ذكر بناء الكوفة والبصرة
ص 371
في هذه السنة اختطت الكوفة وتحول سعد إليها من المدائن
وكان سبب ذلك أن سعدا أرسل وفدا إلى عمر بهذه الفتوح المذكورة فلما رآهم عمر سألهم عن تغير ألوانهم وحالهم فقالوا وخومة البلاد غيرتنا فأمرهم عمر أن يرتادوا منزلا ينزله الناس وكان قد حضر مع الوفد نفر من بني تغلب ليعاقدوا عمر على قومهم فقال لهم عمر أعاقدهم على أن من أسلم منكم كان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم ومن أبى فعليه الجزية فقالوا إذن يهربون ويصيرون عجما
وبذلوا له الصدقة فأبى فجعلوا جزيتهم مثل صدقة المسلم فأجابهم على أن لا ينصروا وليدا ممن أسلم آباؤهم فقالوا لك ذلك فهاجر هؤلاء التغلبيون ومن أطاعهم من النمر وإياد إلى سعد بالمدائن ونزلوا بالمدائن ونزلوا معه بعد بالكوفة وقيل بل كتب حذيفة إلى عمر إن العرب قد رقت بطونها وجفت أعضادها وتغيرت ألوانها
وكان مع سعد يومئذ فكتب عمر إلى سعد أخبرني ما الذي غير ألوان العرب ولحومهم
فكتب إليه سعد إن الذي غيرهم وخومة البلاد وإن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان
فكتب إليه عمر أن ابعث سلمان وحذيفة رائدين فليرتادا منزلا بريا بحريا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر فأرسلهما سعد فخرج سلمان حتى أتى الأنبار فسار في غربي الفرات لا يرضى شيئا حتى أتى الكوفة وسار حذيفة في شرقي الفرات لا يرضى شيئا حتى أتى الكوفة وكل رملة وحصباء مختلطين فهو كوفة فأتيا عليها وفيها ديرات ثلاثة دير حرمة ودير أم عمرو ودير سلسلة وخصاص خلال ذلك فأعجبتهما البقعة فنزلا فصليا ودعوا الله تعالى أن يجعلهما منزل الثبات فلما رجعا إلى سعد بالخبر وقدم كتاب عمر إليه أيضا كتب سعد إلى القعقاع بن عمرو وعبد الله بن المعتم أن يستخلفا على جندهما ويحضرا عنده ففعلا فارتحل سعد بالناس من المدائن حتى نزل الكوفة في المحرم سنة سبع عشرة وكان بين نزول الكوفة ووقعة القادسية سنة وشهران وكان فيما بين قيام عمر واختطاط الكوفة ثلاث سنين وثمانية أشهر
ولما نزلها سعد كتب إلى عمر إني قد نزلت بالكوفة منزلا فيما بين الحيرة والفرات بريا وبحريا ينبت الحلفاء والنصي وخيرت المسلمين بينها وبين المدائن فمن أعجبه المقام بالمدائن تركته فيها كالمسلحة
ولما استقروا بها عرفوا أنفسهم ورجع إليها ما كانوا فقدوا من قوتهم واستأذن أهل الكوفة في بنيان القصب واستأذن فيه أهل البصرة أيضا واستقر منزلهم فيها في الشهر الذي نزل أهل الكوفة بعد ثلاث نزلات قبلها فكتب إليهم أن العسكر أشد لحربكم وأذكر لكم وما أحب أن أخالفكم فابتنى أهل المصرين بالقصب ثم إن الحريق وقع في الكوفة والبصرة وكانت الكوفة أشد حريقا في شوال فيعث سعد نفرا منهم إلى عمر يستأذنونه في البنيان باللبن فقدموا عليه بخبر الحريق واستئذانه أيضا فقال افعلوا ولا يزيدن أحدكم على ثلاث أبيات ولا تطاولوا في البنيان والزموا السنة تلزمكم الدولة
فرجع القوم إلى الكوفة بذلك وكتب عمر إلى عتبة وأهل البصرة بمثل ذلك وكان على تنزيل الكوفة أبو هياج بن مالك وعلى تنزيل البصرة عاصم بن دلف أبو الجرباء وقدر المناهج أربعين ذراعا وما بين ذلك عشرين ذراعا والأزقة سبع أذرع والقطائع ستين ذراعا إلا الذي لبني ضبة وأول شيء خط فيهما وبنى مسجداهما وقام في وسطهما رجل شديد النزع فرمى في كل جهة بسهم وأمر أن يبنى ما وراء ذلك وبنى ظلة في مقدمة مسجد الكوفة على أساطين رخام من بناء الأكاسرة في الحيرة وجعلوا على الصحن خندقا لئلا يقتحمه أحد ببنيان وبنوا لسعد دارا بحياله بينهما طريق منقب مائتي ذراع وجعل فيها بيوت الأموال وهي قصر الكوفة اليوم بناه روزبه من آجر بنيان الأكاسرة بالحيرة وجعل الأسواق على شبه المساجد من سبق إلى مقعد فهو له حتى يقوم منه إلى بيته ويفرغ من بيعه
وبلغ عمرا أن سعدا قال وقد سمع أصوات الناس من الأسواق سكنوا عني الصويت وأن الناس يسمونه قصر سعد فبعث محمد بن مسلمة إلى الكوفة وأمره أن يحرق باب القصر ثم يرجع ففعل فبلغ سعدا ذلك فقال هذا رسول أرسل لهذا فاستدعاه سعد فأبى أن يدخل إليه فخرج إليه سعد وعرض عليه نفقة فلم يأخذ وأبلغه كتاب عمر إليه بلغني أنك اتخذت قصرا جعلته حصنا ويسمى قصر سعد بينك وبين الناس باب فليس بقصرك ولكنه قصر الخبال انزل منه مما يلي بيوت الأموال وأغلقه ولا تجعل على القصر بابا يمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك إذا خرجت فحلف له سعد ما قال الذي قالوا فرجع محمد من فوره حتى إذا دنا من المدينة فني زاده فتبلغ بلحاء من لحاء الشجر فقدم المدينة فأبلغ عمر قول سعد فصدقه وقال هو أصدق ممن روي عليه ومن أبلغني
وكانت ثغور الكوفة أربعة حلوان وعليها القعقاع وما سبذان وعليها ضرار بن الخطاب وقرقيسيا وعليها عمر بن مالك أو عمرو بن عتبة بن نوفل والموصل وعليها عبد الله بن المعتم وكان بها خلفاؤهم إذا غابوا عنها فكان خليفة القعقاع على حلوان قباذ بن عبد الله وخليفة عبد الله على الموصل مسلم بن عبد الله وخليفة ضرار رافع بن عبد الله وخليفة عمر عشنق بن عبد الله وولى سعد الكوفة بعدما أختطت ثلاث سنين ونصفا سوى ما كان بالمدائن قبلها
ذكر خبر حمص حين قصد هرقل من بها من المسلمين
ص 375
