الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء العاشر / ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وستمائة
60

ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وستمائة

الجزء العاشر 12 عنصر صفحة 442
ذكر حصر الكرج مدينة كنجة ص 442

في هذه السنة سارت الكرج في جموعها إلى مدينة كنجة من بلاد أران قصدا لحصرها وامتدوا لها بما امكنهم من القوة لأن اهل كنجة كثير عددهم قوية شوكتهم وعندهم شجاعة كبيرة من طول ممارستهم للحرب مع الكرج فلما وصلوا إليها وقاربوا قاتلوا اهلها عدة ايام من وراء السور ولم يظهر من اهلها أحد ثم في بعض الأيام خرج اخل كنجة ومن عندهم من العسكر من البلد وقاتلوا الكرج بظاهر البلد أشد قتال وأعظمه فلما رأى الكرج ذلك علموا انهم لا طاقة لهم بالبلد فرحلوا بعد ان اثخن أهل كنجة فيهم ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا

ذكر وصول جلال الدين بن خوارزمشاه إلى خوزستان والعراق ص 442

في أول هذه السنة وصل جلال الدين بن خوارزمشاه محمد بن تكش إلى بلاد خوزستان والعراق وكان مجيئه من بلاد الهند لأنه كان وصل اليها لما قصد التتر غزنة وقد ذكرنا ذلك فلما تعذر عليه المقام ببلاد الهند سار عنها على كرمان ووصل إلى اصفهان وهي بيد اخيه غياث الدين وقد تقدمت اخباره فملكها وسار عنها إلى بلاد فارس وكان اخوه قد استولى على بعضها كما ذكرناه

فأعاد ما كان اخوه اخذه منها إلى اتابك سعد صاحبها وصالحه وسار من عنده إلى خوزستان فحصر مدينة تستر في المحرم وبها الأمير مظفر الدين المعروف بوجه السبع مملوك الخليفة الناصر لدين الله حافظا لها وأميرا عليها فحصره جلال الدين وضيق عليه فحفظها وجه السبع وبالغ في الحفظ والاحتياط وتفرق الخوارزمية ينهبون حتى وصلوا إلى بادرايا وباكسايا وغيرهما وانحدر بعضهم إلى ناحية البصرة فنهبوا هنالك فسار إليهم شحنة البصرة وهو الأمير ملتكين فأوقع بهم وقتل منهم جماعة فدام الحصار نحو شهرين ثم رحل عنها بغتة وكانت عساكر الخليفة مع مملوكه جمال الدين قشتمر بالقرب منه فلما رحل جلال الدين لم يقدر العسكر على منعه فسار إلى ان وصل إلى يعقوبا وهي قرية مشهورة بطريق خراسان بينها وبين بغداد نحو سبعة فراسخ فلما وصل الخبر إلى بغداد تجهزوا للحصار واسلحوا السلاح من الجروخ والقسي والنشاب والنفط وغير ذلك وعاد عسكر الخليفة إلى بغداد واما عسكر جلال الدين فنهب البلاد وأهلها وكان قد وصل هو وعسكره إلى خوزستان في ضر شديد وجهد جهيد وقلة من الدواب والذي معهم فهو من الضعف إلى حد لا ينتفع به فغنموا من البلاد جميعها واستغنوا واكثروا من اخذ الخيل والبغال فانهم كانوا في غاية الحاجة اليها وسار من يعقوبا إلى دقوقا فحصرها فصعد أهلها إلى السور وقاتلوه وسبوه وأكثروا من التكبير فعظم ذلك عنده وشق عليه وجد في قتالهم ففتحها عنوة وقهرا ونهبتها عساكره وقتلوا كثيرا من اهلها فهرب من سلم منهم من القتل وتفرقوا في البلاد

ولما كان الخوارزميون على دقوقا سارت سرية منهم إلى البت والراذان فهرب اهلها إلى تكريت فتبعهم الخوارزميون فجرى بينهم وبين عسكر تكريت وقعة شديدة فعادوا إلى العسكر ولقد رأيت بعض أعيان أهل دقوقا وهم بنو يعلى وهم أغنياء فنهبوا وسلم احدهم ومعه ولدان له وشيء يسير من المال فسير ما سلم معه إلى الشام مع الولدين ليتجر بما ينتفعون به وينفقونه على نفوسهم فمات أحد الولدين بدمشق واحتاط الحاكم على ما معهم فلقد رأيت أباهم على حالة شديدة لا يعلمها الا الله يقول اخذت الأملاك وقتل بعض الأهل وفارقنا من سلم منهم والوطن بهذا القدر الحقير اردنا نكف به وجوهنا من السؤال ونصون أنفسنا فقد ذهب الولد والمال ثم سار إلى دمشق ليأخذ ما سلم مع ابنه الآخر فأخذه وعاد إلى الموصل فلم يبق غير شهر حتى توفي

( ان الشقي بكل حبل يخنق % )

وأما جلال الدين فإنه لما فعل بأهل دقوقا ما فعل خافه أهل البوازيج وهي لصاحب الموصل فأرسلوا اليه يطلبون منه ارسال شحنة اليهم يحميهم وبذلوا له شيئا من المال فأجابهم إلى ذلك وسير اليهممن يحميهم قيل كان بعض أولاد جنكزخان ملك التتر أسره جلال الدين في بعض حروبه مع التتر فأكرمه فحماهم وأقام بمكانه إلى اواخر ربيع الآخر والرسل مترددة بينه وبين مظفر الدين صاحب اربل فاصطلحوا فسار جلال الدين إلى اذربيجان وفي مدة مقام جلال الدين بخوزستان والعراق ثارت العرب في البلاد يقطعون الطريق وينهبون القرى ويخيفون السبيل فنال الخلق منهم أذى شديد وأخذوا في طريق العراق قفلين عظيمين كانا سائرين إلى الموصل فلم يسلم منهم شيء البتة

