وقيل إن الكوفة مصرها سعد بن أبي وقاص في هذه السنة دلهم على موضعها ابن بقيلة قال لسعد أدلك على أرض لله ارتفعت عن البقعة وانحدرت عن الفلاة فدله على موضعها وقيل غير ذلك ويأتي ذكره
ثم دخلت سنة خمس عشرة
في هذه السنة كانت الوقعة بمرج الروم وكان سبب ذلك أن أبا عبيدة وخالد بن الوليد سارا بمن معهما من فحل قاصدين حمص فنزلا على ذي كلاع وبلغ الخبر هرقل فبعث توذر البطريق حتى نزل بمرج الروم غرب دمشق ونزل أبو عبيدة بمرج الروم أيضا وقد هجم الشتاء عليهم والجراح فيهم فاشية ونازله يوم نزول شنش الرومي في مثل خيل توذر أمدادا لتوذر وردءا لأهل حمص فلما نزل أصبحت الأرض من توذر بلاقع وكان خالد بإزاءه وأبو عبيدة بإزاء شنش وسار توذر يطلب دمشق فسار خالد وراءه في جريدة وبلغ يزيد بن أبي سفيان فعل توذر فاستقبله فاقتتلوا ولحق بهم خالد وهم يقتتلون فأخذهم من خلفهم ولم يفلت منهم إلا الشريد وغنم المسلمون ما معهم فقسمه يزيد في أصحابه وأصحاب خالد وعاد يزيد إلى دمشق ورجع خالد إلى أبي عبيدة وقد قتل توذر
وقاتل أبو عبيدة بعد مسير خالد شنش فاقتتلوا بمرج الروم فقتلت الروم مقتلة عظيمة وقتل أبو عبيدة شنش وامتلأ المرج من قتلاهم فأنتنت منهم الأرض وتبعهم المسلمون إلى حمص فلما بلغ هرقل ذلك أمر بطريق حمص بالمسير إليها وسار هو إلى الرها وسار أبو عبيدة إلى حمص
| ذكر فتح حمص وبعلبك وغيرهما
فلما فرغ أبو عبيدة من دمشق سار إلى حمص فسلك طريق بعلبك فحاصرها فطلب أهلها الأمان فأمنهم وصالحهم وسار عنهم فنزل على حمص ومعه خالد وقيل إنما سار المسلمون إلى حمص من مرج الروم وقد تقدم ذكره فلما نزلوها قاتلوا أهلها فكانوا يغادونهم القتال ويراوحونهم في كل يوم بارد ولقي المسلمون بردا شديدا ولقي الروم حصارا طويلا فصبر المسلمون والروم وكان هرقل قد أرسل إلى أهل حمص يعدهم المدد وأمر أهل الجزيرة جميعها بالتجهز إلى حمص فساروا نحو الشام ليمنعوا حمص عن المسلمين فسير سعد بن أبي وقاص السرايا من العراق إلى هيت وحصروها وسار بعضهم إلى قرقيسيا فتفرق أهل الجزيرة وعادوا عن نجدة أهل حمص فكان أهلها يقولون تمسكوا بمدينتكم فإنهم حفاة فإذا أصابهم البرد تقطعت أقدامهم فكانت أقدام الروم تسقط ولا يسقط للمسلمين إصبع فلما خرج الشتاء قام شيخ من الروم فدعاهم إلى مصالحة المسلمين فلم يجيبوه وقام آخر فلم يجيبوه فناهدهم المسلمون فكبروا تكبيرة فانهدم كثير من دور حمص وزلزلت حيطانهم فتصدعت فكبروا ثانية فأصابهم أعظم من ذلك فخرج أهلهم إليهم يطلبون الصلح ولا يعلم المسلمون بما حدث فيهم فأجابوهم وصالحوهم على صلح دمشق
وأنزلها أبو عبيدة السمط بن الأسود الكندي في بني معاوية والأشعث بن ميناس في السكون والمقداد في بلى وأنزلها غيرهم وبعث بالأخماس إلى عمر مع عبد الله بن مسعود وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن أقم بمدينتك وادع أهل القوة والجلد من عرب الشام فغني غير تارك البعثة إليك
ثم استخلف أبو عبيدة على حمص عبادة بن الصامت وسار إلى حماة فتلقاه أهلها 340