وفي هذه السنة قصد الروم أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من جند المسلمين بحمص وكان المهيج للروم أهل الجزيرة فإنهم أرسلوا إلى ملكهم وبعثوه على إرسال الجنود إلى الشام ووعدوا من أنفسهم المعاونة ففعل ذلك فلما فعل المسلمون باجتماعهم ضم أبو عبيدة إليه مسالحه وعسكر بفناء مدينة حمص وأقبل خالد من قنسرين إليهم فاستشارهم أبو عبيدة في المناجزة أو التحصين إلى مجيء الغياث فأشار خالد بالمناجزة وأشار سائرهم بالتحصين ومكاتبة عمر فأطاعهم وكتب إلى عمر بذلك وكان عمر قد اتخذ في كل مصر خيولا على قدره من فضول أموال المسلمين عدة لكون إن كان فكان بالكوفة من ذلك أربعة آلاف فرس وكان القيم عليها سلمان بن ربيعة الباهلي ونفر من أهل الكوفة وفي كل مصر من الأمصار الثمانية على قدره فإن تأتهم آتية ركبها الناس وساروا إلى أن يتجهز الناس فلما سمع عمر الخبر كتب إلى سعد أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو وسرحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص فإن أبا عبيدة قد أحيط به
وكتب إليه أيضا سرح سهيل بن عدي إلى الرقة فعن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص وأمره أن يسرح عبد الله بن عتبان إلى نصيبين ثم ليقصد حران والرها وان يسرح الوليد بن عقبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ وان يسرح عياض بن غنم فإن كان قتال فأمرهم إلى عياض فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومهم الذي أتاهم فيه الكتاب إلى حمص وخرج عياض بن غنم وأمراء الجزيرة واخذوا طريق الجزيرة وتوجه كل أمير إلى الكورة التي أمر عليها وخرج عمر من المدينة فأتى الجابية لأبي عبيدة مغيثا يريد حمص ولما بلغ أهل الجزيرة الذي أعانوا الروم على أهل حمص وهم معهم خبر الجنود الإسلامية تفرقوا إلى بلادهم وفارقوا الروم فلما فارقوهم استشار أبو عبيدة خالدا في الخروج إلى الروم فأشار به فخرج إليهم فقاتلهم ففتح الله عليه
وقدم القعقاع بن عمرو بعد الوقعة بثلاثة أيام فكتبوا إلى عمر بالفتح وبقدوم المدد عليهم والحكم في ذلك فكتب إليهم أن أشركوهم فإنهم نفروا إليكم وأنفرق لهم عدوكم وقال جزى الله أهل الكوفة خيرا يكفون حوزتهم ويمدون أهل الأمصار فلما فرغوا رجعوا
ذكر فتح الجزيرة وأرمينيا
ص 376
وفي هذه السنة فتحت الجزيرة قد ذكرنا إرسال سعد العساكر إلى الجزيرة فخرج عياض بن غنم ومن معه فأرسل سهيل بن عدي إلى الرقة وقد ارفض أهل الجزيرة عن حمص إلى كورهم حين سمعوا بأهل الكوفة فنزل عليهم فأقام يحاصرهم حتى صالحوه فبعثوا في ذلك إلى عياض وهو في منزل وسط بين الجزيرة فقبل منهم وصالحهم وصاروا ذمة
وخرج عبد الله بن عتبان على الموصل إلى نصيبين فلقوه بالصلح وصنعوا كصنع أهل الرقة فكتبوا إلى عياض فقبل منهم وعقد لهم
وخرج الوليد بن عقبة فقدم على عرب الجزيرة فنهض معه مسلمهم وكافرهم إلا إياد بن نزار فإنهم دخلوا أرض الروم فكتب الوليد بذلك إلى عمر ولما أخذوا الرقة ونصيبين ضم عياض إليه سهيلا وعبد الله وسار بالناس إلى حران فلما وصل أجابه أهلها إلى الجزية فقبل منهم ثم إن عياضا سرح سهيلا وعبد الله إلى الرها فأجابوهما إلى الجزية وأجروا كل ما أخذوه من الجزيرة عنوة مجرى الذمة فكانت الجزيرة أسهل البلدان فتحا ورجع سهيل وعبد الله إلى الكوفة وكتب أبو عبيدة إلى عمر بعد انصرافه من الجابية يسأله أن يضم إليه عياض بن غنم إذا أخذ خالدا إلى المدينة فصرفه إليه فاستعمل حبيب بن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها والوليد بن عقبة على عربها فلما قدم كتاب الوليد على عمر بمن دخل الروم من العرب كتب عمر إلى ملك الروم بلغني أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك فوالله لتخرجنه إلينا أو لنخرجن النصارى إليك
فأخرجهم ملك الروم فخرج منهم أربعة آلاف وتفرق بقيتهم فيما يلي الشام والجزيرة من بلاد الروم فكل إيادي في أرض العرب من أولئك الأربعة آلاف وأبى الوليد بن عقبة أن يقبل من تغلب إلا الإسلام فكتب فيهم إلى عمر فكتب إليه عمر إنما ذلك بجزيرة العرب لا يقبل منهم فيها إلا الإسلام فدعهم على أن لا ينصروا وليدا ولا يمنعوا أحدا منهم من الإسلام
وكان في تغلب عز وامتناع ولا يزالون ينازعون الوليد فهم بهم الوليد فخاف عمر أن يسطو عليهم فعزله وأمر عليهم فرات بن حيان وهند بن عمرو الجملي
وقال ابن إسحاق إن فتح الجزيرة كان سنة تسع عشرة وقال إن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص إذا فتح الله على المسلمين الشام والعراق فابعث جندا إلى الجزيرة وأمر عليه خالد بن عرفطة أو هاشم بن عتبة أو عياض بن غنم قال سعد ما أخر أمير المؤمنين عياضا إلا لأن فيه هوى أن أوليه وأنا موليه فبعثه وبعث معه جيشا فيه أبو موسى الأشعري وابنه عمر بن سعد وهو غلام حدث ليس له من الأمر شيء فسار عياض ونزل بجنده على الرها فصالحه أهله مصالحة حران
وبعث أبا موسى إلى نصيبين فافتتحها وسار عياض بنفسه إلى دارا فافتتحها ووجه عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة فقاتل أهلها فاستشهد صفوان بن المعطل وصالح أهلها عثمان على الجزية على كل أهل بيت دينار
ثم كان فتح قيسارية من فلسطين وهرب هرقل
