الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء العاشر / ثم دخلت سنة اربع وعشرين وستمائة
62

ثم دخلت سنة اربع وعشرين وستمائة

الجزء العاشر 6 عنصر صفحة 471
ذكر دخول الكرج مدينة تفليس وإحراقها ص 471

في هذه السنة في ربيع الأول وصل الكرج مدينة تفليس ولم يكن بها من العسكر الاسلامي من يقوم بحمايتها وسبب ذلك ان جلال الدين لما عاد من خلاط كما ذكرنا قبل وأوقع بالايوائية فرق عساكره إلى المواضع الحارة الكثيرة المرعى ليشتوا بها وكان عسكره قد أساؤوا السيرة في رعية تفليس وهم مسلمون وعسفرهم فكاتبوا الكرج يستدعونهم اليهم ليملكوهم البلد فاغتنم الكرج ذلك لميل اهل البلد إليهم وخلوه من العسكر فاجتمعوا وكلنوا بمدينتي قرس وآني وغيرهما من الحصون وساروا إلى تفليس وكانت خالية كما ذكرناه ولأن جلال الدين استضعف الكرج لكثرة من قتل منهم ولم يظن فيهم حركة فملكوا البلد ووضعوا السيف فيمن بقي من اهله وعلموا انهم لا يقدرون على حفظ البلد من جلال الدين فأحرقوها جميعها وأما جلال الدين فإنه لما بلغه الخبر سار فيمن عنده من العساكر ليدركهم فلم ير منهم احدا كانوا قد فارقوا تفليس لما احرقوها

ذكر نهب جلال الدين بلد الإسماعيلية ص 471

في هذه السنة قتل الإسماعيلية اميرا كبيرا من أمراء جلال الديم وكان قد أقطعه جلال الدين مدينة كنجة واعمالها وكان نعم الأمير كثير الخير حسن السيرة ينكر على جلال الدين ما يفعله من النهب وغيره من الشر فلما قتل ذلك الأمير عظم قتله على جلال الدين واشتد عليه فسار في عساكره إلى بلاد الاسماعيلية من حدود الموت إلى كردكوه بخراسان فحارب الجميع وقتل أهلها ونهب الأموال وسبى الحريم واسترق الأولاد وقتل الرجال وعمل بهم الأعمال العظيمة وانتقم منهم وكانوا قد عظم شرهم وزداد ضررهم وطمعوا مذ خرج التتر إلى بلاد الإسلام إلى الان فكف عاديتهم وقمعهم ولقاهم الله ما عملوا بالمسلمين

ذكر الحرب بين جلال الدين والتتر ص 472

لما فرغ جلال الدين من الاسماعيلية بلغه الخبر ان طائفة من التتر عظيمة قد بلغوا إلى دامغان بالقرب من الري عازمين على بلاد الإسلام فسار اليهم وحاربهم واشتد القتال بينهم فانهزموا منه فأوسعهم قتلا وتبع المنهزمين عدة ايام يقتل ويأسر فبينما هو كذلك قد أقام بنواحي الري خوفا من جمع آخر للتتر إذ أتاه الخبر بأن كثيرا منهم واصلون إليه فأقام ينتظرهم وسنذكر خبرهم سنة خمس وعشرين وستمائة

ذكر دخول العساكر الأشرفية إلى اذربيجان وملك بعضها ص 472

في هذه السنة في شعبان سار الحاجب علي حسام الدين وهو النائب عن الملك الأشرف بخلاط والمقدم على عساكرها إلى بلاد أذربيجان فيمن عنده من العساكر وسبب ذلك ان سيرة جلال الدين كانت جائرة وعساكره طامعة في الرعايا وكانت زوجته ابنة السلطان طغرل السلجوقي وهي التي كانت زوجة اوزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان فتزوجها جلال الدين كما ذكرناه قبل وكانت مع اوزبك تحكم في البلاد جميعها ليس له ولا لغيره معها حكم فلما تزوجها جلال الدين أهملها ولم يلتفت اليها فخافته مع حرمته من الحكم والأمر والنهي فأرسلت هي وأهل خوى إلى حسام الدين الحاجب يستدعونه ليسلموا البلاد له فسار ودخل البلاد بلاد أذربيجان فملك مدينة خوى وما يجاورها من الحصون التي بيد امرأة جلال الدين وملك مرندو كاتبه أهل مدينة نقجوان فمضى اليهم فسلموها اليه وقويت شوكتهم بتلك البلاد ولو داموا لملكوها جميعها إنما عادوا إلى خلاط واستصحبوا معهم زوجة جلال الدين ابنة السلطان طغرل إلى خلاط وسنذكر باقي خبرهم سنة خمس وعشرين إن شاء الله تعالى