ثم أرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى قنسرين فلما نزل الحاضر زحف إليهم الروم وعليهم ميناس وكان من اعظم الروم بعد هرقل فاقتتلوا فقتل ميناس ومن معه مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها فماتوا على دم واحد وأما أهل الحاضر فأرسلوا إلى خالد أنهم عرب وأنهم إنما حشروا ولم يكن من رأيهم حربه فقبل منهم
وسار خالد حتى نزل على قنسرين فتحصنوا منه فقال إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا
فنظروا في أمرهم ورأوا ما لقي أهل حمص فصالحوهم على صلح حمص فأبى خالد إلا على خراب المدينة فأخربها فعند ذلك دخل هرقل القسطنطينية وسببه أن خالدا وعياضا أدربا إلى هرقل من الشام وأدرب عمر بن مالك من الكوفة فخرج من ناحية قرقيسيا وأدرب عبد الله بن المعتم من ناحية الموصل ثم رجعوا فعندها دخل هرقل القسطنطينية وكانت هذه أول مدربة في الإسلام سنة خمس عشرة وقيل ست عشرة فلما بلغ عمر صنيع خالد قال أمر خالد نفسه يرحم الله أبا بكر هو كان أعلم بالرجال مني وقد كان عزله والمثنى بن حارثة وقال إني لم أعزلهما عن ريبة ولكن الناس عظموهما فخشين أن يوكلوا إليهما
فأما المثنى فإنه رجع عن رأيه فيه لما قام بعد أبي عبيدة ورجع عن خالد بعد قنسرين وأما هرقل فإنه أخرج من الرها
وكان أول من أنبح كلابها ونفر دجاجها من المسلمين زياد بن حنظلة وكان من الصحابة
وسار هرقل فنزل بشمشاط ثم أدرب منها نحو القسطنطينية فلما أراد المسير منها علا على نشز ثم التفت إلى الشام فقال
السلام عليك يا سورية سلام لا اجتماع بعده ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا حتى يولد المولود المشؤوم ويا ليته لا يولد فما أحلى فعله وأمر فتنته على الروم
ثم سار فدخل القسطنطينية وأخذ أهل الحصون التي بين اسكندرية وطرسوس معه لئلا يسير المسلمون في عمارة بين أنطاكية وبلاد الروم وشعث الحصون فكان المسلمون لا يجدون بها أحدا وربما كمن عندها الروم فأصابوا غرة المتخلفين فاحتاط المسلمون لذلك
لما فرغ أبو عبيدة من قنسرين سار إلى حلب فبلغه أن أهل قنسرين نقضوا وغدروا فوجه إليهم السمط الكندي فحصرهم وفتحها وأصاب فيها بقرا وغنما فقسم بعضه في جيشه وجعل بقيته في المغنم
ووصل أبو عبيدة إلى حاضر حلب وهو قريب منها فجمع أصنافا من العرب فصالحهم أبو عبيدة على الجزية ثم أسلموا بعد ذلك واتى حلب وعلى مقدمته عياض بن غنم الفهري فتحصن أهلها وحصرهم المسلمون فلم يلبثوا أن طلبوا الصلح والأمان على أنفسهم وأولادهم ومدينتهم وكنائسهم وحصنوا فأعطوا ذلك واستثنى عليهم موضع المسجد وكان الذي صالحهم عياض فأجاز أبو عبيدة ذلك
وقيل صولحوا على أن يقاسموا منازلهم وكنائسهم وقيل إن أبا عبيدة لم يصادف بحلب أحدا لأن أهلها انتقلوا إلى أنطاكية وراسلوا في الصلح فلما تم ذلك رجعوا إليها وسار أبو عبيدة من حلب إلى أنطاكية وقد تحصن بها كثير من الخلق من قنسرين وغيرها فلما فارقها لقيه جمع العدو فهزمهم فألجأهم إلى المدينة وحاصرها من جميع نواحيها ثم إنهم صالحوه على الجلاء أو الجزية فجلا بعض وأقام بعض فأمنهم ثم نقضوا فوجه أبو عبيدة إليهم عياض بن غنم وحبيب بن مسلمة ففتحاها على الصلح الأول وكانت أنطاكية عظيمة الذكر عند المسلمين فلما فتحت كتب عمر
