الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
17

ثم دخلت سنة إحدى وعشرين

الجزء الثاني 7 عنصر صفحة 410
ذكر وقعة نهاوند ص 410

قيل فيها كانت وقعة نهاوند وقيل كانت سنة ثمان عشرة وقيل سنة تسع عشرة

وكان الذي هيج أمر نهاوند أن المسلمين لما خلصوا جند العلاء من بلاد فارس وفتحوا الأهواز كاتبت الفرس ملكهم وهو بمرو فحركوه وكاتب الملوك من بين الباب والسند وخراسان وحلوان فتحركوا وتكاتبوا واجتمعوا إلى نهاوند ولما وصلها أوائلهم بلغ سعدا الخبر فكتب إلى عمر بذلك وثار بسعد قوم سعوا به وألبوا عليه ولم يشغلهم ما نزل بالناس وكان ممن تحرك في أمره الجراح بن سنان الأسدي في نفر فقال لهم عمر والله ما يمنعني ما نزل بكم من النظر فيما لديكم

فبعث عمر محمد بن مسلمة والناس في الاستعداد للفرس وكان محمد صاحب العمال يقتص آثار من شكى زمان عمر فطاف بسعد على أهل الكوفة يسأل عنه فمما سأل عنه جماعة إلا أثنوا عليه خيرا سوى من مالأ الجراح الأسدي فإنهم سكتوا ولم يقولوا سوءا ولا يسوغ لهم ويتعمدون ترك الثناء حتى انتهى إلى بني عبس فسألهم فقال أسامة بن قتادة اللهم إنه لا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية ولا يغزو في السرية

فقال سعد اللهم إن كان قالها رياء وكذبا وسمعة فاعم بصره وأكثر عياله وعرضه لمضلات الفتن فعمي واجتمع عنده عشر بنات وكان يسمع بالمرأة فيأتيها حتى يجسها فإذا عثر عليه قال دعوة سعد الرجل المبارك ثم دعا سعد على أولئك النفر فقال اللهم إن كانوا خرجوا أشرا وبطرا ورياء فاجهد بلادهم فجهدوا وقطع الجراح بالسيوف يوم بادر الحسن بن علي عليه السلام ليغتاله بساباط وشدخ قبيصة بالحجارة وقتل أربد بالوج وبنعال السيوف

وقال سعد إني أول رجل اهراق دما من المشركين ولقد جمع لي رسول الله أبويه وما جمعهما لأحد قبلي ولقد رأيتني خمس الإسلام وبنو أسد تزعم إني لا أحسن أصلي وأن الصيد يلهيني

وخرج محمد بسعد وبهم معه إلى المدينة فقدموا على عمر فأخبروه الخبر فقال كيف تصلي يا سعد

قال أطيل الأوليين وأحذف الأخريين فقال هكذا الظن بك يا أبا إسحاق ولولا الاحتياط لكان سبيلهم بينا وقال من خليفتك يا سعد على الكوفة

فقال عبد الله بن عبد الله بن عتبان فأقره فكان سبب نهاوند وبعثها زمن سعد

وأما الوقعة فهي زمن عبد الله فنفرت الأعاجم بكتاب يزدجرد فاجتمعوا بنهاوند على الفيرزان في خمسين ألفا ومائة ألف مقاتل وكان سعد كتب إلى عمر بالخبر ثم شافهه به لما قدم عليه وقال له إن أهل الكوفة يستأذنونك في الانسياح وأن يبدأوهم بالشدة ليكون أهيب لهم على عدوهم

فجمع عمر الناس واستشارهم وقال لهم هذا يوم له ما بعده وقد هممت أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه فأنزل منزلا وسطا بين هذين المصرين ثم أستنفرهم وأكون لهم ردءا حتى يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب فإن فتح الله عليهم صببتهم في بلدانهم

فقال طلحة بن عبيد الله يا أمير المؤمنين قد أحكمتك الأمور وعجمتك البلابل واحتنكتك التجارب وأنت وشأنك ورأيك لا ننبو في يديك ولا نكل عليك إليك هذا الأمر فمرنا نطع وادعنا نجب واحملنا نركب ووفدنا نفد وقدنا ننقد فإنك ولي هذا الأمر وقد بلوت وجربت واختبرت فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيارهم

