الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء العاشر / ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وستمائة
61

ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وستمائة

الجزء العاشر 13 عنصر صفحة 459
ذكر ملك جلال الدين تفليس ص 459

في هذه السنة ثامن ربيع الأول فتح جلال الدين بن خوارزمشاه مدينة تفليس من الكرج وسبب ذلك انا قد ذكرنا سنة اثنتين وعشرين وستمائة الحرب بينه وبينهم وانهزامهم منه وعوده إلى تبريز بسبب الخلف الواقع فيها فلما استقر الأمر في أذربيجان عاد إلى بلد الكرج في ذي الحجة من السنة وخرجت سنة اثنتين وعشرين وستمائة ودخلت هذه السنة فقصد بلادهم وقد عادوا وحشدوا وجمعوا من الأمم المجاورة لهم اللان واللكز وقفجاق وغيرهم فاجتمعوا في جمع كثير لا يحصى فطمعوا بذلك ومنتهم أنفسهم الأباطيل ووعدهم الشيطان الظفر وما يعدهم الشيطان إلا غرورا فلقيهم وجعل لهم الكمين في عدة مواضع والتقوا واقتتلوا فولى الكرج منهزمين لا يلوي الأخ على أخيه ولا الوالد على ولده وكل منهم قد أهمته نفسه وأخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب فلم ينج منهم الا اليسير الشاذ الذي لا يعبأ به وأمر جلال الدين عسكره أن لا يبقوا على أحد وان يقتلوا من وجدوا فتبعوا المنهزمين يقتلونهم وأشار عليه اصحابه بقصد تفليس دارملكهم فقال لا حاجة لنا إلى ان نقتل رجالنا تحت الأسوار إنما اذا افنيت الكرج اخذت البلاد صفوا عفوا ولم تزل العساكر تتبعهم وتستقصي في طلبهم إلى ان كادوا يفنونهم فحينئذ قصد تفليس ونزل بالقرب منها وسار في بعض الأيام في طائفة من العسكر وقصدها لينظر ويبصر مواضع النزول عليها وكيف يقاتلها فلما قاربها كمن اكثر العسكر الذي معه في عدة مواضع ثم تقدم اليها في نحو ثلاثة آلاف فارس فلما رآه من بها من الكرج طمعوا فيه لقلة من معه ولم يعلموا ما معهم فظهروا اليه فقاتلوه فتأخر عنهم فقوي طمعهم فظنوه منهزما متبعوه فلما توسطوا العساكر خرجوا عليهم ووضعوا السيف فيهم فقتل اكثرهم وانهزم الباقون إلى المدينة فدخلوها وتبعهم المسلمون فلما وصلوا اليها نادى المسلمون من اهلها بشعار الإسلام وباسم جلال الدين فألقى الكرج بأيديهم واستسلموا لأنهم كانوا قد قتل رجالهم في الوقعات المذكورة فقل عددهم وملئت قلوبهم خوفا ورعبا فملك المسلمون البلد عنوة وقهرا بغير أمان وقتل كل من فيه من الكرج ولم يبق على كبير ولا صغير إلا من اذعن بالإسلام وأقر بكلمتي الشهادة فإنهم أبقى عليهم وأمرهم فتختنوا وتركهم ونهب المسلمون الأموال وسبوا النساء واسترقوا الأولاد ووصل إلى المسلمين الذين بها بعض الأذى من قتل ونهب وغيره

