الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء العاشر / ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة
6

ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة

الجزء العاشر 11 عنصر صفحة 38
ذكر وفاة خوارزمشاه ايل أرسلان وملك ولده سلطانشاه وبعده ولده ص 38

الآخر تكش وقتل المؤيد وملك ابنه $

في هذه السنة توفي خوارزمشاه ايل أرسلان بن أتسز بن محمد بن أنوشتكين قد عاد من قتال الخطا مريضا فتوفي وملك بعده سلطانشاه محمود ودبرت والدته المملكة والعساكر وكان ابنه الأكبر علاء الدين تكش مقيما في الجند قد أقطعه أبوه إياه فلما بلغه موت أبيه وتولية أخيه الصغير أنف من ذلك وقصد ملك الخطأ واستمده على أخيه وأطعمه في الأموال وذخائر خوارزم فسير معه جيشا كثيفا مقدمهم قرما فساروا حتى قاربوا خوارزم فخرج سلطانشاه وأمه إلى المؤيد وأهدى له هدية جليلة المقدار ووعده أموال خوارزم وذخائرها فاغتر بقوله وجمع جيوشه وسار معه حتى بلغ سوبرلي بليدة على عشرين فرسخا من خوارزم وكان تكش قد عسكر بالقرب منها فتقدم إليهم فلما تراءى الجمعان انهزم عسكر المؤيد وكسر المؤيد وأخذ أسيرا وجيء به إلى خوارزمشاه تكش فأمر بقتله فقتل بين يديه صبرا وهرب سلطانشاه وأخذ إلى دهستان فقصده خوارزمشاه تكش فافتح المدينة عنوة فهرب سلطانشاه وأخذت أمه فقتلها تكش وعاد إلى خوارزم ولما عاد المنهزمون إلى نيسابور ملكوا صفانشاه أبا بكر بن المؤيد واتصل به سلطانشاه ثم سار من هناك إلى غياث الدين ملك الغورية فأكرمه وعظمه وأحسن ضيافته وأما علاء الدين تكش فإنه لما ثبت قدمه بخوارزم اتصلت به رسل الخطا بالاقتراحات والتحكم كعادتهم فأخذته حمية الملك والدين وقتل أحد أقارب الملك وكان قد ورد إليه ومعه جماعة أرسله ملكهم في مطالبة خوارزمشاه بالمال فأمر خوارزمشاه أعيان خوارزم اتصلت به رسل الخطا بالاقتراحات والتحكم كعادتهم فأخذته حمية الملك والدين وقتل أحد أقارب الملك وكان قد ورد إليه ومعه جماعة أرسله ملكهم في مطالبة خوارزمشاه بالمال فأمر خوارزمشاه أعيان خوارزم فقتل كل واحد منهم رجلا من الخطا فلم يسلم منهم أحد ونبذوا إلى ملك الخطا عهده وبلغ ذلك سلطانشاه فسار إلى ملك الخطا واغتنم الفرصة بهذه الحال واستنجده على أخيه علاء الدين تكش وزعم له أن أهل خوارزم معه يريدونه ويختارون ملكه عليهم ولو رأوه لسلموا البلد إليه فسير معه جيشا كثيرا من الخطا مع قرما أيضا فوصلوا إلى خوارزم فحصروها فأمر خوارزمشاه علاء الدين بإجراء ماء جيحون عليها فكادوا يغرقون فرحلوا ولم يبغلوا منها غرضا ولحقهم الندم حيث لم ينفعهم ولاموا سلطانشاه وعنفوه فقال لقرما لو أرسلت معي جيشا إلى مرو فاستخلصتها من يد دينار الغزي وكان قد استولى عليها من حين كانت فتنة الغز إلى الآن فسير معه جيشا فنزل على سرخس على غرة من أهلها وهجم على الغز فقتل مقتلة عظيمة فلم يتركوا بها أحدا منهم وألقى دينار ملكهم نفسه في خندق القلعة فأخرج منه ودخل القلعة وتحصن بها وسار سلطانشاه إلى مرو فملكها وعاد الخطا إلى ما وراء النهر وجعل سلطانشاه دأبه قتال الغز والقتل فيهم والنهب منهم فلما عجز دينار عن مقاومته أرسل إلى نيسابور إلى طغان شاه بن المؤيد يقول له ليرسل إليه من يسلم إليه قلعة سرخس فأرسل إليه جيشا مع أمير اسمه قراقوش فسلم إليه دينار القلعة ولحق بطغان شاه فقصد سلطان شاه سرخس وحصر قلعتها