إلى أبي عبيدة أن رتب بأنطاكية جماعة من المسلمين واجعلهم بها مرابطة ولا تحبس عنهم العطاء
وبلغ أبا عبيدة أن جمعا من الروم بين معرة مصرين وحلب فسار إليهم فلقيهم فهزمهم وقتل عدة بطارقة وسبى وغنم وفتح معرة مصرين على مثل صلح حلب وجالت خيوله فبلغت بوقا وفتحت قرى الجومة وسرمين وبيرين وغلبوا على جميع أرض قنسرين وأنطاكية
ثم أتى أبو عبيدة حلب وقد التاث أهلها فلم يزل بهم حتى أذعنوا وفتحوا المدينة
وسار أبو عبيدة يريد قورس وعلى مقدمته عياض فلقيه راهب من رهبانها يسأله الصلح فبعث به إلى أبي عبيدة فصالحه على صلح أنطاكية وبث خيله فغلب على جميع أرض قورس وفتح تل عزاز وكان سلمان بن ربيعة الباهلي في جيش أبي عبيدة فنزل في حصن بقورس فنسب إليه فهو يعرف بحصن سلمان
ثم سار أبو عبيدة إلى منبج وعلى مقدمته عياض فلحقه وقد صالح أهلها على مثل صلح أنطاكية وسير عياضا إلى ناحية دلوك ورعبان فصالحه أهلها على مثل منبج واشترط عليهم أن يخبروا المسلمين بخبر الروم وولى أبو عبيدة كل كورة فتحها عاملا وضم إليه جماعة وشحن النواحي المخوفة وسار إلى بالس وبعث جيشا مع حبيب بن مسلمة إلى قاصرين فصالحهم أهلها على الجزية أو الجلاء فجلا أكثرهم إلى بلد الروم وأرض الجزيرة وقرية جسر منبج ولم يكن الجسر يومئذ وإنما اتخذ في خلافة عثمان للصوائف وقيل بل كان له رسم قديم واستولى المسلمون على الشام من هذه الناحية إلى الفرات
وعاد أبو عبيدة إلى فلسطين وكان بجبل اللكام مدينة يقال لها جرجرومة وأهلها يقال لهم الجراجمة فسار حبيب بن مسلمة إليها من أنطاكية فافتتحها صلحا على أن يكونوا أعوانا للمسلمين
وفيها سير أبو عبيدة بن الجراح جيشا مع ميسرة بن مسروق العبسي فسلكوا درب بغراس من أعمال أنطاكية إلى بلاد الروم وهو أول من سلك ذلك الدرب فلقي جمعا للروم معهم عرب من غسان وتنوخ وإياد يريدون اللحاق بهرقل فأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة ثم لحق به مالك الأشتر النخعي مددا من قبل أبي عبيدة وهو بأنطاكية فسلموا وعادوا
وسير جيشا آخر إلى مرعش مع خالد بن الوليد ففتحها على إجلاء أهلها بالأمان وأخربها وسير جيشا آخر مع حبيب بن مسلمة إلى حصن الحدث وإنما سمي الحدث لأن المسلمين لقوا عليه غلاما حدثا فقاتلهم في أصحابه فقيل درب الحدث وقيل لأن المسلمين أصيبوا به فقيل درب الحدث وقيل لأن المسلمين أصيبوا به فقيل درب الحدث وكان بنو أمية يسمونه درب السلامة لهذا المعنى
في هذه السنة فتحت قيسارية وقيل سنة تسع عشرة وقيل سنة عشرين
وكان سببها أن عمر كتب إلى يزيد بن أبي سفيان أن يرسل معاوية إلى قيسارية وكتب عمر إلى معاوية يأمره بذلك فسار معاوية إليها فحصر أهلها فجعلوا يزاحفونه وهو يهزمهم ويردهم إلى حصنهم ثم زاحفوه آخر ذلك مستميتين وبلغت قتلاهم في المعركة ثمانين ألفا وكملها في هزيمتهم مائة ألف وفتحها وكان علقمة بن مجزز قد حصر القيقار بغزة وجعل يراسله فلم يشفه أحد بما يريد فأتاه كأنه رسول علقمة فأمر القيقار رجلا أن يقعد له في الطريق فإذا مر به قتله ففطن علقمة فقال إن معي نفرا يشركونني في الرأي فأنطلق فآتيك بهم فبعث القيقار إلى ذلك الرجل أن لا يعرض له فخرج علقمة من عنده فلم يعد وفعل كما فعل عمرو بالأرطبون