ثم جلس فعاد عمر فقام عثمان فقال أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم والى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم ثم تسير أنت بأهل هذين الحرمين إلى الكوفة والبصرة فتلقى جميع المشركين بجمع المسلمين فإنك إذا سرت بمن معك قل عندك ما قد تكاثر من عدد القوم وكنت أعز عزا وأكثر يا أمير المؤمنين إنك لا تستبقي بعد نفسك من العرب باقية ولا تمنع من الدنيا بعزيز ولا تلوذ منها بحريز إن هذا يوم له ما بعده من الأيام فاشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه وجلس

فعاد عمر فقال إن هذا يوم له ما بعده من الأيام فتكلموا

فقام إليه على بن أبي طالب فقال أما بعد يا أمير المؤمنين فإنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم وإنك إن أشخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات

أقرر هؤلاء في أمصارهم واكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا فيها ثلاث فرق فرقة في حرمهم وذراريهم وفرقة في أهل عهدهم حتى لا ينتقضوا ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددا لهم إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا قالوا هذا أمير المؤمنين أمير العرب وأصلها فكان ذلك أشد لكلبهم عليك وأما ما ذكرت من مسير القوم فإن الله هو أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما يكره وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ولكن بالنصر

فقال عمر هذا هو الرأي كنت أحب أن أتابع عليه فأشيروا علي برجل أوليه ذلك الثغر وقيل إن طلحة وعثمان وغيرهما أشاروا عليه بالمقام والله أعلم

فلما قال عمر أشيروا علي برجل أوليه ذلك الثغر وليكن عراقيا فقالوا أنت أعلم بجندك وقد وفدوا عليك ورأيتهم وكلمتهم

فقال لأولين أمرهم رجلا يكون أول الأسنة إذا لقيها غدا فقيل من هو فقال هو النعمان بن مقرن المزني فقالوا هو لها

وكان النعمان يومئذ معه جمع من أهل الكوفة قد اقتحموا جند يسابور والسوس فكتب إليه عمر يأمره بالمسير إلى ماه لتجتمع الجيوش عليه فإذا اجتمعوا إليه سار بهم إلى الفيرزان ومن معه

وقيل بل كان النعمان عاملا بكسكر فكتب إلى عمر يسأله أن يعزله ويبعثه إلى جيش من المسلمين فكتب إليه عمر يأمره بنهاوند فسار فكتب عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان ليستنفر الناس مع النعمان كذا وكذا ويجتمعوا عليه بماه فندب الناس فكان أسرعهم إلى ذلك الروادف ليبلوا في الدين وليدركوا حظا فخرج الناس منها وعليهم حذيفة بن اليمان ومعه نعيم بن مقرن حتى قدموا على النعمان وتقدم عمر إلى الجند الذين كانوا بالأهواز ليشغلوا فارسا عن المسلمين وعليهم المقترب وحرملة وزر فأقاموا بتخوم أصبهان وفارس وقطعوا أمداد فارس عن أهل نهاوند واجتمع الناس على النعمان وفيهم حذيفة بن اليمان وابن عمر وجرير بن عبد الله البجلي والمغيرة بن شعبة وغيرهم فأرسل النعمان طليحة بن خويلد وعمرو بن معد يكرب وعمرو بن ثنى وهو ابن أبي سلمى ليأتوه بخبرهم وخرجوا وساروا يوما إلى الليل فرجع إليه عمرو بن ثنى فقالوا ما رجعك فقال لم أكن في ارض العجم وقتلت أرض جاهلها وقتل أرضا عالمها

ومضى طليحة وعمرو بن معد يكرب فلما كان آخر الليل رجع عمرو فقالوا ما رجعك قال سرنا يوما وليلة ولم نر شيئا وخفت أن يؤخذ علينا الطريق فرجعت ومضى طليحة ولم يحفل بهما حتى انتهى إلى نهاوند وبين موضع المسلمين الذي هم به ونهاوند بضعة وعشرون فرسخا فقال الناس ارتد طليحة الثانية فعلم كلام القوم واطلع على الأخبار ورجع فلما رأوه كبروا فقال ما شأنكم فأعلموه بالذي خافوا عليه فقال والله لو لم يكن دين إلا العربي ما كنت لأجزر العجم الطماطم هذه العرب العاربة فأعلم النعمان أنه ليس بينهم وبين نهاوند شيء يكرهه ولا أحد