وبلغ ذلك طغان شاه فجمع جيوشه وقصد سرخس فلما التقى هو وسلطان شاه قرطغان شاه إلى نيسابور وذلك سنة ست وسبعين وخمسمائة فأخلى قراقوش قلعة سرخس ولحق بصاحبه وملكها سلطان شاه ثم أخذ طوس والزام وضيق الأمر على طغان شاه بعلو همته وقلة قراره وحرصه على طلب الملك وكان طغان شاه يحب الدعة ومعاقرة الخمر فلم يزل الحال كذلك إلى أن مات طغان شاه سنة اثنين وثمانين وخمسمائة في المحرم وملك ابنه سنجر شاه فغلب عليه مملوك جده المؤيد اسمه منكلي تكين فتفرق الأمراء أنفة من تحكمه واتصل أكثرهم بسلطان شاه وسار الملك دينار إلى كرمان ومعه الغز فملكها وأما منكلي تكين فإنه أساء السيرة في الرعية وأخذ أموالهم وقتل بعض الأمراء فسمع خوارزمشاه بذلك فسار إليه فحصره بنيسابور في ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة فحصرها شهرين فلم يظفر بها وعاد إلى خوارزم ثم رجع سنة ثلاث وثمانين إلى نيسابور فحصرها وطلبوا منه الأمان فأمنهم فسلموا البلد إليه فقتل منكلي تكين وأخذ سنجر شاه وأكرمه وأنزله بخوارزم وأحسن إليه فأرسل إلى نيسابور يستميل أهلها ليعود إليهم فسمع به خوارزمشاه فأخذ سنجر شاه فسمله وكان قد تزوج بأمه وزوجه بابنته فماتت فزوجه بأخته وبقي عنده إلى أن مات سنة خمس وتسعين وخمسمائة ذكر هذا أبو الحسن بن أبي القاسم البيهقي في كتاب مسارب التجارب

وقد ذكر غيره من العلماء بالتواريخ هذه الحوادث مخالفة لهذا في بعض الأمور مع تقديم وتأخير ونحن نوردها فقال إن تكش خوارزمشاه بن أرسلان أخرج أخاه سلطان شاه من خوارزم وكان قد ملكها بعد موت أبيه فجاء إلى مرو فملكها وأزاح الغز عنها فخرجوا أياما ثم عادوا عليه فأخرجوه منها وانتهبوا خزانته وقتلوا أكثر رجاله فعبر إلى الخطا فاستنجدهم وضمن لهم مالا وجاء بجيش عظيم فأخرج الغز عن مرو وسرخس ونسا وأبيورد وملكها ورد الخطا

فلما أبعدوا كاتب غياث الدين الغوري يطلب منه أن ينزل عن هراة وبوشنج وبادغيس وما والاها ويتوعده إن هو لم ينزل عن ذلك فأجابه غياث الدين يطلب منه إقامة الخطبة له بمرو وسرخس وما ملكه من بلاد خراسان فلما سمع الرسالة سار عن مرو وشن الغارات على بادغيس وبيوار وما والاها وحصر بوشنج ونهب الرساتيق وصادر الرعايا فلما سمع غياث الدين ذلك لم يرض لنفسه أن يسير هو بل سير ملك سجستان وكاتب ابن أخته بهاء الدين سام صاحب باميان باللحاق به لأن أخاه شهاب الدين كان بالهند والزمان شتاء فجاء بهاء الدين ابن أخت غياث الدين وملك سجستان ومن معهما من العساكر ووافق ذلك وصول سلطان شاه إلى هراة فلما علم بوصولهم عاد إلى مرو من غير أن يقاتلها وأحرق كل ما مر به من البلاد ونهب وأقام بمرو إلى الربيع وأعاد مراسلة غياث الدين في المعنى فأرسل إلى أخيه شهاب الدين يعرفه الحال فنادى في عساكره الرحيل لساعته

