الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
12

ثم دخلت سنة ست عشرة

الجزء الثاني 8 عنصر صفحة 355
ذكر فتح المدائن الغربية وهي بهرسير ص 355

في هذه السنة في صفر دخل المسلمون بهرسير وكان سعد محاصرا لها وأرسل الخيول فأغارت على من ليس له عهد فأصابوا مائة ألف فلاح فأصاب كل واحد منهم فلاحا لأن كل المسلمين كان فارسا فخندق لهم فقال له شيرازاد دهقان ساباط إنك لا تصنع بهؤلاء شيئا إنما هؤلاء علوج لأهل فارس لم يجروا إليك فدعهم إلي حتى يفرق لكم الرأي

فأرسل سعد إلى عمر يستأذنه فأجابه أن من جاءكم من الفلاحين إذا كانوا مقيمين ممن لم يعينوا عليكم فهو أمانهم ومن هرب فأدركتموه فشأنكم به فخلى سعد عنهم وأرسل إلى الدهاقين ودعاهم إلى الإسلام أو الجزية ولهم الذمة والمنعة فتراجعوا على الجزاء والمنعة ولم يدخل في ذلك ما كان لآل كسرى ومن دخل معهم فلم يبق غربي دجلة إلى أرض العرب سوادي إلا آمن واغتبط بملك الإسلام وأقاموا على بهرسير شهرين يرمونهم بالمجانيق ويدنون إليهم بالدبابات ويقاتلونهم بكل عدة ونصبوا عليها عشرين منجنيقا فشغلوهم بها وربما خرج العجم فقاتلوهم فلا يقومون لهم

وكان آخر ما خرجوا متجردين للحرب وتبالغوا على الصبر فقاتلهم المسلمون فلم يثبتوا لهم وكان على زهرة بن الحوية درع مفصوم فقيل له لو أمرت بهذا الفصم فسرد فقال لهم ولم قالوا نخاف عليك منه قال غني على الله لكريم إن نزل سهم فارس الجند كلهم أن لا يؤمنني من هذا الفصم حتى يثبت في فكان أول رجل أصيب من المسلمين هو بنشابة من ذلك الفصم فقال بعضهم انزعوها عنه فقال دعوني فإن نفسي معي ما دامت في لعلي أن أصيب منهم بطعنة أو

وقيل إن زهرة عاش إلى أيام الحجاج فقتله شبيب الخارجي وسير ذكره واشتد الحصار بأهل المدائن الغربية حتى أكلوا السنانير والكلاب وصبروا من شدة الحصار على أمر عظيم فبيناهم يحاصرونهم إذ أشرف عليهم رسول الملك فقال الملك يقول لكم هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة إلى جبلنا ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم فقال لهم أبو مفزر الأسود بن قطبة وقد انطقه الله تعالى بما لا يدري ما هو ولا من معه فرجع الرجل فقطعوا دجلة إلى المدائن الشرقية التي فيها الإيوان فقال له من معه يا أبا مفزر ما قلت له قال والذي بعث محمدا بالحق ما أدري وأنا أرجو أن أكون قد نطقت بالذي هو خير

وسأله سعد والناس عما قال فلم يعلم فنادى سعد في الناس فنهدوا إليهم فما ظهر على المدينة أحد ولا خرج رجل إلا رجل ينادي بالأمان فأمنوه فقال لهم ما بقي بالمدينة من يمنعكم فدخلوا فما وجدوا فيها شيئا ولا أحدا إلا أسارى وذلك الرجل فسألوه لأي شيء هربوا فقال بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح فأجبتموه أنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدا حتى نأكل عسل أفريدون باترج كوثى فقال الملك يا ويلتيه إن الملائكة تتكلم على ألسنتهم ترد علينا وتجيبنا عن العرب فساروا إلى المدينة القصوى فلما دخلها المسلمون أنزلهم سعد المنازل وأرادوا العبور إلى المدائن فوجدوا المعابر قد أخذوها ما بين المدائن وتكريت

