في هذه السنة سارت الكرج في جموعها إلى مدينة كنجة من بلاد أران قصدا لحصرها وامتدوا لها بما امكنهم من القوة لأن اهل كنجة كثير عددهم قوية شوكتهم وعندهم شجاعة كبيرة من طول ممارستهم للحرب مع الكرج فلما وصلوا إليها وقاربوا قاتلوا اهلها عدة ايام من وراء السور ولم يظهر من اهلها أحد ثم في بعض الأيام خرج اخل كنجة ومن عندهم من العسكر من البلد وقاتلوا الكرج بظاهر البلد أشد قتال وأعظمه فلما رأى الكرج ذلك علموا انهم لا طاقة لهم بالبلد فرحلوا بعد ان اثخن أهل كنجة فيهم ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وستمائة
في أول هذه السنة وصل جلال الدين بن خوارزمشاه محمد بن تكش إلى بلاد خوزستان والعراق وكان مجيئه من بلاد الهند لأنه كان وصل اليها لما قصد التتر غزنة وقد ذكرنا ذلك فلما تعذر عليه المقام ببلاد الهند سار عنها على كرمان ووصل إلى اصفهان وهي بيد اخيه غياث الدين وقد تقدمت اخباره فملكها وسار عنها إلى بلاد فارس وكان اخوه قد استولى على بعضها كما ذكرناه
فأعاد ما كان اخوه اخذه منها إلى اتابك سعد صاحبها وصالحه وسار من عنده إلى خوزستان فحصر مدينة تستر في المحرم وبها الأمير مظفر الدين المعروف بوجه السبع مملوك الخليفة الناصر لدين الله حافظا لها وأميرا عليها فحصره جلال الدين وضيق عليه فحفظها وجه السبع وبالغ في الحفظ والاحتياط وتفرق الخوارزمية ينهبون حتى وصلوا إلى بادرايا وباكسايا وغيرهما وانحدر بعضهم إلى ناحية البصرة فنهبوا هنالك فسار إليهم شحنة البصرة وهو الأمير ملتكين فأوقع بهم وقتل منهم جماعة فدام الحصار نحو شهرين ثم رحل عنها بغتة وكانت عساكر الخليفة مع مملوكه جمال الدين قشتمر بالقرب منه فلما رحل جلال الدين لم يقدر العسكر على منعه فسار إلى ان وصل إلى يعقوبا وهي قرية مشهورة بطريق خراسان بينها وبين بغداد نحو سبعة فراسخ فلما وصل الخبر إلى بغداد تجهزوا للحصار واسلحوا السلاح من الجروخ والقسي والنشاب والنفط وغير ذلك وعاد عسكر الخليفة إلى بغداد واما عسكر جلال الدين فنهب البلاد وأهلها وكان قد وصل هو وعسكره إلى خوزستان في ضر شديد وجهد جهيد وقلة من الدواب والذي معهم فهو من الضعف إلى حد لا ينتفع به فغنموا من البلاد جميعها واستغنوا واكثروا من اخذ الخيل والبغال فانهم كانوا في غاية الحاجة اليها وسار من يعقوبا إلى دقوقا فحصرها فصعد أهلها إلى السور وقاتلوه وسبوه وأكثروا من التكبير فعظم ذلك عنده وشق عليه وجد في قتالهم ففتحها عنوة وقهرا ونهبتها عساكره وقتلوا كثيرا من اهلها فهرب من سلم منهم من القتل وتفرقوا في البلاد
ولما كان الخوارزميون على دقوقا سارت سرية منهم إلى البت والراذان فهرب اهلها إلى تكريت فتبعهم الخوارزميون فجرى بينهم وبين عسكر تكريت وقعة شديدة فعادوا إلى العسكر ولقد رأيت بعض أعيان أهل دقوقا وهم بنو يعلى وهم أغنياء فنهبوا وسلم احدهم ومعه ولدان له وشيء يسير من المال فسير ما سلم معه إلى الشام مع الولدين ليتجر بما ينتفعون به وينفقونه على نفوسهم فمات أحد الولدين بدمشق واحتاط الحاكم على ما معهم فلقد رأيت أباهم على حالة شديدة لا يعلمها الا الله يقول اخذت الأملاك وقتل بعض الأهل وفارقنا من سلم منهم والوطن بهذا القدر الحقير اردنا نكف به وجوهنا من السؤال ونصون أنفسنا فقد ذهب الولد والمال ثم سار إلى دمشق ليأخذ ما سلم مع ابنه الآخر فأخذه وعاد إلى الموصل فلم يبق غير شهر حتى توفي
( ان الشقي بكل حبل يخنق % )
وأما جلال الدين فإنه لما فعل بأهل دقوقا ما فعل خافه أهل البوازيج وهي لصاحب الموصل فأرسلوا اليه يطلبون منه ارسال شحنة اليهم يحميهم وبذلوا له شيئا من المال فأجابهم إلى ذلك وسير اليهممن يحميهم قيل كان بعض أولاد جنكزخان ملك التتر أسره جلال الدين في بعض حروبه مع التتر فأكرمه فحماهم وأقام بمكانه إلى اواخر ربيع الآخر والرسل مترددة بينه وبين مظفر الدين صاحب اربل فاصطلحوا فسار جلال الدين إلى اذربيجان وفي مدة مقام جلال الدين بخوزستان والعراق ثارت العرب في البلاد يقطعون الطريق وينهبون القرى ويخيفون السبيل فنال الخلق منهم أذى شديد وأخذوا في طريق العراق قفلين عظيمين كانا سائرين إلى الموصل فلم يسلم منهم شيء البتة