وعاد إلى خرسان واجتمع هو وأخوه غياث الدين وملك سجستان وغيرهم من العساكر وقصدوا سلطان شاه فلما علم ذلك جمع عساكره واجتمع عليه من الغز والمفسدين وقطاع الطريق ومر عنده طمع خلق كثير فنزل غياث الدين ومن معه في الطالقان ونزل سلطان شاه بمرو الروذ وتقدم عسكر الغورية إليه وتواعدوا للمصاف وبقوا كذلك شهرين والرسل تتردد بين غياث الدين وبين سلطان شاه وشهاب الدين يطلب من أخيه غياث الدين إلى سلطان بوشنج وباعغيس وقلاع بيوار وكره ذلك شهاب الدين وبهاء الدين صاحب باميان إلا أنهما لم يخالفان غياث الدين وفي آخر الأمر حضر رسول سلطان شاه عند غياث الدين وحضر الأمراء ليكتب العهد فقال الرسول إن سلطان شاه يطلب أن يحضر شهاب الدين وبهاء الدين هذا الأمر فأرسل غياث الدين إليهما فأعادا الجواب إننا مماليكك ومهما تفعله لا يمكننا مخالفتك فبينما الناس مجتمعون في تحرير الأمر وإذ قد أقبل مجد الدين العلوي الهروي إليه وكان خصيصا بغياث الدين بحيث يفعل في ملكه ما يختار فلا يخالف فجاء العلوي ويده في يد ألب غازي ابن أخت غياث الدين وقد كتبوا الكتاب وقد أحضر غياث الدين أخاه شهاب الدين وبهاء الدين سام ملك الباميان فجاء العلوي كأنه يسارر غياث الدين ووقف في وسط الحلقة وقال للرسول يا فلان تقول لسلطان شاه قد تم لك الصلح من جانب السلطان الأعظم ومن شهاب الدين وبهاء الدين ويقول لك العلوي خصمك أنا ومولانا ألب غازي بيننا وبينك السيف ثم صرخ صرخة ومزق ثيابه وحثى التراب على رأسه وأقبل على غياث الدين وقال له هذا واحد طرده أخوه وأخرجه فريدا وحيدا لم نترك له ما ملكناه بأسيافنا من الغز والأتراك والسنجرية فإذا سمع هذا عنا يجيء أخوه يطلب منازعته والهند وجميع ما بيدك فحرك غياث الدين رأسه ولم يفه بكلمة فقال ملك سجستان للعلوي أترك الأمر ينصلح فلما لم يتكلم غياث الدين يمنع العلوي قال شهاب الدين لجاووشيته نادوا في العسكر بالتجهز للحرب والتقدم إلى مرو الروذ وقام وأنشد العلوي بيتا من الشعر عجميا معناه إن الموت تحت السيوف أسهل من الرضا بالدنية فرجع الرسول إلى سلطان شاه وأعلمه الحال فرتب عساكره للمصاف والتقى الفريقان واقتتلوا فصبروا للحرب فانهزم سلطان شاه وعسكره وأخذ أكثر أصحابه أسارى فأطلقهم غياث الدين

ودخل سلطان شاه مرو في عشرين فارسا ولحق به من أصحابه نحو ألف وخمسمائة فارس ولما سمع خوارزمشاه تكش بما جرى لأخيه سار من خوارزم في ألفي فارس وأرسل إلى جيحون ثلاثة آلاف فارس يقطعون الطريق على أخيه إن أراد الخطا وجد في السير ليقبض على أخيه قبل أن يقوى فأتت الأخبار سلطان شاه بذلك فلم يقدر على عبو جيحون إلى الخطا فسار إلى غياث الدين وكتب إليه يعلمه قصده إليه فكتب إلى هراة وغيرها من بلاده بإكرامه واحترامه وحمل الإقامات إليه ففعل به ذلك وقدم على غياث الدين والتقاه وأكرمه وأنزله معه في داره وأنزل أصحاب سلطان شاه كل إنسان منهم عند من هو في طبقته فأنزل الوزير عند وزيره والعارض عند عارضه وكذلك غيره وأقام عنده حتى انسلخ الشتاء فأرسل علاء الدين بن خوارزمشاه إلى غياث الدين يذكره ما صنعه أخوه سلطان شاه من تخريب بلاده وجمع العساكر عليه ويشير بالقبض عليه ورده إليه فأنزل الرسول وإذا قد أتى كتاب نائبه بهراة يخبره أن كتاب خوارزمشاه جاءه يتهدده فأجابه أنه لا يظهر لخوارزمشاه أنه أعلمه بالحال وأحضر الرسول وقال له يقول بعلاء الدين أما قولك إن السلطان شاه أخرب البلاد وأراد ملكها فلعمري أنه ملك وابن ملك وله همة عالية وإذا أراد الملك فمثله أراده وتعطيه نصيبه مما خلف أبوه ومن الأملاك التي خلف والأموال وأحلف لكما يمينا على المودة والمصافاة وتخطب لي بخوارزم وتزوج أخي شهاب الدين بأختك فلما سمع خوارزمشاه الرسالة امتعض لذلك وكتب إلى غياث الدين كتابا يتهدده بقصد بلاده فجهز غياث الدين العساكر مع اين أخت ألب غازي وصاحب سجستان وسيرهما مع سلطان شاه إلى خوارزم وكتب إلى المؤيد صاحب نيسابور يستنجده وكان قد صار بينهم مصاهرة زوج المؤيد ابنه طعان شاه بابنة غياث الدين فجمع المؤيد عساكره وأقام بظاهر نيسابور على طريق خوارزم