فعلى هذا القول تكون الجزيرة من فتوح أهل العراق والأكثر على أنها من فتوح أهل الشام فإن أبا عبيدة سير عياض بن غنم إلى الجزيرة وقيل إن أبا عبيدة لما توفي استخلف عياضا فورد عليه كتاب عمر بولايته حمص وقنسرين والجزيرة فسار إلى الجزيرة سنة ثمان عشرة للنصف ن شعبان في خمسة آلاف وعلى ميمنته سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي وعلى ميسرته صفوان بن المعطل وعلى مقدمته هبيرة بن مسروق فانتهت طليعة عياض إلى الرقة فأغاروا على الفلاحين وحصروا المدينة وبث عياض السرايا فأتوا بالأسرى والأطعمة وكان حصرها ستة أيام فطلب أهلها الصلح فصالحهم على أنفسهم وذراريهم وأموالهم ومدينتهم وقال عياض الأرض لنا قد وطئناها وملكناها فأقرها في أيديهم على الخراج ووضع الجزية ثم سار إلى حران فجعل عليها عسكرا يحصرها عليهم صفوان بن المعطل وحبيب بن مسلمة وسار هو إلى الرها فقاتله أهلها ثم انهزموا وحصرهم المسلمون في مدينتهم فطلب أهلها الصلح فصالحهم وعاد إلى حران فوجد صفوان وحبيبا قد غلبا على حصون وقرى من أعمال حران فصالحه أهلها على مثل صلح الرها وكان عياض يغزو ويعود إلى الرها وفتح سميساط وأتى سروج ورأس كيفا والأرض البيضاء فصالحه أهلها على صلح الرها ثم إن أهل سميساط غدروا فرجع إليهم عياض فحاصرهم حتى فتحها ثم أتى قريات على الفرات وهي جسر منبج وما يليها ففتحها وسار إلى رأس عين وهي عين الوردة فامتنعت عليه وتركها وسار إلى تل موزن ففتحها على صلح الرها سنة تسع عشرة وسار إلى آمد فحصرها فقاتله أهلها ثم صالحوه على صلح الرها وفتح ميافارقين على مثل ذلك وكفرتوثا فسار إلى نصيبين فقاتله أهلها ثم صالحوه على مثل صلح الرها وفتح طور عبدين وحصن ماردين وقصد الموصل ففتح أحد الحصنين وقيل لم يصل إليها وأتاه بطريق الزوزان فصالحه ثم سار إلى أرزن ففتحها ودخل الدرب فأجازه إلى بدليس وبلغ خلاط فصالحه بطريقها وانتهى إلى العين الحامضة من إرمينية ثم عاد إلى الرقة ومضى إلى حمص فمات سنة عشرين
واستعمل عمر سعيد بن عامر بن حذيم فلم يلبث إلا قليلا حتى مات فاستعمل عمير بن سعد الأنصاري ففتح راس عين بعد قتال شديد
وقيل إن عياضا أرسل عمير بن سعد إلى رأس عين ففتحها بعد أن اشتد قتاله عليها وقيل إن عمر أرسل أبا موسى الأشعري إلى رأس عين بعد وفاة عياض وقيل إن خالد بن الوليد حضر فتح الجزيرة مع عياض ودخل حماما بآمد فأطلي بشيء فيه خمر فعزله عمر وقيل إن خالدا لم يسر تحت لواء أحد غير أبي عبيدة والله أعلم
ولما فتح عياض سميساط بعث حبيب بن مسلمة إلى ملطية ففتحها عنوة ثم نقض أهلها الصلح فلما ولي معاوية الشام والجزيرة وجه إليها حبيب بن مسلمة أيضا ففتحها عنوة ورتب فيها جندا من المسلمين مع عاملها
ذكر عزل خالد بن الوليد
ص 378
في هذه السنة وهي سنة عشرة عزل خالد بن الوليد عما كان عليه من التقدم على الجيوش والسرايا وسبب ذلك أنه كان أدرب هو وعياض بن غنم فأصابا أموالا عظيمة وكانا توجها من الجابية مرجع عمر إلى المدينة وعلى حمص أبو عبيدة وخالد تحت يده على قنسرين وعلى دمشق يزيد وعلى الأردن معاوية وعلى فلسطين علقمة بن مجزر وعلى الساحل عبد الله بن قيس فبلغ الناس ما أصاب خالد فانتجعه رجال من أهل الآفاق وكان منهم الأشعث بن قيس فأجازه بعشرة آلاف ودخل خالد الحمام فتدلك بغسل فيه خمر فكتب إليه عمر بلغني أنك تدلكت بخمر وإن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه كما حرم ظاهر الإثم وباطنه وقد حرم مسه فلا تمسوها أجسادكم وإن فعلتم فلا تعودوا فكتب إليه خالد إنا قتلناها فعادت غسولا غير خمر فكتب إليه عمر إن آل المغيرة ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه
فلما فرق خالد في الذين انتجعوه الأموال سمع بذلك عمر بن الخطاب وكان لا يخفى عليه شيء من عمله فدعا عمر البريد فكتب معه إلى أبي عبيدة أن يقيم خالدا ويعقله بعمامته وينزع عنه قلنسوته حتى يعلمكم من أين أجاز الأشعث أمن ماله أم من مال إصابة أصابها فإن زعم أنه فرقه من إصابة أصابها فقد أقر بخيانة وإن زعم أنه من ماله فقد أسرف واعزله على كل حال واضمم إليك عمله فكتب أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه ثم جمع الناس وجلس لهم على المنبر فقام البريد فسأل خالدا من أين أجاز الأشعث فلم يجبه وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا فقام بلال إليه فقال إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا ونزوع عمامته فلم يمنعه سمعا وطاعة ووضع قلنسوته ثم أقامه فعقله بعمامته وقال من أين أجزت الأشعث من مالك أجزت أم من إصابة أصبتها فقال بل من مالي
فأطلقه وأعاد قلنسوته ثم عممه بيده ثم قال نسمع ونطيع لولاتنا ونفخم ونخدم موالينا قال وأقام خالد متحيرا لا يدري أمعزول أو غير معزول ولا يعلمه أبو عبيدة بذلك تكرمة وتفخمة فلما تأخر قدومه على عمر ظن الذي كان فكتب إلى خالد بالإقبال إليه فأتى خالد أبا عبيدة فقال رحمك الله ما أردت إلى ما صنعت كتمتني أمرا كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم فقال أبو عبيدة إني والله ما كنت لأروعك ما وجدت لذلك بدا وقد علمت أن ذلك يروعك
فرجع خالد إلى قنسرين فخطب الناس وودعهم ورجع إلى حمص فخطبهم ثم سار إلى المدينة فلما قدم على عمر شكاه وقال قد شكوتك إلى المسلمين فبالله إنك في أمري لغير مجمل يا عمر فقال له عمر من أين هذا الثراء قال من الأنفال والسهمان ما زاد على ستين ألفا فلك فقوم عمر ماله فزاد عشرين ألفا فجعلها في بيت المال ثم قال يا خالد والله إنك علي لكريم وإنك إلي لحبيب ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء وكتب إلى الأمصار إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة ولكن الناس فخموه وفتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع وأن لا يكونوا بعرض فتنة وعوضه عما أخذ منه
