما والله لوددت إني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقا وغربا فلن يعجز الناس أن يولوا رجلا منهم فإن استقام اتبعوه وإن جنف قتلوه فقال طلحة وما عليك لو قلت وإن تعوج عزلوه قال لا القتل أنكل لمن بعده احذروا فتى من قريش وابن كريمها الذي لا ينام إلا على الرضا ويضحك عند الغضب وهو يتناول من فوقه ومن تحته

قال مجالد ذكر رجل عند عمر فقيل يا أمير المؤمنين فاضل لا يعرف من الشر شيئا قال ذاك أوقع له فيه قال صالح بن كيسان قال المغيرة بن شعبة لما دفن عمر أتيت عليا وأنا أحب أن أسمع منه في عمر شيئا فخرج ينفض رأسه ولحيته وقد اغتسل وهو ملتحف بثوب لا يشك أن الأمر يصير إليه فقال يرحم الله ابن الخطاب لقد صدقت ابنة أبي حنتمة ذهب بخيرها ونجا من شرها أو والله ما قالت ولكن قولت وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو في عمر

( وفجعني فيروز لا در دره % بأبيض تال للكتاب منيب )

( رؤوف على الأدنى غليظ على العدا % أخي ثقة في النائبات مجيب )

( متى ما يقل لا يكذب القول فعله % سريع إلى الخيرات غير قطوب )

وقال أيضا

( عين جودي بعبرة ونحيب % لا تملي على الإمام النجيب )

( فجعتني المنون بالفارس المع % يوم الهياج والتلبيب )

( عصمة الناس والمعين على الدهر % وغيث المنتاب والمحروب )

( قل لأهل الثراء والبؤس موتوا قد % سقته المنون كأس شعوب )

قال ابن المسيب وحج عمر فلما كان بضجنان قال لا إله إلا الله العظيم العلي المعطي ما شاء من شاء كنت أرعى إبل الخطاب في هذا الوادي في مدرعة صوف وكان فظا يتعبني إذا عملت ويضربني إذا قصرت وقد أمسيت وليس بيني وبين الله أحد ثم تمثل

( لا شيء فيما ترى تبقى بشاشته % يبقى الإله ويودي المال والولد )

( لم تغن عن هرمز يوما خزائنه % والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا )

( ولا سليمان إذ تجرى الرياح به % والإنس والجن فيما بينهما برد )

( أين الملوك التي كانت نوافلها % من كل أوب إليها راكب يفد )

( حوضا هناك مورودا بلا كذب % لا بد من ورده يوما كما وردوا )

قال أسلم إن هند بنت عتبة استقرضت عمر من بيت المال أربعة آلاف تتجر فيها وتضمنها فأقرضها فخرجت فيها إلى بلاد كلب فاشترت وباعت فبلغها أن أبا سفيان وابنه عمرا أتيا معاوية فعدلت إليه وكان أبو سفيان قد طلقها فقال لها معاوية ما أقدمك أي أمة قالت النظر إليك أي بني إنه عمر وإنما يعمل لله وقد أتاك أبوك فخشيت أن تخرج إليه من كل شيء وأهل ذلك هو ولا يعلم الناس من أين أعطيته فيأنبوك ويأنبك عمر فلا تستقبلهما أبدا

فبعث إلى أبيه والى أخيه بمائة دينار وكساهما وحملها فتسخطها عمرو فقال أبو سفيان لا تسخطها فإن هذا عطاء لم تغب عنه هند

ورجعوا جميعا فقال أبو سفيان لهند أربحت

قالت الله أعلم معي تجارة إلى المدينة

فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة فقال لها عمر لو كان مالي لتركته لك ولكنه مال المسلمين وهذه مشورة لم يغب عنها أبو سفيان فبعث إليه فحبسه حتى وفته