فرحل النعمان وعبى أصحابه وهم ثلاثون ألفا فجعل على مقدمته نعيم ين مقرن وعلى مجنبتيه حذيفة بن اليمان وسويد بن مقرن وعلى المجردة القعقاع بن عمرو وعلى الساقة مجاشع بن مسعود وقد توافت إليه أمداد المدينة فيهم المغيرة بن شعبة فانتهوا إلى اسبيذهان والفرس وقوف على تعبيتهم وأميرهم الفيرزان وعلى مجنبتيه الزردق وبهمن جاذويه الذي جعل مكان ذي الحاجب وقد توافى إليهم الأمداد بنهاوند كل من غاب عن القادسية ليسوا بدونهم

فلما رآهم النعمان كبر وكبر معه الناس فتزلزلت الأعاجم وحطت العرب الأثقال وضرب فسطاط النعمان فابتدر أشراف الكوفة فضربوه منهم حذيفة بن اليمان وعقبة بن عامر والمغيرة بن شعبة وبشير بن الخصاصية وحنظلة الكاتب وجرير بن عبد الله البجلي والأشعث بن قيس وسعيد بن قيس الهمداني ووائل بن حجر وغيرهم فلم ير بناء فسطاط بالعراق كهؤلاء

وأنشب النعمان القتال بعد ما حط الأثقال فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس والحرب بينهم سجال وأنهم انجحروا في خنادقهم يوم الجمعة وحصرهم المسلمون وأقاموا عليهم ما شاء الله والفرس بالخيار لا يخرجون إلا إذا أرادوا الخروج فخاف المسلمون أن يطول أمرهم حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع تجمع أهل الرأي من المسلمين فتكلموا وقالوا نراهم علينا بالخيار وأتوا النعمان في ذلك فوافوه وهو يروي في الذي رووا فيه فأخبروه فقال على رسلكم لا تبرحوا فبعث إلى من بقي من أهل النجدات والرأي فأحضرهم فتكلم النعمان فقال قد ترون المشركين واعتصامهم بخنادقهم ومدنهم وإنهم لا يخرجون إلينا إلا إذا شاؤوا ولا يقدر المسلمون على إخراجهم وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق فما الرأي الذي به نستخرجهم إلى المناجزة وترك التطويل

فتكلم عمرو بن ثنى وكان أكبر الناس يومئذ سنا وكانوا يتكلمون على الأسنان فقال التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم فدعهم وقاتل من أتاك منهم فردوا عليه رأيه وتكلم عمرو بن معد يكرب فقال ناهدهم وكابدهم ولا تخفهم فردوا جميعا عليه رأيه وقالوا إنما يناطح بنا الجدران وهي أعوان علينا

وقال طليحة أرى أن نبعث خيلا لينشبوا القتال فإذا اختلطوا بهم رجعوا إلينا استطرادا فإنا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم فإذا رأوا ذلك طمعوا وخرجوا فقاتلناهم حتى يقضي الله فيهم وفينا ما أحب

فأمر النعمان القعقاع بن عمرو وكان على المجردة فأنشب القتال بعد احتجاز من العجم فأخرجهم من خنادقهم كأنهم جبال حديد قد تواثقوا أن لا يفروا وقد قرن بعضهم بعضا كل سبعة في قران وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا ينهزموا فلما خرجوا نكص ثم نكص واغتنمها الأعاجم ففعلوا كما ظن طليحة وقالوا هي هي فلم يبق أحد إلا من يقوم على الأبواب وركبوهم ولحق القعقاع بالناس وانقطع الفرس عن حصنهم بعضالانقطاع والمسلمون على تعبية في يوم جمعة صدر النهار وقد عهد النعمان إلى الناس عهده وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم ففعلوا واستتروا بالحجف من الرمي وأقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراح وشكا بعض الناس ذلك إلى بعض وقالوا للنعمان ألا ترى ما نحن فيه فما تنتظر بهم ائذن للناس في قتالهم

