الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
64

ثم دخلت سنة ست وعشرين وستمائة

الجزء العاشر 6 عنصر صفحة 480
دكر تسليم البيت المقدس إلى الفرنج ص 480

في هذه السنة أول ربيع الآخر تسلم الفرنج لعنهم الله البيت المقدس صلحا اعاده الله إلى الاسلام سريعا وسبب ذلك ما ذكرناه سنة خمس وعشرين وستمائة من خروج الانبرور وملك الفرنج من بلاد داخل البحر إلى ساحل الشام وكانت عساكره قد سبقته ونزلوا بالساحل وأفسدوا من يجاورهم من بلاد المسلمين ومضى اليهم وهم بمدينة صور طائفة من المسلمين يسكنون الجبال المجاورة لمدينة صور واطاعوهم وصاروا معهم وقوي طمع الفرنج بموت الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق ولما وصل الأنبرور إلى الساحل نزل بمدينة عكا وكان الملك الكامل صاحب مصر قد خرج من الديار المصرية يريد الشام بعد وفاة اخيه المعظم وهو نازل بتل العجول يريد ان يملك دمشق من صلاح الدين داود بن المعظم وهو صاحبها يومئذ وكان داود لما سمع بقصد عمه الملك الكامل له قد أرسل إلى عمه الملك الأشرف صاحب البلاد الجزرية يستنجده ويطلب منه المساعدة على دفع عمه عنه فسار إلى دمشق فترددت الرسل بينه وبين اخيه الملك الكامل في الصلح فاصطلحا واتفقا وسار الملك الأشرف إلى الملك الكامل واجتمع به فلما اجتمعا ترددت الرسل بينهما وبين الانبرور ملك الفرنج دفعات كثيرة فاستقرت القاعدة على ان يسلموا اليه البيت المقدس ومعه مواضع يسيرة من بلاده ويكون باقي البلاد مثل الخليل ونابلس والغور وطبرية وغير ذلك بيد المسلمين ولا يسلم إلى الفرنج إلا البيت المقدس والمواضع التي استقرت معه وكان سور البيت المقدس خرابا قد خربه الملك المعظم وقد ذكرنا ذلك وتسلم الفرنج البيت المقدس واستعظم المسلمون ذلك واكبروه ووجدوا له من الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه يسر الله فتحه وعوده إلى المسلمين بمنه وكرمه

آمين

ذكر ملك الملك الأشرف مدينة دمشق ص 481

وفي هذه السنة يوم الاثنين ثاني شعبان ملك الملك الأشرف بن الملك العادل مدينة دمشق من ابن اخيه صلاح الدين داود بن المعظم وسبب ذلك ما ذكرناه ان صاحب دمشق لما خاف من عمه الملك الكامل أرسل إلى عمه الأشرف يستنجده ويستعين به على دفع الكامل فسار اليه من البلاد الجزرية ودخل دمشق وفرح به صاحبها وأهل البلد وكانوا قد احتاطوا وهم يتجهزون للحصار فأمر بإزالة ذلك وترك ما عزموا عليه من الاحتياط وحلف لصاحبها على المساعدة والحفظ له ولبلاده عليه وراسل الملك الكامل واصطلحا وظن صاحب دمشق انه معهما في الصلح وسار الأشرف إلى اخيه الكامل واجتمعا في ذي الحجة من سنة خمس وعشرين يوم العيد وسار صاحب دمشق إلى بيسان وأقام بها وعاد الملك الأشرف من عند أخيه واجتمع هو وصاحب دمشق ولم يكن الأشرف في كثرة من العسكر فبينما هما جالسان في خيمة لهما وإذ قد دخل عز الدين أيبك مملوك المعظم الذي كان صاحب دمشق وهو أكبر أمير مع ولده فقال لصاحبه داود قم اخرج والاقبضت الساعة فأخرجه ولم يمكن الأشرف منعه لأن أيبك كان قد أركب العسكر الذي له جميعه وكانوا أكثر من الذين مع الأشرف فخرج داود وسار هو وعسكره إلى دمشق وكان سبب ذلك أن أيبك قيل له ان الأشرف يريد القبض على صاحبه واخذ دمشق منه ففعل ذلك فلما عادوا وصلت العساكر من الكامل إلى الأشرف وسار فنازل دمشق وحصرها وأقام محاصرا لها إلى ان وصل اليه الملك الكامل فحينئذ اشتد الحصار وعظم الخطب على أهل البلد وبلغت القلوب الحناجر وكان من أشد الأمور على صاحبها ان المال عنده قليل لأن امواله بالكرك ولوثوقه بعمه الأشرف لم يحضر منها شيئا فاحتاج إلى ان باع حلي نسائه وملبوسهم وضاقت الأمور عليه فخرج إلى عمه الكامل وبذل له تسليم دمشق على ان يبقي عليه الكرك وقلعة الشويك والغور ونابلس وتلك الأعمال وان يبقى على ايبك صرخد واعمالها وتسليم الكامل دمشق وجعل نائبه بالقلعة إلى ان سلم اليه اخوه الأشرف حران والرها والرقة وسروج ورأس العين من الجزيرة فلما تسلم ذلك سلم قلعة دمشق إلى اخيه الأشرف فدخلها وأقام بها وسار الكامل إلى الديار الجزرية فأقام بها إلى ان استدعى اخاه الأشرف بسبب حصر جلال الدين خوارزمشاه مدينة خلاط فلما حضر عنده بالرقة عاد الكامل إلى ديار مصر وأما الأشرف فكان منه ما نذكره إن شاء الله تعالى

