في هذه السنة في ربيع الأول وصل الكرج مدينة تفليس ولم يكن بها من العسكر الاسلامي من يقوم بحمايتها وسبب ذلك ان جلال الدين لما عاد من خلاط كما ذكرنا قبل وأوقع بالايوائية فرق عساكره إلى المواضع الحارة الكثيرة المرعى ليشتوا بها وكان عسكره قد أساؤوا السيرة في رعية تفليس وهم مسلمون وعسفرهم فكاتبوا الكرج يستدعونهم اليهم ليملكوهم البلد فاغتنم الكرج ذلك لميل اهل البلد إليهم وخلوه من العسكر فاجتمعوا وكلنوا بمدينتي قرس وآني وغيرهما من الحصون وساروا إلى تفليس وكانت خالية كما ذكرناه ولأن جلال الدين استضعف الكرج لكثرة من قتل منهم ولم يظن فيهم حركة فملكوا البلد ووضعوا السيف فيمن بقي من اهله وعلموا انهم لا يقدرون على حفظ البلد من جلال الدين فأحرقوها جميعها وأما جلال الدين فإنه لما بلغه الخبر سار فيمن عنده من العساكر ليدركهم فلم ير منهم احدا كانوا قد فارقوا تفليس لما احرقوها
ثم دخلت سنة اربع وعشرين وستمائة
في هذه السنة قتل الإسماعيلية اميرا كبيرا من أمراء جلال الديم وكان قد أقطعه جلال الدين مدينة كنجة واعمالها وكان نعم الأمير كثير الخير حسن السيرة ينكر على جلال الدين ما يفعله من النهب وغيره من الشر فلما قتل ذلك الأمير عظم قتله على جلال الدين واشتد عليه فسار في عساكره إلى بلاد الاسماعيلية من حدود الموت إلى كردكوه بخراسان فحارب الجميع وقتل أهلها ونهب الأموال وسبى الحريم واسترق الأولاد وقتل الرجال وعمل بهم الأعمال العظيمة وانتقم منهم وكانوا قد عظم شرهم وزداد ضررهم وطمعوا مذ خرج التتر إلى بلاد الإسلام إلى الان فكف عاديتهم وقمعهم ولقاهم الله ما عملوا بالمسلمين
لما فرغ جلال الدين من الاسماعيلية بلغه الخبر ان طائفة من التتر عظيمة قد بلغوا إلى دامغان بالقرب من الري عازمين على بلاد الإسلام فسار اليهم وحاربهم واشتد القتال بينهم فانهزموا منه فأوسعهم قتلا وتبع المنهزمين عدة ايام يقتل ويأسر فبينما هو كذلك قد أقام بنواحي الري خوفا من جمع آخر للتتر إذ أتاه الخبر بأن كثيرا منهم واصلون إليه فأقام ينتظرهم وسنذكر خبرهم سنة خمس وعشرين وستمائة
في هذه السنة في شعبان سار الحاجب علي حسام الدين وهو النائب عن الملك الأشرف بخلاط والمقدم على عساكرها إلى بلاد أذربيجان فيمن عنده من العساكر وسبب ذلك ان سيرة جلال الدين كانت جائرة وعساكره طامعة في الرعايا وكانت زوجته ابنة السلطان طغرل السلجوقي وهي التي كانت زوجة اوزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان فتزوجها جلال الدين كما ذكرناه قبل وكانت مع اوزبك تحكم في البلاد جميعها ليس له ولا لغيره معها حكم فلما تزوجها جلال الدين أهملها ولم يلتفت اليها فخافته مع حرمته من الحكم والأمر والنهي فأرسلت هي وأهل خوى إلى حسام الدين الحاجب يستدعونه ليسلموا البلاد له فسار ودخل البلاد بلاد أذربيجان فملك مدينة خوى وما يجاورها من الحصون التي بيد امرأة جلال الدين وملك مرندو كاتبه أهل مدينة نقجوان فمضى اليهم فسلموها اليه وقويت شوكتهم بتلك البلاد ولو داموا لملكوها جميعها إنما عادوا إلى خلاط واستصحبوا معهم زوجة جلال الدين ابنة السلطان طغرل إلى خلاط وسنذكر باقي خبرهم سنة خمس وعشرين إن شاء الله تعالى