ذكر بناء المسجد الحرام والتوسعة فيه
ص 381
وفيها أعني سنة سبع عشرة اعتمر عمر بن الخطاب وبنى المسجد الحرام ووسع فيه وأقام بمكة عشرين ليلة وهدم على قوم أبوا أن يبيعوا ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى أخذوها وكانت عمرته في رجب واستخلف على المدينة زيد بن ثابت وأمر بتجديد أنصاب الحرم فأمر بذلك مخرمة بن نوفل والأزهر بن عبد عوف وحويطب بن عبد العزى وسعيد بن يربوع واستأذنه أهل المياه في أن يبنوا منازل بين مكة والمدينة فأذن لهم وشرط عليهم أن ابن السبيل أحق بالظل والماء وفيها تزوج عمر أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وهب ابنة فاطمة بنت رسول الله ودخل في ذي القعدة
ذكر غزوة فارس من البحرين
ص 381
قيل كان عمر يقول لما أخذت الأهواز وما يليها وددت أن بيننا وبين فارس جبلا من نار لا نصل إليهم منه ولا يصلون إلينا وقد كان العلاء بن الحضرمي على البحرين أيام أبي بكر فعزله عمر وجعل موضعه قدامة بن مظعون ثم عزل قدامة وأعاد العلاء يناوئ سعد بن أبي وقاص ففاز العلاء في قتال أهل الردة بالفضل فلما ظفر سعد بأهل القادسية وأزاح الأكاسرة عن الدار وأخذ حدود ما يلي السواد جاء بأعظم مما فعله العلاء فأراد العلاء أن يصنع في الفرس شيئا ولم ينظر في ما بين فضل الطاعة والمعصية وقد كان عمر نهاه عن الغزو في البحر ونهى غيره أيضا اتباعا لرسول الله وأبي بكر وخوف الغرر فندب العلاء الناس إلى فارس فأجابوه وفرقهم أجنادا على أحدها الجارود بن المعلى وعلى الآخر سوار بن همام وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى وخليد على جميع الناس وحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر فعبرت الجنود من البحرين إلى فارس فخرجوا إلى إصطخر وبإزائهم أهل فارس وعليهم الهربذ فحالت الفرس بين المسلمين وبين سفنهم فقام خليد في الناس فخطبهم ثم قال أما بعد فإن القوم لم يدعوكم إلى حربهم وإنما جئتم لمحاربتهم والسفن والأرض لمن غلب واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين فأجابوه إلى ذلك
ثم صلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا بمكان يدعى طاوس فقتل سوار والجارود وكان خليد قد أمر أصحابه أن يقاتلوا رجالة ففعلوا فقتل من أهل فارس مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها قبلها ثم خرجوا يريدون البصرة ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا وأخذت الفرس منهم طرقهم فعسكروا وامتنعوا في نشوبهم
ولما بلغ عمر صنيع العلاء أرسل إلى عتبة بن غزوان يأمره ب نفاذ جند كثيف إلى المسلمين بفارس قبل أن يهلكوا وقال فإني قد ألقي في روعي كذا وكذا نحو الذي كان وأمر العلاء بأثقل الأشياء عليه تأمير سعد عليه فشخص العلاء إلى سعد بمن معه وأرسل عتبة جيشا كثيفا في اثني عشر ألف مقاتل فيهم عاصم بن عمرو وعرفجة بن هرثمة والأحنف بن قيس وغيرهم فخرجوا على البغال يجنبون الخيل وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم أحد بني عامر بن لؤي فسار بالناس وساحل بهم لا يعرض له أحد حتى التقى أبو سبرة وخليد بحيث أخذ عليهم الطريق عقيب وقعة طاوس وإنما كان ولي قتالهم أهل إصطخر وحدهم ومن شذ من غيرهم وكان أهل إصطخر حيث أخذوا الطريق على المسلمين فجمعوا أهل فارس عليهم فجاؤوا من كل جهة فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاوس وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم وعلى المشركين شهرك فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا وهي الغزوة التي شرفت فيها نابتة البصرة وكانوا أفضل نوابت الأمصار ثم انكفؤوا بما أصابوا وكان عتبة كتب إليهم بالحث وقلة العرجة فرجعوا إلى البصرة سالمين
ولما أحرز عتبة الأهواز وأوطأ فارس فاستأذن عمر في الحج فإذن له فلما قضى حجه استعفاه فأبى أن يعفيه وعزم عليه ليرجعن إلى عمله فدعا الله ثم انصرف فمات في بطن نخلة فدفن وبلغ عمر موته فمر به زائرا لقبره وقال أنا قتلتك لولا أنه أجل معلوم وكتاب مرقوم وأثنى عليه خيرا ولم يختط فيمن اختط من المهاجرين وإنما ورث ولده منزلهم من فاختة بنت غزوان وكانت تحت عثمان بن عفان وكان خباب مولاه قد لزم شيمته فلم يختط
ومات عتبة بن غزوان على رأس ثلاث سنين من مفارقة سعد بالمدائن وذلك بعد أن استنفذ الجند الذي بفارس ونزولهم البصرة واستخلف على الناس أبا سبرة بن أبي رهم بالبصرة فأقره عمر بقية السنة ثم استعمل المغيرة بن شعبة عليها فلم ينتقض عليه أحد في عمله وكان مرزوقا السلامة ولم يحدث شيئا إلا ما كان بينه وبين أبي بكرة ثم استعمل عمر أبا موسى على البصرة ثم صرف إلى الكوفة ثم استعمل عمرو بن سراقة ثم صرف ابن سراقة إلى الكوفة من البصرة وصرف أبو موسى من الكوفة إلى البصرة فعمل عليها ثانية وقد تقدم ذكر ولاية عتبة بن غزوان البصرة والاختلاف فيها سنة أربع عشرة
ذكر عزل المغيرة عن البصرة وولاية أبي موسى
ص 383