ذكر القبض على الحاجب علي وقتله ص 482

وفي هذه السنة ارسل الملك الأشرف مملوكه عز الدين أيبك وهو امير كبير في دولته إلى مدينة خلاط وأمره بالقبض على الحاجب حسام الدين علي بن حماد وهو المتولي لبلاد خلاط والحاكم فيها من قبل الأشرف ولم تعلم شيئا يوجب القبض عليه لأنه كان مشفقا عليه ناصحا له حافظا لبلاده حسن السيرة مع الرعية ولقد وقف هذه المدة الطويلة في وجه خوارزمشاه جلال الدين وحفظ خلاط حفظا يعجز غيره عنه وكان مهتما بحفظ بلاده وذابا عنها وقد تقدم من ذكر قصده بلاد جلال الدين والاستيلاء على بعضها ما يدل على همة عالية وشجاعة تامة وصار لصاحبه به منزلة عظيمة فإن الناس يقولون بعض غلمان الملك الأشرف يقاوم خوارزمشاه وكان رحمه الله كثير الخير والاحسان لا يمكن احدا من ظلم وعمل كثيرا من اعمال البر من الخانات في الطرق والمساجد في البلاد وبنى بخلاط بيمارستانا وجامعا وعمل كثيرا من الطرق واصلحها كان يشق سلوكها فلما وصل ايبك إلى خلاط قبض عليه ثم قتله غيلة لأنه كان عدوه ولما قتل ظهر اثر كفايته فإن جلال الدين حصر خلاط بعد قبضه وملكها على ما نذكره إن شاء الله ولم يمهل الله ايبك بل انتقم منه سريعا فإن جلال الدين أخذ أيبك اسيرا لما ملك خلاط مع غيره من الأمراء فلما اصطلح الأشرف وجلال الدين اطلق الجميع وذكر ان ايبك قتل وكان سبب قتله أن مملوكا للحاجب علي كان قد هرب إلى جلال الدين فلما أسر ايبك طلبه ذلك المملوك من جلال الدين ليقتله بصاحبه الحاجب علي فسلمه اليه فقتله وبلغني أن الملك الأشرف رأى في المنام كأن الحاجب عليا قد دخل إلى مجلس فيه أيبك فأخذ منديلا وجعله في رفبة أيبك وأخذه وخرج فأصبح الملك الأشرف وقال قد مات أيبك فإبي رأيت في المنام كذا وكذا

ذكر ملك الكامل مدينة حماة ص 482

وفي هذه السنة اواخر شهر رمضان ملك الملك الكامل مدينة حماة وسبب ذلك ان الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر وهو صاحب حماة توفي على ما نذكره ولما حضرته الوفاة حلف الجند وأكابر البلد لولده الأكبر ويلقب بالملك المظفر وكان قد سيره ابوه إلى الملك الكامل صاحب مصر لأنه كان قد تزوج بابنته وكان لمحمد ولد آخر اسمه قلج أرسلان ولقبه صلاح الدين وهو بدمشق فحضر إلى مدينة حماة فسلمت إليه واستولى على المدينة وعلى قلعتها فأرسل الملك الكامل يأمره ان يسلم البلد إلى أخيه الأكبر فإن أباه أوصى له به فلم يفعل وترددت الرسل في ذلك إلى الملك المعظم صاحب دمشق فلم تقع الاجابة

