الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
11

ثم دخلت سنة خمس عشرة

الجزء الثاني 10 عنصر صفحة 337
ص 337

وقيل إن الكوفة مصرها سعد بن أبي وقاص في هذه السنة دلهم على موضعها ابن بقيلة قال لسعد أدلك على أرض لله ارتفعت عن البقعة وانحدرت عن الفلاة فدله على موضعها وقيل غير ذلك ويأتي ذكره

ذكر الوقعة بمرج الروم ص 337

في هذه السنة كانت الوقعة بمرج الروم وكان سبب ذلك أن أبا عبيدة وخالد بن الوليد سارا بمن معهما من فحل قاصدين حمص فنزلا على ذي كلاع وبلغ الخبر هرقل فبعث توذر البطريق حتى نزل بمرج الروم غرب دمشق ونزل أبو عبيدة بمرج الروم أيضا وقد هجم الشتاء عليهم والجراح فيهم فاشية ونازله يوم نزول شنش الرومي في مثل خيل توذر أمدادا لتوذر وردءا لأهل حمص فلما نزل أصبحت الأرض من توذر بلاقع وكان خالد بإزاءه وأبو عبيدة بإزاء شنش وسار توذر يطلب دمشق فسار خالد وراءه في جريدة وبلغ يزيد بن أبي سفيان فعل توذر فاستقبله فاقتتلوا ولحق بهم خالد وهم يقتتلون فأخذهم من خلفهم ولم يفلت منهم إلا الشريد وغنم المسلمون ما معهم فقسمه يزيد في أصحابه وأصحاب خالد وعاد يزيد إلى دمشق ورجع خالد إلى أبي عبيدة وقد قتل توذر

وقاتل أبو عبيدة بعد مسير خالد شنش فاقتتلوا بمرج الروم فقتلت الروم مقتلة عظيمة وقتل أبو عبيدة شنش وامتلأ المرج من قتلاهم فأنتنت منهم الأرض وتبعهم المسلمون إلى حمص فلما بلغ هرقل ذلك أمر بطريق حمص بالمسير إليها وسار هو إلى الرها وسار أبو عبيدة إلى حمص

| ذكر فتح حمص وبعلبك وغيرهما

فلما فرغ أبو عبيدة من دمشق سار إلى حمص فسلك طريق بعلبك فحاصرها فطلب أهلها الأمان فأمنهم وصالحهم وسار عنهم فنزل على حمص ومعه خالد وقيل إنما سار المسلمون إلى حمص من مرج الروم وقد تقدم ذكره فلما نزلوها قاتلوا أهلها فكانوا يغادونهم القتال ويراوحونهم في كل يوم بارد ولقي المسلمون بردا شديدا ولقي الروم حصارا طويلا فصبر المسلمون والروم وكان هرقل قد أرسل إلى أهل حمص يعدهم المدد وأمر أهل الجزيرة جميعها بالتجهز إلى حمص فساروا نحو الشام ليمنعوا حمص عن المسلمين فسير سعد بن أبي وقاص السرايا من العراق إلى هيت وحصروها وسار بعضهم إلى قرقيسيا فتفرق أهل الجزيرة وعادوا عن نجدة أهل حمص فكان أهلها يقولون تمسكوا بمدينتكم فإنهم حفاة فإذا أصابهم البرد تقطعت أقدامهم فكانت أقدام الروم تسقط ولا يسقط للمسلمين إصبع فلما خرج الشتاء قام شيخ من الروم فدعاهم إلى مصالحة المسلمين فلم يجيبوه وقام آخر فلم يجيبوه فناهدهم المسلمون فكبروا تكبيرة فانهدم كثير من دور حمص وزلزلت حيطانهم فتصدعت فكبروا ثانية فأصابهم أعظم من ذلك فخرج أهلهم إليهم يطلبون الصلح ولا يعلم المسلمون بما حدث فيهم فأجابوهم وصالحوهم على صلح دمشق

وأنزلها أبو عبيدة السمط بن الأسود الكندي في بني معاوية والأشعث بن ميناس في السكون والمقداد في بلى وأنزلها غيرهم وبعث بالأخماس إلى عمر مع عبد الله بن مسعود وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن أقم بمدينتك وادع أهل القوة والجلد من عرب الشام فغني غير تارك البعثة إليك