في هذه السنة عزل عمر المغيرة بن شعبة عن البصرة واستعمل عليها أبا موسى وأمره أن يشخص إليه المغيرة بن شعبة في ربيع الأول قاله الواقدي وكان سبب عزله أنه كان بين أبي بكرة والمغيرة بن شعبة منافرة وكانا متجاورين بينهما طريق وكانا في مشربتين في كل واحدة منهما كوة مقابلة الأخرى فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته فهبت الريح ففتحت باب الكوة فقام أبو بكرة ليسده فبصر بالمغيرة وقد فتحت الريح باب كوة مشربته وهو بين رجلي امرأة فقال للنفر قوموا فانظروا فقاموا فنظروا وهم أبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد بن أبيه وهو أخو أبي بكرة لأمه وشبل بن معبد البجلي فقال لهم اشهدوا قالوا ومن هذه قال أم جميل بن الأفقم وكانت من بني عامر بن صعصعة وكانت تغشى المغيرة والأمراء والأشراف وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها فلما قامت عرفوها
فلما خرج المغيرة إلى الصلاة منعه أبو بكرة وقال لا تصل بنا وكتب إلى عمر بذلك فبعث عمر أبا موسى أميرا على البصرة وأمره بلزوم السنة فقال أعني بعدة من أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار فإنهم في هذه الأمة كالملح لا يصلح الطعام إلا به قال له خذ من أحببت فأخذ معه تسعة وعشرين رجلا منهم أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر وخرج معهم فقدم البصرة فدفع الكتاب بإمارته إلى المغيرة وهو أوجز كتاب وأبلغه أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميرا فسلم إليه ما في يدك والعجل
فأهدى إليه المغيرة وليدة تسمى عقيلة ورحل المغيرة ومعه أبو بكرة والشهود فقدموا على عمر فقال له المغيرة سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني أمستقبلهم أم مستدبرهم وكيف رأوا المرأة وعرفوها فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر أو مستدبري فبأي شيء استحلوا النظر إلي في منزلي على امرأتي والله ما أتيت إلا امرأتي وكانت تشبهها فشهد أبو بكرة أنه رآه على أم جميل يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة وأنه رآهما مستدبرين وشبل ونافع مثل ذلك وأما زياد فإنه قال رأيته جالسا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين يخفقان وأستين مكضوفتين وسمعت حفزا شديدا قال هل رأيت كالميل في المكحلة قال لا قال هل تعرف المرأة قال لا ولكن أشبهها قال فتنح وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد فقال المغيرة أشفني من الأعبد قال أسكت أسكت الله نامتك أما والله لو تمت الشهادة لرجمتك بأحجارك
ذكر الخبر عن فتح الأهواز ومناذر ونهر تيري
ص 385
وفي هذه السنة فتحت الأهواز ومناذر ونهر تيري وقيل سنة عشرين وكان السبب في هذا الفتح أنه لما انهزم الهرمزان يوم القادسية وهو أحد البيوتات السبعة في أهل فارس وكانت أمته منهم مهلاجان قذق وكور الأهواز فلما انهزم قصد خوزستان فملكها وقاتل بها من أرادهم فكان الهرمزان يغير على أهل ميسان ودستميسان من وجهين من مناذر ونهر تيري
فاستمد عتبة بن غزوان سعدا فأمده بنعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود وأمرهما أن يأتيا أعلى ميسان ودستميسان حتى يكونا بينهم وبين نهر تيري ووجه عتبة بن غزوان سلمى بن القين وحرملة بن مريطة وكانا من المهاجرين مع رسول الله وهما من بني العدوية من بني حنظلة فنزلا على حدود أرض ميسان ودستميسان بينهم وبين مناذر ودعوا بني العم فخرج إليهم غالب الوائلي وكليب بن وائل الكليبي فتركا نعيما وأتيا سلمى وحرملة وقالا أنتما من العشيرة وليس لكما مترك فإذا كان يوم كذا وكذا فانهدوا للهرمزان فإن أحدنا يثور بمناذر والآخر بنهر تيري فنقتل المقاتلة ثم يكون وجهنا إليكم فليس دون الهرمزان شيء إن شاء الله ورجعا وقد استجابا واستجاب قومهما بنو العم بن مالك وكانوا ينزلون خوزستان قبل الإسلام فأهل البلاد يأمنونهم
فلما كان تلك الليلة ليلة الموعد بين سلمى وحرملة وغالب وكليب وكان الهرمزان يومئذ بين نهر تيري وبين دلث وخرج سلمى وحرملة صبيحتهما في تعبية وأنهضا نعيما ومن معه فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهر تيري وسلمى بن القين على أهل البصرة ونعيم بن مقرن على أهل الكوفة فاقتتلوا فبيناهم على ذلك أقبل مدد من قبل غالب وكليب
وأتى الهرمزان الخبر بأن مناذر ونهر تيري قد أخذتا فكسر ذلك قلب الهرمزان ومن معه وهزمه الله وإياهم فقتل المسلمون منهم ما شاؤوا وأصابوا ما شاؤوا واتبعوهم حتى وقفوا على شاطئ دجيل وأخذوا ما دونه وعسكروا بحيال سوق الأهواز وعبر الهرمزان جسر سوق الأهواز وأقام بها وصار دجيل بن الهرمزان والمسلمين فلما رأى الهرمزان ما لا طاقة به طلب الصلح فاستأمروا عتبة فأجاب إلى ذلك على الأهواز لها ومهرجان قذق ما خلا نهر تيري ومناذر وما غلبوا عليه من سوق الأهواز فإنه لا يرد عليهم وجعل سلمى على مناذر مسلحة وأمرها إلى غالب وحرملة على نهر تيري وأمرها إلى كليب فكانا على مسالح البصرة وهاجرت طوائف من بني العم فنزلوا البصرة وجعلوا يتتابعون على ذلك ووفد عتبة وفدا إلى عمر منهم سلمى وجماعة من أهل البصرة فأمرهم عمر أن يرفعوا حوائجهم فكلهم قال أما العامة فأنت صاحبها وطلبوا لأنفسهم إلا ما كان من الأحنف بن قيس فإنه قال يا أمير المؤمنين إنك كما ذكروا ولقد يعزب عنك ما يحق علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامة وإنما ينظر الوالي فيما غاب عنه بأعين أهل الخبر ويسمع بآذانهم فإن إخواننا من أهل الكوفة نزلوا في مثل حدقة البعير الغاسقة من العيون العذاب والجنان الخصاب فتأتيهم ثمارهم ولم يحصدوا وإنا معشر أهل البصرة نزلنا سبخة هشاشة وعقة نشاشة طرف لها في الفلاة وطرف لها في البحر الأجاج يجري إليها ما جرى في مثل مريء النعامة دارنا فعمة وطبقتنا مضيقة وعددنا كثير وأشرافنا قليل وأهل البلاء فينا كثير درهمنا كبير وقفيزنا صغير وقد وسع الله علينا وزادنا في أرضنا فوسع علينا يا أمير المؤمنين وزدنا طبقة تطوف علينا ونعيش بها