ذكر وفاة الملك الأفضل وغيره من الملوك ص 444

في هذه السنة في صفر توفي الملك الأفضل علي بن صلاح الدين يوسف بن ايوب فجأة بقلعة سميساط وكان عمره نحو سبع وخمسين سنة وقد ذكرنا سنة تسع وثمانين وخمسمائة عند وفاة والده رحمه الله ملكه مدينة دمشق والبيت المقدس وغيرهما من الشام وذكرنا سنة اثنتين وتسعين اخذ الجميع منه وانتقل إلى سميساط وأقام بها ولم يزل بها إلى الان فتوفي بها وكان رحمه الله من محاسن الزمان لم يكن في الملوك مثله كان خيرا عادلا فاضلا حليما كريما قل أن عاقب على ذنب ولم يمنع طالبا وكان يكتب خطا حسنا وكتابة جيدة وبالجملة فاجتمع فيه من الفضائل والمناقب ما تفرق في كثير من الملوك لا جرم حرم الملك والدنيا وعاداه الدهر ومات بموته كل خلق جميل وفعل حميد فرحمه الله ورضي عنه ورأيت من كتابته أشياء حسنة فمما بقي على خاطري منها أنه كتب إلى أصحابه لما أخذت دمشق منه كتابا من فصوله وأما أصحابنا بدمشق فلا علم لي بأحد منهم وسبب ذلك أني

( أي صديق سألت عنه ففي الذل % وتحت الخمول في الوطن )

( وأي ضد سألت حالته % سمعت مالا تحبه أذني )

فتركت السؤال عنهم وهذا غاية الجودة في الاعتذار عن ترك السؤال عنهم ولما مات اختلف أولاده وعمهم قطب الدين موسى ولم يقو أحد منهم على الباقين ليستبد بالأمر

ومات في هذه السنة صاحب ارزن الروم وهو مغيث الدين طغرل بن قلج أرسلان وهو الذي سير ولده إلى الكرج وتنصر وتزوج ملكة الكرج ولما مات ملك بعده ابنه

ومات فيها ملك ارزنكان وتوفي فيها عز الدين الخضر بن إبراهيم بن أبي بكر بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان صاحب خرت برت وملك بعده ابنه نور الدين أرتق شاه وكان المدبر لدولته ودولة والده معين الدين عبد الرحمن

ذكر خلع شروان شاه وظفر المسلمين بالكرج ص 445

في هذه السنة ثار على شروان شاه ولده فنزعه من الملك وأخرجه من البلاد وملك بعده وسبب ذلك أن شروان شاه كان سيء السيرة كثير الفساد والظلم يتعرض إلى اموال الرعايا وأملاكهم وقيل أيضا إنه كان يتعرض إلى النساء والولدان فاشتدت وطأته على الناس فاتفق بعض العسكر مع ولده وأخرجوا اباه من البلاد وملك الابن واحسن السيرة فأحبه العساكر والرعية وأرسل الولد إلى أبيه يقول له إني أردت أن أتركك في بعض القلاع وأجري لك الجرايات الكثيرة ولكل من تحب أن يكون عندك والذي حملني على ما فعلت معك سوء سيرتك وظلمك لأهل البلاد وكراهيتهم لك ولدولتك فلما رأى الأب ذلك سار إلى الكرج واستنصر بهم وقرر معهم أن يرسلوا معه عسكرا يعيدونه إلى ملكه ويعطيهم نصف البلاد فسيروا معه عسكرا كثيرا فسار حتى قارب مدينة شروان فجمع ولده العسكر وأعلمهم الحال وقال إن الكرج متى حصرونا ربما ظفروا بنا وحينئذ لا يبقي أبي على أحد منا ويأخذ الكرج نصف البلاد وربما أخذوا الجميع وهذا أمر عظيم إننا نسير إليهم جريدة ونلقاهم فإن ظفرنا بهم فالحمد لله وإن ظفروا بنا فالحصر بين أيدينا فأجابوه إلى ذلك فخرج في عسكره وهم قليل نحو الف فارس ولقوا الكرج وهم في ثلاثة آلاف مقاتل فالتقوا واقتتلوا وصبر أهل شروان فانهزم الكرج فقتل كثير منهم وأسر كثير ومن سلم عاد بأسوأ حال وشروان شاه المخلوع معهم فقال له مقدموا الكرج إننا لم نلق بسببك خيرا ولا نؤاخذك بما كان منك فلا تقم ببلادنا ففارقهم وبقي مترددا لا يأوي إلى أحد واستقر ولده في الملك وأحسن إلى الجند والرعية وأعاد إلى الناس أملاكهم ومصادراتهم فاغتبطوا بولايته

ذكر ظفر المسلمين بالكرج ايضا ص 446

وفي هذه السنة ايضا سار جمع من الكرج من تفليس يقصدون أذربيجان والبلاد التي بيد اوزبك فنزلوا وراء مضيق في الجبال لا يسلك إلا للفارس معه الفرس فنزلوا آمنين من المسلمين استضعافا لهم واغترار بحصانة موضعهم وأنه لا طريق اليهم وركب طائفة من العساكر الإسلامية وقصدوا الكرج فوصل إلى ذلك المضيق فجازوه مخاطرين فلم يشعر الكرج إلا وقد غشيهم المسلمون ووضعوا فيهم السيف فقتلوهم كيف شاؤوا وولى الباقون منهزمين لا يلوي والد على ولده ولا أخ على أخيه وأسر منهم جمع كثير صالح فعظم الأمر عليهم وعزموا على الأخذ بثارهم والجد في قصد أذربيجان واستئصال المسلمين منه وأخذوا يتجهزون على قدر عزمهم فبينما هم في ذلك إذ وصل اليهم الخبر بوصول جلال الدين بن خوارزمشاه إلى مراغة على ما نذكره إن شاء الله فتركوا ذلك وأرسلوا إلى أوزبك صاحب أذربيجان يدعونه إلى الموافقة على رد جلال الدين وخوفوه منه إن لم نتفق نحن وأنت وإلا أخذك ثم أخذنا فعاجلهم جلال الدين قبل اتفاقهم واجتماعهم فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى

