الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
16

ثم دخل سنة عشرين

الجزء الثاني 2 عنصر صفحة 404
ذكر فتح مصر ص 404

قيل في هذه السنة فتحت مصر في قول بعضهم على يد عمرو بن العاص والاسكندرية أيضا

وقيل فتحت الاسكندرية سنة خمس وعشرين وقيل فتحت مصر سنة ست عشرة في ربيع الأول وبالجملة فينبغي أن يكون فتحها قبل عام الرمادة لأن عمرو بن العاص حمل الطعام في بحر القلزم من مصر إلى المدينة والله أعلم وقيل غير ذلك

وأما فتحها فإنه لما فتح عمر بيت المقدس وأقام به أياما وأمضى عمرو بن العاص إلى مصر وأتبعه الزبير بن العوام مددا له فأخذ المسلمون بابليون وساروا إلى مصر فلقيهم هناك أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف بعثه المقوقس لمنع بلادهم فلما نزل بهم عمرو قاتلوه فأرسل إليهم لا تعجلونا حتى نعذر إليكم وترون رأيكم بعد وليبرز إلى أبو مريم وأبو مريام فكفوا وخرجا إليه فدعاهما إلى الإسلام أو الجزية وأخبرهما بوصية النبي بأهل مصر بسبب هاجر أم إسماعيل عليه السلام فقالوا قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء آمنا حتى نرجع إليك

فقال عمرو مثلي لا يخدع ولكنني أؤجلكما ثلاثا لتنظرا فقالا زدنا فزادهم يوما فرجعا إلى المقوقس فهم فأبى أرطبون أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم فقال لأهل مصر أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم ولا نرجع إليهم فلم يفجأ عمرا إلا البيات وهو على عدة فلقوه فقتل أرطبون وكثير ممن معه وانهزم الباقون

وسار عمرو والزبير إلى عين الشمس وبها جمعهم وبعث إلى فرما أبرهة بن الصباح فنزل عليها وبعث عوف بن مالك إلى الاسكندرية فنزل عليها قيل وكان الاسكندر وفرما أخوين

ونزل عمرو بعين الشمس فقال أهل مصر لملكهم ما تريد إلا قتال يوم قوم هزموا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم فلا تعرض لهم ولا تعرضنا وذلك في اليوم الرابع

فأبى وناهدوهم وقاتلوهم فلما التقى المسلمون والمقوقس بعين الشمس واقتتلوا جال المسلمون فذمرهم عمرو فقال له رجل من اليمن إنا لم نخلق من حجارة ولا حديد فقال له عمرو اسكت إنما أنت كلب قال فأنت أمير الكلاب

فنادى عمرو بأصحاب النبي فأجابوه فقال تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين فتقدموا وفيهم أبو بردة وأبو برزة وتبعهم الناس وفتح الله على المسلمين وظفروا وهزموا المشركين فارتقى الزبير بن العوام سورها فلما أحسوه فتحوا الباب لعمرو وخرجوا إليه مصلحين فقبل منهم

ونزل الزبير عليهم عنوة حتى خرج على عمرو من الباب معهم فعقدوا صلحا بعدما أشرفوا على الهلكة فأجروا ما أخذوا عنوة مجرى الصلح فصاروا ذمة واجروا من دخل في صلحهم من الروم والنوبة مجرى أهل مصر ومن اختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه

واجتمعت خيول المسلمين بمصر وبنوا الفسطاط ونزلوه

وجاء أبو مريم وأبو مريام إلى عمرو وطلبا منه السبايا التي أصيبت بعد المعركة فطردهما فقالا كل شيء أصبتموه منذ فارقناكم إلى أن رجعنا إليكم ففي ذمة

فقال عمرو لهما أتغيرون علينا وتكونون في ذمة قالا نعم

فقسم عمرو بن العاص السبي على الناس وتفرق في بلدان العرب وبعث بالأخماس إلى عمر بن الخطاب ومعها وفد فأخبروا عمر بن الخطاب بحالهم كله وبما قال أبو مريم فرد عمر عليهم سبي من لم يقاتلهم في تلك الأيام الأربعة وترك سبي من قاتلهم فردوهم

وحضرت القبط باب عمرو وبلغ عمرا أنهم يقولون ما أرث العرب وأهون عليهم أنفسهم ما رأينا مثلنا دان لهم فخاف أن يطمعهم ذلك فأمر بجزر فذبحت فطبخت بالماء والملح ودعا أمراء الأجناد فأعلموا أصحابهم فحضروا عنده وأكلوا أكلا عربيا أبتشكوا وحشوا وهم في العباء بغير سلاح فازداد طمعهم وأمر المسلمين أن يحضروا الغد في ثياب أهل مصر وأحذيتهم ففعلوا وأذن لأهل مصر فرأوا شيئا غير ما رأوا بالأمس وقام عليهم القوام بألوان مصر فأكلوا أكل أهل مصر ونحو نحوهم فارتاب القبط وبعث أيضا إلى المسلمين تسلحوا للعرض غدا وأذن لهم فعرضهم عليهم وقال لهم علمت حالكم حين رأيتم اقتصاد العرب فخشيت أن تهلكوا فأحببت أن أريكم حالهم في أرضهم كيف كانت ثم حالهم في أرضكم ثم حالهم في الحرب فقد رأيتم ظفرهم بكم وذلك عيشهم وقد كلبوا على بلادكم بما نالوا في اليوم الثاني فأردت أن تعلموا أن ما رأيتم في اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثاني وراجع إلى عيش اليوم الأول