فلما سمع عمر قوله أحسن إليهم وأقطعهم مما كان فيئا لأهل كسرى وزادهم ثم قال هذا الفتى سيد أهل البصرة وكتب إلى عتبة فيه بأن يسمع منه ويرجع إلى رأيه وردهم إلى بلدهم
وبينا الناس على ذلك من ذمتهم مع الهرمزان وقع بين الهرمزان وغالب وكليب في حدود الأرضين اختلاف فحضر ذلك سلمى وحرملة لينظرا فيما بينهم فوجدا غالبا وكليبا محقين والهرمزان مبطلا فحالا بينهما وبينه فكفر الهرمزان ومنع ما قبله واستعان بالأكراد فكثف جنده وكتب سلمى ومن معه إلى عتبة بذلك فكتب عتبة إلى عمر فكتب إليه عمر يأمره بقصده وأمد المسلمين بحرقوص بن زهير السعدي وكانت له صحبة مع رسول الله وأمره على القتال وعلى ما غلب عليه وسار الهرمزان ومن معه وسار المسلمون إلى جسر سوق الأهواز وأرسلوا إليه إما أن تعبر إلينا أو نعبر إليكم فقال اعبروا إلينا فعبروا فوق الجسر فاقتتلوا مما يلي سوق الأهواز فانهزم الهرمزان وسار إلى رامهرمز وفتح حرقوص سوق الأهواز ونزل بها واتسعت له بلادها إلى تستر ووضع الجزية وكتب بالفتح إلى عمر وأرسل إليه الأخماس $
ذكر صلح الهرمزان وأهل تستر مع المسلمين
ص 387
وفي هذه السنة فتحت تستر وقيل سنة ست عشرة وقيل سنة تسع عشرة قيل ولما انهزم الهرمزان يوم سوق الأهواز وافتتحها المسلمون بعث حرقوص جزء بن معاوية في أثره بأمر عمر إلى سوق الأهواز فما زال يقتلهم حتى انتهى إلى قرية الشعر وأعجزه الهرمزان فمال جزء إلى دورق وهي مدينة سرق فأخذها صافية ودعا من هرب إلى الجزية فأجابوه وكتب إلى عمر وعتبة بذلك فكتب عمر إلى حرقوص وإليه بالمقام فيما غلبا عليه حتى يأمرهما بأمره فعمر جزء البلاد وشق الأنهار وأحيا الموات وراسلهم الهرمزان يطلب الصلح فأجاب عمر إلى ذلك وأن سكون ما أخذه المسلمون بأيديهم ثم اصطلحوا على ذلك وأقام الهرمزان والمسلمون يمنعونه إذا قصده الأكراد ويجيء إليهم ونزل حرقوص جبل الأهواز وكان يشق على الناس الاختلاف إليه فبلغ ذلك عمر فكتب إليه يأمره بنزول السهل وأن لا يشق على مسلم ولا معاهد ولا تدركك فترة ولا عجلة فتكدر دنياك وتذهب آخرتك وبقي حرقوص إلى يوم صفين وصار حروريا وشهد النهروان مع الخوارج
ذكر فتح رامهرمز وتستر وأسر الهرمزان
ص 388
قيل كان فتح رامهرمز وتستر والسوس في سنة سبع عشرة وقيل سنة تسع عشرة وقيل سنة عشرين وان سبب فتحها أن يزدجرد لم يزل وهو بمرو يثير أهل فارس أسفا على ما خرج من ملكهم فتحركوا وتكاتبوا هم وأهل الأهواز وتعاقدوا على النصرة فجاءت الأخبار حرقوص بن زهير وجزءا وسلمى وحرملة فكتبوا إلى عمر بالخبر فكتب عمر إلى سعد أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا مع النعمان بن مقرن وعجل
فلينزلوا بإزاء الهرمزان ويتحققوا أمره وكتب إلى أبي موسى أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا وأمر عليهم سهل بن عدي أخا سهيل وابعث معه البراء بن مالك ومجزأة بن ثور وعرفجة بن هرثمة وغيرهم وعلى أهل الكوفة والبصرة جميعا أبو سبرة بن أبي رهم وكل من أتاه ممد له فخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة فسار إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل فخلف حرقوصا وسلمى وحرملة وسار نحو الهرمزان وهو برامهرمز فلما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره بالشدة ورجا أن يقتطعه ومعه أهل فارس فالتقى النعمان والهرمزان باربك فاقتتلوا قتالا شديدا ثم إن الله عز وجل هزم الهرمزان فترك رامهرمز ولحق بتستر وسار النعمان إلى رامهرمز ونزلها وصعد إلى إيذج فصالحه تيرويه على إيذج ورجه إلى رامهرمز فأقام بها ووصل أهل البصرة فنزلوا سوق الأهواز وهم يريدون رامهرمز فأتاهم خبر الوقعة وهم بسوق الأهواز واتاهم الخبر أن الهرمزان قد لحق بتسترلا فساروا نحوه وسار النعمان أيضا وسار حرقوص وسلمى وحرملة وجزء فاجتمعوا على تستر وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس والجبال والأهواز في الخنادق وأمدهم عمر بأبي موسى وجعله على أهل البصرة وعلى الجميع أبو سبرة فحاصروهم أشهرا وأكثروا فيهم القتل وقتل البراء بن مالك وهو أخو أنس بن مالك في ذلك الحصار إلى الفتح مائة مبارزة سوى من قتل في غير ذلك وقتل مثله مجزأة بن ثور وكعب بن ثور وعدة من أهل البصرة وأهل الكوفة
وزاحفهم المشركون أيام تستر ثمانين زحفا يكون لهم مرة ومرة عليهم فلما كان في آخر زحف منها واشتد القتال قال المسلمون يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم لنا قال اللهم اهزمهم لنا واستشهدني وكان مجاب الدعوة فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم ثم دخلوا مدينتهم وأحاط بهم المسلمون فبينما هم على ذلك وقد ضاقت المدينة بهم وطالت حربهم خرج رجل إلى النعمان يستأمنه على أن يدله على مدخل يدخلون منه ورمى في ناحية أبو موسى بسهم إن أمنتموني دللتكم على مكان تأتون المدينة منه فأمنوه في نشابة فرمى إليهم بأخرى وقال انهدوا من قبل مخرج الماء فإنكم تقتحمونها