مجزز بجيم وزايين الأولى مكسورة
ولما انصرف أبو عبيدة وخالد إلى حمص نزل عمرو وشرحبيل على أهل بيسان فافتتحاها وصالحا أهل الأردن واجتمع عسكر الروم بغزة وأجنادين وبيسان
وسار عمرو وشرحبيل إلى الأرطبون ومن معه وهو بأجنادين واستخلف على الأردن أبا الأعور فنزل بالأرطبون ومعه الروم وكان الأرطبون أدهى الروم وأبعدها غورا وأنكاها فعلا وكان قد وضع بالرملة جندا عظيما وبإيلياء جندا عظيما وكتب إلى عمر بالخبر فلما بلغ عمر بن الخطاب الخبر قال قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب فانظروا عم تنفرج
وكان معاوية قد شغل أهل قيسارية عن عمرو وكان عمرو قد جعل علقمة بن حكيم الفراسي ومسروق بن فلان العكي على قتال أهل إيلياء فشغلوا من به عنه وجعل أيضا أبا أيوب المالكي على من بالرملة فشغلهم عنه وتتابعت الأمداد من عند عمر إلى عمرو وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على شيء ولا تشفيه الرسل فسار إليه بنفسه فدخل عليه كأنه رسول فأبلغه ما يريد وسمع كلامه وتأمل حصونه حتى عرف ما أراد ففطن به الأرطبون وقال لا شك أن هذا هو الأمير أو من يأخذ الأمير برأيه وما كنت لأصيب القوم بأمر أعظم عليهم من قتله فأمر إنسانا أن يقعد على طريقه ليقتله إذا مر بي وفطن عمرو لفعله فقال له قد سمعت مني وسمعت منك وقد وقع قولك مني موقعا وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب إلى هذا الوالي لنكانفه ويشهدنا أموره فأرجع فآتيك بهم الآن فإن رأوا الذي عرضت علي الآن فقد رآه الأمير وأهل العسكر وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم وكنت على رأس أمرك فقال نعم ورد الرجل الذي أمر بقتله وقال لعمرو انطلق وجئ بأصحابك
فخرج عمرو من عنده ورأى أن لا يعد لمثلها وعلم الرومي أنها خدعة اختدعه بها فقال خدعني الرجل هذا أدهى الخلق
وبلغت خديعته عمر بن الخطاب فقال لله در عمرو وعرف عمرو مأخذه فلقيه فاقتتلوا بأجنادين قتالا شديدا كقتال اليرموك حتى كثرت القتلى بينهم وانهزم أرطبون إلى إيلياء ونزل عمرو أجنادين وأفرج المسلمون الذين يحاصرون بيت المقدس لأرطبون فدخل إيلياء وأزاح المسلمين عنه إلى عمرو
وقد تقدم ذكر وقعة أجنادين على قول من يجعلها قبل اليرموك وسياقها على غير هذه السياقة فلهذا ذكرناها هنالك وها هنا
في هذه السنة فتح بيت المقدس وقيل سنة ست عشرة في ربيع الأول وسبب ذلك أنه لما دخل أرطبون إيلياء فتح عمرو غزة وقيل كان فتحها في خلافة أبي بكر ثم فتح سبسطية وفيها قبر يحيى بن زكريا عليه السلام وفتح نابلس بأمان على الجزية وفتح مدينة لد ثم فتح تبني وعمواس وبيت جبرين وفتح يافا وقيل فتحها معاوية وفتح عمرو مرج عيون فلما تم له ذلك أرسل إلى أرطبون رجلا يتكلم بالرومية وقال له اسمع ما يقول وكتب معه كتابا
فوصل الرسول ودفع الكتاب إلى أرطبون وعنده وزراؤه فقال أرطبون لا يفتح والله عمرو شيئا من فلسطين بعد أجنادين
فقالوا له من أين علمت هذا فقال صاحبها رجل صفته كذا وكذا وذكر صفة عمر
فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره الخبر فكتب إلى عمر بن الخطاب يقول إن أعالج عدوا شديدا وبلادا قد أدخرت لك فرأيك
فعلم عمر أن عمرا لم يقل ذلك إلا بشيء سمعه فسار عمر عن المدينة
وقيل كان سبب قدوم عمر إلى الشام أن أبا عبيدة حصر بيت المقدس فطلب أهله منه أن يصالحهم على صلح أهل مدن الشام وأن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب فكتب إليه بذلك فسار عن المدينة واستخلف عليها علي بن أبي طالب فقال له علي أين تخرج بنفسك إنك تريد عدوا كلبا
فقال عمر أبادر بالجهاد قبل موت العباس إنكم لو فقدتم العباس لأنتقض بكم الشر كما ينتقض الحبل
فمات العباس لست سنين من خلافة عثمان فانتقض بالناس الشر
وسار عمر فقدم الجابية على فرس وجميع ما قدم الشام أربع مرات الأولى على فرس والثانية على بعير والثالثة على بغل ورجع لأجل الطاعون والرابعة على حمار وكتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوا بالجابية ليوم سماه لهم في المجردة ويستخلفوا على أعمالهم فلقوه حيث رفعت لهم الجابية
فكان أول من لقيه يزيد وأبو عبيدة ثم خالد على الخيول عليهم الديباج والحرير فنزل وأخذ الحجارة ورماهم بها وقال
ما أسرع ما رجعتم عن رأيكم إياي تستقبلون في هذا الزي وإنما شبعتم مذ سنتين وبالله لو فعلتم هذا على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم فقالوا يا أمير المؤمنين إنها يلامقة وإن علينا السلاح قال فنعم إذن
وركب حتى دخل عليه الجابية وعمرو وشرحبيل كأنهما لم يتحركا من مكانهما فلما قدم عمر الجابية قال له رجل من اليهود يا أمير المؤمنين إنك لا ترجع إلى بلادك حتى يفتح الله عليك إيلياء وكانوا قد شجعوا عمرا وأشجاهم ولم يقدر عليها ولا على الرملة فبينما عمر معسكر بالجابية فزع الناس إلى السلاح فقال ما شأنكم فقالوا ألا ترى إلى الخيل والسيوف
فنظر فإذا كردوس يلمعون بالسيوف فقال عمر مستأمنة فلا تراعوا فأمنوهم وإذا هم أهل إيلياء وحيزها فصالحهم على الجزية وفتحوها له
وكان الذي صالحه العوام من أهل إيلياء والرملة لأن أرطبون والتذارق دخلا مصر لما وصل عمر إلى الشام وأخذوا كتابه على إيلياء وحيزها والرملة وحيزها فشهد ذلك اليهودي الصلح فسأله عمر عن الدجال وكان كثير السؤال عنه فقال له وما مسألتك عنه يا أمير المؤمنين أنتم والله معشر العرب تقتلونه دون باب لد ببضع عشرة ذراعا
وأرسل عمر إليهم بالأمان وجعل علقمة بن حكيم على نصف فلسطين وأسكنه الرملة وجعل علقمة بن مجزز على نصفها الآخر وأسكنه إيلياء وضم عمرا وشرحبيل إليه بالجابية فلقياه راكبا فقبلا ركبته وضم كل واحد منهما محتضنهما
ثم سار إلى بيت المقدس من الجابية فركب فرسه فرأى به عرجا فنزل عنه وأتى ببرذون فركبه فجعل يتجلجل به فنزل وضرب وجهه وقال لا اعلم من علمك هذه الخيلاء ثم لم يركب برذونا قبله ولا بعده
وفتحت إيلياء وأهلها على يديه وقيل كان فتحها سنة ستة عشرة ولحق أرطبون ومن أبى الصلح من الروم بمصر فلما ملك المسلمون مصر قتل وقيل بل لحق بالروم فكان يكون على صوائفهم والتقى هو وصاحب صائفة المسلمين ومع المسلمين رجل من قيس يقال له ضريس فقطع يد القيسي وقتله القيسي فقال فيه
( فإن يكن أرطبون الروم أفسدها % فإن فيها بحمد الله منتفعا )
