الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
63

ثم دخلت سنة خمس وعشرين وستمائة

الجزء العاشر 7 عنصر صفحة 475
ذكر الخلف بين جلال الدين واخيه ص 475

فب هذه السنة خاف غياث الدين بن خوارزمشاه وهو اخو جلال الدين من أبيه أخاه وخافه معه جماعة من الأمراء واستشعروا منه وأراد الخلاص منه فلم يتمكنوا من ذلك إلى أن خرجت التتر واشتغل بهم جلال الدين فهرب غياث الدين ومن معه وقصدوا خوزستان وهي من بلاد الخليفة فلم يمكنهم النائب بها من الدخول إلى البلد خوفا ان تكون هذه مكيدة فبقي هناك فلما طال عليه الأمر فارق خوزستان وقصد بلاد الإسماعيلية فوصل اليهم واحتمى بهم واستجار بهم وكان جلال الدين قد فرغ من أمر التتر وعاد تبريز فأتاه الخبر وهو بالميدان يلعب بالكرة أن أخاه قد قصد اصفهان فألقى الجو كان من يده وسار مجدا فسمع أن أخاه قصد الإسماعيلية ملتجئا إليهم ولم يقصد اصفهان فعاد إلى بلاد الإسماعيلية لينهب بلادهم إن لم يسلموا إليه أخاه وأرسل بطلبه من مقدم الإسماعيلية فأعاد الجواب يقول إن اخاك قد قصدنا وهو سلطان ابن سلطان ولا يجوز لنا ان نسلمه لكن نحن نتركه عندنا ولا نمكنه ان يقصد شيئا من بلادك ونسألك ان تشفعنا فيه والضمان علينا بما قلنا ومتى كان منه ما تكره في بلادك فبلادنا حينئذ بين يديك تفعل فيها ما تختار فأجابهم إلى ذلك واستحلفهم على الوفاء بذلك وعاد منهم وقصد خلاط على ما نذكره إن شاء الله تعالى

ذكر الحرب بين جلال الدين والتتر ص 475

في هذه السنة عاود التتر الخروج إلى الري وجرى بينهم وبين جلال الدين حروب كثيرة اختلف الناس علينا في عددها كان اكثرها عليه وفي الأخير كان الظفر له وكانت في أول حرب بينهم عجائب غريبة وكان هؤلاء التتر قد سخط ملكهم جنكزخان على مقدمهم وأبعده عنه وأخرجه من بلاده فقصد خراسان فرآها خرابا فقصد الري ليتغلب على تلك النواحي والبلاد فلقيه بها جلال الدين فاقتتلوا اشد قتال ثم انهزم جلال الدين وعاود ثم انهزم وقصد اصفهان واقام بينهما وبين الري وجمع عساكره ومن طاعته فكان فيمن أتاه صاحب بلاد فارس وهو ابن أتابك سعد ملك بعد وفاة أبيه كما ذكرناه وعاد جلال الدين إلى التتر فلقيهم فبينما هم مصطفون كل طائفة مقابل الأخرى انفرد غياث الدين أخو جلال الدين فيمن وافقه من الأمراء على مفارقة جلال الدين واعتزلوا وقصدوا الجهة ساروا اليها فلما رآهم التتر قد فارقوا العسكر ظنوهم يريدون ان يأتوهم من وراء ظهورهم ويقاتلوهم من جهتين فانهزم التتر لهذا الظن وتبعهم صاحب بلاد فارس وأما جلال الدين فإنه لما رأى مفارقة اخيه إياه ومن معه من الأمراء ظن ان التتر قد رجعوا خديعة ليستدرجوه فعاد منهزما ولم يجسر يدخل اصفهان لئلا يحصروه فمضى إلى سميدم واما صاحب فارس فلما أبعد في اثر التتر ولم ير جلال الدين ولا عسكره معه خاف التتر فعاد عنهم وأما التتر فلما لم يروا في آثارهم احدا يطلبهم وقفوا ثم عادوا إلى اصفهان فلم يجدوا في طريقهم من يمنعهم فوصلوا إلى اصفهان فحصروها وأهلها يظنون ان جلال الدين قد عدم فبينما هم كذلك والتتر يحصروهم اذ وصل قاصد من جلال الدين اليهم يعرفهم سلامته ويقول إني متعوق أو يجتمع إلي من سلم من العسكر وأقصدكم ونتفق انا وأنتم على ازعاج التتر ونرحلهم عنكم فأرسلوا اليه يستدعونه اليهم ويعدونه النصرة والخروج معه إلى عدوه وفيهم شجاعة عظيمة فسار اليهم واجتمع بهم وخرج اهل اصفهان معه فقاتلوا التتر فانهزم التتر اقبح هزيمة وتبعهم جلال الدين إلى الري يقتل ويأسر فلما ابعدوا عن الري أقام بها وأرسل اليه ابن جنكزخان يقول إن هؤلاء ليسوا من اصحابنا انما نحن ابعدناهم عنا فلما امن جانب جنكزخان امن وعاد إلى اذربيجان