ثم استخلف أبو عبيدة على حمص عبادة بن الصامت وسار إلى حماة فتلقاه أهلها 340

ذكر فتح قنسرين ودخول هرقل القسطنطينية ص 339

ثم أرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى قنسرين فلما نزل الحاضر زحف إليهم الروم وعليهم ميناس وكان من اعظم الروم بعد هرقل فاقتتلوا فقتل ميناس ومن معه مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها فماتوا على دم واحد وأما أهل الحاضر فأرسلوا إلى خالد أنهم عرب وأنهم إنما حشروا ولم يكن من رأيهم حربه فقبل منهم

وسار خالد حتى نزل على قنسرين فتحصنوا منه فقال إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا

فنظروا في أمرهم ورأوا ما لقي أهل حمص فصالحوهم على صلح حمص فأبى خالد إلا على خراب المدينة فأخربها فعند ذلك دخل هرقل القسطنطينية وسببه أن خالدا وعياضا أدربا إلى هرقل من الشام وأدرب عمر بن مالك من الكوفة فخرج من ناحية قرقيسيا وأدرب عبد الله بن المعتم من ناحية الموصل ثم رجعوا فعندها دخل هرقل القسطنطينية وكانت هذه أول مدربة في الإسلام سنة خمس عشرة وقيل ست عشرة فلما بلغ عمر صنيع خالد قال أمر خالد نفسه يرحم الله أبا بكر هو كان أعلم بالرجال مني وقد كان عزله والمثنى بن حارثة وقال إني لم أعزلهما عن ريبة ولكن الناس عظموهما فخشين أن يوكلوا إليهما

فأما المثنى فإنه رجع عن رأيه فيه لما قام بعد أبي عبيدة ورجع عن خالد بعد قنسرين وأما هرقل فإنه أخرج من الرها

وكان أول من أنبح كلابها ونفر دجاجها من المسلمين زياد بن حنظلة وكان من الصحابة

وسار هرقل فنزل بشمشاط ثم أدرب منها نحو القسطنطينية فلما أراد المسير منها علا على نشز ثم التفت إلى الشام فقال

السلام عليك يا سورية سلام لا اجتماع بعده ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا حتى يولد المولود المشؤوم ويا ليته لا يولد فما أحلى فعله وأمر فتنته على الروم

ثم سار فدخل القسطنطينية وأخذ أهل الحصون التي بين اسكندرية وطرسوس معه لئلا يسير المسلمون في عمارة بين أنطاكية وبلاد الروم وشعث الحصون فكان المسلمون لا يجدون بها أحدا وربما كمن عندها الروم فأصابوا غرة المتخلفين فاحتاط المسلمون لذلك

ذكر فتح حلب وأنطاكية وغيرهما من العواصم ص 341

لما فرغ أبو عبيدة من قنسرين سار إلى حلب فبلغه أن أهل قنسرين نقضوا وغدروا فوجه إليهم السمط الكندي فحصرهم وفتحها وأصاب فيها بقرا وغنما فقسم بعضه في جيشه وجعل بقيته في المغنم

ووصل أبو عبيدة إلى حاضر حلب وهو قريب منها فجمع أصنافا من العرب فصالحهم أبو عبيدة على الجزية ثم أسلموا بعد ذلك واتى حلب وعلى مقدمته عياض بن غنم الفهري فتحصن أهلها وحصرهم المسلمون فلم يلبثوا أن طلبوا الصلح والأمان على أنفسهم وأولادهم ومدينتهم وكنائسهم وحصنوا فأعطوا ذلك واستثنى عليهم موضع المسجد وكان الذي صالحهم عياض فأجاز أبو عبيدة ذلك