وهذه تفليس من أحصن البلاد وأمنعها وهي على جانبي نهر الكرج وهو نهر كبير ولقد جل هذا الفتح وعظم موقعه في بلاد الإسلام وعند المسلمين فإن الكرج كانوا قد استطالوا عليهم وفعلوا بهم ما ارادوا فكانوا يقصدون أي بلاد أذربيجان ارادوا فلا يمنعهم عنها مانع ولا يدفعهم عنها دافع وهكذا أرزن الروم حتى إن صاحبها لبس خلعة ملك الكرج ورفع على رأسه علما منه في اعلاه صليب وتنصر ولده رغبة في نكاح ملكة الكرج وخوفا منهم ليدفع الشر عنه وقد تقدمت القصة وهكذا دربند شروان وعظم امرهم إلى حد ان ركن الدين بن قلج ارسلان صاحب قونية واقصرا وملطية وسائر بلاد الروم التي للمسلمين جمع عساكره وحشد معها غيرها فاستكثر وقصد أرزن الروم وهي لأخيه طغرل شاه بن قلج ارسلان فأتاه الكرج وهزموه وفعلوا به وبعسكره كل عظيم وكان أهل دربند شروان معهم في الضنك والشدة وأما ارمينية فإن الكرج دخلوا مدينة أرجيش وملكوا قرس وغيرها وحصروا خلاط فلولا أن الله سبحانه من على المسلمين بأسر ايواني مقدم عساكر الكرج لملكوها فاضطر اهلها إلى ان بنوا لهم بيعة في القلعة يضرب فيها الناقوس فرحلوا عنهم وقد تقدم تفصيل هذه الجملة ولم يزل هذا الثغر من اعظم الثغور ضررا على المجاورين من الفرس قبل الإسلام وعلى المسلمين بعدهم من اول الإسلام إلى الآن ولم يقدم أحد عليهم هذا الإقدام ولا فعل بهم هذه الأفاعيل فإن الكرج ملكوا تفليس سنة خمس عشرة وخمسمائة والسلطان حينئذ محمود بن محمد ابن ملكشاه السلجوقي وهو من اعظم السلاطين منزلة وأوسعهم مملكة وأكثرهم عساكر فلم يقدر على منعهم عنها هذا مع سعة بلاده فإنه كان له الري وأعمالها وبلد الجبل واصفهان وفارس وخوزستان والعراق وأذربيجان وأران وأرمينية وديار بكر والجزيرة والموصل والشام وغير ذلك وعمه السلطان سنجر له خراسان وما وراء النهر فكان اكثر بلاد الإسلام بأيديهم ومع هذا فإنه جمع عساكره سنة تسع عشرة وخمسمائة وسار إليهم بعد ان ملكوها فلم يقدر عليهم ثم ملك بعده اخوه السلطان مسعود فكذلك وملك الدكز بلد الجبل والري وأذربيجان وأران واطاعة صاحب خلاط وصاحب فارس وصاحب خوزستان وجمع وحشد لهم وكان قصاراه ان يتخلص منهم ثم ابنه البهلوان بعده وكانت البلاد في أيام أولئك كثيرة الأموال والرجال فلم يحدثوا انفسهم بالظفر بهؤلاء حتى جاء هذا السلطان والبلاد خراب قد اضعفها الكرج اولا ثم استأصلتها التتر لعنهم الله على ما ذكرنا ففعل بهم هذه الأفاعيل فسبحان من إذا أمرا قال له كن فيكون

ذكر مسير مظفر الدين صاحب اربل إلى الموصل وعوده عنها ص 461

في هذه السنة في جمادي الآخرة سار مظفر الدين بن زين الدين صاحب اربل إلى اعمال الموصل قاصدا اليها وكان السبب في ذلك انه استقرت القاعدة بينه وبين جلال الدين بن خوارزمشاه وبين الملك المعظم صاحب دمشق وبين صاحب آمد وبين ناصر الدين صاحب ماردين ليقدوا البلاد التي بيد الأشرف ويتغلبوا عليها ويكون لكل منهم نصيب ذكره واستقرت القواعد بينهم على ذلك فبادر مظفر الدين إلى الموصل واما جلال الدين فإنه سار من تفليس يريد خلاط فأتاه الخبر بذلك ترك خلاط ولم يقصدها إلا أن عسكره نهب بعض بلدها وخربوا كثيرا منه وسار مجدا إلى كرمان فانفسخ جميع ما كانوا عزموا عليه إلا أن مظفر الدين سار من إربل ونزل على جانب الزاب ولم يمكنه العبور إلى بلد الموصل وكان بدر الدين قد أرسل من الموصل إلى الأشرف وهو بالرقة يستنجده ويطلب منه أن يحضر بنفسه الموصل ليدفعوا مظفر الدين فسار منها إلى حران ومن حران إلى دنيسر فخرب بلد ماردين وأهلكه تخريبا ونهبا وأما المعظم صاحب دمشق فإنه قصد بلد حمص وحماة وأرسلت إلى مظفر الدين ليرجع عن بلد الموصل فرحل الأشرف عن ماردين وعاد كل منهم إلى بلده وخرجت أعمال الموصل وأعمال ماردين بهذه الحركة فإنها كانت قد أجحف بها تتابع الغلاء وطول مدته وجلاء أكثر أهلها فأتتها هذه الحادثة فازدادت خرابا