في هذه السنة في صفر توفي الملك الأفضل علي بن صلاح الدين يوسف بن ايوب فجأة بقلعة سميساط وكان عمره نحو سبع وخمسين سنة وقد ذكرنا سنة تسع وثمانين وخمسمائة عند وفاة والده رحمه الله ملكه مدينة دمشق والبيت المقدس وغيرهما من الشام وذكرنا سنة اثنتين وتسعين اخذ الجميع منه وانتقل إلى سميساط وأقام بها ولم يزل بها إلى الان فتوفي بها وكان رحمه الله من محاسن الزمان لم يكن في الملوك مثله كان خيرا عادلا فاضلا حليما كريما قل أن عاقب على ذنب ولم يمنع طالبا وكان يكتب خطا حسنا وكتابة جيدة وبالجملة فاجتمع فيه من الفضائل والمناقب ما تفرق في كثير من الملوك لا جرم حرم الملك والدنيا وعاداه الدهر ومات بموته كل خلق جميل وفعل حميد فرحمه الله ورضي عنه ورأيت من كتابته أشياء حسنة فمما بقي على خاطري منها أنه كتب إلى أصحابه لما أخذت دمشق منه كتابا من فصوله وأما أصحابنا بدمشق فلا علم لي بأحد منهم وسبب ذلك أني
( أي صديق سألت عنه ففي الذل % وتحت الخمول في الوطن )
( وأي ضد سألت حالته % سمعت مالا تحبه أذني )
فتركت السؤال عنهم وهذا غاية الجودة في الاعتذار عن ترك السؤال عنهم ولما مات اختلف أولاده وعمهم قطب الدين موسى ولم يقو أحد منهم على الباقين ليستبد بالأمر
ومات في هذه السنة صاحب ارزن الروم وهو مغيث الدين طغرل بن قلج أرسلان وهو الذي سير ولده إلى الكرج وتنصر وتزوج ملكة الكرج ولما مات ملك بعده ابنه
ومات فيها ملك ارزنكان وتوفي فيها عز الدين الخضر بن إبراهيم بن أبي بكر بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان صاحب خرت برت وملك بعده ابنه نور الدين أرتق شاه وكان المدبر لدولته ودولة والده معين الدين عبد الرحمن
في هذه السنة ثار على شروان شاه ولده فنزعه من الملك وأخرجه من البلاد وملك بعده وسبب ذلك أن شروان شاه كان سيء السيرة كثير الفساد والظلم يتعرض إلى اموال الرعايا وأملاكهم وقيل أيضا إنه كان يتعرض إلى النساء والولدان فاشتدت وطأته على الناس فاتفق بعض العسكر مع ولده وأخرجوا اباه من البلاد وملك الابن واحسن السيرة فأحبه العساكر والرعية وأرسل الولد إلى أبيه يقول له إني أردت أن أتركك في بعض القلاع وأجري لك الجرايات الكثيرة ولكل من تحب أن يكون عندك والذي حملني على ما فعلت معك سوء سيرتك وظلمك لأهل البلاد وكراهيتهم لك ولدولتك فلما رأى الأب ذلك سار إلى الكرج واستنصر بهم وقرر معهم أن يرسلوا معه عسكرا يعيدونه إلى ملكه ويعطيهم نصف البلاد فسيروا معه عسكرا كثيرا فسار حتى قارب مدينة شروان فجمع ولده العسكر وأعلمهم الحال وقال إن الكرج متى حصرونا ربما ظفروا بنا وحينئذ لا يبقي أبي على أحد منا ويأخذ الكرج نصف البلاد وربما أخذوا الجميع وهذا أمر عظيم إننا نسير إليهم جريدة ونلقاهم فإن ظفرنا بهم فالحمد لله وإن ظفروا بنا فالحصر بين أيدينا فأجابوه إلى ذلك فخرج في عسكره وهم قليل نحو الف فارس ولقوا الكرج وهم في ثلاثة آلاف مقاتل فالتقوا واقتتلوا وصبر أهل شروان فانهزم الكرج فقتل كثير منهم وأسر كثير ومن سلم عاد بأسوأ حال وشروان شاه المخلوع معهم فقال له مقدموا الكرج إننا لم نلق بسببك خيرا ولا نؤاخذك بما كان منك فلا تقم ببلادنا ففارقهم وبقي مترددا لا يأوي إلى أحد واستقر ولده في الملك وأحسن إلى الجند والرعية وأعاد إلى الناس أملاكهم ومصادراتهم فاغتبطوا بولايته
وفي هذه السنة ايضا سار جمع من الكرج من تفليس يقصدون أذربيجان والبلاد التي بيد اوزبك فنزلوا وراء مضيق في الجبال لا يسلك إلا للفارس معه الفرس فنزلوا آمنين من المسلمين استضعافا لهم واغترار بحصانة موضعهم وأنه لا طريق اليهم وركب طائفة من العساكر الإسلامية وقصدوا الكرج فوصل إلى ذلك المضيق فجازوه مخاطرين فلم يشعر الكرج إلا وقد غشيهم المسلمون ووضعوا فيهم السيف فقتلوهم كيف شاؤوا وولى الباقون منهزمين لا يلوي والد على ولده ولا أخ على أخيه وأسر منهم جمع كثير صالح فعظم الأمر عليهم وعزموا على الأخذ بثارهم والجد في قصد أذربيجان واستئصال المسلمين منه وأخذوا يتجهزون على قدر عزمهم فبينما هم في ذلك إذ وصل اليهم الخبر بوصول جلال الدين بن خوارزمشاه إلى مراغة على ما نذكره إن شاء الله فتركوا ذلك وأرسلوا إلى أوزبك صاحب أذربيجان يدعونه إلى الموافقة على رد جلال الدين وخوفوه منه إن لم نتفق نحن وأنت وإلا أخذك ثم أخذنا فعاجلهم جلال الدين قبل اتفاقهم واجتماعهم فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى
في هذه السنة استولى جلال الدين على أذربيجان وسبب ذلك انه لما سار من دقوقا كما ذكرناه قصد مراغة فملكها وأقام بها وشرع في عمارة البلد فاستحسنه فلما وصل اليها أتاه الخبر أن الأمير إيغان طائيسي وهو خال أخيه غياث الدين قد قصد همذان قبل وصول جلال الدين بيومين وكان ايغان طائيسي هذا قد جمع عسكرا يتجاوز خمسين الف فارس ونهب كثيرا من أذربيجان وسار إلى البحر من بلد أران فشتى هنالك لقلة البرد ولما عاد إلى همذان نهب أذربيجان ايضا مرة ثانية وكان سبب مسيره إلى همذان أن الخليفة الناصر لدين الله راسله وأمره بقصد همذان وأقطعه إياها وغيرها فسار ليستولي عليها كما أمر فلما سمع جلال الدين بذلك سار جريدة إليه فوصل إلى ايغان طائيسي ليلا وكان إذا نزل جعل حول عسكره جميع ما غنموا من أذربيجان وأران من خيل وبغال وحمير وبقر وغنم فلما وصل جلال الدين أحاط بالجميع فلما أصبح عسكر إيغان طائيسي ورأى العسكر والجتر الذي يكون على رأس السلطان علموا أنه جلال الدين فسقط في أيديهم لأنهم كانوا يظنونه عند دقوقا فأرسل ايغان طائيسي زوجته وهي اخت جلال الدين تطلب له الأمان فأمنه وأحضره عنده وانضاف عسكره إلى جلال الدين وبقي إيغان طائيسي وحده إلى ان اضاف إليه جلال الدين عسكرا وعاد إلى مراغة وأعجبه المقام بها وكان أوزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان وأران قد سار من تبريز إلى كنجة خوفا من جلال الدين وأرسل جلال الدين إلى من في تبريز من وال وأمير ورئيس يطلب منهم أن يتردد عسكره إليهم يمتارون فأجابوه إلى ذلك وأطاعوه فتردد العسكر اليها وباعوا واشتروا الأقوات والكسوان وغيرها ومدوا أيديهم إلى اموال الناس فكان أحدهم يأخذ الشيء ويعطي الثمن ما يريد فشكا بعض أهل تبريز إلى جلال الدين منهم فأرسل إليهم شحنة يكون عندهم وأمر أن يقيم بتبريز ويكف أيدي الجند عن أهلها ومن تعدى على أحد منهم صلبه فأقام الشحنة ومنع الجند من التعدي على أحد من الناس وكانت زوجة أوزبك وهي ابنة السلطان طغرل بن ارسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه مقيمة بتبريز وهي كانت الحاكمة في بلاد زوجها وهو مشغول بلذاته من أكل وشرب ولعب
ثم إن أهل تبريز شكوا من الشحنة وقالوا انه يكلفنا اكثر من طاقتنا فأمر جلال الدين أنه لا يعطي إلا ما يقيم به لا غير ففعلوا ذلك وسار جلال الدين إلى تبريز وحصرها خمسة أيام وقاتل أهلها قتالا شديدا وزحف اليها فوصل العسكر إلى السور فأذعن أهلها بالطاعة وأرسلوا يطلبون الأمان منه لأنه كان يذمهم ويقول قتلوا اصحابنا المسلمين وأرسلوا رؤوسهم إلى التتر الكفار وقد تقدمت الحادثة سنة إحدى وعشرين وستمائة فخافوا منه لذلك فلما طلبوا الأمان ذكر لهم فعلهم بأصحاب أبيه وقتلهم فاعتذروا بأنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك وإنما فعله صاحبهم ولم يكن لهم من القدرة ما يمنعونه فعذرهم وأمنهم وطلبوا منه أن يؤمن زوجة أوزبك ولا يعارضها في الذي لها بأذربيجان ومدينة خوى وغيرها من ملك ومال وغيره فأجابهم إلى ذلك وملك البلد سابع عشر رجب من هذه السنة وسير زوجة أوزبك إلى خوى ومعها طائفة من العسكر من رجل كبير القدر عظيم المنزلة وأمرهم بخدمتها فإذا وصلت إلى خوى من العسكر من رجل كبير القدر عظيم المنزلة وأهرهم بخدمتها فإذا وصلت إلى خوى عادوا عنها ولما رحل جلال الدين إلى تبريز امر ان لا يمنعوا عنه احدا من أهلها فأتاه الناس مسلمين عليه فلم يحجبوا عنه وأحسن إليهم وبث فيهم العدل ووعدهم الإحسان والزيادة منه وقال لهم قد رأيتهم ما فعلت بمراغة من الإحسان والعمارة بعد أن كانت خرابا وسترون كيف أصنع معكم من العدل فيكم وعمارة بلادكم وأقام إلى يوم الجمعة فحضر الجامع فلما خطب الخطيب ودعا للخليفة قام قائما ولم يزل كذلك حتى فرغ من الدعاء وجلس ودخل إلى كشك كان أوزبك قد عمره وأخرج عليه من الأموال كثيرا فهو في غاية الحسن مشرف على البساتين فلما طاف فيه خرج منه وقال وهذا مسكن الكسالى لا يصلح لنا وأقام أياما استولى فيها على غيرها من البلاد وسير الجيوش إلى بلاد الكرج