ذكر وفاة المعظم صاحب وملك ولده ص 472

في هذه السنة توفي الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن ايوب صاحب دمشق يوم الجمعة سلخ ذي القعدة وكان مرضه دوسنطاريا وكان ملكه لمدينة دمشق من حين وفاة والده الملك العادل عشر سنين وخمسة اشهر وثلاثة وعشرين يوما وكان عالما بعدة علوم فاضلا فيها منا الفقه على مذهب أبي حنيفة فإنه كان قد اشتغل به كثيرا وصار من المتميزين فيه ومنها علم النحو فإنه اشتغل به ايضا اشتغالا زائدا وصار فيه فاضلا وكذلك اللغة وغيرها وكان قد أمر أن يجمع له كتاب في اللغة جامع كبير فيه كتاب الصحاح للجوهري ويضاف اليه ما فات الصحاح من التهذيب للأزهري والجمهرة لابن دويد وغيرهما وكذلك ايضا امر بأن يرتب مسند أحمد بن حنبل على الأبواب ويرد كل حديث إلى الباب الذي يقتضيه معناه مثاله ان يجمع احاديث الطهاة وكذلك يفعل في الصلاة وغيرها من الرقائق والتفسير والغزوات فيكون كتابا جامعا وكان قد سمع المسند من بعض اصحاب ابن الحصين ونفق العلم في سوقه وقصده العلماء من الآفاق فأكرمهم وأجرى عليهم الجرايات الوافرة وقربهم وكان يجالسهم ويستفيد منهم ويفيدهم وكان يرجع إلى علم وصبر على سماع ما يكره لم يسمع أحد ممن يصحبه منه كلمة تسوءه وكان حسن الإعتقاد يقول كثيرا إن اعتقادي في الأصول ما سطره أبو جعفر الطحاوي ووصى عند موته بأن يكفن في البياض ولا يجعل في اكفانه ثوب فيه ذهب وأن يدفن في لحد ولا يبنى عليه بناء بل يكون قبره في الصحراء تحت السماء ويقول في مرضه لي عند الله تعالى في أمر دمياط ما ارجو ان يرحمني به ولما توفي ولي بعده ابنه داود ويلقب الملك الناصر وكان عمره قد قارب عشرين سنة

ذكر عدة حوادث ص 473

في هذه السنة دام الغلاء في ديار الجزيرة ودامت الأسعار تزيد قليلا وتنقص قليلا وانقطع المطر جميع شباط وعشرة ايام من اذار فازداد الغلاء فبلغت الحنطة كل مكوكين بالموصلي بديار وقيراطين بالموصل والشعير كل ثلاثة مكاكيك بالموصلي بدينار وقيراطين أيضا

وكل شيء بهذه النسبة في الغلاء

وفيها في الربيع قل لحم الغنم بالموصل وغلا سعره حتى بيع كل رطل لحم بالبغدادي بحبتين بالصنجة وربما زاد في بعض الأيام على هذا الثمن وحكى لي من يتولى بيع الغنم بالموصل انهم باعوا خروفا واحدا لا غير وفي بعضها خمسة رؤوس وفي بعضها ستة وأقل وأكثر وهذا ما لم يسمع بمثله ولا رأيناه في جميع اعمارنا ولا حكي لنا مثله لأن الربيع مظنة رخص اللحم لأن التركمان والأكراد والكيلكان ينتقلون من الأمكنة التي شتوا بها إلى الزوزان فيبيعون الغنم رخيصا وكان اللحم كل سنة في هذا الفصل يكون سعره كل ستة ارطال وسبعة بقيراط صار هذه السنة الرطل بحبتين

وفيها عاشر آذار وهو العشرين من ربيع الأول سقط الثلج مرتين وهذا غريب مجدا لم يسمع بمثله فأهلك الأزهار التي خرجت كزهر اللوز والمشمش والاجاص والسفرجل وغيرها ووصلت الأخبار من العراق جميعه مثل ذلك فهلكت به ازهار الثمار ايضا وهذا اعجب من حال ديار الجزيرة والشام فإنه أشد حرا من جميعها

وفيها ظفر جمع من التركمان كانوا بأطراف اعمال حلب بفارس مشهور من الفرنج الداوية بأنطاكية فقتلوه فعلم الداوية بذلك فساروا وكبسوا التركمان فقتلوا منهم وأسروا وغنموا من أموالهم فبلغ إلى اتابك شهاب الدين المتولي لأمور حلب فراسل الفرنج وتهددهم بقصد بلادهم واتفق ان عسكر حلب قتلوا فارسين كبيرين من الداوية ايضا فأذعنوا بالصلح وردوا إلى التركمان كثيرا من اموالهم وحريمهم وأسرهم

وفيها في رجب اجتمع طائفة كثيرة من ديار بكر وأرادوا الإغارة على جزير ابن عمر وكان صاحب الجزيرة قد قتل فلما قصدوا بلد الجزيرة اجتمع أهل قرية كبيرة من بلد الجزيرة اسمها سلكون ولقوهم من ضحوة النهار إلى العصر وطال القتال بينهم ثم حمل أهل القرية على الأكراد فهزموهم وقتلوا فيهم ونهبوا ما معهم وعادوا سالمين

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.