وقيل صولحوا على أن يقاسموا منازلهم وكنائسهم وقيل إن أبا عبيدة لم يصادف بحلب أحدا لأن أهلها انتقلوا إلى أنطاكية وراسلوا في الصلح فلما تم ذلك رجعوا إليها وسار أبو عبيدة من حلب إلى أنطاكية وقد تحصن بها كثير من الخلق من قنسرين وغيرها فلما فارقها لقيه جمع العدو فهزمهم فألجأهم إلى المدينة وحاصرها من جميع نواحيها ثم إنهم صالحوه على الجلاء أو الجزية فجلا بعض وأقام بعض فأمنهم ثم نقضوا فوجه أبو عبيدة إليهم عياض بن غنم وحبيب بن مسلمة ففتحاها على الصلح الأول وكانت أنطاكية عظيمة الذكر عند المسلمين فلما فتحت كتب عمر

إلى أبي عبيدة أن رتب بأنطاكية جماعة من المسلمين واجعلهم بها مرابطة ولا تحبس عنهم العطاء

وبلغ أبا عبيدة أن جمعا من الروم بين معرة مصرين وحلب فسار إليهم فلقيهم فهزمهم وقتل عدة بطارقة وسبى وغنم وفتح معرة مصرين على مثل صلح حلب وجالت خيوله فبلغت بوقا وفتحت قرى الجومة وسرمين وبيرين وغلبوا على جميع أرض قنسرين وأنطاكية

ثم أتى أبو عبيدة حلب وقد التاث أهلها فلم يزل بهم حتى أذعنوا وفتحوا المدينة

وسار أبو عبيدة يريد قورس وعلى مقدمته عياض فلقيه راهب من رهبانها يسأله الصلح فبعث به إلى أبي عبيدة فصالحه على صلح أنطاكية وبث خيله فغلب على جميع أرض قورس وفتح تل عزاز وكان سلمان بن ربيعة الباهلي في جيش أبي عبيدة فنزل في حصن بقورس فنسب إليه فهو يعرف بحصن سلمان

ثم سار أبو عبيدة إلى منبج وعلى مقدمته عياض فلحقه وقد صالح أهلها على مثل صلح أنطاكية وسير عياضا إلى ناحية دلوك ورعبان فصالحه أهلها على مثل منبج واشترط عليهم أن يخبروا المسلمين بخبر الروم وولى أبو عبيدة كل كورة فتحها عاملا وضم إليه جماعة وشحن النواحي المخوفة وسار إلى بالس وبعث جيشا مع حبيب بن مسلمة إلى قاصرين فصالحهم أهلها على الجزية أو الجلاء فجلا أكثرهم إلى بلد الروم وأرض الجزيرة وقرية جسر منبج ولم يكن الجسر يومئذ وإنما اتخذ في خلافة عثمان للصوائف وقيل بل كان له رسم قديم واستولى المسلمون على الشام من هذه الناحية إلى الفرات

وعاد أبو عبيدة إلى فلسطين وكان بجبل اللكام مدينة يقال لها جرجرومة وأهلها يقال لهم الجراجمة فسار حبيب بن مسلمة إليها من أنطاكية فافتتحها صلحا على أن يكونوا أعوانا للمسلمين

وفيها سير أبو عبيدة بن الجراح جيشا مع ميسرة بن مسروق العبسي فسلكوا درب بغراس من أعمال أنطاكية إلى بلاد الروم وهو أول من سلك ذلك الدرب فلقي جمعا للروم معهم عرب من غسان وتنوخ وإياد يريدون اللحاق بهرقل فأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة ثم لحق به مالك الأشتر النخعي مددا من قبل أبي عبيدة وهو بأنطاكية فسلموا وعادوا

وسير جيشا آخر إلى مرعش مع خالد بن الوليد ففتحها على إجلاء أهلها بالأمان وأخربها وسير جيشا آخر مع حبيب بن مسلمة إلى حصن الحدث وإنما سمي الحدث لأن المسلمين لقوا عليه غلاما حدثا فقاتلهم في أصحابه فقيل درب الحدث وقيل لأن المسلمين أصيبوا به فقيل درب الحدث وقيل لأن المسلمين أصيبوا به فقيل درب الحدث وكان بنو أمية يسمونه درب السلامة لهذا المعنى