ذكر خروج الفرنج إلى الشام وعمارة صيدا ص 476

وفي هذه السنة خرج كثير من الفرنج من بلادهم التي هي في الغرب من صقلية وما وراءها من البلاد إلى بلادهم التي بالشام عكا وصور وغيرهما من ساحل الشام فكثر جميعهم وكان قد خرج قبل هؤلاء جمع آخر ايضا الا انهم لم تمكنهم الحركة والشرع في أمر الحرب لأجل ان ملكهم الذي هو المقدم عليهم هو ملك الالمان ولقبه انبرور قيل معناه ملك الأمراء ولأن المعظم كان حيا وكان شهما شجاعا مقدما فلما توفي المعظم كما ذكرناه وولي بعده ابنه وملك دمشق طمع الفرنج وظهورا من عكا وصور وبيروت إلى مدينة صيدا وكانت مناصفة بينهم وبين المسلمين وسورها خراب فعمروها واستولوا عليها وأزالوا عنها حكم المسلمين وإنما تم لهم ذلك بسبب تخريب الحصون القريبة منها تبنين وهونين وغيرهما وقد تقدم ذكر ذلك قبل مستقصى فعظمت شوكة الفرنج وقوي طمعهم واستولى في طريقه على جزيرة قبرس وملكها وسار منها إلى عكا فارتاع المسلمون لذلك والله تعالى يخذله وينصر المسلمين بمحمد وآله ثم إن ملكهم انبرور وصل إلى الشام

ذكر ملك كيقباذ أرزنكان ص 477

وفي هذه السنة ملك علاء الدين كبقباذ بن كيخسرو بن قلج ارسلان وهو صاحب قونية واقصروا وملطية وغيرها من بلاد الروم أرزنكان وسبب ملكه اياها ان صاحبها وبهرام شاه وكان قد طال ملكه لها وجاوز ستين سنة توفي ولم يزل في طاعة قلج ارسلان واولاده بعده فلما توفي ملك بعده ولده علاء الدين داود شاه فأرسل اليه كيقباذ يطلب منه عسكرا ليسير معه إلى مدينة ارزن الروم ليحصرها ويكون هو مع العسكر ففعل ذلك وسار في عسكره اليه فلما وصل قبض عليه واخذ مدينة أرزنكان منه وله حصن من امنع الحصون اسمه كماخ وفيه مستحفظ لداود شاه فأرسل اليه ملك الروم يحصره فلم يقدر العسكر على القرب منه لعلوه وارتفاعه وامتناعه فتهدد داود شاه ان لم يسلم كماخ فأرسل إلى نائبه في التسليم فسلم القلعة إلى كيقباذ وأراد كيقباذ المسير إلى ارزن الروم ليأخذها وبها صاحبها ابن عمه طغرل شاه بن قلج ارسلان فلما سمع صاحبها بذلك أرسل إلى الأمير حسام الدين علي النائب عن الملك الأشرف بخلاط يستنجده واظهر طاعة الأشرف فسار حسام الدين فيمن عنده من العساكر وكان قد جمعها من الشام وديار الجزيرة خوفا من ملك الروم خافوا انه اذا ملك ارزن الروم يتعدى أو يقصد خلاط فسار الحاجب حسام الدين إلى ارزن الروم ومنع عنها ولما سمع كيقباذ بوصول العساكر اليها لم يقدر على قصدها فسار من ارزنبكان إلى بلاده وكان قد أتاه الخبر ان الروم الكفار المجاورين لبلاده قد ملكوا منه حصنا يسمى صنوب وهو من احصن القلاع مطل على البحر بحر الخزر فلما وصل إلى بلاده سير العسكر اليه وحصره برا وبحرا فاستعاده من الروم وسار إلى انطاكية ليشتي بها على عادته