ذكر ملك جلال الدين أذربيجان ص 446

في هذه السنة استولى جلال الدين على أذربيجان وسبب ذلك انه لما سار من دقوقا كما ذكرناه قصد مراغة فملكها وأقام بها وشرع في عمارة البلد فاستحسنه فلما وصل اليها أتاه الخبر أن الأمير إيغان طائيسي وهو خال أخيه غياث الدين قد قصد همذان قبل وصول جلال الدين بيومين وكان ايغان طائيسي هذا قد جمع عسكرا يتجاوز خمسين الف فارس ونهب كثيرا من أذربيجان وسار إلى البحر من بلد أران فشتى هنالك لقلة البرد ولما عاد إلى همذان نهب أذربيجان ايضا مرة ثانية وكان سبب مسيره إلى همذان أن الخليفة الناصر لدين الله راسله وأمره بقصد همذان وأقطعه إياها وغيرها فسار ليستولي عليها كما أمر فلما سمع جلال الدين بذلك سار جريدة إليه فوصل إلى ايغان طائيسي ليلا وكان إذا نزل جعل حول عسكره جميع ما غنموا من أذربيجان وأران من خيل وبغال وحمير وبقر وغنم فلما وصل جلال الدين أحاط بالجميع فلما أصبح عسكر إيغان طائيسي ورأى العسكر والجتر الذي يكون على رأس السلطان علموا أنه جلال الدين فسقط في أيديهم لأنهم كانوا يظنونه عند دقوقا فأرسل ايغان طائيسي زوجته وهي اخت جلال الدين تطلب له الأمان فأمنه وأحضره عنده وانضاف عسكره إلى جلال الدين وبقي إيغان طائيسي وحده إلى ان اضاف إليه جلال الدين عسكرا وعاد إلى مراغة وأعجبه المقام بها وكان أوزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان وأران قد سار من تبريز إلى كنجة خوفا من جلال الدين وأرسل جلال الدين إلى من في تبريز من وال وأمير ورئيس يطلب منهم أن يتردد عسكره إليهم يمتارون فأجابوه إلى ذلك وأطاعوه فتردد العسكر اليها وباعوا واشتروا الأقوات والكسوان وغيرها ومدوا أيديهم إلى اموال الناس فكان أحدهم يأخذ الشيء ويعطي الثمن ما يريد فشكا بعض أهل تبريز إلى جلال الدين منهم فأرسل إليهم شحنة يكون عندهم وأمر أن يقيم بتبريز ويكف أيدي الجند عن أهلها ومن تعدى على أحد منهم صلبه فأقام الشحنة ومنع الجند من التعدي على أحد من الناس وكانت زوجة أوزبك وهي ابنة السلطان طغرل بن ارسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه مقيمة بتبريز وهي كانت الحاكمة في بلاد زوجها وهو مشغول بلذاته من أكل وشرب ولعب

ثم إن أهل تبريز شكوا من الشحنة وقالوا انه يكلفنا اكثر من طاقتنا فأمر جلال الدين أنه لا يعطي إلا ما يقيم به لا غير ففعلوا ذلك وسار جلال الدين إلى تبريز وحصرها خمسة أيام وقاتل أهلها قتالا شديدا وزحف اليها فوصل العسكر إلى السور فأذعن أهلها بالطاعة وأرسلوا يطلبون الأمان منه لأنه كان يذمهم ويقول قتلوا اصحابنا المسلمين وأرسلوا رؤوسهم إلى التتر الكفار وقد تقدمت الحادثة سنة إحدى وعشرين وستمائة فخافوا منه لذلك فلما طلبوا الأمان ذكر لهم فعلهم بأصحاب أبيه وقتلهم فاعتذروا بأنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك وإنما فعله صاحبهم ولم يكن لهم من القدرة ما يمنعونه فعذرهم وأمنهم وطلبوا منه أن يؤمن زوجة أوزبك ولا يعارضها في الذي لها بأذربيجان ومدينة خوى وغيرها من ملك ومال وغيره فأجابهم إلى ذلك وملك البلد سابع عشر رجب من هذه السنة وسير زوجة أوزبك إلى خوى ومعها طائفة من العسكر من رجل كبير القدر عظيم المنزلة وأمرهم بخدمتها فإذا وصلت إلى خوى من العسكر من رجل كبير القدر عظيم المنزلة وأهرهم بخدمتها فإذا وصلت إلى خوى عادوا عنها ولما رحل جلال الدين إلى تبريز امر ان لا يمنعوا عنه احدا من أهلها فأتاه الناس مسلمين عليه فلم يحجبوا عنه وأحسن إليهم وبث فيهم العدل ووعدهم الإحسان والزيادة منه وقال لهم قد رأيتهم ما فعلت بمراغة من الإحسان والعمارة بعد أن كانت خرابا وسترون كيف أصنع معكم من العدل فيكم وعمارة بلادكم وأقام إلى يوم الجمعة فحضر الجامع فلما خطب الخطيب ودعا للخليفة قام قائما ولم يزل كذلك حتى فرغ من الدعاء وجلس ودخل إلى كشك كان أوزبك قد عمره وأخرج عليه من الأموال كثيرا فهو في غاية الحسن مشرف على البساتين فلما طاف فيه خرج منه وقال وهذا مسكن الكسالى لا يصلح لنا وأقام أياما استولى فيها على غيرها من البلاد وسير الجيوش إلى بلاد الكرج

