الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
14

ثم دخلت سنة ثمان عشرة

الجزء الثاني 3 عنصر صفحة 395
ذكر القحط وعام الرمادة ص 395

في سنة ثمان عشرة أصاب الناس مجاعة شديدة وجدب وقحط وهو عام الرمادة وكانت الريح تسفي ترابا كالرمادة فسمي عام الرمادة واشتد الجوع حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قبحها

وفيه أيضا طاعون عمواس

وفيه ورد كتاب أبي عبيدة على عمر يذكر فيه أن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب منهم ضرار وأبو جندل فسألناهم فتأولوا وقالوا خيرنا فاخترنا قال فهل أنتم منتهون ولم يعزم علينا فكتب إليه عمر إنما معناه فانتهوا وقال له ادعهم على رؤوس الناس وسلهم أحلال الخمر أم حرام فإن قالوا حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين وإن قالوا حلال فاضرب أعناقهم

فسألهم فقالوا بل حرام فجلدهم وندموا على لجاجتهم وقال ليحدثن فيكم يا أهل الشام حدث فحدث عام الرمادة

وأقسم عمر أن لا يذوق سمنا ولا لبنا ولا لحما حتى يحيا الناس فقدمت السوق عكة سمن ووطب من لبن فاشتراهما غلام لعمر بأربعين درهما ثم أتى عمر فقال يا أمير المؤمنين قد أبر الله يمينك وعظم أجرك قدم السوق وطب من لبن وعكة من سمن ابتعتهما بأربعين درهما

فقال عمر أغليت بهما فتصدق بهما فإني أكره أن آكل إسرافا وقال كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يصبني ما أصابهم

وكتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومن حولها ويستمدهم فكان أول من قدم عليه أبو عبيدة بن الجراح بأربعة آلاف راحلة من طعام فولاه قسمتها فيمن حول المدينة فقسمها فلما فرغ ورجع إليه أمر له بأربعة آلاف درهم فقال لا حاجة لي فيها يا أمير المؤمنين إنما أردت الله وما قبله فلا تدخل على الدنيا

فقال خذها فلا بأس بذلك إذ لم تطلبه

فأبى وكرر ذلك مرارا فقبل أبو عبيدة وانصرف إلى عمله وتتابع الناس واستغنى أهل الحجاز وأصلح عمرو بن العاص بحر القلزم وأرسل فيه الطعام إلى المدينة فصار الطعام بالمدينة كسعر مصر ولم ير أهل المدينة بعد الرمادة مثلها حتى حبس عنهم البحر مع مقتل عثمان فذلوا وتقاصروا وكان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل الأمصار فقال أهل بيت من مزينة لصاحبهم وهو بلال بن الحارث قد هلكنا فاذبح لنا شاة قال ليس فيهن شيء فلم يزالوا به حتى ذبح فسلخ عن عظم أحمر فنادى يا محمداه فأرى في المنام أن رسول الله أتاه فقال أبشر بالحياة ائت عمر فأقرئه مني السلام وقل له إني عهدتك وأنت وفي العهد شديد العقد فالكيس الكيس يا عمر

فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه استأذن لرسول رسول الله فأتى عمر فأخبره ففزع وقال رأيت به مسا قال لا قال فأدخله فدخل وأخبره الخبر فخرج فنادى في الناس وصعد المنبر فقال نشدتكم الله الذي هداكم هل رأيتم مني شيئا تكرهونه

قالوا اللهم لا ولم ذاك فأخبرهم ففطنوا ولم يفطن عمر فقالوا إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا فنادى في الناس وخرج معه العباس ماشيا فخطب وأوجز وصلى ثم جثا لركبتيه وقال اللهم عجزت عنا أنصارنا وعجز عنا حولنا وقوتنا وعجزت عنا أنفسنا ولا حول ولا قوة إلا بك اللهم أسقنا وأحي العباد والبلاد

وأخذ بيد العباس بن عبد المطلب عم رسول الله وإن دموع العباس لتتحادر على لحيته فقال اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك وبقية آبائه وأكبر رجاله فإنك تقول وقوله الحق وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة فحفظتهما بصلاح آبائهما فاحفظ اللهم نبيك في عمه فقد دلونا به إليك مستشفعين مستغفرين

ثم أقبل على الناس فقال استغفروا ربكم إنه كان غفارا

وكان العباس قد طال عمره وعيناه تذرفان ولحيته تجول على صدره وهو يقول اللهم أنت الراعي فلا تهمل الضالة ولا تدع الكسير بدار مضيعة فقد صرخ الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر وأخفى اللهم فأغنهم بغناك قبل أن يقنطوا فيهلكوا فإنه لا ييأس إلا القوم الكافرون

