في هذه السنة يوم السبت الثامن والعشرين من رمضان انهزم جلال الدين خوارزمشاه من علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج ارسلان صاحب بلاد الروم قونية واقصروا وسيواس وملطية وغيرها ومن الملك الأشرف صاحب دمشق وديار الجزيرة وخلاط وسبب ذلك ان جلال الدين كان قد اطاعه صاحب ارزن الروم وهو ابن عم علاء الدين ملك الروم وبينه وبين علاء الدين عداوة مستحكمة وحضر صاحب ارزن الروم عند جلال الدين على خلاط واعانه على حصرها فخافهما علاء الدين فأرسل إلى الملك الكامل وهو حينئذ بحران يطلب منه ان يحضر اخاه الأشرف من دمشق فإنه كان مقيما بها بعد ان ملكها وتابع علاء الدين الرسل بذلك خوفا من جلال الدين فأحضر الملك الكامل أخاه الأشرف من دمشق فحضر عنده ورسل علاء الدين اليهما متتابعة يحث الأشرف على المجيء اليه والاجتماع به حتى قيل إنه في يوم واحد وصل إلى الكامل والأشرف من علاء الدين خمسة رسل ويطلب من الجميع وصول الأشرف إليه ولو وحده فجمع عساكر الجزيرة والشام وسار إلى علاء الدين فاجتمعا بسيواس وسارا نحو خلاط فسمع جلال الدين بهما فسار اليهما مجدا في السير فوصل اليهما بمكان يعرف بباسي حمار وهو من اعمال ارزنجان فالتقوا هناك وكان مع علاء الدين خلق كثير قيل كانوا عشرين الف فارس وكان مع الأشرف نحو خمسة آلاف إلا انهم من العساكر الجيدة الشجعان لهم السلاح الكثير والدواب الفارهة من العربيات وكل منهم قد جرب الحرب وكان المقدم عليهم امير من أمراء عساكر حلب يقال له عز الدين عمر بن علي وهو من الأكراد الهكارية ومن الشجاعة في الدرجة العليا وله الأوصاف الجميلة والأخلاق الكريمة فلما التقوا بهت جلال الدين لما رأى من كثرة العساكر لا سيما لما رأى عسكر الشام فإنه شاهد من تجملهم وسلاحهم ودوابهم ما ملأ صدره رعبا فأنشب عز الدين بن علي القتال ومعه عسكر حلب فلم يقم لهم جلال الدين ولا صبر ومضى منهزما هو وعسكره لا يلوي الأخ علي أخيه وتفرقت اصحابه وتمزقوا كل ممزق وعاد إلى خلاط فاستصحبوا معهم من فيها من اصحابهم وعادوا إلى اذربيجان فنزلوا عند مدينة خوى ولم يكونوا قد استولوا على شيء من اعمال خلاط سوى خلاط ووصل الملك الأشرف إلى خلاط فرآها خاوية على عروشها خالية من الأهل والسكان قد جرى عليهم ما ذكرناه قبل
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وستمائة
قد ذكرنا ان صاحب ارزن الروم كان مع جلال الدين على خلاط ولم يزل معه وشهد معه المصاف المذكور فلما انهزم جلال الدين أخذ صاحب أرزن الروم أسيرا فأحضر عند علاء الدين كيقباذ ابن عمه فأخذه وقصد ارزن الروم فسلمها صاحبها اليه هي وما يتبعها من القلاع والخزائن وغيرها فكان كما قيل خرجت النعامة تطلب قرنين فعادت بلا أذنين وهكذا هذا المسكين جاء إلى جلال الدين يطلب الزيادة فوعده بشيء من بلاد علاء الدين فأخذ ماله وما بيديه من البلاد وبقي اسيرا فسبحان من لا يزول ملكه
لما عاد الأشرف إلى خلاط ومضى جلال الدين منهزما إلى خوى ترددت الرسل بينهما فاصطلحوا كل منهم على ما بيده واستقرت القواعد على ذلك وتحالفوا فلما استقر الصلح وجرت الأيمان عاد الأشرف إلى سنجار وسار منها إلى دمشق فأقام جلال الدين ببلاده من اذربيجان إلى ان خرج عليه التتر على ما نذكره ان شاء الله تعالى