ذكر انهزام الكرج من جلال الدين ص 448

قد ذكرنا فيما تقدم من السنين ما كان يفعلونه في بلاد الإسلام خلاط وأعمالها وأذربيجان وأران وأرزن الروم ودربند شروان وهذه ولايات تجاور بلادهم وما كانوا يسفكون من دماء المسلمين وينهبون من أموالهم ويملكون من بلادهم والمسلمون معهم في هذه البلاد تحت الذل والخزي كل يوم قد أغاروا وفتكوا فيهم وقاطعوهم على ما شاؤوا من الأموال فكنا كلما سمعنا بشيء من ذلك سألنا الله تعالى نحن والمسلمون في أن ييسر للإسلام والمسلمين من يحميهم وينصرهم ويأخذ بثارهم فإن أوزبك صاحب أذربيجان منعكف على شهوة بطنه وفرجه لا يفيق من سكره وإن هو أفاق فهو مشغول بالقمار بالبيض وهذا ما لم يسمع أن أحدا من الملوك فعله لا يهتدي لمصلحة ولا يغضب لنفسه بحيث ان بلاده مأخوذة وعساكره طماعة ورعيته قد قهرها وقد كان كل من أراد أن يجمع جمعا ويتغلب على بعض البلاد فعل كما ذكرناه من حال بغدي وأبيك الشامي ولإيغان طائيسي فنظر الله تعالى إلى أهل هذه البلاد المساكين بعين الرحمة فرحمهم ويسر لهم جلال الدين هذا ففعل بالكرج ما تراه وانتقم للإسلام والمسلمين منهم فنقول في هذه السنة كان المصاف بين جلال الدين وبين الكرج في شهر شعبان فإن جلال الدين من حين قصد إلى هذه النواحي لا يزال يقول إنني أريد أقصد بلاد الكرج واقاتلهم وأملك بلادهم فلما ملك أذربيجان أرسل إليهم يؤذنهم فأجابوه بأننا قد قصدنا التتر الذين فعلوا بأيبك وهو أعظم منك ملكا وأكثر عسكرا وأقوى نفسا ما تعلمه وأخذوا بلادكم فلم نبال بهم وكان قصاراهم السلامة منا وشرعوا يجمعون العساكر فجمعوا ما يزيد على سبعين ألف مقاتل فسار اليهم فملك مدينة دوين وهي للكرج كانوا قد أخذوها من المسلمين كما ذكرناه وسار منها اليهم فلقوه وقاتلوه اشد قتال وأعظمه وصبر كل منهم لصاحبه فانهزم الكرج وأمر ان يقتلوا بكل طريق ولا يبقوا على أحد منهم فالذي تحققنا انه قتل منهم عشرون الفا وقيل اكثر من ذلك فقيل الكرج جميعهم قتلوا وافترقوا وأسر كثير من أعيانهم من جملتهم شلوة فتمت الهزيمة عليهم ومضى إيواني منهزما وهو المقدم على الكرج جميعهم ومرجعهم إليه ومعولهم عليه وليس لهم ملك إنما الملك امرأة ولقد صدق رسول الله حيث يقول ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ) فلما انهزم إيواني أدركه الطلب فصعد قلعة لهم على طريقهم فاحتمى فيها وجعل جلال الدين عليها من يحصرها ويمنعه من النزول وفرق عساكره في بلاد الكرج ينهبون ويقتلون ويسبون ويخربون البلاد فلولا ما أتاه من تبريز مما أوجب عوده لملك البلاد بغير تعب ولا مشقة لأن اهلها كانوا قد هلكوا فهم بين قتيل وأسير وطريد

ذكر عود جلال الدين إلى تبريز وملكه مدينة كنجة ونكاحه زوجة أوزبك ص 449

لما فرغ جلال الدين من هزيمة الكرج ودخل البلاد وبث العساكر فيها أمرهم بالمقام بها مع أخيه غياث الدين وعاد إلى تبريز وسبب عوده انه كان قد خلف وزيره شرف الدين في تبريز ليحفظ البلد وينظر في مصالح الرعية فبلغه عن رئيس تبريز وشمس الدين الطغرائي وهو المقدم على كل من في البلد وعن غيرهما من المقدمين انهم قد اجتمعوا وتحالفوا على الامتناع على جلال الدين واعادة البلد إلى اوزبك وقالوا إن جلال الدين قد قصد بلاد الكرج فلا يقدر على المقام ويجتمع اوزبك والكرج ويقصدونه فينحل نظام امره وتتم عليه الهزيمة فبنوا أمرهم على ان جلال الدين يسير الهوينا إلى بلاد الكرج ويتريث في الطريق احتياطا منهم فلما اتفقوا على ذلك أتى الخبر إلى الوزير فأرسل إلى جلال الدين يعرفه الحال فأتاه الخبر وقد قارب بلاد الكرج فلم يظهر من ذلك شيئا وسار نحو الكرج مجدا فلقيهم وهزمهم فلما فرغ منهم قال لأمراء عسكره إنني قد بلغني من الخبر كذا وكذا فتقيمون أنتم في البلاد على ما أنتم عليه من قتل من ظفرتم به وتخريب ما امكنكم من بلادهم فإنني خفت ان اعرفكم قبل هزيمة الكرج لئلا يلحقكم وهن وخوف فأقاموا على حالهم وعاد هو إلى تبريز وقبض على الرئيس والطغرائي وغيرهما فأما الرئيس فأمر أن يطاف به على أهل البلد وكل من له عليه مظلمة فليأخذها منه وكان ظالما ففرح الناس بذلك ثم قتله وأما الباقون فحبسوا فلما فرغ منهم واستقام له أمر البلد تزوج زوجة أوزبك ابنة السلطان طغرل وإنما صح له نكاحها لانه ثبت عن اوزبك انه حلف بطلاقها انه لا يقتل مملوكا له اسمه . . . . . . ثم قتله فلما وقع الطلاق بهذا اليمين نكحها جلال الدين وأقام بتبريز مدة وسير منها جيشا إلى مدينة كنجة فملكوها وفارقها أوزبك إلى قلعة كنجة فتحصن فيها فبلغني ان عساكر جلال الدين تعرضوا إلى اعمال هذه القلعة بالنهب والأخذ فأرسل أوزبك إلى جلال الدين يشكو ويقول كنت لا ارضى بهذه الحال لبغض اصحابي فأنا أسأل ان نكف الايدي المتطرقة إلى هذه الأعمال عنها فأرسل جلال الدين اليها من يحميها من التعرض لها من اصحابه وغيرهم