ذكر خروج الملك الكامل ص 478

في هذه السنة في شوال سار الملك الكامل محمد بن الملك العادل صاحب مصر إلى الشام فوصل إلى البيت المقدس حرسه الله تعالى وجعله دار السلام أبدا ثم سار عنه وولى بمدينة نابلس وشحن على تلك البلاد جميعها وكانت من اعمال دمشق وهو إلى الملك المعظم فخاف ان يقصده ويأخذ دمشق منه فأرسل إلى عمه الملك الأشرف يستنجده ويطلبه ليحضر عنده بدمشق فسار اليه جريدة فدخل دمشق فلما سمع الكامل بذلك لم يتقدم إليه لأن البلد منيع وقد صار به من يمنعه ويحميه وأرسل اليه الملك الأشرف يستعطفه ويعرفه انه ما جاء إلى دمشق إلا طاعة له وموافقة لأغراضه والاتفاق معه على منع الفرنج عن البلاد فأعاد الكامل الجواب يقول إني ما جئت إلى هذه البلاد الا بسبب الفرنج فانهم لم يكن في البلاد من يمنعهم عما يريدونه وقد عمروا صيدا وبعض قيسارية ولم يمنعوا وأنت تعلم ان عمنا السلطان صلاح الدين فتح البيت المقدس فصار لنا بذلك الذكر الجميل على تقضي الأعصار وممر الأيام فإن أخذه الفرنج حصل لنا من سوء الذكر وقبح الأحدوثة ما يناقض ذلك الذكر الجميل الذي ادخره عمنا وأي وجه يبقى لنا عند الناس وعند الله تعالى ثم انهم ما يقنعون حينئذ بما اخذوه ويتعدون إلى غيره وحيث قد حضرت انت فأنا أعود إلى مصر واحفظ انت البلاد ولست بالذي يقال عني اني قاتلت اخي أو حصرته حاشى لله تعالى وتأخر عن نابلس نحو الديار المصرية ونزل تل العجول فخاف الأشرف والناس قاطبة بالشام وعلموا أنه إن عاد استولى الفرنج على البيت المقدس وغيره مما يجاوره لا مانع دونه فترددت الرسل وسار الأشرف بنفسه إلى الكامل أخيه فحضر عنده وكان وصوله ليلة عيد الأضحية ومنعه من العود إلى مصر فأقاما بمكانهما

ذكر نهب جلال الدين بلاد ارمينية ص 478

في هذه السنة وصل جلال الدين خوارزمشاه إلى بلاد خلاط وتعدى خلاط الى صحراء موش وجبل حور ونهب الجميع وسبى الحريم واسترق الأولاد وقتل الرجال وخرب القرى وعاد إلى بلاده ولما وصل الخبر إلى البلاد الجزرية حران وسروج وغيرهما انه قد جاز خلاط إلى جور وانه قد قرب منهم خاف اهل البلاد ان يجيء اليهم لأن الزمان كان شتاء وظنوا انه يقصد الجزيرة ليشتي بها لأن البرد بها ليس بالشديد وعزموا على الانتقال من بلادهم إلى الشام ووصل بعض اهل سروج إلى منبج من ارض الشام فأتاهم الخبر انه قد نهب البلاد وعاد فأقاموا وكان سبب عوده ان الثلج سقط ببلاد خلاط كثيرا لم يعهد مثله فأسرع العود

ذكر عدة حوادث ص 479

في هذه السنة رخصت الأسعار بديار الجزيرة جميعها وجاءت الغلات لهم من الحنطة والشعير جيدا الا ان الرخص لم يبلغ الأول الذي كان قبل الغلاء انما صارت الحنطة كل خمس مكاكيك بدينار والشعير كل سبعة عشر مكوكا بالموصلي بدينار

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.