ذكر عصيان كرمان على جلال الدين ومسيره اليها ص 462

في هذه السنة في جمادى الآخرة وصل إلى جلال الدين ان نائبه بكرمان وهو امير كبير اسمه بلاق حاجب قد عصى عليه وطمع في البلدان يتملكها ويستبد بها لبعد جلال الدين عنها واشتغاله بما ذكرناه من الكرج وغيرهم وانه ارسل إلى التتر يعرفهم قوة جلال الدين وملكه كثيرا من البلاد وان اخذ الباقي عظمت مملكته وكثرت عساكره وسار اليكم وأخذ ما بأيديكم من البلاد فلما سمع جلال الدين ذلك وكان قد سار يريد خلاط فتركها وسار إلى كرمان يطوي المراحل أرسل بين يديه رسولا إلى صاحب كرمان ومعه الخلع ليطمئن ويأتيه وهو غير محتاط ولا مستعد للامتناع منه فلما وصل الرسول علم ان ذلك مكيدة عليه لما يعرفه من عادته فأخذ ما يعز عليه وصعد إلى قلعة منيعة فتحصن بها وجعل من يثق اليه من اصحابه في الحصون يمتنعون بها وأرسل إلى جلال الدين يقول إنني أنا العبد والمملوك ولما سمعت بمسيرك إلى هذه البلاد اخليتها لك لأنها بلادك ولو علمت انك تبقى علي لحضرت بابك ولكني اخاف وهذا جميعه والرسول يحلف له ان جلال الدين بتفليس وهو لا يلتفت إلى قوله فعاد الرسول فعلم جلال الدين انه لا يمكنه أخذ ما بيده من الحصون لأنه يحتاج ان يحصرها مدة طويلة فوقف بالقرب من اصفهان وارسل اليه الخلع وأقره على ولايته فبينما الرسل تتردد اذ وصل رسول من وزير جلال الدين اليه من تفليس يعرفه ان عسكر الملك الأشرف الذي بخلاط قد هزموا بعض عسكره واوقعوا بهم ويحثه على العود إلى تفليس فعاد اليها مسرعا

ذكر الحرب بين عسكر الأشرف وعسكر جلال الدين ص 462

لما سار جلال الدين إلى كرمان ترك بمدينة تفليس عسكرا مع وزيره شرف الملك فقلت عليهم الميرة فساروا إلى اعمال ارزن الروم فوصلوا اليها ونهبوها وسبوا النساء وأخذوا من الغنائم شيئا كثيرا لا يحصى وعادوا فكان طريقهم على اطراف ولاية خلاط فسمع النائب من الأشرف بخلاط وهو الحاجب حسام الدين على الموصل فجمع العسكر وسار اليهم فأوقع بهم واستنقذ ما معهم من الغنائم وغنم كثيرا مما معهم وعاد هو وعساكره سالمين فلما فعل ذلك خاف وزير جلال الدين منهم فأرسل إلى صاحبه بكرمان يعرفه الحال ويحثه على الوصول اليه ويخوفه عاقبة التواني والاهمال فرجع فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى

ذكر وفاة الخليفة الظاهر بأمر الله ص 463

في هذه السنة في الرابع عشر من رجب توفي الإمام الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله وقد تقدم نسبه عند وفاة أبيه رضي الله عنهما فكانت خلافته تسعة أشهر وأربعة عشر يوما وكان نعم الخليفة جمع الخشوع مع الخضوع لربه والعدل والإحسان إلى رعيته وقد تقدم عند ذكر ولايته الخلافة من افعاله ما فيه كفاية ولم يزل كل يوم يزداد من الخير والإحسان إلى الرعية فرضي الله عنه وأرضاه واحسن متقلبه ومثواه فلقد جدد من العدل ما كان دارسا وأذكر من الاحسان ما كان منسيا وكان قبل وفاته اخرج توقيعا إلى الوزير بخطه على أرباب الدولة وقال الرسول ( امير المؤمنين يقول ليس غرضنا ان يقال برز مرسوم أو نفذ مثال ثم لا يبين له أثر بل أنتم إلى امام فعال احوج منكم إلى امام قوال ) فقرؤه فإذا أوله بعد البسلمة اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالا ولا اغضاؤنا إغفالا ولكن لنبلوكم أيكم احسن عملا وقد عفونا لكم ما سلف من اخراب البلاد وتشريد الرعايا وتقبيح الشريعة وإظهار الباطل الجلي في صورة الحق الخفي حيلة ومكيدة وتسمية والاحتياج استيفاء واستدراكا لأغراض انتهزتم فرصها مختلسة من براثن ليث باسل وأنياب أسد مهين تتفقون بألفاظ مختلفة على معنى وأنت أمناؤه وثقاته فتميلون رأيه إلى هواكم وتمزجون باطلكم بحقه فيطيعكم وأنتم له عاصون ويوافقكم وأنتم له مخالفون والآن قد بدل الله سبحانه بخوفكم امنا وبفقركم غنى وبباطلكم حقا ورزقكم سلطانا يقيل العثرة ولا يؤاخذ إلا من اصر ولا ينتقم الا ممن استمر يأمركم بالعدل وهو يريده منكم وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم يخاف الله تعالى فيخوفكم مكره ويرجو الله تعالى ويرغبكم في طاعته فإن سلكتم مسالك نواب خلفاء الله في ارضه وأمنائه على خلقه وإلا هلكتم والسلام ولما توفي وجدوا في بيت في داره الوف رقاع كلها مختومة لم يفتحها فقيل له ليفتحها

فقال لا حاجة لنا فيها كلها سعايات ولم أزل علم الله سبحانه مذ ولي الخلافة أخاف عليه قصر المدة لخبث الزمان وفساد أهله وأقول لكثير من اصدقائنا وما اخوفني ان تقصر مدة خرفته لان زماننا وأهله لا يستحقون خلافته فكان كذلك

ذكر خلافة ابنه المستنصر بالله ص 464

لما توفي الظاهر بأمر الله بويع بالخلافة ابنه الأكبر أبو جعفر المنصور ولقب المستنصر بالله وسلك في الخير والإحسان إلى الناس سيرة أبيه رضي الله عنه وأمر فنودي ببغداد بإفاضة العدل وان من كان له حاجة أو مظلمة يطالع بها تقضى حاجته وتكشف مظلمته فلما كان أول جمعة أتت على خلافته اراد ان يصلي الجمعة في المقصورة التي كان يصلي فيها الخلفاء فقيل له ان المطبق الذي يسلك فيه اليها خراب لا يمكن سلوكه فركب فرسا وسار إلى الجامع جامع القصر ظاهرا يراه الناس بقميص أبيض وعمامة بيضاء بسكاكين حرير ولم يترك احدا يمشي معه من اصحابه بالصلاة إلى الموضع الذي كان يصلي فيه وسار هو ومعه خادمان وركابدار لا غير فصلى وعاد وكذلك الجمعة الثانية حتى اصلح له المطبق وكان السعر قد تحرك بعد وفاة الظاهر بأمر الله رضي الله عنه فبلغت الكارة ثمانية عشر قيراطا فأمر أن تباع الغلات التي له كل كارة بثلاثة عشر قيراطا فرخصت الأسعار واستقامت الأمور

ذكر الحرب بين كيقباذ وصاحب آمد ص 464

في هذه السنة في شعبان سار علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج ارسلان ملك بلاد الروم إلى بلاد الملك المسعود صاحب آمد وملك عدة من حصونه وسبب ذلك ما ذكرناه من اتفاق صاحب آمد مع جلال الدين خوارزمشاه والملك المعظم صاحب دمشق وغيرهما على خلاف الأشرف فلما رأى الأشرف ذلك أرسل إلى كيقباذ ملك الروم وكانا متفقين يطلب منه أن يقصد بلد صاحب آمد ويحاربه وكان الأشرف حينئذ على ماردين فسار ملك الروم إلى ملطية وهي له فنزل عندها وسير العساكر إلى ولاية صاحب آمد ففتحوا حصن منصور وحصن شمكازاد وغيرها فلما رأى صاحب آمد ذلك راسل الأشرف وعاد إلى موافقته فأرسل الأشرف إلى كيقباذ يعرفه ذلك ويقول له ليعيد إلى صاحب آمد ما أخذ منه فلم يفعل وقال لم اكن نائبا للأشرف يأمرني وينهاني فاتفق ان الأشرف سار إلى دمشق ليصلح أخاه الملك المعظم وأمر العساكر التي له بديار الجزيرة بمساعدة صاحب آمد ان اصر ملك الروم على قصده فسارت عساكر الأشرف إلى صاحب آمد وقد جمع عسكره ومن بلاده ممن يصلح للحرب وسار إلى عسكر ملك الروم وهم يحاصرون قلعة الكختا فالتقوا هناك في شوال فانهزم صاحب آمد ومن معه من العسكر هزيمة عظيمة وجرح كثير وأسر وملك عسكر كيقباذ قلعة الكختا بعد الهزيمة وهي من أمنع الحصون والمعاقل فلما ملكوه عادوا إلى صاحبهم