ذكر وفاة الخليفة الناصر لدين الله ص 450

في هذه السنة آخر ليلة من شهر رمضان توفي الخليفة الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المشتضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي العباس محمد بن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله بن الذخيرة محمد بن القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق أبي أحمد محمد بن جعفر المتوكل على الله ولم يكن الموفق خليفة وإنما كان ولي عهد أخيه المعتمد على الله فمات قبل المعتمد فصار ولده المعتضد بالله ولي عهد المعتمد على الله وكان المتوكل على الله بن المعتصم بالله أبي إسحاق بن هرون الرشيد محمد المهدي بن أبي جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله أبي جعفر بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهم

( نسب كأن عليه من شمس الضحى % نورا ومن فلق الصباح عمودا )

فكان في آبائه أربعة عشر خليفة وهم كل من له لقب والباقون غير خلفاء وكان فيهم من ولي العهد محمد بن القائم والموفق بن المتوكل وأما باقي الخلفاء من بني العباس فلم يكونوا من آبائه فكان السفاح أبو العباس عبد الله أخا المنصور ولي قبله وكان موسى أخا الرشيد ولي قبله وكان محمد الأمين وعبد الله المأمون ابنا الرشيد أخوي المعتصم وليا قبله وكان محمد المنتصر بن المتوكل ولي بعده ثم ولي بعد المنتصر بالله المستعين بالله أبو العباس أحمد بن محمد بن المعتصم وولي بعد المستعين المعتز بالله محمد وقيل طلحة وهو ابن المتوكل وولي بعد المعتز المهتدي بالله محمد بن الواثق ثم ولي بعده المعتمد على الله أحمد بن المتوكل فالمنتصر والمعتز والمعتمد أخوه الموفق والمهتدي ابن عمه والموفق من اجداد الناصر لدين الله ثم ولي المعتضد بعد المعتمد وولي بعد المعتضد ابنه أبو محمد علي المكتفي بالله وهو اخو المقتدر بالله وولي بعد المقتدر اخوه القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد وولي بعد القاهر الراضي بالله أبو العباس محمد بن المقتدر ثم ولي بعده المقتفي لله أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر ثم ولي بعده المكتفي بالله أبو القاسم عبد الله بن المكتفي بالله علي بن المعتضد ثم ولي بعده المطيع لله أبو بكر عبد الكريم فالقاهر أخو المقتدر والراضي والمقتفي والمطيع بنوه والمستكفي ابن أخيه المكتفي ثم ولي بعد الطائع القادر بالله وهو من اجداد الناصر لدين الله ثم ولي بعد المستظهر بالله ثم ولي بعده ابنه المسترشد بالله أبو منصور وولي بعد المسترشد بالله ابنه الراشد أبو جعفر فالمسترشد أخو المقتفي والراشد ابن أخيه فجميع من ولي الخلافة ممن ليس في سياق نسب الناصر تسعة عشر خليفة وكانت أم الناصر أو ولد تركية اسمها زمرد وكانت خلافته ستا وأربعين سنة وعشرة اشهر وثمانية وعشرين يوما وكان عمره نحو سبعين سنة تقريبا فلم يل الخلافة اطول مدة منه إلا ما قيل عن المستنصر بالله العلوي صاحب مصر فإنه ولي ستين سنة ولا اعتبار به فانه ولي له سبع سنين فلا تصح ولايته وبقي الناصر لدين الله ثلاث سنين عاطلا عن الحركة بالكلية وقد ذهبت احدى عينيه والأخرى يبصر بها إبصارا ضعيفا وفي آخر الأمر أصلبه دوسنطاريا عشرين يوما ومات ووزر له عدة وزراء وقد تقدم ذكرهم

ولم يطلق في طول مرضه شيئا كان احدثه من الرسوم الجائرة وكان قبيح السيرة في رعيته ظالما فخرب في أيامه العراق وتفرق أهله في البلاد وأخذ املاكهم واموالهم وكان يفعل الشيء وضده فمن ذلك انه عمل دور الضيافة ببغداد ليفطر الناس عليها في رمضان فبقيت مدة ثم قطع ذلك ثم عمل دور الضيافة للحجاج فبقيت مدة ثم ابطلها واطلق بعض المكوس التي جددها ببغداد خاصة ثم اعادها وجعل جل همه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة فبطل الفتوة في البلاد جميعها إلا من يلبس منه سراويل يدعى اليه ولبس كثير من الملوك منه سراويلات الفتوة وكذلك ايضا منع الطيور المناسيب لغيره إلا ما يؤخذ من طيوره ومنع الرمي بالبندق الا من ينتمي اليه فأجابه الناس بالعراق وغيره إلى ذلك إلا انسانا واحدا يقال له ابن السفت من بغداد فإنه هرب من العراق ولحق بالشام فأرسل إليه يرغبه في المال الجزيل ليرمي عنه وينسب في الرمي اليه فلم يفعل فبلغني ان بعض اصدقائه أنكر عليه الامتناع من اخذ المال فقال يكفيني فخرا انه ليس في الدنيا أحد إلا رمى للخليفة إلا انا فكان غرام الخليفة بهذه الاشياء من اعجب الأمور وكان سبب ما ينسبه العجم اليه صحيحا من انه هو الذي اطمع التتر في البلاد وراسلهم في ذلك فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم

ذكر خلافة الظاهر بأمر الله ص 452

قد ذكرنا سنة خمس وثمانين وخمسمائة الخطبة للأمير أبي نصر محمد بن الخليفة الناصر لدين الله بولاية العهد في العراق وغيره من البلاد ثم بعد ذلك خلعه الخليفة من ولاية العهد وأرسل إلى البلاد في قطع الخطبة له وإنما فعل ذلك لأنه كان يميل إلى ولده الصغير علي فاتفق ان الولد الصغير توفي سنة اثنتي عشر وستمائة ولم يكن للخليفة ولد غير ولي العهد فاضطر إلى اعادته إلا انه تحت الاحتياط والحجر لا يتصرف في شيء فلما توفي أبوه ولي الخلافة واحضر الناس لأخذ البيعة وتلقب بالظاهر بأمر الله وعنى أن أباه وجميع اصحابه أرادوا صرف الأمر عنه فظهر وولي الخلافة بأمر الله لا يسعى من أحد ولما ولي الخلافة أظهر من العدل والاحسان ما اعاد به سنة العمرين فلو قيل إنه لم يل الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقا فإنه اعاد من الأموال المغصوبة في أيام أبيه وقبله وشيئا كثيرا واطلق المكوس في البلاد جميعها وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق وأن يسقط جميع ما جدده أبوه وكان كثيرا لا يحصى فمن ذلك أن قرية يعقوبا كان يحصل منها قديما نحو عشرة الاف دينار فلما تولى الناصر لدين الله كان يؤخذ منها كل سنة ثمانون الف دينار فحضر أهلها واستغاثوا وذكروا أن املاكهم أخذت حتى صار يحصل منها هذا المبلغ فأمر أن يؤخذ الخراج الأول وهو عشرة آلاف دينار فقيل له ان هذا المبلغ يصل إلى المخزن فمن أين يكون العوض فأقام لهم العوض من جهات أخرى فإذا كان المطلق من جهة واحدة سبعين ألف دينار فما الظن بباقي البلاد ومن أفعاله الجميلة أنه أمر بأخذ الخراج الأول من باقي البلاد جميعها فحضر كثير من أهل العراق وذكروا ان الاملاك التي كان يؤخذ منها الخراج قديما قد يبس أكثر اشجارها وخرجت ومتى طولبوا بالخراج الأول لا يفي دخل الباقي بالخراج فأمر أن لا يؤخذ الخراج إلا من كل شجرة سليمة وأما الذهب فلا يؤخذ منه شيء وهذا عظيم جدا ومن ذلك ايضا ان المخزن كان له صنجة الذهب تزيد على صنجة البلد نصف قيراط يقبضون بها المال ويعطون بالصنجة التي للبلد يتعامل بها الناس فسمع بذلك فخرج خطه إلى الوزير وأوله ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم وقد بلغنا أن الأمر كذا وكذا فتعاد صنجة المخزن إلى الصنجة التي يتعامل بها المسلمون واليهود والنصارى فكتب بعض النواب اليه يقول إن هذا مبلغ كثير وقد حسبناه فكان في السنة الماضية خمسة وثلاثين ألف دينار فأعاد الجواب ينكر على القائل ويقول لو انه ثلاثمائة الف وخمسون الف دينار يطلق وكذلك ايضا فعل في إطلاق زيادة الصنجة التي للديوان وهي في كل دينار حبة وتقدم إلى القاضي أن كل من عرض عليه كتابا صحيحا بملك يعيده إليه من غير إذن وأقام رجلا صالحا في ولاية الحشري وبيت المال وكان الرجل حنبليا فقال إنني من مذهبي أن أورث ذوي الأرحام فإن أذن أمير المؤمنين أن أفعل ذلك وليت وإلا فلا فقال له أعط كل ذي حق حقه واتق الله ولا تتق سواه

ومنها ان العادة كانت ببغداد أن الحارس بكل درب يبكر ويكتب مطالعة إلى الخليفة بما تجدد في دربه من اجتماع بعض الأصدقاء ببعض على نزهة أو سماع أو غير ذلك ويكتب ما سوى ذلك من صغير وكبير فكان الناس من هذا في حجر عظيم فلما ولي هذا الخليفة جزاه الله خيرا أتته المطالعات على العادة فأمر بقطعها وقال أي غرض لنا في معرفة أحوال الناس في بيوتها فلا يكتب أحد الينا إلا ما يتعلق بمصالح دولتنا فقيل له إن العامة تفسد بذلك ويعظم شرها فقال نحن ندعو الله في أن يصلحهم

ومنها انه لما ولي الخلافة وصل صاحب الديوان من واسط وكان قد سار اليها أيام الناصر لتحصيل الأموال فأصعد ومعه من المال ما يزيد على مائة الف دينار وكتب مطالعة تتضمن ذكر ما معه ويستخرج الأمر في حمله فأعاد الجواب بأن يعاد إلى أربابه فلا حاجة لنا إليه فأعيد عليهم

ومنها أنه أخرج كل من كان في السجون وأم بإعادة ما أخذ منهم وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليعطيها عن كل من هو محبوس في حبس الشرع وليس له مال ومن حسن نيته للناس أن الأسعار في الموصل وديار الجزيرة كانت غالية فرخصت الأسعار وأطلق حمل الأطعمة إليها وأن يبيع كل من أراد البيع للغلة فحصل منها الكثير الذي لا يحصى فقيل له ان السعر قد غلا شيئا والمصلحة منع حمله فقال أولئك مسلمون وهؤلاء مسلمون وكما يجب علينا النظر في أمر هؤلاء كذلك يجب علينا النظر لأولئك وأمر أن يباع من الأهراء التي له طعام أرخص مما يبيع غيره ففعلوا ذلك فرخصت الأسعار عندهم ايضا اكثر مما كانت أولا وكان السعر في الموصل لما ولي كل مكوكين بدينار وثلثي قيراط فصار كل أربعة مكاكيك بدينار في أيام قليلة وكذلك باقي الأشياء من التمر والدبس والأرز والسمسم وغيرها فالله تعالى يؤيده وينصره ويبقيه فإنه غريب في هذا الزمان الفاسد ولقد سمعت عنه كلمة اعجبتني جدا وهي أنه قيل له في الذي يخرجه ويطلقه من الأموال التي لا تسمح نفس ببعضها فقال لهم أنا فتحت الدكان بعد العصر فاترموني أفعل الخير فكم أعيش وتصديق ليلة عيد الفطر من هذه السنة وفرق في العلماء وأهل الدين مائة ألف دينار