وكان خوارزمشاه قد سار عن خوارزم إلى لقاء عسكر الغورية الذين مع أخيه سلطان شاه وقد نزلوا بطرف الرمل فبينما هو من مسيره أتاه خبر المؤيد أنه قد جمع عساكره وأنه على قصد خوارزم إذا فارقها فوقع في قلبه وعاد إلى خوارزم فأخذ أمواله وذخائره وعبر جيحون إلى الخطا وأخلى خوارزم فوقع بها خبط عظيم فحضر جماعة من أعيانها عند ألب غازي وسألوه إرسال أمير معهم يضبط البلد فخاف أن تكون مكيدة فلم يفعل فبينما هم على ذلك توفي سلطان شاه سلخ رمضان سنة تسع وثمانين وخمسمائة فكتب ألب غازي إلى غياث الدين يعلمه الخبر فكتب إليه يأمره بالعود إليه فرجع ومعه أصحاب سلطان شاه فأمر غياث الدين بأن يستخدموا وأقطع الأجناد الإقطاعات الجيدة وكلهم قابل إحسانه بكفران وسنذكر باقي أخبارهم ولما سمع خوارزمشاه تكش بوفاة أخيه عاد إلى خوارزم وأرسل إلى سرخس ومرو شحناء فجهز إليهم أمير هراة عمر المرغني جيشا فأخرجوهم وقال حتى نستأذن السلطان غياث الدين وأرسل خوارزمشاه رسولا إلى غياث الدين يطلب الصلح والمصاهرة وسير مع رسوله جماعة من فقهاء خراسان والعلويين ومعهم وجيه الدين محمود بن محمود وهو الذي جعل غياث الدين شافعيا وكان له عنده منزلة كبيرة فوعظوه وخوفوه الله تعالى وأعلموه أن خوارزمشاه يراسلهم يتهددهم بأنه يجيء بالأتراك والخطا ويستبيح حريمهم وأموالهم وقالوا له إما أن تحضر أنت بنفسك وتجعل مرو دار ملكك حتى ينقطع طمع الكافرين ويأمن أهلها وإما أن تصالح خوارزمشاه فأجاب إلى الصلح وترك معارضة البلاد فلما سمع من بخراسان من الغز بذلك طمعوا في البلاد فعاودوا النهب والإحراق والتخريب فسمع خوارزمشاه فجمع عساكره وحضر بخراسان ودخل مرو وسرخس ونسا وأبيورد وغيرها وأصلح البلاد وتطرق إلى طوس وهي للمؤيد صاحب نيسابور فجمع المؤيد جيوشه وسار إليه فلما سمع خوارزمشاه بمسيره إليه عاد إلى خوارزم فلما وصل إلى الرمل أقام بطرفه فلما سمع المؤيد بعودة خوارزمشاه طمع فيه وتبعه فلما سمع خوارزمشاه بذلك أرسل إلى المناهل التي في البرية فألقى فيها الجيف والتراب بحيث لا يمكن الانتفاع بها فلما توسط المؤيد البرية طلب الماء فلم يجده خوارزمشاه إليه وهو على تلك الحال ومعه الماء على الجمال فأحاط به فأما عسكره فاستسلموه بأسرهم وجيء بالمؤيد أسيرا إلى خوارزمشاه فأمر بضرب عنقه فقال له يا مخنث هذا فعال الناس فلم يلتفت إليه وقتله وحمل رأسه إلى خوارزم

فلما قتل ملك نيسابور ملك ما كان له ابنه طغان شاه فلما كان من قابل جمع خوارزمشاه عساكره وسار إلى نيسابور فحاصرها وقاتلها فتبعه طغان شاه وأخذه وزوجه أخته وحمله معه إلى خوارزم وملك نيسابور وما كان لطغان شاه وقوي أمره