فتفرقوا وهم يقولون لقد رمتكم العرب برجلهم

وبلغ عمر ذلك فقال والله إن حربه لمنية ما لها سطوة ولا سورة كسورات الحروب من غيره

ثم إن عمرا سار إلى الاسكندرية وكان من بين الاسكندرية والفسطاط من الروم والقبط قد تجمعوا له وقالوا نغزوه قبل أن يغزونا ويروم الاسكندرية فالتقوا واقتتلوا فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وسار حتى بلغ الاسكندرية فوجد أهلها معدين لقتاله فأرسل المقوقس إلى عمرو يسأله الهدنة إلى مدة فلم يجبه إلى ذلك وقال لقد لقينا ملككم الأكبر هرقل فكان منه ما بلغكم

فقال المقوقس لأصحابه صدق فنحن أولى بالإذعان فأغلظوا له في القول وامتنعوا فقاتلهم المسلمون وحصروهم ثلاثة أشهر وفتحها عمرو عنوة وغنم ما فيها وجعلهم ذمة

وقيل إن المقوقس صالح عمرا على اثني عشر ألف دينار على أن يخرج من الاسكندرية من أراد الخروج ويقيم من أراد القيام وجعل فيها عمرو جندا

ولما فتحت مصر غزا النوبة فرجع المسلمون بالجراحات وذهاب الحدق لجودة رميهم فسموهم رماة الحدق فلما ولي عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر أيام عثمان بن عفان صالحهم على هدية عدة رؤوس يؤدونها إلى المسلمين في كل سنة ويهدي إليهم المسلمون كل سنة طعاما مسمى وكسوة وأمضى ذلك الصلح عثمان ومن بعده من ولاة الأمور

وقيل إن المسلمون لما انتهوا إلى بلهيب وقد بلغت سباياهم إلى اليمن أرسل صاحبهم إلى عمرو إنني كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلى منكم فارس والروم فإن أحببت الجزية على أن ترد ما سبيتم من أرضي فعلت فكتب عمرو إلى عمر يستأذنه في ذلك ورفعوا الحرب إلى أن يرد كتاب عمر فورد الجواب من عمر لعمري جزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا أحب إلينا من غنيمة تقسم ثم كأنها لم تكن وأما السبي فإن أعطاك ملكهم الجزية على أن تخيروا من في أيديكم منهم بين الإسلام ودين قومه فمن اختار الإسلام فهو من المسلمين ومن اختار دين قومه فضع عليه الجزية وأما من تفرق في البلدان فإنا لا نقدر على ردهم فافعل

فعرض عمرو ذلك على صاحب الاسكندرية فأجاب إليه فجمعوا السبي واجتمعت النصارى وخيروهم واحدا واحدا فمن اختار المسلمين كبروا ومن اختار النصارى جزعوا عليه وسار عليه جزية حتى فرغوا

وكان من السبي أبو مريم عبد الله بن عبد الرحمن فاختار الإسلام وصار عريف زبيد وكان ملوك بني أمية يقولون إن مصر دخلت عنوة وأهلها عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا ولم يكن كذلك

ذكر عدة حوادث ص 408

وفي هذه السنة أعني سنة عشرين غزا أبو بحرية عبد الله بن قيس أرض الروم وهو أول من دخلها فيما قيل وقيل أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي فسبى وغنم

وقيل فيها عزل عمر قدامة بن مظعون من البحرين وحده في شرب الخمر واستعمل أبا بكرة على البحرين واليمامة

وفيها تزوج عمر فاطمة بنت الوليد أم عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وفيها عزل عمر سعد بن أبي وقاص عن الكوفة لشكايتهم إياه وقالوا لا يحسن يصلي وفيها قسم عمر خيبر بين المسلمين وأجلى اليهود عنها وقسم وادي القرى وفيها أجلى يهود نجران إلى الكوفة وفيها بعث عمر علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة وكانت تطرفت بلاد الإسلام فأصيب المسلمون فجعل عمر على نفسه أن لا يحمل في البحر أحدا أبدا يعني للغزو وقيل سنة إحدى وثلاثين

مجزز بجيم وزايين الأولى مكسورة مشددة

وفيها مات أسيد بن حضير في شعبان أسيد تصغير أسد وحضير بالحاء المهملة المضمومة والضاد المفتوحة والراء وفيها مات هرقل وملك ابنه قسطنطين وفيها ماتت زينب بنت جحش ونزل في قبرها أسامة بن زيد وابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش وحج بالناس عمر

وكان عماله على الأمصار من كان قبل هذه السنة إلا من ذكرت انه عزله وكان قضاته فيها القضاة في السنة قبلها

وفيها مات عياض بن غنم وهو الذي فتح الجزيرة وهو أول من أجاز الدرب إلى الروم وفيها مات بلال بن رباح مؤذن النبي بدمشق وقيل بحلب وفيها مات أنيس بن مرثد بن أبي مرثد الغنوي وله ولأبيه ولجده صحبة وقتل أبوه في غزوة الرجيع وفيها مات سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي شهد فتح خيبر وكان فاضلا وكان على حمص حتى مات وقيل مات سنة تسع عشرة وقيل سنة إحدى وعشرين وعمره أربعون سنة وفيها مات أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وفيها ماتت صفية بنت عبد المطلب عمة النبي وفيها قتل المظهر بن رافع الأنصاري قدم من الشام ومعه من علوج الشام فلما كان بخيبر أمرهم قوم من اليهود فقتلوه فأجلاهم عمر

المظهر بضم الميم وفتح الظاء المعجمة وتشديد الهاء وآخره راء مهملة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.