قد ذكرنا فيما تقدم من السنين ما كان يفعلونه في بلاد الإسلام خلاط وأعمالها وأذربيجان وأران وأرزن الروم ودربند شروان وهذه ولايات تجاور بلادهم وما كانوا يسفكون من دماء المسلمين وينهبون من أموالهم ويملكون من بلادهم والمسلمون معهم في هذه البلاد تحت الذل والخزي كل يوم قد أغاروا وفتكوا فيهم وقاطعوهم على ما شاؤوا من الأموال فكنا كلما سمعنا بشيء من ذلك سألنا الله تعالى نحن والمسلمون في أن ييسر للإسلام والمسلمين من يحميهم وينصرهم ويأخذ بثارهم فإن أوزبك صاحب أذربيجان منعكف على شهوة بطنه وفرجه لا يفيق من سكره وإن هو أفاق فهو مشغول بالقمار بالبيض وهذا ما لم يسمع أن أحدا من الملوك فعله لا يهتدي لمصلحة ولا يغضب لنفسه بحيث ان بلاده مأخوذة وعساكره طماعة ورعيته قد قهرها وقد كان كل من أراد أن يجمع جمعا ويتغلب على بعض البلاد فعل كما ذكرناه من حال بغدي وأبيك الشامي ولإيغان طائيسي فنظر الله تعالى إلى أهل هذه البلاد المساكين بعين الرحمة فرحمهم ويسر لهم جلال الدين هذا ففعل بالكرج ما تراه وانتقم للإسلام والمسلمين منهم فنقول في هذه السنة كان المصاف بين جلال الدين وبين الكرج في شهر شعبان فإن جلال الدين من حين قصد إلى هذه النواحي لا يزال يقول إنني أريد أقصد بلاد الكرج واقاتلهم وأملك بلادهم فلما ملك أذربيجان أرسل إليهم يؤذنهم فأجابوه بأننا قد قصدنا التتر الذين فعلوا بأيبك وهو أعظم منك ملكا وأكثر عسكرا وأقوى نفسا ما تعلمه وأخذوا بلادكم فلم نبال بهم وكان قصاراهم السلامة منا وشرعوا يجمعون العساكر فجمعوا ما يزيد على سبعين ألف مقاتل فسار اليهم فملك مدينة دوين وهي للكرج كانوا قد أخذوها من المسلمين كما ذكرناه وسار منها اليهم فلقوه وقاتلوه اشد قتال وأعظمه وصبر كل منهم لصاحبه فانهزم الكرج وأمر ان يقتلوا بكل طريق ولا يبقوا على أحد منهم فالذي تحققنا انه قتل منهم عشرون الفا وقيل اكثر من ذلك فقيل الكرج جميعهم قتلوا وافترقوا وأسر كثير من أعيانهم من جملتهم شلوة فتمت الهزيمة عليهم ومضى إيواني منهزما وهو المقدم على الكرج جميعهم ومرجعهم إليه ومعولهم عليه وليس لهم ملك إنما الملك امرأة ولقد صدق رسول الله حيث يقول ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ) فلما انهزم إيواني أدركه الطلب فصعد قلعة لهم على طريقهم فاحتمى فيها وجعل جلال الدين عليها من يحصرها ويمنعه من النزول وفرق عساكره في بلاد الكرج ينهبون ويقتلون ويسبون ويخربون البلاد فلولا ما أتاه من تبريز مما أوجب عوده لملك البلاد بغير تعب ولا مشقة لأن اهلها كانوا قد هلكوا فهم بين قتيل وأسير وطريد
لما فرغ جلال الدين من هزيمة الكرج ودخل البلاد وبث العساكر فيها أمرهم بالمقام بها مع أخيه غياث الدين وعاد إلى تبريز وسبب عوده انه كان قد خلف وزيره شرف الدين في تبريز ليحفظ البلد وينظر في مصالح الرعية فبلغه عن رئيس تبريز وشمس الدين الطغرائي وهو المقدم على كل من في البلد وعن غيرهما من المقدمين انهم قد اجتمعوا وتحالفوا على الامتناع على جلال الدين واعادة البلد إلى اوزبك وقالوا إن جلال الدين قد قصد بلاد الكرج فلا يقدر على المقام ويجتمع اوزبك والكرج ويقصدونه فينحل نظام امره وتتم عليه الهزيمة فبنوا أمرهم على ان جلال الدين يسير الهوينا إلى بلاد الكرج ويتريث في الطريق احتياطا منهم فلما اتفقوا على ذلك أتى الخبر إلى الوزير فأرسل إلى جلال الدين يعرفه الحال فأتاه الخبر وقد قارب بلاد الكرج فلم يظهر من ذلك شيئا وسار نحو الكرج مجدا فلقيهم وهزمهم فلما فرغ منهم قال لأمراء عسكره إنني قد بلغني من الخبر كذا وكذا فتقيمون أنتم في البلاد على ما أنتم عليه من قتل من ظفرتم به وتخريب ما امكنكم من بلادهم فإنني خفت ان اعرفكم قبل هزيمة الكرج لئلا يلحقكم وهن وخوف فأقاموا على حالهم وعاد هو إلى تبريز وقبض على الرئيس والطغرائي وغيرهما فأما الرئيس فأمر أن يطاف به على أهل البلد وكل من له عليه مظلمة فليأخذها منه وكان ظالما ففرح الناس بذلك ثم قتله وأما الباقون فحبسوا فلما فرغ منهم واستقام له أمر البلد تزوج زوجة أوزبك ابنة السلطان طغرل وإنما صح له نكاحها لانه ثبت عن اوزبك انه حلف بطلاقها انه لا يقتل مملوكا له اسمه . . . . . . ثم قتله فلما وقع الطلاق بهذا اليمين نكحها جلال الدين وأقام بتبريز مدة وسير منها جيشا إلى مدينة كنجة فملكوها وفارقها أوزبك إلى قلعة كنجة فتحصن فيها فبلغني ان عساكر جلال الدين تعرضوا إلى اعمال هذه القلعة بالنهب والأخذ فأرسل أوزبك إلى جلال الدين يشكو ويقول كنت لا ارضى بهذه الحال لبغض اصحابي فأنا أسأل ان نكف الايدي المتطرقة إلى هذه الأعمال عنها فأرسل جلال الدين اليها من يحميها من التعرض لها من اصحابه وغيرهم