ذكر فتح قيسارية وحصر غزة ص 343

في هذه السنة فتحت قيسارية وقيل سنة تسع عشرة وقيل سنة عشرين

وكان سببها أن عمر كتب إلى يزيد بن أبي سفيان أن يرسل معاوية إلى قيسارية وكتب عمر إلى معاوية يأمره بذلك فسار معاوية إليها فحصر أهلها فجعلوا يزاحفونه وهو يهزمهم ويردهم إلى حصنهم ثم زاحفوه آخر ذلك مستميتين وبلغت قتلاهم في المعركة ثمانين ألفا وكملها في هزيمتهم مائة ألف وفتحها وكان علقمة بن مجزز قد حصر القيقار بغزة وجعل يراسله فلم يشفه أحد بما يريد فأتاه كأنه رسول علقمة فأمر القيقار رجلا أن يقعد له في الطريق فإذا مر به قتله ففطن علقمة فقال إن معي نفرا يشركونني في الرأي فأنطلق فآتيك بهم فبعث القيقار إلى ذلك الرجل أن لا يعرض له فخرج علقمة من عنده فلم يعد وفعل كما فعل عمرو بالأرطبون

مجزز بجيم وزايين الأولى مكسورة

ذكر فتح بيسان ووقعة أجنادين ص 344

ولما انصرف أبو عبيدة وخالد إلى حمص نزل عمرو وشرحبيل على أهل بيسان فافتتحاها وصالحا أهل الأردن واجتمع عسكر الروم بغزة وأجنادين وبيسان

وسار عمرو وشرحبيل إلى الأرطبون ومن معه وهو بأجنادين واستخلف على الأردن أبا الأعور فنزل بالأرطبون ومعه الروم وكان الأرطبون أدهى الروم وأبعدها غورا وأنكاها فعلا وكان قد وضع بالرملة جندا عظيما وبإيلياء جندا عظيما وكتب إلى عمر بالخبر فلما بلغ عمر بن الخطاب الخبر قال قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب فانظروا عم تنفرج

وكان معاوية قد شغل أهل قيسارية عن عمرو وكان عمرو قد جعل علقمة بن حكيم الفراسي ومسروق بن فلان العكي على قتال أهل إيلياء فشغلوا من به عنه وجعل أيضا أبا أيوب المالكي على من بالرملة فشغلهم عنه وتتابعت الأمداد من عند عمر إلى عمرو وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على شيء ولا تشفيه الرسل فسار إليه بنفسه فدخل عليه كأنه رسول فأبلغه ما يريد وسمع كلامه وتأمل حصونه حتى عرف ما أراد ففطن به الأرطبون وقال لا شك أن هذا هو الأمير أو من يأخذ الأمير برأيه وما كنت لأصيب القوم بأمر أعظم عليهم من قتله فأمر إنسانا أن يقعد على طريقه ليقتله إذا مر بي وفطن عمرو لفعله فقال له قد سمعت مني وسمعت منك وقد وقع قولك مني موقعا وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب إلى هذا الوالي لنكانفه ويشهدنا أموره فأرجع فآتيك بهم الآن فإن رأوا الذي عرضت علي الآن فقد رآه الأمير وأهل العسكر وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم وكنت على رأس أمرك فقال نعم ورد الرجل الذي أمر بقتله وقال لعمرو انطلق وجئ بأصحابك

فخرج عمرو من عنده ورأى أن لا يعد لمثلها وعلم الرومي أنها خدعة اختدعه بها فقال خدعني الرجل هذا أدهى الخلق

وبلغت خديعته عمر بن الخطاب فقال لله در عمرو وعرف عمرو مأخذه فلقيه فاقتتلوا بأجنادين قتالا شديدا كقتال اليرموك حتى كثرت القتلى بينهم وانهزم أرطبون إلى إيلياء ونزل عمرو أجنادين وأفرج المسلمون الذين يحاصرون بيت المقدس لأرطبون فدخل إيلياء وأزاح المسلمين عنه إلى عمرو

وقد تقدم ذكر وقعة أجنادين على قول من يجعلها قبل اليرموك وسياقها على غير هذه السياقة فلهذا ذكرناها هنالك وها هنا