ذكر فتح المدائن التي فيها إيوان كسرى ص 356

وكان فتحها في صفر أيضا سنة ست عشرة قيل وأقام سعد ببهرسير أياما من صفر فأتاه علج فدله على مخاضة تخاض إلى صلب الفرس فأبى وتردد عن ذلك وقحمهم المد وكانت ألسنة كثيرة المدود ودجلة تقذف بالزبد فأتاه علج فقال ما يقيمك لا يأتي عليك ثالثة حتى يذهب يزدجرد بكل شيء في المدائن فهيجه ذلك على العبور ورأوا رؤيا أن خيول المسلمين اقتحمت دجلة فعبرت فعزم سعد لتأويل الرؤيا فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليه معه ويخلصون إليكم إذا شاؤوا في سفنهم فينا وشؤونكم وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه قد كفاكموهم أهل الأيام وعطلوا ثغورهم وأفنوا ذاتهم وقد رأيت من الرأي أن تجاهدوا العدو قبل أن تحصدكم الدنيا ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم

فلقالوا جميعا عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل فندب الناس إلى العبور وقال من يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكي لا يمنعوهم من العبور فانتدب له عاصم بن عمرو ذو الباس في ستمائة من أهل النجدات فاستعمل عليهم عاصما فقدمهم عاصم في ستين فارسا وجعلهم على خير ذكور وإناث ليكون أسلس لسباحة الخيل ثم اقتحموا دجلة

فلما رآهم الأعاجم وما صنعوا أخرجوا للخيل التي تقدمت مثلها فاقتحموا عليهم دجلة فلقوا عاصما وقد دنا من الفراض فقال عاصم الرماح الرماح أشرعوها وتواخوا العيون فالتقوا فاطعنوا وتوخى المسلمون عيونهم فولوا ولحقهم المسلمون فقتلوا أكثرهم ومن نجا منهم صار أعور من الطعن وتلاحق الستمائة بالستين غير متعتعين ولما رأى سعد عاصما على الفراض قد منعها أذن للناس في الاقتحام وقال قولوا نستعين بالله ونتوكل عليه حسبنا الله ونعم الوكيل والله لينصرن الله وليه وليظهرن دينه وليهز من عدوه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

وتلاحق الناس في دجلة وإنهم يتحدثون كما يتحدثون في البر وطبقوا دجلة حتى ما يرى من الشاطئ شيء وكان الذي يساير يعدا في الماء سلمان الفارسي فعامت بهم خيولهم وسعد يقول حسبنا الله ونعم الوكيل والله لينصرن الله وليه وليظهرن دينه وليهزمن عدوه إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات فقال له سلمان الإسلام جديد ذللت لهم والله البحور كما ذلل لهم البر أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا فيه أفواجا

فخرجوا منه كما قال سلمان لم يفقدوا شيئا ولم يغرق منهم أحد إلا أن مالك بن عامر العنبري سقط منه قدح فذهبت به جرية الماء فقال له الذي يسايره معيرا له أصابه القدر فطاح فقال والله إني لعلى حالة ما كان الله ليسلبني قدحي من بين العسكريين فلما عبروا ألقته الريح إلى الشاطئ فتناوله بعض الناس وعرفه ساحبه فأخذه صاحبه ولم يغرق منهم أحد غير أن رجلا من بارق يدعى غرقدة زال عن ظهر فرس له أشقر فثنى القعقاع عنان فرسه إليه فأخذه بيده فأخرجه سالما فقال البارقي وكان من أشد الناس أعجز الأخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع وكان للقعقاع فيهم خؤولة وخرج الناس سالمين وخيلهم تنفض أعرافها فلما رأى الفرس ذلك وأتاهم أمر لم يكن في حسابهم خرجوا هاربين نحو حلوان وكان يزدجرد قد قدم عياله إلى حلوان قبل ذلك وخلف مهران الرازي والنخيرخان وكان على بيت المال بالنهروان وخرجوا معهم بما قدروا عليه من خير متاعهم وخفيفة وما قدروا عليه من بيت المال وبالنساء والذراري وتركوا في الخزائن من الثياب والمتاع والآنية والفصوص والألطاف والدهان ما لا يدرى قيمته وخلفوا ما كانوا أعدوا للحصار من البقر والغنم والأطعمة وكان في بيت المال ثلاثة آلاف ألف ألف ألف ثلاث مرات أخذ منها رستم عند مسيره إلى القادسية النصف وبقي النصف

وكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال وهي كتيبة عاصم بن عمرو ثم كتيبة الخرساء وهي كتيبة القعقاع بن عمرو فأخذوا في سككها لا يلقون فيها أحدا يخشونه إلا من كان في القصر الأبيض فأحاطوا بهم ودعوهم فاستجابوا على تأدية الجزية والذمة فتراجع إليهم أهل المدائن على مثل عهدهم ليس في ذلك ما كان لآل كسرى ومن خرج معهم ونزل سعد القصر الأبيض وسرح سعد زهرة في آثارهم إلى النهروان وسرح مقدار ذلك من كل جهة وكان سلمان الفارسي رائد المسلمين وداعيتهم دعا أهل بهرسير ثلاثا وأهل القصر الأبيض ثلاثا واتخذ سعد إيوان كسرى مصلى ولم يغير ما فيه من التماثيل ولم يكن بالمدائن أعجب من عبور الماء وكان يدعى يوم الجراثيم لا يبقى أحد إلا اشمخرت له جرثومة من الأرض يستريح عليها ما يبلغ الماء حزام فرسه ولذلك يقول أبو بجيد نافع بن الأسود

( وأملنا على المدائن خيلا % بحرها مثل برهن أريضا )

( فانتثلنا خزائن المرء كسرى % يوم ولوا وخاض منها جريضا )

ولما دخل سعد الإيوان قرأ كم تركوا من جنات وعيون وزروع إلى قوله قوما آخرين وصلى فيه صلاة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينهن ولا يصلي جماعة وأتم الصلاة لأنه نوى الإقامة وكانت أول جمعة بالعراق وجمعت بالمدائن في صفر سنة ست عشرة

ولما سار المسلمون وراءهم أدرك رجل من المسلمين فارسيا يحمي أصحابه فضرب فرسه ليقدم على المسلم فأحجم وأراد الفرار فتقاعس فأدركه المسلم فقتله وأخذ سلبه وأدرك رجل آخر من المسلمين جماعة من الفرس يتلاومون وقد نصبوا لأحدهم كرة وهو يرميها لا يخطئها فرجعوا فلقيهم المسلم فتقدم إليه ذلك الفارسي فرماه بأقرب مما كانت الكرة فلم يصبه فوصل المسلم إليه فقتله وهرب أصحابه

أبو بجيد بضم الباء الموحدة وفتح الجيم وبعدها ياء تحتها نقطتان ودال مهملة

ذكر ما جمع من غنائم أهل المدائن وقسمتها ص 359

كان سعد قد جعل على الأقباض عمرو بن عمرو بن مقرن وعلى القسمة سلمان بن ربيعة الباهلي فجمع ما في القصر والإيوان والدور وأحصى ما يأتيه به الطلب وكان أهل المدائن قد نهبوها عند الهزيمة وهربوا في كل وجه فما أفلت أحد منهم بشيء ألا أدركهم الطلب فأخذوا ما معهم ورأوا بالمدائن قبابا تركية مملوءة سلالا مختومة برصاص فحسبوه طعاما فإذا فيها آنية الذهب والفضة وكان الرجل يطوف ليبيع الذهب بالفضة متماثلين ورأوا كافورا كثيرا فحسبوه ملحا فعجنوا به فوجدوه مرا

وأدرك الطلب مع زهرة جماعة من الفرس على جسر النهروان فازدحموا عليه فوقع منهم بغل في الماء فعجلوا وكلبوا عليه فقال بعض المسلمين إن لهذا البغل لشأنا فجالدهم المسلمون عليه حتى أخذوه وفيه حلية كسرى ثيابه وخرزاته ووشاحه ودرعه التي فيها الجوهر وكان يجلس فيها للمباهاة ولحق الكلج بغلين معهما فارسيان فقتلهما وأخذ البغلين فأبلغهما صاحب الأقباض وهو يكتب ما يأتيه به الرجال فقال له قف حتى ننظر ما معك فحط عنهما فإذا سفطان فيهما تاج كسرى مرصعا وكان لا يحمله إلا الأسطوانيان وفيه الجوهر وعلى البغل الآخر سفطان فيهما ثياب كسرى التي كان يلبس من الديباج المنسوج بالذهب المنظوم بالجوهر وغير الديباج منسوجا منظوما