فندب الناس إليه فانتدب له عامر بن عبد قيس وبشر كثير ونهدوا لذلك المكان ليلا وقد ندب النعمان أصحابه ليسيروا مع الرجل الذي يدلهم على المدخل إلى المدينة فانتدب له بشر كثير فالتقوا هم وأهل البصرة على ذلك المخرج فدخلوا في السرب والناس من خارج فلما دخلوا المدينة كبروا فيها وكبر المسلمون من خارج وفتحت الأبواب فاجتلدوا فيها فأناموا كل مقاتل وقصد الهرمزان القلعة فتحصن بها وأطاف به الذين دخلوا فنزل إليهم على حكم عمر فأوثقوه واقتسموا ما أفاء الله عليهم فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف وسهم الراجل ألفا وجاء صاحب الرمية والرجل الذي خرج بنفسه فأمنوهما ومن أغلق بابه معهما
وقتل من المسلمين تلك الليلة بشر كثير وممن قتل الهرمزان بنفسه مجزأة بن ثور والبراء بن مالك وخرج أبو سبرة بنفسه في أثر المنهزمين إلى السوس ونزل عليها ومعه النعمان بن مقرن وأبو موسى وكتبوا إلى عمر فكتب إلى أبي موسى برده إلى البصرة وهي المرة الثالثة فانصرف إليها من على السوس وسار زر بن عبد الله بن كليب الفقيمي إلى جند يسابور فنزل عليها وهو من الصحابة وأمر عمر على جند البصرة المقترب وهو الأسود بن ربيعة أحد بني ربيعة بن مالك وهو صحابي أيضا وكانا مهاجرين وكان الأسود قد وفد على رسول الله وقال جئت لأقترب إلى الله بصحبتك فسماه المقترب
وأرسل أبو سبرة وفدا إلى عمر بن الخطاب فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس ومعهم الهرمزان فقدموا به المدينة وألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب وتاجه وكان مكللا بالياقوت وحلته ليراه عمر والمسلمون فطلبوا عمر فلم يجدوه فسألوا عنه فقيل جلس في المسجد لوفد من الكوفة فوجدوه في المسجد متوسدا برنسه وكان قد لبسه للوفد فلما قاموا عنه توسده ونام فجلسوا دونه وهو نائم والدرة في يده فقال الهرمزان أين عمر قالوا هو ذا فقال أين حرسه وحجابه قالوا ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب قال فينبغي أن يكون نبيا قالوا بل يعمل بعمل الأنبياء فاستيقظ عمر بجلبة الناس فاستوى جالسا ثم نظر إلى الهرمزان فقال الهرمزان قالوا نعم فتأمله وتأمل ما عليه وقال أعوذ بالله من النار وأستعين بالله فقال الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وغيره أشباهه فأمر بنزع ما عليه فنزعوه وألبسوه ثوبا صفيقا فقال له عمر هيه يا هرمزان كيف رأيت عاقبة الغدر وعاقبة أمر الله فقال يا عمر إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم فلما كان الآن معكم غلبتمونا فقال عمر إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا
ثم قال له ما حجتك وما عذرك في انتقاضك مرة بعد أخرى فقال أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك قال لا تخف ذلك واستسقى ماء فأتى به في قدح غليظ فقال لو مت عطشا لم استطع أن أشرب في مثل هذا فأتي به في إناء يرضاه فجعلت يده ترتجف فقال إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب فقال عمر لا بأس عليك حتى تشربه فأكفأه فقال عمر أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه بين القتل والعطش فقال لا حاجة لي في الماء إنما أردت أن أستأمن به فقال عمر له إني قاتلك فقال قد أمنتني فقال كذبت قال أنس صدق يا أمير المؤمنين قد أمنته قال عمر ويحك يا أنس أنا أؤمن قاتل مجزأة بن ثور والبراء بن مالك والله لتأتين بمخرج أو لأعاقبنك قال قلت له لا بأس عليك حتى تخبرني ولا بأس عليك حتى تشربه وقال له من حوله مثل ذلك فأقبل على الهرمزان وقال خدعتني والله لا أنخدع إلا أن تسلم فأسلم ففرض له في ألفين وأنزله المدينة وكان المترجم بينهما المغيرة بن شعبة وكان يفقه بالفارسية إلى أن جاء المترجم
وقال عمر للوفد لعل المسلمين يؤذون أهل الذمة فلهذا ينتقضون بكم قالوا ما نعلم إلا وفاء قال فكيف هذا فلم يشفه أحد منهم إلا أن الأحنف قال له يا أمير المؤمنين إنك نهيتنا عن الانسياح في البلاد وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا وإن ملك فارس حي بين أظهرهم ولا يزالون يقاتلوننا ما دام ملكهم فيهم ولم يجتمع ملكان متفقان حتى يخرج أحدهما صاحبه وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئا بعد شيء إلا بانبعاثهم وغدرهم وإم ملكهم هو الذي يبعثهم ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا بالانسياح فنسيح في بلادهم ونزيل ملكهم فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس ويضربوا جاشا فقال صدقتني والله ونظر في حوائجهم وسرحهم وأتى عمر الكتاب باجتماع أهل نهاوند فأذن في الانسياح في بلاد الفرس وقتل محمد بن جعفر بن أبي طالب شهيدا على تستر في قول بعضهم أربك بفتح الهمزة وسكون الراء وضم الباء الموحدة وفي آخره كاف موضع عند الأهواز
ذكر فتح السوس
ص 391
قيل ولما نزل أبو سبرة على السوس وبها شهريار أخو الهرمزان أحاط المسلمون بها وناوشهم القتال مرات كل ذلك يصيب أهل السوس في المسلمين فأشرف عليهم يوما الرهبان والقسيسون فقالوا يا معشر العرب إن مما عهد إلينا علماؤنا وأوائلنا أنه لا يفتح السوس إلا الدجال أو قوم فيهم الدجال فإن كان فيكم فستفتحونها