ذكر فتح بيت المقدس وهو إيلياء ص 346

في هذه السنة فتح بيت المقدس وقيل سنة ست عشرة في ربيع الأول وسبب ذلك أنه لما دخل أرطبون إيلياء فتح عمرو غزة وقيل كان فتحها في خلافة أبي بكر ثم فتح سبسطية وفيها قبر يحيى بن زكريا عليه السلام وفتح نابلس بأمان على الجزية وفتح مدينة لد ثم فتح تبني وعمواس وبيت جبرين وفتح يافا وقيل فتحها معاوية وفتح عمرو مرج عيون فلما تم له ذلك أرسل إلى أرطبون رجلا يتكلم بالرومية وقال له اسمع ما يقول وكتب معه كتابا

فوصل الرسول ودفع الكتاب إلى أرطبون وعنده وزراؤه فقال أرطبون لا يفتح والله عمرو شيئا من فلسطين بعد أجنادين

فقالوا له من أين علمت هذا فقال صاحبها رجل صفته كذا وكذا وذكر صفة عمر

فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره الخبر فكتب إلى عمر بن الخطاب يقول إن أعالج عدوا شديدا وبلادا قد أدخرت لك فرأيك

فعلم عمر أن عمرا لم يقل ذلك إلا بشيء سمعه فسار عمر عن المدينة

وقيل كان سبب قدوم عمر إلى الشام أن أبا عبيدة حصر بيت المقدس فطلب أهله منه أن يصالحهم على صلح أهل مدن الشام وأن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب فكتب إليه بذلك فسار عن المدينة واستخلف عليها علي بن أبي طالب فقال له علي أين تخرج بنفسك إنك تريد عدوا كلبا

فقال عمر أبادر بالجهاد قبل موت العباس إنكم لو فقدتم العباس لأنتقض بكم الشر كما ينتقض الحبل

فمات العباس لست سنين من خلافة عثمان فانتقض بالناس الشر

وسار عمر فقدم الجابية على فرس وجميع ما قدم الشام أربع مرات الأولى على فرس والثانية على بعير والثالثة على بغل ورجع لأجل الطاعون والرابعة على حمار وكتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوا بالجابية ليوم سماه لهم في المجردة ويستخلفوا على أعمالهم فلقوه حيث رفعت لهم الجابية

فكان أول من لقيه يزيد وأبو عبيدة ثم خالد على الخيول عليهم الديباج والحرير فنزل وأخذ الحجارة ورماهم بها وقال

ما أسرع ما رجعتم عن رأيكم إياي تستقبلون في هذا الزي وإنما شبعتم مذ سنتين وبالله لو فعلتم هذا على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم فقالوا يا أمير المؤمنين إنها يلامقة وإن علينا السلاح قال فنعم إذن

وركب حتى دخل عليه الجابية وعمرو وشرحبيل كأنهما لم يتحركا من مكانهما فلما قدم عمر الجابية قال له رجل من اليهود يا أمير المؤمنين إنك لا ترجع إلى بلادك حتى يفتح الله عليك إيلياء وكانوا قد شجعوا عمرا وأشجاهم ولم يقدر عليها ولا على الرملة فبينما عمر معسكر بالجابية فزع الناس إلى السلاح فقال ما شأنكم فقالوا ألا ترى إلى الخيل والسيوف

فنظر فإذا كردوس يلمعون بالسيوف فقال عمر مستأمنة فلا تراعوا فأمنوهم وإذا هم أهل إيلياء وحيزها فصالحهم على الجزية وفتحوها له

وكان الذي صالحه العوام من أهل إيلياء والرملة لأن أرطبون والتذارق دخلا مصر لما وصل عمر إلى الشام وأخذوا كتابه على إيلياء وحيزها والرملة وحيزها فشهد ذلك اليهودي الصلح فسأله عمر عن الدجال وكان كثير السؤال عنه فقال له وما مسألتك عنه يا أمير المؤمنين أنتم والله معشر العرب تقتلونه دون باب لد ببضع عشرة ذراعا

وأرسل عمر إليهم بالأمان وجعل علقمة بن حكيم على نصف فلسطين وأسكنه الرملة وجعل علقمة بن مجزز على نصفها الآخر وأسكنه إيلياء وضم عمرا وشرحبيل إليه بالجابية فلقياه راكبا فقبلا ركبته وضم كل واحد منهما محتضنهما