وأدرك القعقاع بن عمرو فارسيا فقتله وأخذ منه عيبتين وغلافين في أحدهما خمسة أسياف وفي الآخر ستة أسياف وإذا في العيبتين أدراع منها درع كسرى ومغافره ودرع هرقل ودرع خاقان ملك الترك ودرع داهر ملك الهند ودرع بهرام جوبين ودرع سياوخش ودرع النعمان استلبها الفرس أيام غزاهم خاقان وهرقل وداهر وأما النعمان وجوبين فحين هربا من كسرى والسيوف من سيوف كسرى وهرمز وقباذ وفيروز وهرقل وخاقان وداهر وبهرام وسياوخش والنعمان فأحضر القعقاع الجميع عند سعد فخيره بين الأسياف فاختار سيف هرقل وأعطاه درع بهرام ونفل سائها في الخرساء إلا سيف كسرى والنعمان بعث بهما إلى عمر بن الخطاب لتسمع العرب بذلك لمعرفتهم بهما وحسبوهما في الأخماس وبعثوا بتاج كسرى وحليته وثيابه إلى عمر ليراه المسلمون

وأدرك عصمة بن خالد الضبي رجلين معهما حماران فقتل أحدهما وهرب الآخر وأخذ الحمارين فأتى بهما صاحب الأقباض فإذا على أحدهما سفطان في أحدهما فرس من ذهب بسرج من فضة وعلى ثفره ولباته الياقوت والزمرد المنظوم على الفضة ولجام كذلك وفارس من فضة مكلل بالجوهر وفي الآخر ناقة من فضة عليها شليل من ذهب وبطان من ذهب ولها زمام من ذهب وكل ذلك منظوم بالياقوت وعليها رجل من ذهب مكلل بالجواهر كان كسرى يضعها على اسكوانتي التاج

وأقبل رجل بحق إلى صاحب الأقباض فقال هو والذين معه ما رأينا مثل هذا ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه فقالوا هل أخذت منه شيئا فقال والله لولا الله ما أتيتكم به فقالوا من أنت فقال والله لا أخبركم فتحمدوني ولا غيركم ليقرظوني ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه فأتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه فسال عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس وقال سعد والله إن الجيش لذو أمانة ولولا ما سبق لأهل بدر لقلت إنهم على فضل أهل بدر لقد تتبعت من أقوام منهم هناة ما أحسبها من هؤلاء وقال جابر بن عبد الله والذي لا إله إلا هو ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية أنه يريد الدنيا مع الآخرة فلقد اتهمنا ثلاثة نفر فما رأينا كأمانتهم وزهدهم وهم طليحة بن خويلد وعمرو بن معد يكرب وقيس بن المكشوح وقال عمر لما قدم عليه بسيف كسرى ومنطقته وبزبرجده إن قوما أدوا هذا لذو أمانة فقال علي إنك عففت فعفت الرعية

فلما جمعت الغنائم قسم سعد الفيء بين الناس بعدما خمسه وكانوا ستين ألفا فأصاب الفارس اثني عشر ألفا وكلهم كان فارسا ليس فيهم راجل ونفل من الأخماس في أهل البلاء وقسم المنازل بين الناس وأحضر العيالات فأنزلهم الدور فأقاموا بالمدائن حتى فرغوا من جلولاء وحلوان وتكريت والموصل ثم تحولوا إلى الكوفة وأرسل سعد في الخمس كل شيء أراد أن يعجب منه العرب وما كان يعجبهم أن يقع إليهم