فقال رويدا رويدا وانتظر النعمان بالقتال أحب الساعات كانت إلى رسول الله أن يلقى العدو فيها وذلك عند الزوال وتفيؤ الأفياء ومهب الرياح فلما كان قريبا من تلك الساعة ركب فرسه وسار في الناس ووقف على كل راية يذكرهم ويحرضهم ويمنيهم الظفر وقال لهم إني مكبر ثلاثا فإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله فاحملوا وإن قتلت فالأمير بعدي حذيفة فإن قتل ففلان حتى عد سبعة آخرهم المغيرة ثم قال اللهم أعزز دينك وانصر عبادك واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك

وقيل بل قال اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام واقبضني شهيدا

فبكى الناس ورجع إلى موقفه فكبر ثلاثا والناس سامعون مطيعون مستعدون للقتال وحمل النعمان والناس معه وانقضت رايته انقضاض العقاب والنعمان معلم ببياض القباء والقلنسوة فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بوقعة كانت أشد منها وما كان يسمع إلا وقع الحديد وصبر لهم المسلمون صبرا عظيما وانهزم الأعاجم وقتل منهم ما بين الزوال والأعتام ما طبق أرض المعركة دما يزلق الناس والدواب فيه فلما أقر الله عين النعمان بالفتح استجاب له فقتل شهيدا زلق به فرسه فصرع

وقيل بل رمي بسهم في خاصرته فقتله فسجاه أخوه نعيم بثوب وأخذ الراية قبل أن تقع وناولها حذيفة فأخذها وتقدم إلى موضع النعمان وترك نعيما مكانه وقال لهم المغيرة اكتموا مصاب أميركم حتى ننتظر ما يصنع الله فينا وفيهم لئلا يهن الناس فاقتتلوا فلما أظلم الليل عليهم انهزم المشركون وذهبوا ولزمهم المسلمون وعمي عليهم قصدهم فتركوه وأخذوا نحو اللهب الذي كانوا نزلوا دونه باسبيذهان فوقعوا فيه فكان الواحد منهم يقع فيقع عليه ستة بعضهم على بعضهم في قياد واحد فيقتلون جميعا وجعل يعقرهم حسك الحديد فمات منهم في اللهب مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة وقيل قتل في اللهب ثمانون ألفا وفي المعركة ثلاثون ألفا سوى من قتل في الطلب ولم يفلت إلا الشريد ونجا الفيرزان من بين الصرعى فهرب نحو همذان في ذلك الشريد فاتبعه نعيم بن مقرن وقدم القعقاع قدامه فأدركه بثنية همذان وهي إذا ذاك مشحونة من بغال وحمير موقرة عسلا فحبسه الدواب على أجله فلما لم يجد طريقا نزل عن دابته وصعد في الجبل فتبعه القعقاع راجلا فأدركه فقتله المسلمون على الثنية وقالوا إن لله جنودا من عسل واستاقوا العسل وما معه من الأحمال وسميت الثنية ثنية العسل

ودخل المشركون همذان والمسلمون في آثارهم فنزلوا عليها وأخذوا ما حولها فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم ولما تم الظفر للمسلمين جعلوا يسألون عن أميرهم النعمان بن مقرن فقال لهم أخوه معقل هذا أميركم قد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة فاتبعوا حذيفة ودخل المسلمون نهاوند يوم الوقعة بعد الهزيمة واحتووا ما فيها من الأمتعة وغيرها وما حولها من الأسلاب والأثاث وجمعوا إلى صاحب الأقباض السائب بن الأقرع وانتظر من بنهاوند ما يأتيهم من إخوانهم الذين على همذان مع القعقاع ونعيم فأتاهم الهربذ صاحب بيت النار على أمان فأبلغ حذيفة فقال أتؤمنني ومن شئت على أن أخرج لك ذخيرة لكسرى تركت عندي لنوائب الزمان

قال نعم فأحضر جوهرا نفيسا في سفطين فأرسلهما مع الأخماس إلى عمر وكان حذيفة قد نفل منها وأرسل الباقي مع السائب بن الأقرع الثقفي وكان كاتبا حاسبا أرسله عمر إليهم وقال له إن فتح الله عليكم فاقسم على المسلمين فيأهم وخذ الخمس وإن هلك هذا الجيش فاذهب فبطن الأرض خير من ظهرها