فنشأت طريرة من سحاب فقال الناس ترون ترون ثم التأمت ومشت فيها ريح ثم هدأت ودرت فوالله ما تروحوا حتى اعتنقوا الجدار وقلصوا المآزر فطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ويقولون هنيئا لك ساقي الحرمين فقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب

( بعمي سقى الله الحجاز وأهله % عشية يستسقي بشيبته عمر )

( توجه بالعباس في الجدب راغبا % إليه فما أن رام حتى أتى المطر )

( ومنا رسول الله فينا تراثه % فهل فوق هذه للمفاخر مفتخر )

ذكر طاعون عمواس ص 398

في هذه السنة كان طاعون عمواس بالشام فمات فيه أبو عبيدة بن الجراح وهو أمير الناس ومعاذ بن جبل ويزيد بن أبي سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعتبة بن سهيل وعامر بن غيلان الثقفي مات وأبوه حي وتفانى الناس منه

قال طارق بن شهاب أتينا أبا موسى في داره بالكوفة نتحدث عنده فلما جلسنا فقال لا عليكم أن تخفقوا فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم ولا عليكم أن تنزعوا من هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها حتى يرفع هذا الوباء وسأخبركم بما يكره ويتقى من ذلك أن يظن من خرج أنه لو أقام مات ويظن من أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يصبه فإذا لم يظن المسلم هذا فلا عليه أن يخرج

إني كنت مع أبي عبيدة بالشام عام طاعون عمواس فلما اشتعل الوجع وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه أن سلام عليك أما بعد فقد عرضت لي حاجة أريد أن أشافهك فيها فعزمت عليك إذا أنت نظرت في كتابي هذا ألا تضعه من يدك حتى تقبل إلي فعرف أبو عبيدة ما أراد فكتب إليه يا أمير المؤمنين قد عرفت حاجتك إلي وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله في وفيهم أمره وقضاءه فخللني من عزيمتك

فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقال الناس يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة فقال لا وكأن قد

وكتب إليه عمر ليرفعن بالمسلمين من تلك الأرض فدعا أبا موسى فقال له ارتد للمسلمين منزلا قال فرجعت إلى منزلي لأرتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت فرجعت إليه فقلت له والله لقد كان في أهلي حدث

فقال لعل صاحبتك أصيبت قلت نعم قال فأمر ببعيره فرحل له فلما وضع رجله في غرزه طعن فقال والله لقد أصبت ثم سار بالناس حتى نزل الجابية

وكان أبو عبيدة قد قام في الناس خطيبا فقال أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم وإن أبا عبيدة سأل الله أن يقسم له منه حظه فطعن فمات واستخلف على الناس معاذ بن جبل فقام خطيبا بعده فقال أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم وإن معاذا يسأل الله أن يقسم لآل معاذ حظهم فطعن ابنه عبد الرحمن فمات

ثم قام فدعا به لنفسه فطعن في راحته فلقد كان يقبلها ثم يقول ما أحب أن لي بما فيك شيئا من الدنيا

فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص فقام خطيبا في الناس فقال أيها الناس إن هذا الوجع وقع فإنما يشتعل اشتعال النار فتجبلوا منه في الجبال

فقال أبو وائلة الهذلي كذبت والله لقد صحبت رسول الله وأنت شر من حماري هذا قال والله ما أرد عليك ما تقول وأيم الله لا نقيم عليه فخرج بالناس إلى الجبال ورفعه الناس عنهم فلم يكره عمر ذلك من عمرو

وقد قيل إن عمر بن الخطاب قدم الشام فلما كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد فيهم أبو عبيدة بن الجراح فأخبروه بالوباء وشدته وكان معه المهاجرون والأنصار خرج غازيا فجمع المهاجرين الأولين والأنصار فاستشارهم فاختلفوا عليه فمنهم القائل خرجت لوجه الله فلا يصدك عنه هذا ومنهم القائل أنه بلاء وفناء فلا نرى أن نقدم عليه

فقال لهم قوموا عني ثم أحضر مهاجرة الفتح من قريش فاستشارهم فلم يختلفوا عليه وأشاروا بالعود فنادى عمر في الناس إني مصبح على ظهر فقال أبو عبيدة أفرارا من قدر الله فقال نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما مخصبة والأخرى مجدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله

فسمع بهم عبد الرحمن بن عوف فقال إن النبي قال ( إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه وإذا وقع ببلد وأنتم به فلا تخرجوا فرارا منه )