ذكر حصر جلال الدين مدينتي آني وقرس ص 465

في هذه السنة في رمضان عاد جلال الدين من كرمان كما ذكرناه إلى تفليس وسار منها إلى مدينة آني وهي للكرج وبها إيوائي مقدم عساكر الكرج فيمن بقي معه من اعيان الكرج فحصره وسير طائفة من العسكر إلى مدينة قرس وهي للكرج ايضا وكلاهما من احصن البلاد وامنعها فنازلهما وحضرهما وقاتل من بهما ونصب عليهما المجانيق وجد في القتال عليهما وحفظهما تلكرج وبالغوا في الحفظ والاحتياط لخوفهم منه ان يفعل بهم ما فهل بأشياعهم من قبل بمدينة تفليس وأقام عليهما إلى ان مضى بعض شوال ثم ترك العسكر عليهما يحصرونهما وعاد إلى تفليس وسار من تفليس مجدا إلى بلاد ابخاز وبقايا الكرج فأوقع بمن فيها فنهب وقتل وسبى وخرب البلاد واحرقها وغنم عساكره ما فيها وعاد منها إلى تفليس

ذكر حصر جلال الدين خلاط ص 465

قد ذكرنا ان جلال الدين عاد من مدينة آني إلى تفليس ودخل بلاد ابخاز وكان رحيله مكيدة لأنه بلغه ان النائب عن الملك الأشرف وهو الحاجب حسام الدين على مدينة خلاط قد احتاط واهتم بالأمر وحفظ البلاد لقربه منه فعاد إلى تفليس ليطمئن أهل خلاط وتركوا الاحتياط والاستظهار ثم يقصدهم بغتة فكانت غيبته ببلاد ابخاز عشرة ايام وعاد وسار مجدا على عادته فلم يكن عنده من يراسل نواب الأشرف بالأخبار لفجأهم على غفلة منهم وإنما كان عنده بعض ثقاته يعرفهم أخباره وكتب اليهم يحذرهم فوصل الخبر اليهم قبل وصوله بيومين ووصل جلال الدين فنازل مدينة ملازكرد يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة ثم رحل عنها فنازل مدينة خلاط يوم الاثنين خامس عشر فلم ينزل حتى زحف اليها وقاتل اهلها قتالا شديدا فوصل عسكره سور البلد وقتل بينهم قتلى كثيرة ثم زحف اليها مرة ثانية وقاتل اهل البلد قتالا عظيما فعظمت نكاية العسكر في أهل خلاط ووصلوا إلى سور البلد ودخلوا الربض الذي له ومدوا أيديهم في النهب وسبي الحريم فلما رأى أهل خلاط ذلك تذامروا وحرض بعضهم بعضا فعادوا إلى العسكر فقاتلوهم وأخرجوهم من البلد وقتل بينهم خلق كثير وأسر العسكر الخوارزمي من أمراء خلاط جماعة وقتل منهم كثير وترجل الحاجب علي ووقف في نحر العدو وأبلي بلاء عظيما ثم إن جلال الدين استراح عدة أيام وعاود الزحف مثل أول يوم فقاتلوه حتى ابعدوا عسكره عن البلد وكان أهل خلاط مجدين في القتال حريصين على المنع عن انفسهم لما رأوا من سوء سيرة الخوارزميين ونهبهم البلاد وما فيهم من الفساد فهم يقاتلون قتال من يمنع عن نفسه وحريمه وماله ثم أقام عليها إلى أن اشتد البرد ونزل شيء من الثلج فرحل عنها يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة من السنة وكان سبب رحيله مع خوف الثلج ما بلغه عن التركمان الإيوائية من الفساد ببلاده