هذا الذي ذكره في هذه الرواية مخالف لما تقدم ولو أمكن الجمع بين الروايتين لفعلت فإن أحدهما قد قام ما أخره الآخر فلها أوردنا جميع ما قالاه ولبعد البلاد عنا لم نعلم أي القولين أصح لنذكره ونترك الآخر وإنما أوردتها في موضع واحد لأن أيام سلطان شاه لم تطل له ولأعقابه حتى تتفرق على السنين فلهذا أوردتها متتابعة

ذكر غارة الفرنج على بلد حوران وغترة المسلمين على بلد الفرنج ص 44

في هذه السنة في ربيع الأول اجتمعت الفرنج وساروا إلى بلد حوران من أعمال دمشق للغارة عليه وبلغ الخبر إلى نور الدين وكان قد برز ونزل هو وعسكره بالكسوة فسار إليهم مجدا وقدم بجموعه عليهم فلما علموا بقربه منهم دخلوا إلى السواد وهو من أعمال دمشق أيضا ولحقهم المسلمون فتحفظوا من ساقتهم ونالوا منهم وسار نور الدين فنزل غي عشترا وسير منها سرية إلى أعمال طبرية فشنوا الغارات عليها فنهبوا وسبوا وأحرقوا وخربوا فسمع الفرنج ذلك فرحلوا إليهم ليمنعوا عن بلدهم فلما وصلوا كان قد فرغ المسلمون من نهبهم وغنيمتهم وعادوا وعبروا النهر وأدركهم الفرنج فوقف مقابلهم شجعان المسلمين وحماتهم فقاتلوهم فاشتد القتال وصبر الفريقان الفرنج يرومون أن يلحقوا الغنيمة فيردوها والمسلمون يريدون أن يمنعوهم عنها لينجو بها من قد سار معها فلما طال القتال بينهم وأبعدت الغنيمة وسلمت مع المسلمين عاد الفرنج ولم يقدروا أن يستردوا منها شيئا

ذكر مسير شمس الدولة إلى بلد النوبة ص 44

في هذه السنة في جمادى الأولى سار شمس الدولة تورانشاه بن أيوب أخو صلاح الدين الأكبر من مصر إلى بلد النوبة فوصل إلى أول بلادهم ليتغلب عليه ويملكه وكان سبب ذلك أن صلاح الدين وأهله كانوا يعلمون أن نور الدين كان على عزم الدخول إلى مصر فاستقر الرأي بينهم أنهم يتملكون إما بلاد النوبة أو بلاد اليمن حتى إذا وصل اليهم نور الدين لقوه وصدوه عن البلاد فإن قووا على منعه أقاموا بمصر وإن عجزوا عن منعه ركبوا البحر ولحقوا بالبلاد التي قد افتتحوها فجهز شمس الدولة وسار إلى أسوان ومنها إلى بلد النوبة فنازل قلعة اسمها ابزيم فحصرها وقاتله أهلها فلم يكن لهم بقتال العسكر الإسلامي قوة لأنهم ليس لهم جنة تقيهم السهام وغيرها من آلة الحرب فسلموها فملكها وأقام بها ولم ير للبلاد دخلا يرغب فيه وتحتمل المشقة لأجله وقوتهم الذرة فلما رأى عدم الحاصل وقشف العيش مع مباشرة الحروب ومعاناة التعب والمشقة تركها وعادج إلى مصر بما غنم وكان عامة غنيمتهم العبيد والجواري

ذكر ظفر مليح بن ليون بالروم ص 45

في هذه السنة في جمادى الأولى هزم مليح بن ليون الأرمني صاحب بلاد الدروب المجاورة لحلب عسكر الروم من القسطنطسنية وسبب ذلك أن نور الدين كان قد استخدم مليحا المذكور وأقطعه سنيا وكان ملازما الخدمة لنور الدين ومشاهدا لحروبه مع الفرنج ومباشرا لها وكان هذا من جيد الأي وصائبه فإن نور الدين لما قيل له في معنى استخدامه وإعطائه الأقطاع في بلاد الشام قال أستعين به على قتال أهل ملته وأريح طائفة من عسكري تكون بإزائه لنمنعه من الغارة على البلاد المجاورة له وكان مليح أيضا يتقوى بنور الدين على من يجاوره من الأرمن والروم وكانت مدينة أذنة واالمصيصة وطرسوس بيد ملك الروم صاحب القسطنطينية فأخذها مليح منهم لأنها تجاور بلاده فسير إليه ملك الروم جيشا كثيفا وجعل عليهم بعض أعيان البطارقة من أقاربه فلقيهم مليح ومعه طائفة من عسكر نور الدين فقاتلهم وصدقهم القتال وصابرهم فانهزمت الروم وكثر فيهم القتل والأسر وقويت شوكة مليح وانقطع أمل الروم من تلك البلاد وأرسل مليح إلى نور الدين كثيرا من غنائمهم ومن الأسرى ثلاثين رجلا من مشهوريهم وأعيانهم فسير نور الدين بعض ذلك إلى الخليفة المستضيء بأمر الله وكتب يعتد بهذا الفتح لأن بعض جنده فعلوه