( وإن يكن أرطبون الروم قطعها % فقد تركت بها أوصاله قطعا )
وفي سنة عشرة فرض عمر للمسلمين الفروض ودون الدواوين وأعطى العطايا على السابقة وأعطى صفوان بن أمية والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو في أهل الفتح أقل ما أخذ من قبلهم فامتنعوا من أخذه وقالوا لا نعترف أن يكون أحد أكرم منا فقال إني إنما أعطيتكم على السابقة في الإسلام لا على الأحساب قالوا فنعم إذن وأخذوا
وخرج الحارث وسهيل بأهليهما نحو الشام فلم يزالا مجاهدين حتى أصيبا في بعض تلك الدروب وقيل ماتا في طاعون عمواس
ولما أراد عمر وضع الديوان قال له علي وعبد الرحمن بن عوف أبدا بنفسك قال لا بل أبدأ بعم رسول الله ثم الأقرب فالأقرب
ففرض للعباس وبدأ به ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف ثم فرض لمن بعد بدر إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر عن أهل الردة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف في ذلك من شهد الفتح وقاتل عن أبي بكر ومن ولى الأيام قبل القادسية كل هؤلاء ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف ثم فرض لأهل القادسية وأهل الشام ألفين ألفين
وفرض لأهل البلاء النازع منهم ألفين وخمسمائة ألفين وخمسمائة فقيل له لو ألحقت أهل القادسية بأهل الأيام فقال لم أكن لألحقهم بدرجة من لم يدركوا وقيل له قد سويت من بعدت داره بمن قربت داره وقاتلهم عن فنائه فقال من قربت داره أحق بالزيادة لأنهم كانوا أردءا للحتوف وشجى للعدو فهلا قال المهاجرون مثل قولكم حين سوينا بين السابقين منهم والأنصار فقد كانت نصرة الأنصار بفنائهم وهاجر إليهم المهاجرون من بعد
وفرض لمن بعده القادسية واليرموك ألفا ألفا ثم فرض للروادف المثنى خمسمائة خمسمائة ثم للروادف الليث بعدهم ثلاثمائة ثلاثمائة سوى كل طبقة في العطاء قويهم وضعيفهم عربهم وعجمهم وفرض للروادف الربيع على مائتين وخمسين وفرض لمن بعدهم وهم أهل هجر والعباد على مائتين
وألحق بأهل بدر أربعة من غير أهلها الحسن والحسين وأبا ذر وسلمان
وكان فرض للعباس خمسة وعشرين ألفا وقيل اثني عشر ألفا وأعطى نساء النبي عشرة آلاف عشرة آلاف إلا من جرى عليها الملك فقال نسوة رسول الله ما كان رسول الله يفضلنا عليهن في القسمة فسو بيننا ففعل وفضل عائشة بألفين لمحبة رسول الله إياها فلم تأخذ وجعل نساء أهل بدر في خمسمائة خمسمائة ونساء من بعدهم إلى الحديبية على أربعمائة أربعمائة ونساء من بعد ذلك إلى الأيام ثلاثمائة ثلاثمائة ونساء أهل القادسية مائتين مائتين ثم سوى بين النساء بعد ذلك وجعل الصبيان سواء على مائة مائة ثم جمع ستين مسكينا وأطعمهم الخبز فأحصوا ما أكلوا فوجدوه يخرج من جريبتين ففرض لكل إنسان منهم ولعياله جريبتين في الشهر
وقال عمر قبل موته لقد هممت أن أجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف ألفا يجعلها الرجل في أهله وألفا يزودها معه وألفا يتجهز بها وألفا يترفق بها فمات قبل أن يفعل وقال له قائل عند فرض العطاء يا أمير المؤمنين لو تركت في بيوت الأموال عدة لكون إن كان فقال كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرها وهي فتنة لمن بعدي بل أعد لهم ما أعد الله ورسوله طاعة الله ورسوله هما عدتنا التي بها أفضينا إلى ما ترون فإذا كان المال ثمن دين أحدكم هلكتم وقال عمر للمسلمين إني كنت امرءا تاجرا يغني الله عيالي بتجارتي وقد شغلتموني بأمركم هذا فما ترون أنه يحل لي من هذا المال