ذكر ايقاع جلال الدين بالتركمان الايوائية ص 466

كان التركمان الايوائية قد تغلبوا على مدينة أشتر وأرمية من نواحي اذربيجان وأخذوا الخراج من اهل خوي ليكفوا عنهم واغتروا باشتغال جلال الدين بالكرج وبعدهم بخلاط وازداد طمعهم وانبسطوا بأذربيجان ينهبون ويقطعون الطريق والأخبار تأتي إلى خوارزمشاه جلال الدين وهو يتغافل عنهم لاشتغاله بما هو أهم عنده وبلغ من طمعهم انهم قطعوا الطريق بالقرب من تبريز واخذوا من تجار اهلها شيئا كثيرا ومن جملة ذلك أنهم اشتروا غنما من ارزن الروم وقصدوا بها تبريز فلقيهم الايوائية قبل وصولهم إلى تبريز فأخذوا جميع ما معهم ومن جملته عشرون الف رأس غنم فلما اشتد ذلك على الناس وعظم الشر أرسلت زوجة جلال الدين ابنة السلطان طغرل ونوابه في البلاد إليه يسغيثون ويعرفونه أن البلاد قد خربها الإيوائية ولئن لم يلحقها وإلا هلكت بالمرة فاتفق هذا إلى خوف الثلج فرحل عن خلاط وجد السير الى الايوائية وهم آمنون مطمئنون لعلمهم ان خوارزمشاه على خلاط وظنوا انه لا يفارقها فلولا هذا الإعتقاد لصعدوا إلى جبال لهم منيعة شاهقة لا يرتقى اليها إلا بمشقة وعناء فإنهم كانوا إذا خافوا صعدوا اليها وامتنعوا بها فلم يرعهم إلا والعساكر الجلالية قد احاطت بهم واخذهم السيف من كل جانب فأكثروا القتل فيهم والنهب والسبي واسترقوا الحريم والأولاد واخذوا من عندهم ما لايدخل تحت الحصر فرأوا كثيرا من الأمتعة التي اخذوها من التجار بحالها في الشذوات لم تحل هذا سوى ما كانوا قد حلوه وفصلوا فلما فرغ عاد إلى تبريز

ذكر الصلح بين المعظم والأشرف ص 467

نبتدئ بذكر سبب الاختلاف فنقول لما توفي الملك العادل أبو بكر بن أيوب اتفق أولاده الملوك بعده إتفاقا حسنا وهم الملك الكامل محمد صاحب مصر والملك المعظم عيسى صاحب دمشق والبيت المقدس وما يجاورها من البلاد والملك الأشرف موسى وهو صاحب ديار الجزيرة وخلاط واجتمعت كلمتهم على دفع الفرنج عن الديار المصرية ولما رحل الكامل عن دمياط لما كان الفرنج يحصرونها صادقة أخوه المعظم من الغد وقويت نفسه وثبت قدمه ولولا ذلك لكان الأمر عظيما وقد ذكرنا ذلك مفصلا ثم إنه عاد من مصر وسار إلى أخيه ببلاد الجزيرة مرتين يستنجده على الفرنج ويحثه على مساعدة أخيه الكامل ولم يزل به حتى أخذه وسار إلى مصر وأزالوا الفرنج عن الديار المصرية كما ذكرناه قبل فكان اتفاقهم سببا لحفظ بلاد الإسلام وسر الناس أجمعون بذلك فلما فارق الفرنج مصر وعاد كل من الملوك أولاد العادل إلى بلده بقوا كذلك يسيرا ثم سار الأشرف إلى أخيه الكامل بمصر فاجتاظ بأخيه المعظم بدمشق فلم يستصحبه معه وأطال المقام بمصر فلا شك أن المعظم سار إلى مدينة حماة وحصرها فأرسل إليه أخواه من مصر ورحلاه عنها كارها فازداد نفورا وقيل إنه نقل إليه عنهما أنهما اتفقا عليه والله أعلم بذلك ثم انضاف إلى ذلك أن الخليفة الناصر لدين الله رضي الله عنه كان قد استوحش من الكامل لما فعله ولده صاحب اليمن بمكة من الاستهانة بأمير الحاج العراقي فأعرض عنه وعن أخيه الأشرف لاتفاقهما وقاطعهما وراسل مظفر الدين كوكبري بن زين الدين على صاحب إربل لعلمه بانحرافه عن الأشرف واستماله واتفقا على مراسلة المعظم وتعظيم الأمر عليه فمال إليهما وانحرف عن أخويه ثم اتفق ظهور جلال الدين وكثرة ملكه فاشتد الأمر على الأشرف بمجاورة جلال الدين خوارزمشاه ولاية خلاط ولان المعظم بدمشق يمنع عنه عساكر مصر ان تصل إليه وكذلك عساكر حلب وغيرها من الشام فرأى الأشرف ان يسير إلى أخيه المعظم بدمشق فسار إليه من شوال واستماله وأصلحه فلما سمع الكامل بذلك عظم عليه وظن أن اتفاقهما عليه ثم إنهما راسلاه وأعلماه بنزول جلال الدين على خلاط وعظما الأمر عليه وأعلماه أن هذه الحال تقتضي الاتفاق لعمارة البيت العادلي وانتضت السنة والأشرف بدمشق والناس على موضعهم ينتظرون خروج الشتاء ما يكون من الخوازميين وسنذكر ما يكون سنة أربع وعشرين وستمائة إن شاء الله تعالى