القطيف ص 361

وأراد إخراج خمس القطيف فلم تعتدل قسمته وهو بهار كسرى فقال للمسلمين هل تطيب أنفسكم عن أربعة أخماسه فنبعث به إلى عمر يضعه حيث يشاء فإنا لا نراه ينقسم وهو بيننا قليل وهو يقع من أهل المدينة موقعا فقالوا نعم فبعثه إلى عمر

والقطيف بساط واحد طوله ستون ذراعا وعرضه ستون ذراعا مقدار جريب كانت الأكاسرة تعده للشتاء إذا ذهبت الرياحين شربوا عليه فكأنهم في رياض فيه طرق كالصور وفيه فصوص كالأنهار أرضها مذهبة وخلال ذلك فصوص كالدر وفي حافاته كالأرض المزروعة والأرض المبقلة بالنبات في الربيع والورق من الحرير على قضبان الذهب وزهره الذهب والفضة وثمره الجوهر وأشباه ذلك وكانت العرب تسميه القطيف

فلما قدمت الأخماس على عمر نفل منها من غاب ومن شهد من أهل البلاء ثم قسم الخمس في مواضعه ثم قال أشيروا علي في هذا القطيف فمن بين مشير بقبضه وآخر مفوض إليه فقال له علي لم يجعل الله علمك جهلا ويقينك شكا إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت أو لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت وإنك إن تبقه على هذا اليوم لم تعدم في غد من يستحق به ما ليس له فقال صدقتني ونصحتني فقطعه بينهم فأصاب عليا قطعة منه فباعها بعشرين ألفا وما هي بأجود تلك القطع

وكان الذي سار بالأخماس بشير بن الخصاصية والذي ذهب بالفتح حليس بن فلان الأسدي والذي ولى القبض عمرو والقسم سلمان وأثنى الناس على أهل القادسية فقال عمر أولئك أعيان العرب ولما رأى عمر سيف النعمان سأل جبير بن مطعم عن نسب النعمان فقال جبير كانت العرب تنسبه إلى أشلاء قنص وكان أحد بني عجم بن قنص فجهل الناس عجم فقالوا لخم فنفله سيفه وولى عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص صلاة ما غلب عليه وحربه وولى الخراج النعمان وسويدا ابني عمرو بن مقرن سويدا على ما سقت الفرات والنعمان على ما سقت دجلة وعقدوا الجسور ثم استعفيا فولي عملهما حذيفة بن أسيد وجابر بن عمرو المزني ثم ولي عملهما بعد حذيفة بن النعمان وعثمان بن حنيف

حذيفة بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين

ذكر وقعة جلولاء وفتح حلوان ص 363

وفي هذه السنة كانت وقعة جلولاء وسببها أن الفرس لما انتهوا بعد الهرب من المدائن إلى جلولاء وافترقت الطرق بأهل أذربيجان والباب وأهل الجبال وفارس تذامروا وقالوا لو افترقتم لم تجتمعوا أبدا وهذا مكان يفرق بيننا فهلموا فلنجتمع للعرب به ولنقاتلهم فإن كانت لنا فهو الذي نحب وإن كانت الأخرى كنا قد قضينا الذي علينا وأبدينا عذرا

فاحتفروا خندقا واجتمعوا فيه على مهران الرازي وتقدم يزدجرد إلى حلوان فنزل بها ورماهم بالرجال وخلف فيهم الموال فأقاموا وأحاطوا خندقهم بحسك الحديد إلا طرقهم

فبلغ ذلك سعدا فأرسل بذلك إلى عمر فكتب إليه أن عمر سرح هاشم بن عتبة إلى جلولاء واجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو وعلى ميمنته مسعر بن مالك وعلى ميسرته عمرو بن مالك بن عتبة واجعل على ساقته عمرو بن مرة الجهني وإن هزم الله الفرس فاجعل القعقاع بين السواد والجبل على حد سوادكم وليكن الجند اثني عشر ألفا ففعل سعد ذلك