قال السائب فلما فتح الله على المسلمين وأحضر الفارسي السفطين اللذين أودعهما عنده النخيرجان فإذا فيهما اللؤلؤ والزبرجد والياقوت فلما فرغت من القسمة احتملتهما معي وقدمت على عمر وكان قد قدر الوقعة فبات يتململ ويخرج ويتوقع الأخبار فبينما رجل من المسلمين قد خرج في بعض حوائجه فرجع إلى المدينة ليلا فمر به راكب فسأله من أين أقبل

فقال من نهاوند وأخبره بالفتح وقتل النعمان فلما أصبح الرجل تحدث بهذا بعد ثلاث من الوقعة فبلغ الخبر عمر فسأله فأخبره فقال ذلك بريد الجن

ثم قدم البريد بعد ذلك فأخبره بما يسره ولم يخبره بقتل النعمان قال السائب فخرج عمر من الغد يتوقع الأخبار قال فأتيته فقال ما وراءك فقلت خيرا يا أمير المؤمنين فتح الله عليك وأعظم الفتح واستشهد النعمان بن مقرن فقال عمر إنا لله وإنا إليه راجعون ثم بكى فنشج حتى بانت فروع كتفيه فوق كتده قال فلما رأيت ذلك وما لقي قلت يا أمير المؤمنين ما أصيب بعده رجل يعرف وجهه

فقال أولئك المستضعفون من المسلمين ولكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم وما يضنع أولئك بمعرفة عمر ثم أخبرته بالسفطين فقال أدخلهما بيت المال حتى ننظر في شأنهما والحق بجندك قال ففعلت وخرجت سريعا إلى الكوفة وبات عمر فلما أصبح بعث في أثري رسولا فما أدركني حتى دخلت الكوفة فأنخت بعيري وأناخ بعيره على عرقوبي بعيري فقال الحق بأمير المؤمنين فقد بعثني في طلبك فلم أقدر عليك إلا الآن

قال فركبت معه فقدمت على عمر فلما رآني قال إلي مالي وللسائب قلت ولماذا قال ويحك والله ما هو إلا أن نمت الليلة التي خرجت فيها فباتت الملائكة تسحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان نارا فيقولون لنكوينك بهما فأقول إني سأقسمهما بين المسلمين فخذهما عني لا أبالك والحق بهما فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم قال فخرجت بهما فوضعتهما في مسجد الكوفة وغشيني التجار فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف درهم ثم خرج بهما إلى ارض الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف فما زال أكثر أهل الكوفة مالا بعد

وكان سهم الفارس بنهاوند ستة آلاف وسمه الراجل ألفين

ولما قدم سبي نهاوند المدينة جعل أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لا يلقى منهم صغيرا إلا مسح رأسه وبكى وقال له أكل عمر كبدي وكان من نهاوند فأسرته الروم أيام فارس وأسره المسلمون من الروم بعد فنسب إلى حيث سبي وكان المسلمون يسمون فتح نهاوند فتح الفتوح لأنه لم يكن للفرس بعده اجتماع وملك المسلمون بلادهم

ذكر فتح الدينور و الصيمرة وغيرهما ص 419

لما انصرف أبو موسى من نهاوند وكان قد جاء مددا على بعث أهل البصرة فمر بالدينور فأقام عليها خمسة أيام وصالحه أهلها على الجزية ومضى فصالحه أهل شيروان على مثل صلحهم وبعث السائب بن الأقرع الثقفي إلى الصيمرة مدينة مهرجان قذق ففتحها صلحا وقيل أنه وجه السائب من الأهواز ففتح ولاية مهرجان قذق

ذكر فتح همذان والماهين وغيرهما ص 419

لما انهزم المشركون دخل من سلم منهم همذان وحاصرهم نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم وقبل منهم الجزية على أن يضمن منهم همذان ودستبي وأن لا يؤتى المسلمون منهم فأجابوه إلى ذلك وأمنوه ومن معه من الفرس وأقبل كل من كان هرب