ذكر وفاة ايلدكز ص 45

في هذه السنة توفي أتابك شمس الدين ايلدكز بهمذان وملك بعده ابنه محمد البهلوان ولم يختلف عليه أحد وكان ايلدكز هذا مملوكا للكمال السميرمي وزير السلطان محمود فلما قتل الكمال كما ذكرناه سارا ايلدكز إلى السلطان محمود فلما ولي السلطان مسعود السلطنة ولاه أرانية فمضى إليها ولم يعد يحضر عند السلطان مسعود ولا غيره ثم ملك أكثر أذربيجان وبلاد الجبل وهمذان وغيرها وأصفهان والري وما والاهما من البلاد وخطب السلطنة لابن امرأته ارسلان شاه بن طغرل وكان عسكره خمسين ألف فارس سوى الأتباع واتسع ملكه من باب تفليس إلى مكران ولم يكن للسلطان أرسلان معه حكم إنما كان له جراية تصل إليه وبلغ من تحكمه عليه أنه شرب ليلة فوهب ما في خزانته وكان كثيرا فلما سمع ايلدكز بذلك استعاده جميعا وقال له متى أخرجت المال في غير وجهة أخذته أيضا من غير وجهة وظلمت الرعية وكان ايلدكز عاقلا حسن السيرة يجلس بنفسه للرعية ويسمع شكاويهم وينصف بعضهم من بعض

ذكر وصول الترك إلى إفريقية وملكهم طرابلس وغيرها ص 46

في هذه السنة سار طائفة من الترك من ديار مصر مع قراقوش مملوك تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى جبال نفوسة واجتمع به مسعود بن زمام االمعروف بمسعود البلاط وهو من أعيان الأمراء هناك وكان خارجا عن طاعة عبد المؤمن فاتفقا وكثر جميعهما ونزلا على طرابلس الغرب فحاصراها وضيقا على أهلها ثم فتحت فاستولى عليها قراقوش وأسكن أهله قصرها وملك كثيرا من بلاد إفريقية ما خلا المهدية وسفاقس وقفضة وتونس وما والاها من القرى والمواضع وصار مع قراقوش عسكر كثير فحكم على تلك البلاد بمساعدة العرب بما جبلت عليه من التخريب والنهب والإفساد بقطع الأشجار والثمار وغير ذلك فجمع بها أموالا عظيمة وجعلها بمدينة قابس وقويت نفسه وحديثه بالاستيلاء على جميع إفريقية لبعد أبي يعقوب بن عبد المؤمن صاحبها عنها وكان ما سنذكره إن شاء الله

ذكر غزو ابن عبد المؤمن الفرنج بالأندلس ص 46

في هذه السنة جمع أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن عساكره وسار من إشبيلية إلى الغزو فقصد بلاد الفرنج ونزل على مدينة رندي وهي بالقرب من طليطلة شرقا منها وحصرها واجتمعت الفرنج على ابن الفنش ملك طليطلة في جمع كثير فلم يقدموا على لقاء المسلمين فاتفق أن الغلاء اشتد على المسلمين وعدمت الأقوات عندهم وهو في جمع كثير فاضطروا إلى مفارقة بلاد الفرنج فعادوا إلى أشبيلية وأقام يعقوب بها سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وهو على ذلك يجهز العساكر ويسيرها إلى بلاد الفرنج في كل وقت فكان له فيها عدة وقائع وغزوات ظهر فيها للعرب من الشجاعة ما لا يوصف وصار الفارس من العرب يبرز بين الصفين ويطلب مبارزة الفارس المشهور من الفرنج فلا يبرز إليه أحد ثم عاد أبو يعقوب إلى مراكش