في هذه السنة آخر ليلة من شهر رمضان توفي الخليفة الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المشتضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي العباس محمد بن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله بن الذخيرة محمد بن القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق أبي أحمد محمد بن جعفر المتوكل على الله ولم يكن الموفق خليفة وإنما كان ولي عهد أخيه المعتمد على الله فمات قبل المعتمد فصار ولده المعتضد بالله ولي عهد المعتمد على الله وكان المتوكل على الله بن المعتصم بالله أبي إسحاق بن هرون الرشيد محمد المهدي بن أبي جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله أبي جعفر بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهم
( نسب كأن عليه من شمس الضحى % نورا ومن فلق الصباح عمودا )
فكان في آبائه أربعة عشر خليفة وهم كل من له لقب والباقون غير خلفاء وكان فيهم من ولي العهد محمد بن القائم والموفق بن المتوكل وأما باقي الخلفاء من بني العباس فلم يكونوا من آبائه فكان السفاح أبو العباس عبد الله أخا المنصور ولي قبله وكان موسى أخا الرشيد ولي قبله وكان محمد الأمين وعبد الله المأمون ابنا الرشيد أخوي المعتصم وليا قبله وكان محمد المنتصر بن المتوكل ولي بعده ثم ولي بعد المنتصر بالله المستعين بالله أبو العباس أحمد بن محمد بن المعتصم وولي بعد المستعين المعتز بالله محمد وقيل طلحة وهو ابن المتوكل وولي بعد المعتز المهتدي بالله محمد بن الواثق ثم ولي بعده المعتمد على الله أحمد بن المتوكل فالمنتصر والمعتز والمعتمد أخوه الموفق والمهتدي ابن عمه والموفق من اجداد الناصر لدين الله ثم ولي المعتضد بعد المعتمد وولي بعد المعتضد ابنه أبو محمد علي المكتفي بالله وهو اخو المقتدر بالله وولي بعد المقتدر اخوه القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد وولي بعد القاهر الراضي بالله أبو العباس محمد بن المقتدر ثم ولي بعده المقتفي لله أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر ثم ولي بعده المكتفي بالله أبو القاسم عبد الله بن المكتفي بالله علي بن المعتضد ثم ولي بعده المطيع لله أبو بكر عبد الكريم فالقاهر أخو المقتدر والراضي والمقتفي والمطيع بنوه والمستكفي ابن أخيه المكتفي ثم ولي بعد الطائع القادر بالله وهو من اجداد الناصر لدين الله ثم ولي بعد المستظهر بالله ثم ولي بعده ابنه المسترشد بالله أبو منصور وولي بعد المسترشد بالله ابنه الراشد أبو جعفر فالمسترشد أخو المقتفي والراشد ابن أخيه فجميع من ولي الخلافة ممن ليس في سياق نسب الناصر تسعة عشر خليفة وكانت أم الناصر أو ولد تركية اسمها زمرد وكانت خلافته ستا وأربعين سنة وعشرة اشهر وثمانية وعشرين يوما وكان عمره نحو سبعين سنة تقريبا فلم يل الخلافة اطول مدة منه إلا ما قيل عن المستنصر بالله العلوي صاحب مصر فإنه ولي ستين سنة ولا اعتبار به فانه ولي له سبع سنين فلا تصح ولايته وبقي الناصر لدين الله ثلاث سنين عاطلا عن الحركة بالكلية وقد ذهبت احدى عينيه والأخرى يبصر بها إبصارا ضعيفا وفي آخر الأمر أصلبه دوسنطاريا عشرين يوما ومات ووزر له عدة وزراء وقد تقدم ذكرهم
ولم يطلق في طول مرضه شيئا كان احدثه من الرسوم الجائرة وكان قبيح السيرة في رعيته ظالما فخرب في أيامه العراق وتفرق أهله في البلاد وأخذ املاكهم واموالهم وكان يفعل الشيء وضده فمن ذلك انه عمل دور الضيافة ببغداد ليفطر الناس عليها في رمضان فبقيت مدة ثم قطع ذلك ثم عمل دور الضيافة للحجاج فبقيت مدة ثم ابطلها واطلق بعض المكوس التي جددها ببغداد خاصة ثم اعادها وجعل جل همه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة فبطل الفتوة في البلاد جميعها إلا من يلبس منه سراويل يدعى اليه ولبس كثير من الملوك منه سراويلات الفتوة وكذلك ايضا منع الطيور المناسيب لغيره إلا ما يؤخذ من طيوره ومنع الرمي بالبندق الا من ينتمي اليه فأجابه الناس بالعراق وغيره إلى ذلك إلا انسانا واحدا يقال له ابن السفت من بغداد فإنه هرب من العراق ولحق بالشام فأرسل إليه يرغبه في المال الجزيل ليرمي عنه وينسب في الرمي اليه فلم يفعل فبلغني ان بعض اصدقائه أنكر عليه الامتناع من اخذ المال فقال يكفيني فخرا انه ليس في الدنيا أحد إلا رمى للخليفة إلا انا فكان غرام الخليفة بهذه الاشياء من اعجب الأمور وكان سبب ما ينسبه العجم اليه صحيحا من انه هو الذي اطمع التتر في البلاد وراسلهم في ذلك فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم
قد ذكرنا سنة خمس وثمانين وخمسمائة الخطبة للأمير أبي نصر محمد بن الخليفة الناصر لدين الله بولاية العهد في العراق وغيره من البلاد ثم بعد ذلك خلعه الخليفة من ولاية العهد وأرسل إلى البلاد في قطع الخطبة له وإنما فعل ذلك لأنه كان يميل إلى ولده الصغير علي فاتفق ان الولد الصغير توفي سنة اثنتي عشر وستمائة ولم يكن للخليفة ولد غير ولي العهد فاضطر إلى اعادته إلا انه تحت الاحتياط والحجر لا يتصرف في شيء فلما توفي أبوه ولي الخلافة واحضر الناس لأخذ البيعة وتلقب بالظاهر بأمر الله وعنى أن أباه وجميع اصحابه أرادوا صرف الأمر عنه فظهر وولي الخلافة بأمر الله لا يسعى من أحد ولما ولي الخلافة أظهر من العدل والاحسان ما اعاد به سنة العمرين فلو قيل إنه لم يل الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقا فإنه اعاد من الأموال المغصوبة في أيام أبيه وقبله وشيئا كثيرا واطلق المكوس في البلاد جميعها وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق وأن يسقط جميع ما جدده أبوه وكان كثيرا لا يحصى فمن ذلك أن قرية يعقوبا كان يحصل منها قديما نحو عشرة الاف دينار فلما تولى الناصر لدين الله كان يؤخذ منها كل سنة ثمانون الف دينار فحضر أهلها واستغاثوا وذكروا أن املاكهم أخذت حتى صار يحصل منها هذا المبلغ فأمر أن يؤخذ الخراج الأول وهو عشرة آلاف دينار فقيل له ان هذا المبلغ يصل إلى المخزن فمن أين يكون العوض فأقام لهم العوض من جهات أخرى فإذا كان المطلق من جهة واحدة سبعين ألف دينار فما الظن بباقي البلاد ومن أفعاله الجميلة أنه أمر بأخذ الخراج الأول من باقي البلاد جميعها فحضر كثير من أهل العراق وذكروا ان الاملاك التي كان يؤخذ منها الخراج قديما قد يبس أكثر اشجارها وخرجت ومتى طولبوا بالخراج الأول لا يفي دخل الباقي بالخراج فأمر أن لا يؤخذ الخراج إلا من كل شجرة سليمة وأما الذهب فلا يؤخذ منه شيء وهذا عظيم جدا ومن ذلك ايضا ان المخزن كان له صنجة الذهب تزيد على صنجة البلد نصف قيراط يقبضون بها المال ويعطون بالصنجة التي للبلد يتعامل بها الناس فسمع بذلك فخرج خطه إلى الوزير وأوله ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم وقد بلغنا أن الأمر كذا وكذا فتعاد صنجة المخزن إلى الصنجة التي يتعامل بها المسلمون واليهود والنصارى فكتب بعض النواب اليه يقول إن هذا مبلغ كثير وقد حسبناه فكان في السنة الماضية خمسة وثلاثين ألف دينار فأعاد الجواب ينكر على القائل ويقول لو انه ثلاثمائة الف وخمسون الف دينار يطلق وكذلك ايضا فعل في إطلاق زيادة الصنجة التي للديوان وهي في كل دينار حبة وتقدم إلى القاضي أن كل من عرض عليه كتابا صحيحا بملك يعيده إليه من غير إذن وأقام رجلا صالحا في ولاية الحشري وبيت المال وكان الرجل حنبليا فقال إنني من مذهبي أن أورث ذوي الأرحام فإن أذن أمير المؤمنين أن أفعل ذلك وليت وإلا فلا فقال له أعط كل ذي حق حقه واتق الله ولا تتق سواه
ومنها ان العادة كانت ببغداد أن الحارس بكل درب يبكر ويكتب مطالعة إلى الخليفة بما تجدد في دربه من اجتماع بعض الأصدقاء ببعض على نزهة أو سماع أو غير ذلك ويكتب ما سوى ذلك من صغير وكبير فكان الناس من هذا في حجر عظيم فلما ولي هذا الخليفة جزاه الله خيرا أتته المطالعات على العادة فأمر بقطعها وقال أي غرض لنا في معرفة أحوال الناس في بيوتها فلا يكتب أحد الينا إلا ما يتعلق بمصالح دولتنا فقيل له إن العامة تفسد بذلك ويعظم شرها فقال نحن ندعو الله في أن يصلحهم
ومنها انه لما ولي الخلافة وصل صاحب الديوان من واسط وكان قد سار اليها أيام الناصر لتحصيل الأموال فأصعد ومعه من المال ما يزيد على مائة الف دينار وكتب مطالعة تتضمن ذكر ما معه ويستخرج الأمر في حمله فأعاد الجواب بأن يعاد إلى أربابه فلا حاجة لنا إليه فأعيد عليهم