وبلغ الخبر أهل الماهين بفتح همذان وملكها ونزول نعيم والقعقاع بها فاقتدوا بخسروشنوم فراسلوا حذيفة فأجابهم إلى ما طلبوا وأجمعوا على القبول وأجمعوا على إتيان حذيفة فخدعهم دينار وهو أحد هؤلاء الملوك وكان أشرفهم قارن وقال لا تلقوهم في جمالكم ففعلوا وخالفهم فأتاهم في الديباج والحلي فأعطاهم حاجتهم واحتمل المسلمون ما أرادوه وعاقدوه عليهم ولم يجد الآخرون بدا من متابعته والدخول في أمره فقيل ماه دينار لذلك

وكان النعمان بن مقرن قد عاهد بهراذان على مثل ذلك فنسبت إلى بهراذان وكان قد وكل للنسير بن ثور بقلعة قد لجأ إليها قوم فجاهدهم فافتتحها فنسبت إلى النسير وهو تصغير نسر

قيل دخل دينار الكوفة أيام معاوية فقال يا أهل الكوفة إنكم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس فبقيتم كذلك زمن عمر وعثمان ثم تغيرتم وفشت فيكم خصال أربع بخل وخب وغدر وضيق ولم يكن فيكم واحدة منهن وقد رمقتكم فرأيت ذلك في مولديكم فعلمت من أين أتيتم فإذا الخب من قبل النبط والبخل من قبل فارس والغدر من قبل خراسان والضيق من قبل الأهواز

ذكر دخول المسلمين بلاد الأعاجم ص 420

وفيها أمر عمر المسلمين بالانسياح في بلاد العجم وطلب الفرس أين كانوا وقيل كان ذلك سنة ثمان عشرة وقد تقدم ذكره

وسبب ذلك ما كان من يزدجرد وبعثه الجنود مرة بعد أخرى فوجه الأمراء من أهل البصرة وأهل الكوفة بعد فتح نهاوند وكان بين عمل سعد وعمل عمار بن ياسر أميران أحدهما عبد الله بن عبد الله بن عتبان وفي زمانه كانت وقعة نهاوند والآخر زياد بن حنظلة حليف بني عبد بن قصي وفي زمانه أمر بالانسياح وعزل عبد الله وبعث في وجه آخر وولى زياد وكان من المهاجرين فعمل قليلا وألح في الاستعفاء فأعفاه عمر وولى عمار بن ياسر وكتب معه إلى أهل الكوفة إني بعثت عمارا أميرا وجعلت معه ابن مسعود معلما وكان ابن مسعود بحمص فسيره عمر إلى الكوفة وأمد أهل البصرة بعبد الله بن عبد الله وأمد أهل الكوفة بأبي موسى

وكان أهل همذان قد كفروا بعد الصلح فبعث عمر لواء إلى نعيم بن مقرن وأمره بقصد همذان فإذا فتحها سار إلى ما وراء ذلك إلى خراسان وبعث عتبة بن فرقد وبكير بن عبد الله إلى أذربيجان وفرقها بينهما يدخل أحدهما من حلوان والآخر من الموصل وبعث عبد الله بن عبد الله إلى أصبهان وأمر عمر بن سراقة على البصرة

ذكر فتح أصبهان ص 421

وفيها بعث عمر إليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان وكان شجاعا من أشراف الصحابة ومن وجوه الأنصار حليفا لبني الحبلى من بني أسد وأمده بأبي موسى وجعل على مجنبتيه عبد الله بن ورقاء الرياحي وعصمة بن عبد الله فساروا إلى نهاوند ورجع حذيفة إلى عمله على ما سقت دجلة وما وراءها

وسار عبد الله فيمن كان معه ومن تبعه من جند النعمان بنهاوند نحو أصبهان وعلى جندها الاستندار وعلى مقدمته شهربراز بن جاذويه شيخ كبير في جمع عظيم فالتقى المسلمون ومقدمة المشركين برستاق لاصبهان فاقتتلوا قتالا شديدا ودعا الشيخ إلى البراز فبرز له عبد الله بن ورقاء الرياحي فقتله وانهزم أهل أصبهان فسمي ذلك الرستاق رستاق الشيخ إلى اليوم وصالحهم الاستندار على رستاق الشيخ وهو أول رستاق أخذ من أصبهان ثم سار عبد الله إلى مدينة جي وهي مدينة أصبهان فانتهى إليها والملك بأصبهان الفاذوسفان فنزل بالناس على جي وحاصرها وقاتلها ثم صالحه الفاذوسفان على أصبهان وأن على من أقام الجزية وأقام على ماله وأن يجري من أخذت أرضه عنوة مجراهم ومن أبى وذهب كان لكم أرضه