وقال لأبي سفيان بكم أجازك معاوية قال بمائة دينار قال ابن عباس بينما عمر بن الخطاب وأصحابه يتذاكرون الشعر فقال بعضهم فلان أشعر وقال بعضهم بل فلان أشعر قال فأقبلت فقال عمر قد جاءكم أعلم الناس بها من أشعر الشعراء قال قلت زهير بن أبي سلمى فقال هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت فقلت امتدح قوما من غطفان فقال

( لو كان يقعد فوق الشمس من كرم % قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا )

( قوم أبوهم سنان حين تنسبهم % طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا )

( إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا % مرزأون بهاليل إذا حشدوا )

( محسدون على ما كان من نعم % لا ينزع الله منهم ماله حسدوا )

فقال عمر أحسن والله وما علم أحدا أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم لفضل رسول الله وقرابته منهم فقلت وفقت يا أمير المؤمنين ولم تزل موفقا فقال يا ابن عباس أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد

فكرهت أن أجيبه فقلت إن لم أكن أدري فإن أمير المؤمنين يدريني

فقال عمر كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت فقلت يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت قال تكلم قلت أما قولك يا أمير المؤمنين اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت فلو أن قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود

وأما قولك إنهم أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهة فقال ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم

فقال عمر هيهات والله يا ابن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقرك عليها لتزيل منزلتك مني فقلت ما هي يا أمير المؤمنين فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتك مني وإن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه فقال عمر بلغني أنك تقول إنما صرفوها عنك حسدا وبغيا وظلما فقلت أما قولك يا أمير المؤمنين ظلما فقد تبين للجاهل والحليم وأما قولك حسدا فإن آدم حسد ونحن ولده المحسودون فقال عمر هيهات هيهات أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا ما يحول وضغنا وغشا لا يزول فقلت مهلا يا أمير المؤمنين لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد والغش فإن قلب رسول الله من قلوب بني هاشم فقال عمر إليك عني يا عباس فقلت افعل

فلما ذهبت أقوم استحيا مني فقال يا ابن عباس مكانك فوالله إني راع لحقك محب لما سرك

فقلت يا أمير المؤمنين إن لي عليك حقا وعلى كل مسلم فمن حفظه فحقه أصاب ومن أضاعه فحظه أخطأ ثم قام فمضى

ذكر قصة الشورى ص 458

قال عمر بن ميمون الأودي إن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له يا أمير المؤمنين لو استخلفت

فقال من استخلف فقال لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته وقلت لربي إن سألني سمعت نبيك يقول ( إنه أمين هذه الأمة ) ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته وقلت لربي إن سألني سمعت نبيك يقول ( إن سالما شديد الحب لله تعالى ) فقال له رجل أدلك عليه عبد الله بن عمر فقال قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا ويحك كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته لا إرب لنا في أموركم فما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي إن كان خيرا فقد أصبنا منه وإن كان شرا فقد صرف عنا بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ويسأل عن أمر أمة محمد

أما لقد جهدت نفسي وحرمت أهلي وإن نجوت كفافا لا وزر ولا أجر إني لسعيد أنظر فإن استخلف فقد استخلف من هو خير مني وإن أترك فقد ترك من هو خير مني ولن يضيع الله دينه

فخرجوا ثم راحوا فقالوا يا أمير المؤمنين لو عهدت إلينا

فقال قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولي رجلا أمركم هو أحراكم أن يحملكم على الحق وأشار إلى علي فرهقتني غشية فرأيت رجلا دخل جنة قد غرسها فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه ويصير تحته فعلمت أن الله غالب أمره ومتوف عمر فما أردت أن أتحملها حيا وميتا عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله أنهم من أهل الجنة وهم علي وعثمان وعبد الرحمن وسعد والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله فليختاروا منهم رجلا فإذا ولوا واليا فأحسنوا موازرته وأعينوه إن ائتمن أحدا منكم فليؤد إليه أمانته