ومنها أنه أخرج كل من كان في السجون وأم بإعادة ما أخذ منهم وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليعطيها عن كل من هو محبوس في حبس الشرع وليس له مال ومن حسن نيته للناس أن الأسعار في الموصل وديار الجزيرة كانت غالية فرخصت الأسعار وأطلق حمل الأطعمة إليها وأن يبيع كل من أراد البيع للغلة فحصل منها الكثير الذي لا يحصى فقيل له ان السعر قد غلا شيئا والمصلحة منع حمله فقال أولئك مسلمون وهؤلاء مسلمون وكما يجب علينا النظر في أمر هؤلاء كذلك يجب علينا النظر لأولئك وأمر أن يباع من الأهراء التي له طعام أرخص مما يبيع غيره ففعلوا ذلك فرخصت الأسعار عندهم ايضا اكثر مما كانت أولا وكان السعر في الموصل لما ولي كل مكوكين بدينار وثلثي قيراط فصار كل أربعة مكاكيك بدينار في أيام قليلة وكذلك باقي الأشياء من التمر والدبس والأرز والسمسم وغيرها فالله تعالى يؤيده وينصره ويبقيه فإنه غريب في هذا الزمان الفاسد ولقد سمعت عنه كلمة اعجبتني جدا وهي أنه قيل له في الذي يخرجه ويطلقه من الأموال التي لا تسمح نفس ببعضها فقال لهم أنا فتحت الدكان بعد العصر فاترموني أفعل الخير فكم أعيش وتصديق ليلة عيد الفطر من هذه السنة وفرق في العلماء وأهل الدين مائة ألف دينار
في هذه السنة ملك بدر الدين قلعة العمادية من أعمال الموصل
وقد تقدم ذكر عصيان أهلها عليه سنة خمس عشرة وستمائة وتسليمها إلى عماد الدين زنكي ثم عودهم إلى طاعة بدر الدين وخلافهم على عماد الدين فلما عادوا إلى بدر الدين أحسن إليهم وأعطاهم الاقطاع الكثير وملكهم القرى ووصلهم بالأموال الجزيلة والخلع السنية فبقوا كذلك مدة يسيرة ثم شرعوا يراسلون عماد الدين زنكي ومظفر الدين صاحب اربل وشهاب الدين غازي بن العادل لما كان بخلاط ويعدون كلا منهم بالانحياز اليه والطاعة له وأظهروا من المخالفة لبدر الدين ما كانوا يبطنونه فكانوا يمكنون أن يقيم عندهم من أصحاب بدر الدين إلا من يريدونه ويمنعون من كرهوه فطال الأمر وهو يحتمل فعلهم ويداريهم وهم لا يزدادون إلا طمعا وخروجا عن الطاعة وكانوا جماعة فاختلفوا فقوي بعضهم وهم أولاد خواجة إبراهيم وأخوه ومن معهم على الباقين فأخرجوهم عن القلعة وغلبوا عليها وأصروا على ما كانوا عليه من النفاق فلما كان هذه السنة سار بدر الدين إليهم في عساكره فأتاهم بغتة فحصرهم وضيق عليهم وقطع الميرة عنهم وأقام بنفسه عليهم وجعل قطعة من الجيش على قلعة هرور يحصرونها وهي من أمنع الحصون وأحصنها لا يوجد مثلها وكان أهلها أيضا قد سلكوا طريق أهل العمادية من عصيان وطاعة ومخادعة فأتاهم العسكر وحصروهم وهم في قلة من الذخيرة فحصروها أياما ففني ما في القلعة فأضطر أهلها إلى التسليم فسلموها ونزلوا منها وعاد العسكر إلى العمادية فأقاموا عليها مع بدر الدين فبقي بدر الدين بعد أخذ هرور يسيرا وعاد إلى الموصل وترك العسكر بحالة مقيما عليهم مع نائبه أمين الدين لؤلؤ فبقي الحصار إلى أول ذي القعدة فأرسلوا يذعنون بالطاعة ويطلبون العوض عنها ليسلموها فاستقرت القواعد على العوض من قلعة يحتمون فيها وأقطاع ومال وغير ذلك فأجابهم بدر الدين إلى ما طلبوا وحضر نوابهم ليحلفوا بدر الدين فبينما هو يريد أن يحلف لهم وقد احضر من يشهد اليمين إذ قد وصل طائر من العمادية وعلى جناحه وقعة من أمين الدين لؤلؤ يخبرانه قد ملك العمادية قهرا وعنوة وأسر بني خواجة الذين كانوا تغلبوا عليه فامتنع بدر الدين من اليمين
وأما سبب غلبة أمين الدين عليها فإنه كان قد ولاه بدر الدين عليها لما عاد أهلها إلى طاعته فبقي فيها مدة فأحسن اليهم واحسن السيرة فيهم واستمال جماعة منهم ليتقوى بهم على الحزب الذين عصوا أولا فنمي الخبر البهم فأساؤوا مجاورته واستقالوا من ولايته عليهم ففارقهم إلى الموصل وكان اولئك الذين استمالهم يكاتبونه ويراسلونه فلما حصرهم كانوا ايضا يكاتبونه في النشاب يخبرونه بكل ما يفعله أولاد خواجه من انفاذ رسول وغير ذلك وبما عندهم من الذخائر إلا انهم لم يكونوا في الكثرة إلى انهم يقهرون أولئك فلما كان الآن واستقرت القواعد من التسليم لم يذكر أولاد خواجة احدا من جند القلعة في نسخة اليمين بمال ولا غيره من امام واقطاع فسخطوا هذه الحال وقالوا لهم قد حلفتم لأنفسكم بالحصون والقرى والمال ونحن قد خربت بيوتنا لأجلكم فلم تذكرونا فأهانوهم ولم يلتفتوا إليهم فحضر عند أمين الدين رجلان منهم ليلا وطلبوا منه أن يرسل إليهم جمعا يصعدونهم إلى القلعة ويثبتون بأولئك ويأخذونهم فامتنع وقال أخاف أن لا يتم هذا الأمر وينفسد علينا كل ما فعلناه فقالوا نحن نقبض عليهم غدا بكرة وتكون أنت والعسكر على ظهر فإذا سمعتم النداء باسم بدر الدين وشعاره تصعدون إلينا فأجابهم إلى ذلك وركب بكرة هو والعسكر على العادة