ذكر ملك بدر الدين قلعتي العمادية وهرور ص 454

في هذه السنة ملك بدر الدين قلعة العمادية من أعمال الموصل

وقد تقدم ذكر عصيان أهلها عليه سنة خمس عشرة وستمائة وتسليمها إلى عماد الدين زنكي ثم عودهم إلى طاعة بدر الدين وخلافهم على عماد الدين فلما عادوا إلى بدر الدين أحسن إليهم وأعطاهم الاقطاع الكثير وملكهم القرى ووصلهم بالأموال الجزيلة والخلع السنية فبقوا كذلك مدة يسيرة ثم شرعوا يراسلون عماد الدين زنكي ومظفر الدين صاحب اربل وشهاب الدين غازي بن العادل لما كان بخلاط ويعدون كلا منهم بالانحياز اليه والطاعة له وأظهروا من المخالفة لبدر الدين ما كانوا يبطنونه فكانوا يمكنون أن يقيم عندهم من أصحاب بدر الدين إلا من يريدونه ويمنعون من كرهوه فطال الأمر وهو يحتمل فعلهم ويداريهم وهم لا يزدادون إلا طمعا وخروجا عن الطاعة وكانوا جماعة فاختلفوا فقوي بعضهم وهم أولاد خواجة إبراهيم وأخوه ومن معهم على الباقين فأخرجوهم عن القلعة وغلبوا عليها وأصروا على ما كانوا عليه من النفاق فلما كان هذه السنة سار بدر الدين إليهم في عساكره فأتاهم بغتة فحصرهم وضيق عليهم وقطع الميرة عنهم وأقام بنفسه عليهم وجعل قطعة من الجيش على قلعة هرور يحصرونها وهي من أمنع الحصون وأحصنها لا يوجد مثلها وكان أهلها أيضا قد سلكوا طريق أهل العمادية من عصيان وطاعة ومخادعة فأتاهم العسكر وحصروهم وهم في قلة من الذخيرة فحصروها أياما ففني ما في القلعة فأضطر أهلها إلى التسليم فسلموها ونزلوا منها وعاد العسكر إلى العمادية فأقاموا عليها مع بدر الدين فبقي بدر الدين بعد أخذ هرور يسيرا وعاد إلى الموصل وترك العسكر بحالة مقيما عليهم مع نائبه أمين الدين لؤلؤ فبقي الحصار إلى أول ذي القعدة فأرسلوا يذعنون بالطاعة ويطلبون العوض عنها ليسلموها فاستقرت القواعد على العوض من قلعة يحتمون فيها وأقطاع ومال وغير ذلك فأجابهم بدر الدين إلى ما طلبوا وحضر نوابهم ليحلفوا بدر الدين فبينما هو يريد أن يحلف لهم وقد احضر من يشهد اليمين إذ قد وصل طائر من العمادية وعلى جناحه وقعة من أمين الدين لؤلؤ يخبرانه قد ملك العمادية قهرا وعنوة وأسر بني خواجة الذين كانوا تغلبوا عليه فامتنع بدر الدين من اليمين

وأما سبب غلبة أمين الدين عليها فإنه كان قد ولاه بدر الدين عليها لما عاد أهلها إلى طاعته فبقي فيها مدة فأحسن اليهم واحسن السيرة فيهم واستمال جماعة منهم ليتقوى بهم على الحزب الذين عصوا أولا فنمي الخبر البهم فأساؤوا مجاورته واستقالوا من ولايته عليهم ففارقهم إلى الموصل وكان اولئك الذين استمالهم يكاتبونه ويراسلونه فلما حصرهم كانوا ايضا يكاتبونه في النشاب يخبرونه بكل ما يفعله أولاد خواجه من انفاذ رسول وغير ذلك وبما عندهم من الذخائر إلا انهم لم يكونوا في الكثرة إلى انهم يقهرون أولئك فلما كان الآن واستقرت القواعد من التسليم لم يذكر أولاد خواجة احدا من جند القلعة في نسخة اليمين بمال ولا غيره من امام واقطاع فسخطوا هذه الحال وقالوا لهم قد حلفتم لأنفسكم بالحصون والقرى والمال ونحن قد خربت بيوتنا لأجلكم فلم تذكرونا فأهانوهم ولم يلتفتوا إليهم فحضر عند أمين الدين رجلان منهم ليلا وطلبوا منه أن يرسل إليهم جمعا يصعدونهم إلى القلعة ويثبتون بأولئك ويأخذونهم فامتنع وقال أخاف أن لا يتم هذا الأمر وينفسد علينا كل ما فعلناه فقالوا نحن نقبض عليهم غدا بكرة وتكون أنت والعسكر على ظهر فإذا سمعتم النداء باسم بدر الدين وشعاره تصعدون إلينا فأجابهم إلى ذلك وركب بكرة هو والعسكر على العادة