فخرجوا فقال العباس لعلي لا تدخل معهم قال إني أكره الخلاف

قال إذن ترى ما تكره

فلما أصبح عمر دعا عليا وعثمان وسعدا وعبد الرحمن والزبير فقال لهم إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم وقد قبض رسول الله وهو عنكم راض وإني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم ولكني أخافكم فيما بينكم فيختلف الناس فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنها فشاوروا فيها واختاروا رجلا منكم ووضع رأسه وقد نزفه الدم فدخلوا فتناجوا حتى ارتفعت أصواتهم فقال عبد الله بن عمر سبحان الله إن أمير المؤمنين لم يمت بعد فسمعه عمر فانتبه وقال أعرضوا عن هذا فإذا مت فتشاوروا ثلاثة أيام وليصل بالناس صهيب ولا يأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا ولا شيء له من الأمر وطلحة شريككم في الأمر فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فامضوا أمركم ومن لي بطلحة

فقال سعد بن أبي وقاص أنا لك به ولا يخالف إن شاء الله تعالى فقال عمر أرجو أن لا يخالف إن شاء الله تعالى وما أظن يلي إلا أحد هذين الرجلين علي أو عثمان فإن ولي عثمان فرجل فيه لين وإن ولي علي ففيه دعابة وأحرى به أن يحملهم على طريق الحق وإن تولوا سعدا فأهله هو وإلا فليستعن به الوالي ف ني لم أعزله عن ضعف ولا خيانة ونعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف مسدد رشيد له من الله حافظ فاسمعوا منه وأطيعوا

وقال لأبي طلحة الأنصاري يا أبا طلحة إن الله طالما أعز بكم الإسلام فاختر خمسين رجلا من الأنصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم وقال للمقداد بن الأسود إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم وقال لصهيب صل بالناس ثلاثة أيام وأدخل هؤلاء الرهط بيتا وقم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما وإن رضي ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا فحكموا عبد الله بن عمر فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع فيه الناس

فخرجوا فقال علي لقوم معه من بني هاشم إن أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا وتلقاه عمه العباس فقال عدلت عنا فقال وما علمك

قال قرن بني عثمان وقال كونوا مع الأكثر فإن رضي رجلان رجلا ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن فسعد لا يخالف ابن عمه وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون فيوليها أحدهما الآخر فلو كان الآخران معي لم ينفعاني

فقال له العباس لم أرفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخرا لما أكره أشرت عليك عند وفاة رسول الله أن تسأله فيمن هذا الأمر فأبيت فأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم فأبيت احفظ عني واحدة كل ما عرض عليك القوم فقل لا إلا أن يولوك واحذر هؤلاء الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم به لنا غيرنا وأيم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير فقال علي أما لئن بقي عثمان لأذكرنه ما أتى ولئن مات ليتداولونها بينهم ولئن فعلوا لتجدني حيث يكرهون ثم تمثل

( حلفت برب الراقصات عشية % غدون خفافا فابتدرن المحصبا )

( ليختلين رهط ابن يعمر فارسا % نجيعا بنو الشداخ وردا مصلبا )

والتفت فرأى أبا طلحة فكره مكانه فقال أبو طلحة لن تراع أبا الحسن

فلما مات عمر وأخرجت جنازته صلى عليه صهيب فلما دفن عمر جمع المقداد أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة وقيل في بيت المال وقيل في حجرة عائشة بإذنها وطلحة غائب وأمروا أبا طلحة أن يحجبهم وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب فحصبهما سعد وأقامهما وقال تريدان أن تقولا حضرنا وكنا في أهل الشورى فتنافس القوم في الأمر وكثر فيهم الكلام فقال أبو طلحة أنا كنت لأن تدفعوها أخوف مني لأن تتنافسوها والذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمر ثم أجلس في بيتي فانظر ما تصنعون

فقال عبد الرحمن أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليكم أفضلكم