في هذه السنة توفي الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن ايوب صاحب دمشق يوم الجمعة سلخ ذي القعدة وكان مرضه دوسنطاريا وكان ملكه لمدينة دمشق من حين وفاة والده الملك العادل عشر سنين وخمسة اشهر وثلاثة وعشرين يوما وكان عالما بعدة علوم فاضلا فيها منا الفقه على مذهب أبي حنيفة فإنه كان قد اشتغل به كثيرا وصار من المتميزين فيه ومنها علم النحو فإنه اشتغل به ايضا اشتغالا زائدا وصار فيه فاضلا وكذلك اللغة وغيرها وكان قد أمر أن يجمع له كتاب في اللغة جامع كبير فيه كتاب الصحاح للجوهري ويضاف اليه ما فات الصحاح من التهذيب للأزهري والجمهرة لابن دويد وغيرهما وكذلك ايضا امر بأن يرتب مسند أحمد بن حنبل على الأبواب ويرد كل حديث إلى الباب الذي يقتضيه معناه مثاله ان يجمع احاديث الطهاة وكذلك يفعل في الصلاة وغيرها من الرقائق والتفسير والغزوات فيكون كتابا جامعا وكان قد سمع المسند من بعض اصحاب ابن الحصين ونفق العلم في سوقه وقصده العلماء من الآفاق فأكرمهم وأجرى عليهم الجرايات الوافرة وقربهم وكان يجالسهم ويستفيد منهم ويفيدهم وكان يرجع إلى علم وصبر على سماع ما يكره لم يسمع أحد ممن يصحبه منه كلمة تسوءه وكان حسن الإعتقاد يقول كثيرا إن اعتقادي في الأصول ما سطره أبو جعفر الطحاوي ووصى عند موته بأن يكفن في البياض ولا يجعل في اكفانه ثوب فيه ذهب وأن يدفن في لحد ولا يبنى عليه بناء بل يكون قبره في الصحراء تحت السماء ويقول في مرضه لي عند الله تعالى في أمر دمياط ما ارجو ان يرحمني به ولما توفي ولي بعده ابنه داود ويلقب الملك الناصر وكان عمره قد قارب عشرين سنة
في هذه السنة دام الغلاء في ديار الجزيرة ودامت الأسعار تزيد قليلا وتنقص قليلا وانقطع المطر جميع شباط وعشرة ايام من اذار فازداد الغلاء فبلغت الحنطة كل مكوكين بالموصلي بديار وقيراطين بالموصل والشعير كل ثلاثة مكاكيك بالموصلي بدينار وقيراطين أيضا
وكل شيء بهذه النسبة في الغلاء
وفيها في الربيع قل لحم الغنم بالموصل وغلا سعره حتى بيع كل رطل لحم بالبغدادي بحبتين بالصنجة وربما زاد في بعض الأيام على هذا الثمن وحكى لي من يتولى بيع الغنم بالموصل انهم باعوا خروفا واحدا لا غير وفي بعضها خمسة رؤوس وفي بعضها ستة وأقل وأكثر وهذا ما لم يسمع بمثله ولا رأيناه في جميع اعمارنا ولا حكي لنا مثله لأن الربيع مظنة رخص اللحم لأن التركمان والأكراد والكيلكان ينتقلون من الأمكنة التي شتوا بها إلى الزوزان فيبيعون الغنم رخيصا وكان اللحم كل سنة في هذا الفصل يكون سعره كل ستة ارطال وسبعة بقيراط صار هذه السنة الرطل بحبتين
وفيها عاشر آذار وهو العشرين من ربيع الأول سقط الثلج مرتين وهذا غريب مجدا لم يسمع بمثله فأهلك الأزهار التي خرجت كزهر اللوز والمشمش والاجاص والسفرجل وغيرها ووصلت الأخبار من العراق جميعه مثل ذلك فهلكت به ازهار الثمار ايضا وهذا اعجب من حال ديار الجزيرة والشام فإنه أشد حرا من جميعها
وفيها ظفر جمع من التركمان كانوا بأطراف اعمال حلب بفارس مشهور من الفرنج الداوية بأنطاكية فقتلوه فعلم الداوية بذلك فساروا وكبسوا التركمان فقتلوا منهم وأسروا وغنموا من أموالهم فبلغ إلى اتابك شهاب الدين المتولي لأمور حلب فراسل الفرنج وتهددهم بقصد بلادهم واتفق ان عسكر حلب قتلوا فارسين كبيرين من الداوية ايضا فأذعنوا بالصلح وردوا إلى التركمان كثيرا من اموالهم وحريمهم وأسرهم
وفيها في رجب اجتمع طائفة كثيرة من ديار بكر وأرادوا الإغارة على جزير ابن عمر وكان صاحب الجزيرة قد قتل فلما قصدوا بلد الجزيرة اجتمع أهل قرية كبيرة من بلد الجزيرة اسمها سلكون ولقوهم من ضحوة النهار إلى العصر وطال القتال بينهم ثم حمل أهل القرية على الأكراد فهزموهم وقتلوا فيهم ونهبوا ما معهم وعادوا سالمين
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