ثم سار إلى بيت المقدس من الجابية فركب فرسه فرأى به عرجا فنزل عنه وأتى ببرذون فركبه فجعل يتجلجل به فنزل وضرب وجهه وقال لا اعلم من علمك هذه الخيلاء ثم لم يركب برذونا قبله ولا بعده

وفتحت إيلياء وأهلها على يديه وقيل كان فتحها سنة ستة عشرة ولحق أرطبون ومن أبى الصلح من الروم بمصر فلما ملك المسلمون مصر قتل وقيل بل لحق بالروم فكان يكون على صوائفهم والتقى هو وصاحب صائفة المسلمين ومع المسلمين رجل من قيس يقال له ضريس فقطع يد القيسي وقتله القيسي فقال فيه

( فإن يكن أرطبون الروم أفسدها % فإن فيها بحمد الله منتفعا )

( وإن يكن أرطبون الروم قطعها % فقد تركت بها أوصاله قطعا )

ذكر فروض العطاء وعمل الديوان ص 349

وفي سنة عشرة فرض عمر للمسلمين الفروض ودون الدواوين وأعطى العطايا على السابقة وأعطى صفوان بن أمية والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو في أهل الفتح أقل ما أخذ من قبلهم فامتنعوا من أخذه وقالوا لا نعترف أن يكون أحد أكرم منا فقال إني إنما أعطيتكم على السابقة في الإسلام لا على الأحساب قالوا فنعم إذن وأخذوا

وخرج الحارث وسهيل بأهليهما نحو الشام فلم يزالا مجاهدين حتى أصيبا في بعض تلك الدروب وقيل ماتا في طاعون عمواس

ولما أراد عمر وضع الديوان قال له علي وعبد الرحمن بن عوف أبدا بنفسك قال لا بل أبدأ بعم رسول الله ثم الأقرب فالأقرب

ففرض للعباس وبدأ به ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف ثم فرض لمن بعد بدر إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر عن أهل الردة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف في ذلك من شهد الفتح وقاتل عن أبي بكر ومن ولى الأيام قبل القادسية كل هؤلاء ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف ثم فرض لأهل القادسية وأهل الشام ألفين ألفين

وفرض لأهل البلاء النازع منهم ألفين وخمسمائة ألفين وخمسمائة فقيل له لو ألحقت أهل القادسية بأهل الأيام فقال لم أكن لألحقهم بدرجة من لم يدركوا وقيل له قد سويت من بعدت داره بمن قربت داره وقاتلهم عن فنائه فقال من قربت داره أحق بالزيادة لأنهم كانوا أردءا للحتوف وشجى للعدو فهلا قال المهاجرون مثل قولكم حين سوينا بين السابقين منهم والأنصار فقد كانت نصرة الأنصار بفنائهم وهاجر إليهم المهاجرون من بعد

وفرض لمن بعده القادسية واليرموك ألفا ألفا ثم فرض للروادف المثنى خمسمائة خمسمائة ثم للروادف الليث بعدهم ثلاثمائة ثلاثمائة سوى كل طبقة في العطاء قويهم وضعيفهم عربهم وعجمهم وفرض للروادف الربيع على مائتين وخمسين وفرض لمن بعدهم وهم أهل هجر والعباد على مائتين

وألحق بأهل بدر أربعة من غير أهلها الحسن والحسين وأبا ذر وسلمان

وكان فرض للعباس خمسة وعشرين ألفا وقيل اثني عشر ألفا وأعطى نساء النبي عشرة آلاف عشرة آلاف إلا من جرى عليها الملك فقال نسوة رسول الله ما كان رسول الله يفضلنا عليهن في القسمة فسو بيننا ففعل وفضل عائشة بألفين لمحبة رسول الله إياها فلم تأخذ وجعل نساء أهل بدر في خمسمائة خمسمائة ونساء من بعدهم إلى الحديبية على أربعمائة أربعمائة ونساء من بعد ذلك إلى الأيام ثلاثمائة ثلاثمائة ونساء أهل القادسية مائتين مائتين ثم سوى بين النساء بعد ذلك وجعل الصبيان سواء على مائة مائة ثم جمع ستين مسكينا وأطعمهم الخبز فأحصوا ما أكلوا فوجدوه يخرج من جريبتين ففرض لكل إنسان منهم ولعياله جريبتين في الشهر