وسار هاشم من المدائن بعد قسمة الغنيمة في اثني عشر ألفا منهم وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب ممن كان ارتد ومن لم يرتد فسار من المدائن فمر ببابل مهروذ فصالحه دهقانها على أن يفرش له جريب الأرض دراهم ففعل وصالحه ثم مضى حتى قدم جلولاء فحاصرهم في خنادقهم وأحاط بهم وطاولهم الفرس وجعلوا لا يخرجون إليهم إلا إذا أرادوا وزاحفهم المسلمون نحو ثمانين يوما كل ذلك ينصر السلمون عليهم وجعلت الأمداد ترد من يزدجرد إلى مهران وأمد سعد المسلمين وخرجت الفرس وقد اختلفوا فاقتتلوا فأرسل الله عليهم الريح حتى أظلمت عليهم البلاد فتحاجزوا فسقط فرسانهم في الخندق فجعلوا فيه طرقا مما يليهم تصعد منه خيلهم فأفسدوا حصنهم وبلغ ذلك المسلمين فنهضوا إليهم وقاتلوهم قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله إلا ليلة الهرير إلا أنه كان أعجل وانتهى القعقاع بن عمرو من الوجه الذي زحف فيه إلى باب خندقهم فأخذ به وأمر مناديا فنادى

يا معشر المسلمين هذا أميركم قد دخل الخندق وأخذ به فأقبلوا إليه ولا يمنعكم من بينكم وبينه من دخوله وإنما أمر بذلك ليقوي المسلمين به فحملوا ولا يشكون بأن هاشما في الخندق فلم يقم لحملتهم شيء حتى انتهوا إلى باب الخندق فإذا هم بالقعقاع بن عمرو وقد أخذ به فانهزم المشركون عن المجال يمنة ويسرة فهلكوا فيما أعدوا من الحسك فعقرت دوابهم وعادوا رجالة واتبعهم المسلمون فلم يفلت منهم إلا من لا يعد وقتل يومئذ منهم مائة ألف فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم فهي جلولاء الوقيعة فسار القعقاع بن عمرو في الطلب حتى بلغ خانقين

ولما بلغت الهزيمة يزدجرد سار من حلوان نحو الري وقدم القعقاع حلوان فنزلها في جند من الأفناء والحمراء وكان فتح جلولاء في ذي القعدة سنة ست عشرة ولما سار يزدجرد عن حلوان استخلف عليها خسر سنوم فلما وصل القعقاع قصر شيرين خرج عليه خسر سنوم وقدم إليه الزينبي دهقان حلوان فلقيه القعقاع فقتل الزينبي وهرب خسر سنوم واستولى المسلمون على حلوان وبقي القعقاع بها إلى أن تحول سعد إلى الكوفة فلحقه القعقاع واستخلف على حلوان قباذ وكان أصله خراسانيا وكتبوا إلى عمر بالفتح وبنزول القعقاع حلوان واستأذنوه في اتباعهم وقال لوددت أن بين السواد وبين الجبل سدا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم حسبنا من الريف السواد إني آثرت سلامة المسلمين على الأنفال

وأدرك القعقاع في أتباعه الفرس مهران بخانقين فقتله وأدرك الفيرزان فنزل وتوغل في الجبل فتحامى وأصاب القعقاع سبايا فأرسلهن إلى هاشم فقسمهن فاتخذن فولدن وممن ينسب إلى ذلك السبي أم الشعبي وقعت لرجل من بني عبس فولدت فمات عنها فخلف شراحيل فولدت له عامرا ونشأ في بني عبس وقسمت الغنيمة وأصاب كل واحد من الفوارس تسعة آلاف وتسعة من الدواب وقيل إن الغنيمة كانت ثلاثين ألف ألف فقسمها سلمان بن ربيعة وبعث سعد بالأخماس إلى عمر وبعث الحساب مع زياد بن أبيه وكان الذي يكتب للناس ويدونهم فكلم عمر فيما جاء له ووصف له فقال عمر هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل ما كلمتني به فقال والله ما على الأرض شخص أهيب في صدري منك فكيف لا أقوى على هذا من غيرك فقام في الناس بما أصابوا وما صنعوا وبما يستأنفون من الانسياح في البلاد فقال عمر هذا الخطيب المصقع فقال إن جندنا أطلقوا بالفعال ألسنتنا