وأما أولئك فانهم اجتمعوا وقبضوا على أولاد خواجة ومن معهم ونادوا بشعار بدر الدين فبينما العسكر قيام اذا الصوت من القلعة باسم بدر الدين فصعدوا اليها وملكوها وتسلم امين الدين أولاد خواجه فحبسهم وكتب الرقعة على جناح الطائر بالحال وملكوا القلعة صفوا عفوا بغير عوض وكان يريد أن يغرم مالا جليلا وأقطاعا كثيرة وحصنا منيعا فتوفر الجميع عليه وأخذ منهم كل ما احتقبوه وادخروه وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له
في هذه السنة ليلة الأحد والعشرين من صفر زلزلت الأرض بالموصل وديار الجزيرة والعراق وغيرها زلزلة متوسطة
وفيها اشتد الغلاء بالموصل وديار الجزيرة جميعها فأكل الناس الميتة والكلاب والسنانير فقل الكلاب والسنانير بعد أن كانوا كثيرا ولقد دخلت يوما إلى داري فرأيت الجواري يقطعن اللحم ليطبخوه فرأيت سنانير استكثرتها فعددتها فكانت اثني عشر سنورا ورأيت اللحم في هذه الغلاء في الدار وليس عنده من يحفظه من السنانير لعدمها وليس بين المرتين كثير وغلا مع الطعام كل شيء فبيع الرطل الشيرج بقيراطين بعد ان كان بنصف قيراط قبل الغلاء وأما قبل ذلك فكان كل ستين رطلا بدينار ومن العجب ان السلق والجزر والسلجم بيع كل خمسة ارطال بدرهم وبيع البنفسج كل ستة أرطال بدرهم وبيع في بعض الأوقات كل سبعة أرطال بدرهم وهذا ما لم يسمع بمثله ولقد رأينا ما لم نر ولا سمعنا بمثله فإن الدينار ما زالت قديما وحديثا إذا غلت الأسعار متى جاء المطر رخصت إلا هذه السنة فإن الأمطار ما زالت متتابعة من أول الشتاء إلى آخر الربيع وكلما جاء المطر غلت الأسعار وهذا ما لم يسمع بمثله فبلغت الحنطة مكوك وثلث بدينار وقيراط يكون وزنه خمسة وأربعين رطلا دقيقا بالبغدادي وكان الملح مكوك بدرهم فصار المكوك بعشرة دراهم وكان الأرز مكوك باثني عشر درهما فصار المكوك بخمسين درهما وكان التمر كل اربعة ارطال وخمسة أرطال بقيراط فصار كل رطلين بقيراط
ومن عجيب ما يحكى أن السكر النادر الأسمر كان كل رطل بدرهم وكان السكر الأبلوج المصري النقي كل رطل بدرهمين فصار السكر الأسمر كل رطل بثلاثة دراهم ونصف والسكر الأبلوج كل رطل بثلاثة دراهم وربع وسببه أن الأمراض لما كثرت واشتد الوباء قال النساء هذه الأمراض باردة والسكر الأسمر حار فينفع منها والأبلج بارد يقويها وتبعهن الأطباء استمالة لقلوبهن ولجهلهن فغلا الأسمر بهذا السبب وهذا من الجهل المفرط وما زالت الأشياء هطذا إلى أول الصيف واشتد الوباء وكثر الموت والمرض في الناس فكان يحمل على النعش الواحد عدة من الموتى فممن مات فيه شيخنا عبد المحسن بن عبد الله الخطيب الطوسي خطيب الموصل وكان من صالحي المسلمين وعمره ثلاث وثمانون سنة وشهور
وفيها انخسف القمر ليلة الثلاثاء خامس عشر صفر
وفيها هرب أمير حاج العراق وهو حسام الدين أبو فراس الحلي الكردي الوارمي وهو ابن أخي الشيخ ورام كان عمه من صالحي المسلمين وخيارهم من أهل الحلة السيفية فارق الحاج بين مكة والمدينة وسار إلى مصر حكى لي بعض أصدقائه انه إنما حمله على الهرب كثرة الخرج في الطريق وقلة المعونة من الخليفة ولما فارق الحاج خافوا خوفا شديدا من العرب فأمن الله خوفهم ولم يرفعهم ذاعر في جميع الطريق ووصلوا آمنين إلا أن كثيرا من الجمال هلك اصابها غدة عظيمة لم يسلم إلا القليل
وفيها في آب جاء مطر شديد ورعد وبرق ودام حتى جرت الأودية وامتلأت الطرق بالوحل ثم جاء الخبر من العراق والشام والجزيرة وديار بكر انه كان عندهم مثله ولم يصل إلينا أحد الا واخبر ان المطر كان عندهم في ذلك التاريخ
وفيها كان في الشتاء ثلج كثير ونزلت بالعراق فسمعت انه نزل في جميع العراق حتى في البصرة أما إلى واسط فلا شك فيه وأما البصرة فإن الخبر لم يكثر عندنا بنزوله فيها
وفيها خرجت قلعة الزعفران من أعمال الموصل وهي حصن مشهور يعرف قديما بدير الزعفران وهو على جبل عال قريب من فرشابور
وفيها ايضا خربت القلعة الجديدة من بلد الهكارية من اعمال الموصل ايضا وأضيف عملها وقراها إلى العمادية
وفيها في ذي الحجة سار جلال الدين بن خوارزم شاه من تبريز إلى بلد الكرج قاصدا لأخذ بلادهم واستئصالهم وخربت السنة ولم يبلغنا انه فعل بهم شيئا ونحن نذكر ما فعله بهم سنة ثلاث وعشرين وستمائة إن شاء الله
وفيها ثالث شباط سقط ببغداد ثلج وبرد الماء بردا شديدا وقوي البرد حتى مات به جماعة من الفقراء
وفيها في ربيع الأول زادت دجلة زيادة عظيمة واشتغل الناس بإصلاح سكر القورج وخافوا فبلغت الزيادة قريبا من الزيادة الأولى ثم نقص الماء واستبشر الناس
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