وسار أبو موسى إلى البصرة من السوس وصار مكانه على أهل البصرة بالسوس المقترب بن ربيعة واجتمع الأعاجم بنهاوند والنعمان على أهل الكوفة محاصرا أهل السوس مع أبي سبرة وزر محاصرا أهل جند يسابور فجاء كتاب عمر بصرف النعمان إلى أهل نهاوند من وجهه ذلك فناوشهم القتال قبل مسيره فصاح أهلها بالمسلمين وناوشوهم وغاظوهم وكان صاف بن صياد مع المسلمين في خيل النعمان فأتى صاف باب السوس فدقه برجله فقال انفتح بظار وهو غضبان فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وتفتحت الأبواب ودخل المسلمون وألقى المشركون بأيديهم ونادوا الصلح الصلح فأجابهم إلى ذلك المسلمون بعد ما دخلوها عنوة واقتسموا ما أصابوا قبل الصلح ثم افترقوا فسار النعمان حتى أتى نهاوند وسار المقترب حتى نزل على جند يسابور مع زر
وقيل لأبي سبرة هذا جسد دانيال في هذه المدينة قال وما علمي بذلك فأقره في أيديهم وكان دانيال قد لزم نواحي فارس بعد بختنصر فلما حضرته الوفاة ولم ير أحدا ممن هو بين ظهريهم على الإسلام أكرم كتاب الله عمن لم يجبه ولم يقبل منه فأودعه ربه فقال لابنه ائت ساحل البحر فاقذف بهذا الكتاب فيه فأخذه الغلام وضن به وغاب عنه وعاد وقال له قد فعلت قال ما صنع البحر حين هوى فيه قال ما صنع شيئا فغضب وقال والله ما فعلت الذي أمرتك به فخرج من عنده وفعل مثل فعلته الأولى ثم أتاه فقال كيف رأيت البحر صنع حين هوى فيه قال ماج واصطفق فغضب أشد من الأول وقال والله ما فعلت الذي أمرتك به فعاد إلى البحر وألقاه فيه فانفلق البحر عن الأرض حتى بدت وانفجرت له الأرض عن مثل التنور فهوى فيها ثم انطبقت عليه واختلط الماء فلما رجع إليه واخبره بما رأى فقال الآن صدقت ومات دانيال بالسوس وكان هناك يستسقى بجسده فاستأذنوا عمر فيه فأمر بدفنه
وقيل في أمر السوس أن يزدجرد سار بعد وقعة جلولاء فنزل إصطخر ومعه سياه في سبعين من عظماء الفرس فوجهه إلى السوس والهرمزان إلى تستر فنزل سياه الكلتانية وبلغ أهل السوس أمر جلولاء ونزول يزدجرد إصطخر منهزما فسألوا أبا موسى الصلح وكان محاصرا لهم فصالحهم وسار إلى رامهرمز ثم سار إلى تستر ونزل سياه بين رامهرمز وتستر ودعا من معه من عظماء الفرس وقال لهم قد علمتم أنا كنا نتحدث أن هؤلاء القوم أهل الشقاء والبؤس سيغلبون على هذه المملكة وتروث دوابهم في إيوانات إصطخر ومصانع الملوك ويشدون خيولهم في شجرها وقد غلبوا على ما رأيتم وليس يلقون جندا إلا فلوه ولا ينزلون بحصن إلا فتحوه فانظروا لأنفسكم قالوا رأينا رأيك
قال أرى أن تدخلوا في دينهم ووجهوا شيرويه في عشرة من الأساورة إلى أبي موسى فشرط عليهم أن يقاتلوا معه العجم ولا يقاتلوا العرب وإن قاتلهم أحد من العرب منعهم منهم وينزلوا حيث شاؤوا ويلحقوا بأشرف العطاء ويعقد لهم ذلك عمر على أن يسلموا فأعطاهم عمر ما سألوا فأسلموا وشهدوا مع المسلمين حصار تستر ومضى سياه إلى حصن قد حاصره المسلمون في زي العجم فألقى نفسه إلى جانب الحصن ونضح ثيابه بالدم فرآه أهل الحصن صريعا فظنوه رجلا منهم ففتحوا باب الحصن ليدخلوا إليهم فوثب وقاتلهم حتى خلوا عن الحصن وهربوا فملكه وحده وقيل إن هذا الفعل كان منه بتستر
ذكر مصالحه جند نيسابور
ص 393
وفي هذه السنة سار المسلمون عن السوس فنزلوا بجند يسابور وزر بن عبد الله محاصرهم فأقاموا عليهم يقاتلونهم فرمى إلى من بها من عسكر المسلمين بالأمان فلم يفجأ المسلمين إلا وقد فتحت أبوابها وأخرجوا أسواقهم وخرج أهلها فسألهم المسلمون فقالوا رميتم بالأمان فقبلناه وأقررنا بالجزية على أن تمنعونا فقالوا ما فعلنا فقالوا ما كذبنا
وسأل المسلمون فيما بينهم فإذا عبد يدعى مكثفا كان أصله منها فعل هذا فقالوا هو عبد فقال أهلها لا نعرف العبد من الحر وقد قبلنا الجزية وما بدلنا فإن شئتم فاغدروا
فكتبوا إلى عمر فأجاز أمانهم فأمنوهم وخرجوا عنهم
ذكر مسير المسلمين إلى كرمان وغيرها
ص 394
قيل في سنة سبع عشرة أذن عمر للمسلمين في الانسياح في بلاد فارس وانتهى في ذلك إلى رأي الأحنف بن قيس وعرف فضله وصدقه فأمر أبا موسى أن يسير من البصرة إلى منقطع ذمة البصرة فيكون هناك حتى يأتيه أمره ويعث بألوية من ولى مع سهيل بن عدي فدفع لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس ولواء أردشير خره وسابور إلى مجاشع بن مسعود السلمي ولواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي ولواء فسا ودارا بجرد إلى سارية بن زنيم الكناني ولواء كرمان إلى سهيل بن عدي ولواء سجستان إلى عاصم بن عمرو وكان من الصحابة ولواء مكران إلى الحكم بن عمير التغلبي فخرجوا ولم يتهيأ مسيرهم إلا سنة ثمانية عشرة وأمدهم عمر بنفر من أهل الكوفة فأمد سهيل بن عدي بعبد الله بن عتبان وأمد الأحنف بعلقمة بن النضر وبعبد الله بن أبي عقيل وبربعي بن عامر وبابن أم غزال وأمد عاصم بن عمرو بعبد الله بن عمير الأشجعي وأمد الحكم بن عمير بشهاب بن المخارق في جموع وقيل كان ذلك سنة إحدى وعشرين وقيل سنة اثنتين وعشرين وسنذكر كيفية فتحها هناك وذكر أسبابها إن شاء الله تعالى وكان على مكة هذه السنة عتاب بن أسيد في قول وعلى اليمن يعلى بن منية وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص وعلى عمان حذيفة بن محصن وعلى الشام من ذكر قبل وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص وعلى قضائها أبو قرة وعلى البصرة وأرضها أبو موسى وعلى القضاء أبو مريم الحنفي وقد ذكر من كان على الجزيرة والموصل قبل وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.