فلما قدم الخمس على عمر قال والله لا يجنه سقف بيت حتى أقسمه فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن الأرقم يحرسانه في صحن المسجد فلما أصبح جاء في الناس فكسف عنه جلابيبه وهي النطاع فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وجوهره بكى فقال له عبد الرحمن بن عوف ما يبكيك يا أمير المؤمنين فوالله إن هذا لموطن شكر فقال عمر والله ما ذلك يبكيني وبالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا ولا تحاسدوا إلا ألقى الله بأسهم بينهم ومنع عمر من قسمة السواد لتعذر ذلك بسبب الآجام والغياض وتبعيض المياه وما كان لبيوت النار ولسكك البرد وما كان لكسرى ومن جامعه ومن كان لمن قتل والأرحام وخاف أيضا الفتنة بين المسلمين فلم يقسمه ومنع من بيعه لأنه لم يقسم وأقروها حبيسا يولونها من اجمعوا عليه بالرضا وكانوا لا يجمعون إلا على الأمراء فلا يحل بيع شيء من أرض السواد ما بين حلوان والقادسية واشترى جرير أرضا على شاطئ الفرات فرد عمر ذلك الشراء وكرهه

ذكر فتح تكريب, والموصل ص 367

وفي هذه السنة فتحت تكريت في جمادى وسبب ذلك أن الأنطاق سار من الموصل إلى تكريت وخندق فيه عليه ليحمي أرضه ومعه الروم وإياد وتغلب والنمر والشهارجة فبلغ ذلك سعدا فكتب إلى عمر فكتب إليه عمر أن سرح إليه عبد الله بن المعتم واستعمل على مقدمته ربعي بن الأفكل وعلى ميمنته الحارث بن حسان الذهلي وعلى ميسرته فرات بن حبان العجلي وعلى ساقته هانئ بن قيس وعلى الخيل عرفجة بن هرثمة فسار عبد الله إلى تكريت ونزل على الأنطاق فحصره ومن معه أربعين يوما فتزاحفوا أربعة وعشرين زحفا وكانوا أهون شوكة وأسرع أمرا من أهل جلولاء وأرسل عبد الله بن المعتم إلى العرب الذين مع الأنطاق يدعوهم إلى نصرته على الروم وكانوا لا يخفون عليه شيئا ولما رأت الروم المسلمين ظاهرين عليهم تركوا أمراءهم ونقلوا متاعهم إلى السفن فأرسلت تغلب وإياد والنمر إلى عبد الله بالخبر وسألوه الأمان وأعلموه أنهم معه فأرسل إليهم إن كنتم صادقين بذلك فأسلموا فأجابوه وأسلموا فأرسل إليهم عبد الله إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا أنا أخذنا أبواب الخندق فخذوا الأبواب التي تلي دجلة وكبروا واقتلوا من قدرتم عليه

ونهد عبد الله والمسلمون وكبروا وكبرت تغلب وإياد والنمر وأخذوا الأبواب فظن الروم أن المسلمين قد أتوهم من خلفهم مما يلي دجلة فقصدوا الأبواب التي عليها المسلمون وأخذتهم سيوف المسلمين وسيوف الربعيين الذين أسلموا تلك الليلة فلم يفلت من أهل الخندق إلا من أسلم من تغلب وإياد والنمر وأرسل عبد الله بن المعتم ربعي بن الأفكل إلى الحصنين وهما نينوى والموصل فسمى نينوى الحصن الشرقي وسمى الموصل الحصن الغربي وقال أسبق الخبر وسر ما دون القيل وأحيي الليل وسرح ومعه تغلب وإياد والنمر فقدمهم ابن الأفكل إلى الحصنين فسبقوا الخبر وأظهروا الظفر والغنيمة وبشروهم ووقفوا بالأبواب وأقبل ابن الأفكل فاقتحم عليهم الحصنين وكلبوا أبوابهما فنادوا بالإجابة إلى الصلح وصاروا ذمة وقسموا الغنيمة فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف درهم وسهم الراجل ألف درهم وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان وبالفتح مع الحارث بن حسان إلى عمر