ذكر الفتنة بين الفرنج والأرمن ص 468

في هذه السنة جمع البرنس الفرنجي صاحب انطاكية جموعا كثيرة وقصد الارمن الذين في الدروب من بلاد ابن ليون فكان بينهم حرب شديدة وسبب ذلك ان ابن ليون الأرمني صاحب الدروب توفي قبل ولم يخلف ولدا ذكرا إنما خلف بنتا فملكها الأرمن عليهم ثم علموا ان الملك لا يقوم بامرأة فزوجوها من ولد البرنس فتزوجها وانتقل إلى بلدهم واستقر في الملك نحو سنة ثم ندموا على ذلك وخافوا ان يستولي الفرنج على بلادهم فثاروا بابن البرنس فقبضوا عليه وسجنوه فأرسل أبوه يطلب أن يطلق ويعاد في الملك فلم يفعلوا فأرسل إلى بابا ملك الفرنج برومية الكبرى يستأذنه في قصد بلادهم وهذا ملك رومية أمره عند الفرنج لا يخالف فمنعه عنهم

وقال إنهم اهل ملتنا ولا يجوز قصد بلادهم فخالفه وأرسل إلى علاء الدين كيقباذ ملك قونية وملطية وما بينهما من بلاد المسلمين وصالحه ووافقه على قصد بلاد ابن ليون والاتفاق على قصدها فاتفقا على ذلك وجمع البرنس عساكره ليسير إلى بلاد الارمن فخالف عليه الداوية والاسبتار وهما جمرة الفرنج فقالوا إن ملك رومية نهايا عن ذلك إلا انه اطاعه غيرهم فدخل اطراف بلاد الأرمن وهي مضايق وجبال وعرة فلم يتمكن من فعل ما يريد وأما كيقباذ فإنه قصد بلاد الارمن من جهتخ وهي اسهل مدخلا من جهة الشام فدخلها سنة اثنتين وعشرين وستمائة فنهبها وأحرقها وحصر عدة حصون ففتح اربعة حصون وادركه الشتاء فعاد عنها فلما سمع بابا ملك الفرنج برومية أرسل إلى الفرنج بالشام يعلمهم أنه قد حرم البرنس فكان الداوية والاسبتارية وكثير من الفرنج لا يحضرون معه ولا يسمعون قوله وكان اهل بلاده وهي انطاكية وطرابلس اذا جاءهم عيد يخرج من عندهم فإذا فرغوا من عيدهم دخل البلد ثم إنه ارسل إلى ملك رومية يشكو من الأرمن وانهم لم يطلقوا ولده فأرسل إلى الارمن يأمرهم بإطلاق ابنه واعادته إلى الملك فإن فعلوا والا فقد أذن له في قصد بلادهم فلما بلغتهم الرسالة لم يطلقوا ولده فجمع البرنس وقصد بلاد الأرمن فأرسل الارمن إلى الاتابك شهاب الدين بحلب يستنجدونه ويخوفونه من البرنس ان استولى على بلادهم لأنها تجاور اعمال حلب فأمدهم بجند وسلاح فلما سمع البرنس ذلك صمم العزم على قصد بلادهم فسار اليهم وحاربهم فلم يحصل على غرض فعاد عنهم