وأما أولئك فانهم اجتمعوا وقبضوا على أولاد خواجة ومن معهم ونادوا بشعار بدر الدين فبينما العسكر قيام اذا الصوت من القلعة باسم بدر الدين فصعدوا اليها وملكوها وتسلم امين الدين أولاد خواجه فحبسهم وكتب الرقعة على جناح الطائر بالحال وملكوا القلعة صفوا عفوا بغير عوض وكان يريد أن يغرم مالا جليلا وأقطاعا كثيرة وحصنا منيعا فتوفر الجميع عليه وأخذ منهم كل ما احتقبوه وادخروه وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له

ذكر عدة حوادث ص 456

في هذه السنة ليلة الأحد والعشرين من صفر زلزلت الأرض بالموصل وديار الجزيرة والعراق وغيرها زلزلة متوسطة

وفيها اشتد الغلاء بالموصل وديار الجزيرة جميعها فأكل الناس الميتة والكلاب والسنانير فقل الكلاب والسنانير بعد أن كانوا كثيرا ولقد دخلت يوما إلى داري فرأيت الجواري يقطعن اللحم ليطبخوه فرأيت سنانير استكثرتها فعددتها فكانت اثني عشر سنورا ورأيت اللحم في هذه الغلاء في الدار وليس عنده من يحفظه من السنانير لعدمها وليس بين المرتين كثير وغلا مع الطعام كل شيء فبيع الرطل الشيرج بقيراطين بعد ان كان بنصف قيراط قبل الغلاء وأما قبل ذلك فكان كل ستين رطلا بدينار ومن العجب ان السلق والجزر والسلجم بيع كل خمسة ارطال بدرهم وبيع البنفسج كل ستة أرطال بدرهم وبيع في بعض الأوقات كل سبعة أرطال بدرهم وهذا ما لم يسمع بمثله ولقد رأينا ما لم نر ولا سمعنا بمثله فإن الدينار ما زالت قديما وحديثا إذا غلت الأسعار متى جاء المطر رخصت إلا هذه السنة فإن الأمطار ما زالت متتابعة من أول الشتاء إلى آخر الربيع وكلما جاء المطر غلت الأسعار وهذا ما لم يسمع بمثله فبلغت الحنطة مكوك وثلث بدينار وقيراط يكون وزنه خمسة وأربعين رطلا دقيقا بالبغدادي وكان الملح مكوك بدرهم فصار المكوك بعشرة دراهم وكان الأرز مكوك باثني عشر درهما فصار المكوك بخمسين درهما وكان التمر كل اربعة ارطال وخمسة أرطال بقيراط فصار كل رطلين بقيراط

ومن عجيب ما يحكى أن السكر النادر الأسمر كان كل رطل بدرهم وكان السكر الأبلوج المصري النقي كل رطل بدرهمين فصار السكر الأسمر كل رطل بثلاثة دراهم ونصف والسكر الأبلوج كل رطل بثلاثة دراهم وربع وسببه أن الأمراض لما كثرت واشتد الوباء قال النساء هذه الأمراض باردة والسكر الأسمر حار فينفع منها والأبلج بارد يقويها وتبعهن الأطباء استمالة لقلوبهن ولجهلهن فغلا الأسمر بهذا السبب وهذا من الجهل المفرط وما زالت الأشياء هطذا إلى أول الصيف واشتد الوباء وكثر الموت والمرض في الناس فكان يحمل على النعش الواحد عدة من الموتى فممن مات فيه شيخنا عبد المحسن بن عبد الله الخطيب الطوسي خطيب الموصل وكان من صالحي المسلمين وعمره ثلاث وثمانون سنة وشهور

وفيها انخسف القمر ليلة الثلاثاء خامس عشر صفر

وفيها هرب أمير حاج العراق وهو حسام الدين أبو فراس الحلي الكردي الوارمي وهو ابن أخي الشيخ ورام كان عمه من صالحي المسلمين وخيارهم من أهل الحلة السيفية فارق الحاج بين مكة والمدينة وسار إلى مصر حكى لي بعض أصدقائه انه إنما حمله على الهرب كثرة الخرج في الطريق وقلة المعونة من الخليفة ولما فارق الحاج خافوا خوفا شديدا من العرب فأمن الله خوفهم ولم يرفعهم ذاعر في جميع الطريق ووصلوا آمنين إلا أن كثيرا من الجمال هلك اصابها غدة عظيمة لم يسلم إلا القليل

وفيها في آب جاء مطر شديد ورعد وبرق ودام حتى جرت الأودية وامتلأت الطرق بالوحل ثم جاء الخبر من العراق والشام والجزيرة وديار بكر انه كان عندهم مثله ولم يصل إلينا أحد الا واخبر ان المطر كان عندهم في ذلك التاريخ

وفيها كان في الشتاء ثلج كثير ونزلت بالعراق فسمعت انه نزل في جميع العراق حتى في البصرة أما إلى واسط فلا شك فيه وأما البصرة فإن الخبر لم يكثر عندنا بنزوله فيها

وفيها خرجت قلعة الزعفران من أعمال الموصل وهي حصن مشهور يعرف قديما بدير الزعفران وهو على جبل عال قريب من فرشابور

وفيها ايضا خربت القلعة الجديدة من بلد الهكارية من اعمال الموصل ايضا وأضيف عملها وقراها إلى العمادية

وفيها في ذي الحجة سار جلال الدين بن خوارزم شاه من تبريز إلى بلد الكرج قاصدا لأخذ بلادهم واستئصالهم وخربت السنة ولم يبلغنا انه فعل بهم شيئا ونحن نذكر ما فعله بهم سنة ثلاث وعشرين وستمائة إن شاء الله

وفيها ثالث شباط سقط ببغداد ثلج وبرد الماء بردا شديدا وقوي البرد حتى مات به جماعة من الفقراء

وفيها في ربيع الأول زادت دجلة زيادة عظيمة واشتغل الناس بإصلاح سكر القورج وخافوا فبلغت الزيادة قريبا من الزيادة الأولى ثم نقص الماء واستبشر الناس

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.