وقدم أبو موسى على عبد الله من ناحية الأهواز وقد صالح فخرج القوم من جي ودخلوا في الذمة إلا ثلاثين رجلا من أهل أصبهان خالفوا قومهم وتجمعوا ولحقوا بكرمان

ودخل عبد الله وأبو موسى جيا وكتب بذلك إلى عمر فقدم كتاب عمر إلى عبد الله أن سر حتى تقدم على سهيل بن عدي فتكون معه على قتال من بكرمان فسار واستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع ولحق بسهيل قبل أن يصل إلى كرمان

قيل وقد روي عن معقل بن يسار أن الأمير كان على الجند الذين فتحوا أصبهان النعمان بن مقرن وأن عمر أرسله من المدينة إلى أصبهان وكتب إلى أهل الكوفة أن يمدوه فسار إلى أصبهان وبها ملكها ذو الحاجبين فأرسل إليه المغيرة بن شعبة وعاد من عنده فقاتلهم وقتل النعمان ووقع ذو الحاجبين عن دابته فانشقت بطنه وانهزم أصحابه

قال معقل فأتيت النعمان وهو صريع فجعلت عليه علما فلما انهزم المشركون أتيته ومعي أداوة فيها ماء فغسلت عن وجهه التراب فقال ما فعل الناس فقلت فتح الله عليهم قال الحمد لله ومات هكذا في الرواية والصحيح أن النعمان قتل بنهاوند وافتتح أبو موسى قم وقاشان

ذكر ولاية المغيرة بن شعبة على الكوفة ص 422

وفيها ولى عمر عمار بن ياسر على الكوفة وابن مسعود على بيت المال وعثمان ذي النورين على مساحة الأرض فشكا أهل الكوفة عمارا فاستعفى عمار عمر بن الخطاب فولى عمر جبير بن مطعم الكوفة وقال له لا تذكره لأحد فسمع المغيرة بن شعبة أن عمر خلا بجبير فأرسل امرأته إلى امرأة جبير بن مطعم لتعرض عليها طعام السفر ففعلت فقالت نعم ما حييتني به فلما علم المغيرة جاء إلى عمر فقال له بارك الله لك فيمن وليت وأخبره الخبر فعزله وولى المغيرة بن شعبة الكوفة فلم يزل عليها حتى مات عمر

وقيل إن عمارا عزل سنة اثنتين وعشرين وولى بعده أبو موسى وسيرد ذكره إن شاء الله تعالى

ذكر عدة حوادث ص 422

قيل وفيها بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع الفهري فافتتح زويلة صلحا وما بين برقة وزويلة سلم للمسلمين وقيل سنة عشرين

وكان الأمراء في هذه السنة عمير بن سعد على دمشق وحوران وحمص وقنسرين والجزيرة ومعاوية على البلقاء والأردن وفلسطين والسواحل وأنطاكية وقلقية ومعرة مصرين وعند ذلك صالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة على قلقية وأنطاكية ومعرة مصرين

وفيها ولد الحسن البصري وعامر الشعبي

وحج بالناس عمر بن الخطاب واستخلف على المدينة زيد بن ثابت وكان عامله على مكة والطائف واليمن واليمامة ومصر والبصرة من كان قبل ذلك

وكان على الكوفة عمار بن ياسر وشريح على القضاء

وفيها بعث عثمان بن أبي العاص بعثا إلى ساحل فارس فحاربوهم ومعهم الجارود العبدي فقتل الجارود بعقبة تعرف بعقبة الجارود وقيل بل قتل بنهاوند مع النعمان وفيها مات حممة وهو من الصحابة بأصبهان بعد فتحها والعلاء بن الحضرمي وهو على البحرين فاستعمل عمر مكانه أبا هريرة وفيها مات خالد بن الوليد بحمص وأوصى إلى عمر بن الخطاب وقيل مات سنة ثلاث وعشرين وقيل مات بالمدينة والأول أصح

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.