وقال عمر قبل موته لقد هممت أن أجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف ألفا يجعلها الرجل في أهله وألفا يزودها معه وألفا يتجهز بها وألفا يترفق بها فمات قبل أن يفعل وقال له قائل عند فرض العطاء يا أمير المؤمنين لو تركت في بيوت الأموال عدة لكون إن كان فقال كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرها وهي فتنة لمن بعدي بل أعد لهم ما أعد الله ورسوله طاعة الله ورسوله هما عدتنا التي بها أفضينا إلى ما ترون فإذا كان المال ثمن دين أحدكم هلكتم وقال عمر للمسلمين إني كنت امرءا تاجرا يغني الله عيالي بتجارتي وقد شغلتموني بأمركم هذا فما ترون أنه يحل لي من هذا المال

فأكثر القوم وعلي ساكت فقال ما تقول يا علي فقال ما أصلحك وعيالك بالمعروف ليس لك غيره فقال القوم القول ما قال علي فأخذ قوله

واشتدت حاجة عمر فاجتمع نفر من الصحابة المهاجرين منهم عثمان وعلي وطلحة والزبير فقالوا لو قلنا لعمر في زيادة نزيده إياها في رزقه فقال عثمان هلموا فلنستبرئ ما عنده من وراء وراء

فأتوا حفصة ابنته فأعلموها الحال واستكتموها أن لا تخبر بهم عمر فلقيت عمر في ذلك فغضب وقال من هؤلاء لأسوأنهم قال لا سبيل إلى علمهم قال أنت بيني وبينهم ما أفضل ما اقتنى رسول الله في بيتك من الملبس قالت ثوبين ممشقين كان يلبسهما للوفد ويخطب فيهما للجمع قال فأي الطعام ناله عندك أرفع قال حرفا من خبز شعير فصببنا عليه وهو حار أسفل عكة لنا فجعلتها دسمة حلوة فأكل كل منها قال وأي مبسط كان يبسط عندك كان أوطأ قال كساء ثخين كنا نربعه في الصيف فنجعله تحتنا فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثرنا بنصفه قال يا حفصة فأبلغيهم عني أن رسول الله قدر فوضع الفضول مواضعها وتبلغ بالترجية وإني قدرت فوالله لأضعن الفضول مواضعها ولأتبلغن بالترجية وإنما مثلي ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقا فمضى الأول وقد تزود زادا فبلغ المنزل ثم اتبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه ثم اتبعه الثالث فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما ألحق بهما وكان معهما وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما

يوم برس وبابل وكوثى ص 352

لما فرغ سعد من أمر القادسية أقام بها بعد الفتح شهرين وكاتب عمر فيما يفعل فكتب إليه عمر يأمره بالمسير إلى المدائن وأن يخلف النساء والعيال بالعتيق وأن يجعل معهم جندا كثيفا وعهد إليه أن يشركهم في كل مغنم ما داموا يخلفون المسلمين في عيالاتهم ففعل ذلك وسار من القادسية لأيام بقين من شوال وكل الناس مؤد مذ نقل الله إليهم ما كان في عسكر الفرس من سلاح وكراع ومال فما وصلت مقدمة المسلمين برس وعليهم عبد الله بن المعتم وزهرة بن حوية وشرحبيل بن السمط لقيهم بها بصبهرا في جمع من الفرس فهزمه المسلمون ومن معه إلى بابل وبها فالة القادسية وبقايا رؤسائهم النخير خان ومهران الرازي والهرمزان وأشباههم وقد استعملوا عليهم الفيرزان وقدم بصبهرا منهزما من برس فوقع في النهر ومات من طعنة كان طعنه زهرة ولما هزم بصبهرا أقبل بسطام دهقان برس فصالح زهرة وعقد له الجسور وأخبره بمن اجتمع ببابل فأرسل زهرة إلى سعد يعرفه ذلك فقدم عليه سعد ببرس وسيره في المقدمة وأتبعه عبد الله وشرحبيل وهاشما المرقال واتبعهم فنزلوا على الفيرزان ببابل وقد قالوا نقاتلهم قبل أن نفترق فاقتتلوا فهزمهم المسلمون في أسرع من لفت الرداء فانطلقوا على وجهين فسار الهرمزان نحو الأهواز فأخذها فأكلها وخرج الفيرزان نحو نهاوند فأخذها فأكلها وبها كنوز كسرى وأكل الماهين وسار النخيرخان ومهران إلى المدائن وقطعا الجسر وأقام سعد ببابل أياما وبلغه أن النخير خان قد خلف شهريار دهقانا من دهاقين الباب بكوثى في جمع فقدم زهرة بين يديه بكير بن عبد الله الليثي وكثير بن شهاب الشعدي حتى عبرا الصراة فلحقا بأخريات القوم وفيهم فيومان والفرخان هذا بيساني وهذا أهوازي فقتل بكير الفرخان وقتل كثير فيومان بسورا وجاء زهرة فجاز سورا ونزل وجاء سعد وهاشم والناس ونزلوا عليه وتقدم زهرة نحو الفرس وكانوا قد نزلوا بين الدير وكوثى وقد استخلف النخير خان ومهران على جنودهما شهريار دهقان الباب فنازلهم زهرة فبرزوا إلى قتاله وخرج شهريار يطلب المبارزة فأخرج زهرة إليه أبا نباتة نايل بن جعشم الأعرجي وكان من شجعان بني تميم وكلاهما وثيق الخلق فلما رأى شهريار نايلا ألقى الرمح ليعتنقه وألقى أبو نباتة رمحه ليعتنقه أيضا وانتضيا سيفيهما فاجتلدا ثم اعتنقا فسقطا عن دابتيهما فوقع شهريار عليه كأنه جمل فضغطه بفخذه وأخذ الخنجر وأراد حل أزرار درعه فوقعت إصبعه في في نايل فكسر عظمها ورأى منه فتورا فبادره وجلد به الأرض ثم قعد على صدره وأخذ خنجره وكشف درعه عن بطنه وطعن به بطنه وجنبه حتى مات وأخذ فرسه وسواريه وسلبه وانهزم أصحابه فذهبوا في البلاد

وأقام زهرة بكوثى حتى قدم عليه سعد فقدم إليه نايلا وألبسه سلاح شهريار وسواريه وأركبه برذونه وغنمه الجميع فكان أول أعرجي سور بالعراق وأقام بها سعد أياما وزار مجلس إبراهيم الخليل عليه السلام

وقيل كانت هذه الوقعات سنة ست عشرة

نايل بالنون وبعد اللف ياء تحتها نقطتان وآخره لام

ذكر بهرسير وهي المدينة العتيقة وهي المدائن الدنيا من الغرب ص 353

ثم غن سعدا قدم زهرة إلى بهرسير فمضى في المقدمات فتلقاه شيرزاد دهقان ساباط بالصلح فأرسله إلى سعد فصالحه على تأدية الجزية ولقي زهرة كثيبة بنت كسرى التي تدعى بوران وكانوا يحلفون كل يوم أن لا يزول ملك فارس ما عشنا فهزمهم وقتل هاشم بن عتبة وهو ابن أخي سعد المقرط وهو أسد كان لكسرى قد ألفه فقبل سعد رأس هاشم وقبل هاشم قدم سعد وأرسله سعد في المقدمة إلى بهرسير فنزل إلى المظلم وقرأ أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال

ثم ارتحل فنزل على بهرسير ووصلها سعد والمسلمون فرأوا الإيوان فقال ضرار بن الخطاب الله أكبر أبيض كسرى هذا ما وعد الله ورسوله وكبر وكبر الناس معه فكانوا كلما وصلت طائفة كبروا ثم نزلوا على المدينة وكان نزولهم عليها في ذي الحجة فكان مقامه بالناس على بهرسير شهرين وعبروا في الثالث

وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب وكان عامله فيها على مكة عتاب بن أسيد في قول وعلى الطائف يعلى بن منية وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص وعلى عمان حذيفة بن محصن وعلى الشام أبو عبيدة بن الجراح وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص وعلى القضاء أبو فروة وعلى البصرة المغيرة بن شعبة

وفيها مات سعد بن عبادة الأنصاري وقيل توفي في خلافة أبي بكر ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب وكان أسن من أسلم من بني هاشم

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.