فلم يجبه أحد فقال فأنا أنخلع منها

فقال عثمان أنا أول من رضي فقال القوم قد رضينا وعلي ساكت فقال ما تقول يا أبا الحسن قال أعطني موثقا لتؤثرن الحق ولا تبع الهوى ولا تخص ذا رحم ولا تألوا الأمة نصحا فقال أعطوني مواثيققكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير وأن ترضوا من اخترت لكم وعلي ميثاق الله أن لا أخص ذا رحم لرحمه ولا آلو المسلمين فأخذ منهم ميثاقا وأعطاهم مثله فقال لعلي تقول إني أحق من حضر بهذا الأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدين ولم تبعد في نفسك ولكن أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق به قال عثمان

وخلا بعثمان فقال تقول شيخ من بني عبد مناف وصهر رسول الله وابن عمه ولي سابقة وفضل فأين يصرف هذا الأمر عني ولكن لو لم تحضر أي هؤلاء الرهط تراه أحق به قال علي

ثم خلا بالزبير فكلمه بمثل ما كلم به عليا وعثمان فقال عثمان ثم خلا بسعد فكلمه فقال عثمان

ولقي علي سعدا فقال له اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام أسألك برحم ابني هذا من رسول الله وبرحم عمي حمزة منك أن لا تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيرا علي

ودار عبد الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم حتى إذا كان الليلة التي صبيحتها تستكمل الأجل

أتى منزل المسور بن مخرمة بعد ابهيرار من الليل فأيقظه وقال له لم أذق في هذه الليلة كبير غمض انطلق فادع الزبير وسعدا

فدعاهما فبدأ بالزبير فقال له خل بني عبد مناف وهذا الأمر قال نصيبي لعلي

وقال لسعد اجعل نصيبك لي فقال إن اخترت نفسك فنعم وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي أيها الرجل بايع لنفسك وأرحنا وارفع رؤوسنا

فقال له قد خلعت نفسي منها على أن أختار ولو لم أفعل لم أردها إني رأيت روضة خضراء كثيرة العشب فدخل فحل ما رأيت اكرم منه فمر كأنه سهم لم يلتفت إلى شيء منها حتى قطعها لم يعرج ودخل بعير يتلوه فاتبع أثره حتى خرج منها ثم دخل فحل عبقري يجر خطامه يلتفت يمينا وشمالا ومضى قصد الأولين ثم دخل بعير رابع فرتع في الروضة ولا والله لا أكون الرابع ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحد فيرضى الناس عنه

قال وأرسل المسور فاستدعى عليا فناجاه طويلا وهو لا يشك أنه صاحب الأمر ثم نهض ثم أرسل إلى عثمان فتناجيا حتى فرق بينهما الصبح قال عمرو بن ميمون قال لي عبد الله بن عمر من أخبرك أنه يعلم ما كلم به عبد الرحمن بن عوف عليا وعثمان فقد قال بغير علم فوقع قضاء ربك على عثمان

فلما صلوا الصبح جمع الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار والى أمراء الأجناد فاجتمعوا حتى التج المسجد بأهله فقال أيها الناس إن الناس قد أجمعوا أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم فأشيروا علي فقال عمار إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليا

فقال المقداد بن الأسود صدق عمار إن بايعت عليا قلنا سمعنا وأطعنا وقال ابن أبي سرح إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان فقال عبد الله بن أبي ربيعة صدقت إن بايعت عثمان قلنا سمعنا وأطعنا

فتبسم ابن أبي سرح فقال عمار متى كنت تنصح المسلمين

فتكلم بنو هاشم وبنو أمية فقال عمار أيها الناس إن الله أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم

فقال رجل من بني مخزوم لقد عدوت طورك يا ابن سمية وما أنت وتأمير قريش لأنفسها فقال سعد بن أبي وقاص يا عبد الرحمن افرغ قبل أن يفتتن الناس فقال عبد الرحمن إني قد نظرت وشاورت فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا ودعا عليا وقال عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده قال أرجو أن أفعل فأعمل بمبلغ علمي وطاقتي

ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي فقال نعم نعمل فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال اللهم اسمع واشهد إني جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان فبايعه