ذكر نهب نهاوند ص 47

في هذه السنة نهب عسكر شملة نهاوند وسبب ذلك أن شملة كان أيام ايلدكز لا يزال يطلب منه نهاوند لكونها مجاورة بلاده ويبذل فيها الأموال فلا يجيبه إلى ذلك فلما مات أيلدكز وملك بعده ولده محمد البهلوان وسار إلى أذربيجان لإصلاحها نفذ شملة ابن أخيه ابن شنكا لأخذ نهاوند وبلغ أهل البلد الخبر فتحصنوا وحصرهم وقاتلهم وقاتلوه وأفحشوا في سبه فلما علم أنه لا طاقة له بهم رجع إلى تستر وهي قريبة منها وأرسل أهل نهاوند إلى البهلوان يطلبون منه نجدة فتأخرت عنهم فلما اطمأنوا خرج ابن شنكا من تستر في خمسمائة فارس وسار يوما وليلة فقطع أربعين فرسخا حتى وصل إلى نهاوند وضرب البوق وأظهر أنه من أصحاب البهلوان لأنه جاءهم من ناحيته ففتح أهل البلد له الأبواب فدخله فلما توسط قبض على القاضي والرؤساء وصلبوهم ونهب البلدوقطع أنف الوالي وأطلقه وتوجه نحو ماسيزان قاصدا للعراق

ذكر قصد نور الدين بلاد قلج أرسلان ص 47

في هذه السنة سار نور الدين محمود بن زنكي إلى مملكة عز الدين قلج أرسلان ابن مسعود بن قلج أرسلان وهي ملطية وسيواس واقصرا وغيرها ملازما على حربه وأخذ بلاده منه وكان سبب ذلك أن ذا النون بن دانشمند صاحب ملطية وسيواس قصده قلج أرسلان وأخذ بلاده وأخرجه عنها طريدا فريدا فصار إلى نور الدين مستجيرا به وملتجئا إليه فأكرم نزله وأحسن إليه وحمل له ما يليق أن يحمل إلى الملوك ووعده النصرة والسعي في رد ملكه إليه ثم إنه أرسل إلى قلج أرسلان يتشفع في إعادة ملكه فلم يجبه إلى ذلك فسار نور الدين إليه فابتدأ بكبسون وبهنسي ومرعش ومزبان فملكها وما بينها وكان ملكه لمرعش أوائل ذي القعدة والباقي بعدها فلما ملكها سير طائفة من عسكره إلى سيواس فملكوها وكان قلج أرسلان لما سار نور الدين إلى بلاده قد سار من طرقها التي تلي الشام إلى وسطها وراسل نور الدين يستعطفه ويسأله الصلح فتوقف نور الدين عن قصده رجاء أن ينصلح الأمر بغير حرب فأتاه عن الفرنج ما أزعجه فأجابه إلى الصلح وشرط عليه أن ينجده بعساكر إلى الغزاة وقال له أنت مجاور الروم ولا تغزوهم وبيدك قطعة كبيرة من بلاد الإسلام ولا بد من الغزاة معي فأجابه إلى ذلك وتبقى سيواس على حالها بيد نواب نور الدين وهي لذي النون فبقي العسكر في خدمة ذي النون إلى أن مات نور الدين فلما مات رحل عسكره عنها وعاد قلج أرسلان وملكها وهي بيد أولاده إلى الآن سنة نيف وعشرين وستمائة ولما كان نور الدين في هذه السفرة جاءه رسول كمال الدين أبي الفضل محمد بن عبد الله الشهرزوري من بغداد ومعه منشور من الخليفة بالموصل والجزيرة وبإربل وخلاط والشام وبلاد قلج أرسلان وديار مصر