حدثني بهذا رجل من عقلاء النصارى ممن دخل تلم البلاد وعرف حالها وسألت غيره فعرف البعض وأنكر البعض

ذكر عدة حوادث ص 469

في هذه السنة انخسف القمر مرتين اولاهما ليلة رابع عشر صفر

وفيها كانت اعجوبة بالقرب من الموصل حامة تعرف بعين القيارة شديدة الحرارة تسميها الناس عين ميمون ويخرج مع الماء قليل من القار فكان الناس يسبحون فيها دائما في الربيع والخريف لأنها تنفع من الأمراض الباردة كالفالج وغيره نفعا عظيما فكان من يسبح فيها يجد الكرب الشديد من حرارة الماء ففي هذه السنة برد الماء فيها حتى كان السابح فيها يجد البرد فتركوها وانتقلوا إلى غيرها

وفيها كثرت الذئاب والخنازير والحيات فقتل كثير فلقد بلغني ان ذئبا دخل الموصل فقتل فيها

وحدثني صديق لنا له بستان بظاهر الموصل أنه قتل فيه في سنة اثنتين وعشرين وستمائة جميع الصيف حيتين وقتل هذه السنة إلى اول حزيران سبع حيات لكثرتها وفيها انقطع المطر بالموصل واكثر البلاد الجزرية من خامس شباط إلى ثاني عشر نيسان ولم يجر شيء يعتد به لكنه سقط اليسير منه في بعض القرى فجاءت الغلات قليلة ثم خرج الجراد الكثير فازدادت الناس اذى وكانت الأسعار قد صلحت شيئا فعادت لكثرة الجراد غلت ونزل ايضا في كثير من القرى برد كبير اهلك زروع اهلها وأفسدها واختلفت اقاويل الناس في اكبره كان وزن بردة مائتي درهم وقيل رطل وقيل غير ذلك إلا انه اهلك كثيرا من الحيوان وانقضت هذه السنة والغلاء باق واشتد بالموصل

وفيها اصطاد صديق لنا أرنبا فرآه وله انثيان وذكر وفرج انثى فلما شقوا بطنها رأوا فيها حريفين سمعت هذا منه ومن جماعة كانوا معه وقالوا ما زلنا نسمع ان الأرنب يكون سنة ذكرا وسنة أنثى ولا نصدق بذلك فلما رأينا هذا علمنا أنه قد حمل وهو أنثى وانقضت السنة فصار ذكرا فإن كان كذلك فيكون في الارانب كالخنثى من بني آدم يكون لأحدهم فرج الرجل وفرج الأنثى

فإني كنت بالجزيرة ولنا جار له بنت اسمها صفية فبقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة إذ قد كلع لها ذكر رجل ونبتت لحيتها فكان لها فرج امرأة وذكر رجل

وفيها ذبح إنسان عندنا رأس غنم فوجد لحمه مرا شديد المرارة حتى رأسه واكارعه ومعلاقه وجميع اجزائه وهذا ما لم يسمع بمثله

وفيها في يوم الاربعاء الخامس والعشرين من ذي القعدة ضحوة النهار زلزلت الأرض بالموصل وكثير من البلاد العربية والعجمية وكان اكثرها بشهروزر فإنها خرب اكثرها لا سيما القلعة فإنها اجحفت بها وخرب من تلك الناحية ست قلاع وبقيت الزلزلة تتردد فيها نيفا وثرثين يوما ثم كشفها الله عنهم وأما القرى بتلك الناحية فخرب أكثرها

وفيها في رجب توفي القاضي حجة الدين أبو منصور المظفر بن عبد القاهر بن الحسن بن علي بن القاسم الشهرزوري قاضي الموصل بها وكان قد اضر قبل وفاته بنحو سنتين وكان عالما بالقضاء عفيفا نزها ذا رياسة كبيرة وله صلات دارة للمقيم والوارد رحمه الله فلقد كان من محاسن الدنيا ولم يخلف غير بنت توفيت بعده بثلاثة اشهر

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.