فقال علي ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك والله كل يوم في شأن فقال عبد الرحمن يا علي لا تجعل على نفسك حجة وسبيلا

فخرج علي وهو يقول سيبلغ الكتاب أجله

فقال المقداد يا عبد الرحمن أما والله لقد تركته وإنه من الذين يقضون بالحق وبع يعدلون فقال يا مقداد والله لقد اجتهدت للمسلمين قال إن كنت أردت الله فأثابك الله ثواب المحسنين فقال المقداد ما رأيت مثل ما أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول ولا أعلم أن رجلا أقضى بالعدل ولا أعلم منه أما والله لو أجد أعوانا عليه فقال عبد الرحمن يا مقداد اتق الله فإني خائف عليك الفتنة فقال رجل للمقداد رحمك الله من أهل هذا البيت ومن هذا الرجل قال أهل البيت بنو عبد المطلب والرجل علي بن أبي طالب فقال علي إن الناس ينظرون إلى قريش وقريش تنظر بينها فتقول إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا وما كانت في غيرهم تتداولونها بينكم

وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيع لعثمان فقيل له بايعوا لعثمان فقال كل قريش راض به

قالوا نعم فأتى عثمان فقال له عثمان أنت على رأس أمرك وإن أبيت رددتها قال أتردها قال نعم قال أكل الناس بايعوك قال نعم قال قد رضيت لا أرغب عما أجمعوا عليه وبايعه وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن يا أبا محمد قد أصبت أن بايعت عثمان وقال لعثمان ولو بايع عبد الرحمن غيرك ما رضينا فقال عبد الرحمن كذبت يا أعور لو بايعت غيره لبايعته ولقلت هذه المقالة قال وكان المسور يقول ما رأيت أحدا بذ قوما فيما دخلوا فيه بمثل ما بذهم عبد الرحمن قلت قوله إن عبد الرحمن صهر عثمان يعني أن عبد الرحمن تزوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أخت عثمان لأمه خلف عليها عقبة بعد عثمان

وقد ذكر أبو جعفر رواية أخرى في الشورى عن المسور بن مخرمة وهي تمام حديث مقتل عمر وقد تقدم والذي ذكره ها هنا قريب من الذي تقدم آنفا غير أنه قال لما دفن عمر جمعهم عبد الرحمن وخطبهم وأمرهم بالاجتماع وترك التفرق فتكلم عثمان فقال الحمد لله الذي اتخذ محمدا نبيا وبعثه رسولا وصدقه وعده ووهب له نصره على كل من بعد نسبا أو قرب رحما صلى الله عليه جعلنا الله له تابعين وبأمره مهتدين فهو لنا نور ونحن بأمره نقوم عند تفرق الأهواء ومجادلة الأعداء جعلنا الله بفضله أئمة وبطاعته أمراء لا يخرج امرنا منا ولا يدخل علينا غيرنا إلا من سفه الحق ونكل عن القصد وأحر بها يا ابن عوف أن تترك وأجدر بها أن يكون إن خولف أمرك وترك دعاؤك فأنا أول مجيب لك وداع إليك وكفيل بما أقول زعيم واستغفر الله لي ولكم

ثم تكلم الزبير بعده فقال أما بعد فإن داعي الله لا يجهل ومجيبه لا يخذل عند تفرق الأهواء ولي الأعناق ولن يقصر عما قلت إلا غوى ولن يترك ما دعوت إليه إلا شقي ولولا حدود الله فرضت وفرائض الله حدت تراح على أهلها وتحيا ولا تموت لكان الموت من الإمارة نجاة والفرار من الولاية عصمة ولكن لله علينا إجابة الدعوة وإظهار السنة لئلا نموت ميتة عمية ولا نعمى عمي الجاهلية فأنا مجيبك إلى ما دعوت ومعينك على ما أمرت ولا حول ولا قوة إلا بالله وأستغفر الله لي ولكم