وولى حرب الموصل ربعي بن الأفكل والخراج عرفجة بن هرثمة وقيل إن عمر بن الخطاب استعمل عتبة بن فرقد على قصد الموصل وفتحها سنة عشرين فأتاها فقاتله أهل نينوى فأخذ حصنها وهو الشرقي عنوة وعبر دجلة فصالحه أهل الحصن الغربي وهو الموصل على الجزية ثم فتح المرج وبانهذرا وباعذرا وحبتون وداس وجميع معاقل الأكراد وقردي وبازبدي وجميع أعمال الموصل فصارت للمسلمين

وقيل إن عياض بن غنم لما فتح بلدا على ما نذكره أتى الموصل ففتح أحد الحصنين وبعث عتبة بن فرقد إلى الحصن الآخر ففتحه على الجزية والخراج والله أعلم

المعتم بضم الميم وسكون العين المهملة وآخره ميم مشددة

ذكر فتح ما سبذان ص 368

ولما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن بلغ سعدا أن آذين بن الهرمزان قد جمع جمعا وخرج بهم إلى السهل فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر ابعث إليهم ضرار بن الخطاب في جند واجعل على مقدمته ابن الهذيل الأسدي وعلى مجنبتيه عبد الله بن وهب الراسبي والمضارب بن فلان العجلي فأرسل إليهم ضرار بن الخطاب في جيش فالتقوا بسهل ما سبذان فاقتتلوا فأسرع المسلمون في المشركين وأخذ ضرار آذين أسيرا فضرب رقبته ثم خرج في الطلب حتى انتهى إلى السيروان فأخذ ما سبذان عنوة فهرب أهلها في الجبال فدعاهم فاستجابوا له وأقام بها حتى تحول سعد إلى الكوفة فأرسل إليه فنزل الكوفة واستخلف على ما سبذان ابن الهذيل الأسدي فكانت أحد فرزج الكوفة وقيل إن فتحها كان بعد وقعة نهاوند

ذكر فتح قرقيسيا ص 369

ولما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى المدائن وقد اجتمعت جموع أهل الجزيرة فأمدوا هرقل على أهل حمص وبعثوا جندا إلى أهل هيت وكتب بذلك سعد إلى عمر فكتب إليه عمر أن ابعث إليهم عمر بن مالك في جند وعلى مقدمته الحارث وعلى مجنبتيه ربعي بن عامر ومالك بن حبيب

فأرسل سعد عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف في جند وجعل على مقدمته الحارث بن يزيد العامري فخرج عمر بن مالك في جنده نحو هيت فنازل من بها وقد خندقوا عليهم فلما رأى عمر بن مالك اعتصامهم بخندقهم ترك الأخبية على حالها وخلف عليهم الحارث بن يزيد يحاصرهم وخرج في نصف الناس فجاء قرقيسيا على غرة فأخذها عنوة فأجابوا إلى الجزية وكتب إلى الحارث بن يزيد إن هم استجابوا فخل عنهم فليخرجوا وإلا فخندق على خندقهم خندقا أبوابه مما يليك حتى أرى رأيي فراسلهم الحارث فأجابوا إلى العود إلى بلادهم فتركهم وسار الحارث إلى عمر بن مالك

وفيها غرب عمر بن الخطاب أبا محجن الثقفي إلى ناصع

وفيها تزوج ابن عمر صفية بنت أبي عبيد أخت المختار وفيها حمى عمر الربذة لخيل المسلمين وفيها ماتت مارية أم إبراهيم ابن رسول الله وصلى عليها عمر ودفنها بالبقيع في المحرم وفيها كتب عمر التاريخ بمشورة علي بن أبي طالب وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب واستخلف على المدينة زيد بن ثابت وكان عماله على البلاد كانوا في السنة قبلها وكان على حرب الموصل ربعي بن الأفكل وعلى خراجها عرفجة بن هرثمة وقيل كان على الحرب والخراج بها عتبة بن فرقد وقيل كان ذلك كله إلى عبد الله بن المعتم وعلى الجزيرة عياض بن غنم

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.