فانصرف عمر بالناس إلى المدينة

وهذه الرواية أصح فإن البخاري ومسلما أخرجاها في صحيحيهما ولأن أبا موسى كان هذه السنة بالبصرة ولم يكن بالشام لكن هكذا ذكره وإنما أوردناه لننبه عليه

عمواس بفتح العين المهملة والميم والواو بعد الألف سين مهملة

وسرغ بفتح السين المهملة وسكون الراء المهملة وآخره غين معجمة

ومعنى قوله دعوة نبيكم حين جاءه جبريل فقال فناء أمتك بالطعن أو الطاعون فقال رسول الله فبالطاعون

ولما هلك يزيد بن أبي سفيان استعمل عمر أخاه معاوية بن أبي سفيان على دمشق وخراجها واستعمل شرحبيل بن حسنة على جند الأردن وخراجها وأصاب الناس من الموت ما لم يروا مثله قط وطمع له العدو في المسلمين لطول مكثه مكث شهورا وأصاب الناس بالبصرة مثله

وكان عدة من مات في طاعون عمواس خمسة وعشرين ألفا

ذكر قدوم عمر إلى الشام بعد الطاعون ص 400

لما هلك الناس في الطاعون كتب أمراء الأجناد إلى عمر بما في أيديهم من المواريث فجمع الناس واستشارهم وقال لهم لقد بدا لي أن أطوف على المسلمين في بلدانهم لأنظر في آثارهم فأشيروا علي

وفي القوم كعب الأحبار وفي تلك السنة أسلم فقال كعب يا أمير المؤمنين بأيها تريد أن تبدأ قال بالعراق قال فلا تفعل فإن الشر عشرة أجزاء تسعة منها بالمشرق وجزء بالمغرب والخير عشرة أجزاء تسعة بالمغرب وجزء بالمشرق وبها قرن الشيطان وكل داء عضال

فقال علي يا أمير المؤمنين إن الكوفة للهجرة بعد الهجرة وإنها لقبة الإسلام ليأتينها يوم لا يبقى مسلم إلا وحن إليها لينتصرن بأهلها كما انتصر بالحجارة من قوم لوط

فقال عمر إن مواريث أهل عمواس قد ضاعت فأبدأ بالشام فأقسم المواريث وأقيم لهم ما في نفسي ثم أرجع فأتقلب في البلاد وأبدي إليهم أمري

فسار عن المدينة واستخلف عليها علي بن أبي طالب واتخذ أيلة طريقا فلما دنا منها ركب بعيره وعلى رحله فرو مقلوب وأعطى غلامه مركبه فلما تلقاه الناس قالوا أيم أمير المؤمنين قال أمامكم يعني نفسه فساروا أمامهم وانتهى هو إلى أيلة فنزلها وقيل للمتلقين قد دخل أمير المؤمنين إليها ونزلها فرجعوا إليه وأعطى عمر الأسقف بها قميصه وقد تخرق ظهره ليغسله ويرقعه ففعل وأخذه ولبسه وخاط له الأسقف قميصا غيره فلم يأخذه فلما قدم الشام قسم الأرزاق وسمى الشواتي والصوائف وسد فروج الشام ومسالحها وأخذ يدورها واستعمل عبد الله بن قيس على السواحل من كل كورة واستعمل معاوية وعزل شرحبيل بن حسنة وقام يعذره في الناس وقال إني لم أعزله عن سخطة ولكني أريد رجلا أقوى من رجل

واستعمل عمرو بن عتبة على الأهراء وقسم مواريث أهل عمواس فورث بعض الورثة من بعض وأخرجها إلى الحياء من ورثة كل منهم وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهل بيته فلم يرجع منهم إلا أربعة ورجع عمر إلى المدينة في ذي القعدة

ولما كان بالشام وحضرت الصلاة قال له الناس لو أمرت بلالا فأذن فأمره فأذن فما بقي أحد كان أدرك النبي وبلال يؤذن له إلا وبكى حتى بل لحيته وعمر أشدهم بكاء وبكى من لم يدركه ببكائهم ولذكرهم رسول الله

قال الواقدي إن الرها وحران والرقة فتحت هذه السنة على يد عياض بن غنم وإن عين الوردة وهي رأس عين فتحت فيها على يد عمير بن سعد وقد تقدم شرح فتحها

وفي هذه السنة في ذي الحجة حول عمر المقام إلى موضعه اليوم وكان ملصقا بالبيت

وفيها استقضى عمر شريح بن الحارث الكندي على الكوفة وعلى البصرة كعب بن سور الأزدي وكانت الولاة على الأمصار الولاة الذين كانوا عليها في السنة قبلها

وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.