فأكثر القوم وعلي ساكت فقال ما تقول يا علي فقال ما أصلحك وعيالك بالمعروف ليس لك غيره فقال القوم القول ما قال علي فأخذ قوله
واشتدت حاجة عمر فاجتمع نفر من الصحابة المهاجرين منهم عثمان وعلي وطلحة والزبير فقالوا لو قلنا لعمر في زيادة نزيده إياها في رزقه فقال عثمان هلموا فلنستبرئ ما عنده من وراء وراء
فأتوا حفصة ابنته فأعلموها الحال واستكتموها أن لا تخبر بهم عمر فلقيت عمر في ذلك فغضب وقال من هؤلاء لأسوأنهم قال لا سبيل إلى علمهم قال أنت بيني وبينهم ما أفضل ما اقتنى رسول الله في بيتك من الملبس قالت ثوبين ممشقين كان يلبسهما للوفد ويخطب فيهما للجمع قال فأي الطعام ناله عندك أرفع قال حرفا من خبز شعير فصببنا عليه وهو حار أسفل عكة لنا فجعلتها دسمة حلوة فأكل كل منها قال وأي مبسط كان يبسط عندك كان أوطأ قال كساء ثخين كنا نربعه في الصيف فنجعله تحتنا فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثرنا بنصفه قال يا حفصة فأبلغيهم عني أن رسول الله قدر فوضع الفضول مواضعها وتبلغ بالترجية وإني قدرت فوالله لأضعن الفضول مواضعها ولأتبلغن بالترجية وإنما مثلي ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقا فمضى الأول وقد تزود زادا فبلغ المنزل ثم اتبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه ثم اتبعه الثالث فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما ألحق بهما وكان معهما وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما
لما فرغ سعد من أمر القادسية أقام بها بعد الفتح شهرين وكاتب عمر فيما يفعل فكتب إليه عمر يأمره بالمسير إلى المدائن وأن يخلف النساء والعيال بالعتيق وأن يجعل معهم جندا كثيفا وعهد إليه أن يشركهم في كل مغنم ما داموا يخلفون المسلمين في عيالاتهم ففعل ذلك وسار من القادسية لأيام بقين من شوال وكل الناس مؤد مذ نقل الله إليهم ما كان في عسكر الفرس من سلاح وكراع ومال فما وصلت مقدمة المسلمين برس وعليهم عبد الله بن المعتم وزهرة بن حوية وشرحبيل بن السمط لقيهم بها بصبهرا في جمع من الفرس فهزمه المسلمون ومن معه إلى بابل وبها فالة القادسية وبقايا رؤسائهم النخير خان ومهران الرازي والهرمزان وأشباههم وقد استعملوا عليهم الفيرزان وقدم بصبهرا منهزما من برس فوقع في النهر ومات من طعنة كان طعنه زهرة ولما هزم بصبهرا أقبل بسطام دهقان برس فصالح زهرة وعقد له الجسور وأخبره بمن اجتمع ببابل فأرسل زهرة إلى سعد يعرفه ذلك فقدم عليه سعد ببرس وسيره في المقدمة وأتبعه عبد الله وشرحبيل وهاشما المرقال واتبعهم فنزلوا على الفيرزان ببابل وقد قالوا نقاتلهم قبل أن نفترق فاقتتلوا فهزمهم المسلمون في أسرع من لفت الرداء فانطلقوا على وجهين فسار الهرمزان نحو الأهواز فأخذها فأكلها وخرج الفيرزان