ثم تكلم سعد فقال بعد حمد الله وبمحمد أنارت الطرق واستقامت السبل وظهر كل حق ومات كل باطل وإياكم أيها النفر وقول الزور وأمنية أهل الغرور وقد سلبت الأماني قوما قبلكم ورثوا ما ورثتم ونالوا ما نلتم فاتخذهم الله عدوا ولعنهم لعنا كبيرا قال الله تعالى لعن الذين كفروا من بني إسرائيل إلى قوله لبئس ما كانوا يفعلون إني نكبت قرني وأخذت سهمي الفالج وأخذت لطلحة بن عبيد الله ما ارتضيت لنفسي فأنا به كفيل وبما أعطيت عنه زعيم والأمر إليك يا ابن عوف بجهد النفس وقصد النصح وعلى الله قصد السبيل واليه الرجوع وأستغفر الله لي ولكم وأعوذ بالله من مخالفتكم

ثم تكلم علي بن أبي طالب فقال الحمد لله الذي بعث محمدا منا نبيا وبعثه إلينا رسولا فنحن بيت النبوة ومعدن الحكمة وأمان أهل الأرض ونجاة لمن طلب لنا حق إن نعطه نأخذه وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السرى لو عهد إلينا رسول الله عهدا لأنفذنا عهده ولو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتى نموت لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم لا حول ولا قوة إلا بالله اسمعوا كلامي وعوا منطقي عسى أن تروا هذا الأمر بعد هذا المجمع تنتضي فيه السيوف وتخان فيه العهود حتى تكونوا جماعة ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة ثم قال

( فإن تك جاسم هلكت فغني % بما فعلت بنو عبد بن ضخم )

( مطيع في الهواجر كل غي % بصير بالنوى من كل نجم )

فقال عبد الرحمن أيكم يطيب نفسا أن يخرج نفسه من هذا الأمر ويوليه غيره وذكر قريبا مما تقدم ثم جلس عثمان في جانب المسجد بعد بيعته ودعا عبيد الله بن عمر بن الخطاب وكان قتل قاتل أبيه أبا لؤلؤة وقتل جفينة رجلا نصرانيا من أهل الحيرة كان ظهيرا لسعد بن مالك وقتل الهرمزان فلما ضربه بالسيف قال لا إله إلا الله فلما قتل هؤلاء أخذه سعد بن أبي وقاص وحبسه في داره وأخذ سيفه وأحضره عند عثمان وكان عبيد الله يقول والله لأقتلن رجالا ممن شرك في دم أبي يعرض بالمهاجرين والأنصار

وإنما قتل هؤلاء النفر لأن عبد الرحمن بن أبي بكر قال غداة عمر رأيت عشية أمس الهرمزان وأبا لؤلؤة وجفينة وهم يتناجون فلما رأوني ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه وهو الخنجر الذي ضرب به عمر فقتلهم عبيد الله فلما أحضره عثمان قال أشيروا علي في هذا الرجل الذي فتق في الإسلام ما فتق فقال علي أرى أن تقتله فقال بعض المهاجرين قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم فقال عمرو بن العاص إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث ولك على المسلمين سلطان فقال عثمان أنا وليه وقد جعلتها دية وأحتمها في مالي وكان زياد بن لبيد البياضي الأنصاري إذا رأى عبيد الله بن عمر يقول

( ألا يا عبيد الله مالك مهرب % ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر )

( أصبت دما والله في غير حله % حراما وقتل الهرمزان له خطر )

( على غير شيء غير أن قال قائل % أتتهمون الهرمزان على عمر )

( فقال سفيه والحوادث جمة % نعم أتهمه قد أشار وقد أمر )

( وكان سلاح العبد في جوف بيته % يقلبها والأمر بالأمر يعتبر )

فشكا عبيد الله إلى عثمان زياد بن لبيد فنهى عثمان زيادا فقال في عثمان

( أبا عمرو عبيد الله رهن % فلا تشكك بقتل الهرمزان )