كان حسام الدين صاحب مدينة ارزن من ديار بكر لم يزل مصاحبا للملك الأشرف مناصحا له مشاهدا جميع حروبه وحوادثه وينفق امواله في طاعته ويبذل نفسه وعساكره في مساعدته فهو يعادي اعداءه ويوالي اولياءه ومن جملة موافقته انه كان في خلاط لما حصرها جلال الدين ولقي من الشدة والخوف ما لقيه بها وصبر إلى ان ملكها جلال الدين فأسره جلال الدين وأراد ان يأخذ منه مدينة ارزن فقيل له ان هذا من بيت قديم عريق في الملك وانه ورث هذه أرزن من اسلافه وكان لهم سواها من البلاد فخرج الجميع من أيديهم فعطف عليه ورق له وأبقى عليه مدينته وأخذ عليه العهود والمواثيق انه لا يقاتله فعاد إلى بلده وأقام به فلما جاء الملك الأشرف وعلاء الدين محاربين لجلال الدين سار شهاب الدين غازي بن الملك العادل وهو اخو الأشرف وله مدينة ميافارقين ومدينة حانى وهو بمدينة ارون فحصره بها ثم ملكها صلحا وعوضه عنها بمدينة حانى من ديار بكر وحسام الدين هذا نعم الرجل حسن السيرة كريم جواد لا يخلو بابه من جماعة يريدون اليه يستمنحونه وسيرته جميلة في ولايته ورعيته وهو من بيت قديم يقال له بيت طغان أرسلان كان لهم من أرزن بدليس ووسطان وغيرهما ويقال لهم بيت الأحدب وهذه البلاد معهم من أيام ملكشاه بن الب ارسلان السجلوقي فأخذ بكتمر صاحب خلاط منهم بدليس اخذها من عم حسام الدين هذا لأنه كان موافقا لصلاح الدين يوسف بن أيوب فقصده بكتمر لذلك وبقيت ارزن بيد هذا إلى الان فأخذت منه ولكل أول آخر فسبحان من لا أول له ولا آخر لبقائه
وفي هذه السنة ظهر أمير من أمراء التركمان اسمه صونج ولقبه شمس الدين واسم قبيلته قشيالوا وقوي امره وقطع الطريق وكثر جمعه وكان بين إربل وهمذان وهو ومن معه يقطعون الطريق ويفسدون في الأرض ثم انه تعدى إلى قلعة منيعة اسمها سارو وهي لمظفر الدين وقتل عندها اميرا كبيرا من امراء مظفر الدين يعرف بعز الدين الحميدي فجمع مظفر الدين وأراد استعادتها منه فلم يمكنه لحصانتها ولكثرة الجموع مع هذا الرجل فاصطلحت على ترك القلعة بيده وكان عسكر لجلال الدين خوارزمشاه يحصرون قلعة رويندز وهي من قلاع أذربيجان من احصن القلاع وامنعها لا يوجد مثلها وقد طال الحصار على من بها فأذعنوا بالتسليم فأرسل جلال الدين بعض خواص اصحابه وثقاته ليتسلمها وأرسل معه الخلع والمال لمن بها فلما صعد ذلك القاصد إلى القلعة وتسلمها اعطى بعض من بالقلعة ولم يعط البعض واستذلهم وطمع فيهم حيث استولى على الحصن فلما رأى من لم يأخذ شيئا من الخلع والمال ما فعل بهم ارسلوا إلى صونج يطلبونه ليسلموا اليه القلعة فسار اليهم في اصحابه فسلموها اليه فسبحان من اذا أراد أمرا سهله هذه قلعة روينذر لم تزل تتقاصر عنها قدرة أكابر الملوك وعظمائهم من قديم الزمان وحديثه وتضرب الأمثال بحصانتها لما اراد الله سبحانه وتعالى ان يملكها هذا الرجل الضعيف سهل له الأمور فملكها بغير قتال ولا تعب وزال عنها اصحاب مثل جلال الدين الذي كل ملوك الأرض نهابه وتخافه وكان اصحاب جلال الدين كما قيل رب ساع لقاعد فلما ملكها صونج طمع في غيرها لا سيما مع اشتغال جلال الدين بما اصابه من الهزيمة ومجيء التتر فنزل من القلعة إلى مراغة وهي قريب منها فحصرها فأتاه سهم غرب فقتله فلما قتل ملك رويندز أخوه ثم إن هذا الأخ الثاني نزل من القلعة وقصد أعمال تبريز ونهبها وعاد إلى القلعة ليجعل فيها من ذلك النهب والغنيمة ذخيرة خوفا من التتر وكانوا قد خرجوا فصادفه طائفة من التتر فقتلوه وأخذوا ما معه من النهب ولما قتل ملك القلعة ابن اخت له وكان هذا جميعه في مدة سنتين فأف لدينا لا تزال تتبع فرحة بترحة وكل حسنة بسيئة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