نحو نهاوند فأخذها فأكلها وبها كنوز كسرى وأكل الماهين وسار النخيرخان ومهران إلى المدائن وقطعا الجسر وأقام سعد ببابل أياما وبلغه أن النخير خان قد خلف شهريار دهقانا من دهاقين الباب بكوثى في جمع فقدم زهرة بين يديه بكير بن عبد الله الليثي وكثير بن شهاب الشعدي حتى عبرا الصراة فلحقا بأخريات القوم وفيهم فيومان والفرخان هذا بيساني وهذا أهوازي فقتل بكير الفرخان وقتل كثير فيومان بسورا وجاء زهرة فجاز سورا ونزل وجاء سعد وهاشم والناس ونزلوا عليه وتقدم زهرة نحو الفرس وكانوا قد نزلوا بين الدير وكوثى وقد استخلف النخير خان ومهران على جنودهما شهريار دهقان الباب فنازلهم زهرة فبرزوا إلى قتاله وخرج شهريار يطلب المبارزة فأخرج زهرة إليه أبا نباتة نايل بن جعشم الأعرجي وكان من شجعان بني تميم وكلاهما وثيق الخلق فلما رأى شهريار نايلا ألقى الرمح ليعتنقه وألقى أبو نباتة رمحه ليعتنقه أيضا وانتضيا سيفيهما فاجتلدا ثم اعتنقا فسقطا عن دابتيهما فوقع شهريار عليه كأنه جمل فضغطه بفخذه وأخذ الخنجر وأراد حل أزرار درعه فوقعت إصبعه في في نايل فكسر عظمها ورأى منه فتورا فبادره وجلد به الأرض ثم قعد على صدره وأخذ خنجره وكشف درعه عن بطنه وطعن به بطنه وجنبه حتى مات وأخذ فرسه وسواريه وسلبه وانهزم أصحابه فذهبوا في البلاد
وأقام زهرة بكوثى حتى قدم عليه سعد فقدم إليه نايلا وألبسه سلاح شهريار وسواريه وأركبه برذونه وغنمه الجميع فكان أول أعرجي سور بالعراق وأقام بها سعد أياما وزار مجلس إبراهيم الخليل عليه السلام
وقيل كانت هذه الوقعات سنة ست عشرة
نايل بالنون وبعد اللف ياء تحتها نقطتان وآخره لام
ثم غن سعدا قدم زهرة إلى بهرسير فمضى في المقدمات فتلقاه شيرزاد دهقان ساباط بالصلح فأرسله إلى سعد فصالحه على تأدية الجزية ولقي زهرة كثيبة بنت كسرى التي تدعى بوران وكانوا يحلفون كل يوم أن لا يزول ملك فارس ما عشنا فهزمهم وقتل هاشم بن عتبة وهو ابن أخي سعد المقرط وهو أسد كان لكسرى قد ألفه فقبل سعد رأس هاشم وقبل هاشم قدم سعد وأرسله سعد في المقدمة إلى بهرسير فنزل إلى المظلم وقرأ أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال
ثم ارتحل فنزل على بهرسير ووصلها سعد والمسلمون فرأوا الإيوان فقال ضرار بن الخطاب الله أكبر أبيض كسرى هذا ما وعد الله ورسوله وكبر وكبر الناس معه فكانوا كلما وصلت طائفة كبروا ثم نزلوا على المدينة وكان نزولهم عليها في ذي الحجة فكان مقامه بالناس على بهرسير شهرين وعبروا في الثالث
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب وكان عامله فيها على مكة عتاب بن أسيد في قول وعلى الطائف يعلى بن منية وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص وعلى عمان حذيفة بن محصن وعلى الشام أبو عبيدة بن الجراح وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص وعلى القضاء أبو فروة وعلى البصرة المغيرة بن شعبة
وفيها مات سعد بن عبادة الأنصاري وقيل توفي في خلافة أبي بكر ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب وكان أسن من أسلم من بني هاشم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