( فإنك إن عفوت الجرم عنه % وأسباب الخطا فرسا رهان )

( أتعفو إذ عفوت بغير حق % فما لك بالذي تحكي يدان )

فدعا عثمان زيادا فنهاه وشذبه وقيل في فداء عبيد الله غير ذلك قال القماذبان بن الهرمزان كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض فمر فيروز أبو لؤلؤة بالهرمزان ومعه خنجر له رأسان فتناوله منه وقال ما تصنع به قال أسن به فرآه رجل فلما أصيب عمر قال رأيت الهرمزان دفعه إلى فيروز فأقبل عبيد الله فقتله فلما ولي عثمان أمكنني منه فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي إلا أنهم يطلبون إلي فيه فقلت لهم إلى قتله قالوا نعم وسبوا عبيد الله قلت لهم أفلكم منعه قالوا لا وسبوه فتركته لله ولهم فحملوني فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الناس والأول أصح في إطلاق عبيد الله لأن عليا لما ولي الخلافة أراد قتله فهرب منه إلى معاوية بالشام ولو كان إطلاقه بأمر ولي الدم لم يتعرض له علي

ذكر عدة حوادث ص 467

كان العمال فيها على مكة نافع بن عبد الحرث الخزاعي وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثقفي وعلى صنعاء يعلى بن أمية وعلى الجند عبد الله بن أبي ربيعة وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة وعلى البصرة أبو موسى الأشعري وعلى مصر عمرو بن العاص وعلى حمص عمير بن سعد وعلى دمشق معاوية وعلى البحرين وما والاها عثمان بن أبي العاص الثقفي

وفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمورية ومعه من أصحاب رسول الله عبادة بن الصامت وأبو أيوب الأنصاري وأبو ذر وشداد بن أوس

وفيها فتح معاوية عسقلان على صلح وكان على قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة كعب بن سور وقيل إن أبا بكر وعمر لم يكن لهم قاض

وفي هذه السنة توفي قتادة بن النعمان الأنصاري وهو الذي رد رسول الله عينه وصلى عليه عمر بن الخطاب وهو بدري وقيل توفي سنة أربع وعشرين وفي خلافة عمر توفي الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري وهو بدري وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وهو أسن من العباس وعمير بن عوف مولى سهيل بن عمرو وهو بدري وعمير بن وهب بن خلف الجمحي شهد أحدا وعتبة بن مسعود أخو عبد الله بن مسعود وهو من مهاجرة الحبشة شهد أحدا وعدي بن أبي الزغباء الجهني وهو عين رسول الله يوم بدر وشهد غيرها أيضا وفيها مات عويم بن ساعدة الأنصاري وهو عقبي بدري وقيل إنه من بلى وله حلف في الأنصار

وفيها مات سهيل بن رافع الأنصاري شهد بدرا

ومسعود بن أوس بن زيد الأنصاري وقيل بل عاش بعد ذلك وشهد صفين مع علي

وفيها توفي واقد بن عبد الله التميمي حليف الخطاب وهو أول من قاتل في سبيل الله في الإسلام وقتل عمرو بن الحضرمي وكان إسلامه قبل دخول رسول الله دار الأرقم

وفيها مات أبو جندل بن سهيل بن عمرو وأخوه عبد الله وكان عبد الله بدريا ولم يشهدها أبو جندل لأن أباه سجنه بمكة ومنعه من الهجرة إلى يوم الحديبية وقد تقدم كيف خلص

وفيها مات أبو خالد الحارث بن قيس بن خالد وكان أصابه جرح باليمامة فاندمل ثم انتقض عليه فمات منه وهو عقبي بدري

وفيها مات أبو خراش الهذلي الشاعر وخبر موته مشهور

وفيها توفي غيلان بن سلمة الثقفي وهو الذي أسلم وتحته عشر نسوة وفيها في آخرها مات الصعب بن جثامة بن القيس الليثي

| خلافة عثمان بن عفان

| رضي الله عنه وأرضاه

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.