فلما توفي المعظم وخرج الكامل إلى الشام وملك دمشق سير جيشا إلى حماة فحصرها ثالث شهر رمضان وكان المقدم على هذا الجيش أسد الدين شيركوه صاحب حمص وأمير كبير من عسكره يقال له فخر الدين عثمان ومعهما ولد محمد تقي الدين الذي كان عند الكامل فبقي الحصار على البلد عدة أيام وكان الملك الكامب قد سار عن دمشق ونزل على سلمية يريد العبور إلى البلاد الجزرية حران وغيرها فلما نازلها قصده صاحب حماة صلاح الدين ونزل اليه من قلعته ولم يكن لذلك سبب إلا أمر الله تعالى

فإن صلاح الدين قال لأصحابه أريد النزول إلى الملك الكامل فقالوا له ليس بالشام احصن من قلعتك وقد جمعت من الذخائر ما لا حد له فلأي شيء تنزل اليه ليس هذا برأي فأصبر على النزول واصروا على منعه فقال في آخر الأمر اتركوني انزل وإلا القيت نفسي من القلعة فحينئذ سكتوا عنه فنزل في نفر يسير ووصل إلى الكامل فاعتقله إلى ان سلم مدينة حماة وقلعتها إلى اخيه الاكبر الملك المظفر وبقي بيده قلعة بارين حسب فإنها كانت له

وكان هو كالباحث بظلفه على حتفه

ذكر حصر جلال الدين خلاط وملكها ص 483

وفي هذه السنة اوائل شوال حصر جلال الدين خوارزمشاه مدينة خلاط وهي للملك الأشرف وبها عسكره فامتنعوا بها وأعانهم اهل البلد خوفا من جلال الدين لسوء سيرته وأسرفوا في الشتم والسفه فأخذه اللجاج معهم وأقام عليهم جميع الشتاء محاصرا وفرق كثيرا من عساكره في القرى والبلاد القريبة من شدة البرد وكثرة الثلج فإن خلاط من اشد البلاد بردا واكثرها ثلجا وأبان جلال الدين عن عزم قوي وصبر تحار العقول منه ونصب عليها عدة منجنيقات ولم يزل يرميها بالحجارة حتى خرب بعض سورها فأعاد اهل البلد عمارته ولم يزل مصايرهم وملازمهم إلى اواخر جمادى الأولى من سنة سبع وعشرين فزحف اليها زحفا متتابعا وملكها عنوة وقهرا يوم الأحد الثامن والعشرين من جمادى الأولى سلمها اليه بعض الأمراء غدرا فلما ملك البلد صعد من فيه من الأمراء إلى القلعة التي لها وامتنعوا بها وهو منزلهم ووضع السيف في أهل البلد وقتل من وجد به منهم وكانوا قد قلوا فإن بعضهم فارقوه خوفا وبعضهم خرج منه من شدة الجوع وبعضهم مات من القبلة وعدم القوت فإن الناس في خلاط اكلوا الغنم ثم البقر ثم الجواميس ثم الخيل ثم الحمير ثم البغال والكلاب والسنانير وسمعنا أنهم كانوا يصطادون الفار ويأكلونه وصبروا صبرا لم يلحقهم فيه أحد ولم يملك من بلاد خلاط وغيرها وما سواها من البلاد لم يكونوا ملكوه وخربوا خلاط وأكثروا القتل فيها ومن سلم هرب في البلاد وسبوا الحريم واسترقوا الأولاد وباعوا الجميع فتمزقوا كل ممزق وتفرقوا في البلاد ونهبوا الأموال وجرى على اهلها ما لم يسمع بمثله لا جرم لم يمهله الله تعالى وجرى عليه من الهزيمة بين المسلمين والتتر ما نذكره ان شاء الله تعالى

ذكر عدة حوادث ص 484

في اواخر هذه السنة قصد الفرنج حصن بارين بالشام ونهبوا بلاده واعماله وأسروا وسبوا ومن جملة من ظفروا به طائفة من التركمان كانوا نازلين في ولاية بارين فأخذوا الجميع ولم يسلم منهم إلا النادر الشاذ والله أعلم

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.