ذكر رحيل صلاح الدين من مصر إلى الكرك وعوده عنها ص 48

في هذه السنة في شوال رحل صلاح الدين يوسف بن أيوب من مصر بعساكرها جميعها إلى بلاد الفرنج يريد حصر الكرك والاجتماع مع نور الدين عليه والاتفاق على قصد بلاد الفرنج من جهتين كل واحد منهما في جهة بعسكره وسبب ذلك أن نور الدين لما أنكر على صلاح الدين عوده من بلاد الفرنج في العام الماضي وأراد نور الدين قصد مصر وأخذها منه أرسل يعتذر ويعد من نفسه بالحركة على ما يقرره نور الدين فاستقرت القاعدة بينهما أن صلاح الدين يخرج من مصر ويسير نور الدين من دمشق فأيهما سبق صاحبه يقيم إلى أن يصل الآخر إليه وتواعدا على يوم معلوم يكون وصولهما فيه فسار صلاح الدين عن مصر لأن طريقه أبعد وأشق ووصل إلى الكرك وحصوه وأما نور الدين فإنه لما وصل إليه كتاب صلاح الدين برحيله من مصر فرق الأموال وحصل الأزواد وما يحتاج إليه وسار إلى الكرك فوصل إلى الرقيم وبينه وبين الكرك مرحلتان فلما سمع صلاح الدين بقربه خافه هو وجميع أهله واتفق رأيهم على العود إلى مصر وترك الاجتماع بنور الدين لأنهم علموا أنه إن اجتمعا كان عزله على نور الدين سهلا فلما عاد أرسل الفقيه عيسى إلى نور الدين يعتذر عن رحيله بأنه قد استخلف أباه نجم الدين أيوب على ديار مصر وأنه مريض شديد المرض ويخاف أن يحدث حادث الموت فتخرج البلاد عن أيديهم وأرسل معه من التحف والهدايا ما يجل عن الوصف فجاء الرسول إلى نور الدين وأعلمه ذلك فعظم عليه وعلم المراد من العود إلا أنه لم يظهر للرسول تأثرا بل قال له حفظ مصر أهم عندنا من غيرها وسار صلاح الدين إلى مصر فة جد أباه قد قضى نحبه ولحق بربه وكلمة تقول لقائلها دعني وكان سبب موت نجم الدين أنه ركب يوما فرسا بمصر فتفر به الفرس نفرة كبيرة شديدة فسقط عنه فحمل إلى قصره وقيذا وبقي أياما ومات في السابع والعشرين من ذي الحجة وكان خيرا عاقلا حسن السيرة كريما جوادا كثير الإحسان إلى الفقراء والصوفية والمجالسة لهم وقد تقدم من ذكره وابتداء أمره وأمر أخيه شيركوه ما لا حاجة إلى إعادته

ذكر عدة حوادث ص 49

في هذه السنة زادت دجلة زيادة كثيرة أشرفت بها بغداد على الغرق في شعبان وسدوا أبواب الدروب ووصل الماء إلى قبة أحمد بن حنبل ووصل إلى النظامية ورباط شيخ الشيوخ واشتغل الناس بالعمل في القورج ثم القورج ثم نقص وكفى الناس شره

وفيها وقعت النار ببغداد من درب بهروز إلى باب جامع القصر ومن الجانب الآخر من حجر النحاس إلى دار أم الخليفة

وفيها أغار بنو حزن من خفاجة على سواد العراق وسبب ذلك أن الحماية كانت لهم لسواد العراق فلما تمكن يزدن من البلاد وتسلم الحلة أخذها منهم وجعلها لبني كعب من خفاجة وأغار بنو حزن على السواد فسار يزدن في عسكر ومعه الغضبان الخفاجي وهو من بني كعب لقتال بني حزن فبينما هم سائرون ليلا رمى بعض الجند الغضبان بسهم فقتله لفساده وكان في السواد فلما قتل عاد العسكر إلى بغداد وأعيدت خفارة السواد إلى بني حزن

وفيها خرج ترجم الإيوائي في جمع من التركمان في حياة أيلدكز وتطرق أعمال همذان ونهب الدينور واستباح الحريم وسمع أيلدكز الخبر وهو بنقجوان فسار مجدا فيمن خف من عسكره فقصده فهرب ترجم إلى أن قارب بغداد وتبعه أيلدكز فظن الخليفة أنها حيلة ليصل إلى بغداد فجأة فشرع في جمع العساكر وعمل السور فأرسل إلى أيلدكز الخلع والألقاب الكبيرة فاعتذر أنه لم يقصد إلا كف الأمير يزدن وهو من أكابر أمراء بغداد وكان يتشيع فوقع بسببه فتنة بين السنية والشيعة بواسط لأن الشيعة جلسوا له للعزاء وأظهر السنية الشماتة به فآل الأمر إلى القتال فقتل بينهم جماعة ولما مات أقطع أخوه تنامش ما كان لأخيه وهي مدينة واسط ولقب علاء الدين

وفيها أرسل نور الدين محمود بن زنكي رسولا إلى الخليفة وكان الرسول القاضي كمال الدين أبا الفضل محمد بن عبد الله الشهرزوري قاضي بلاده جميعها مع الوقوف والديوان وحمله رسالة مضمونها الخدمة للديوان وما هو عليه من جهاد الكفار وفتح بلادهم ويطلب تقليدا بما بيده من البلاد مصر والشام والجزيرة والموصل وبما في طاعته كديار بكر وما يجاور ذلك كخلاط وبلاد قلج أرسلان وأن يعطى من الأقطاع بسواد العراق ما كان لأبيه زنكي وهو صريفين ودرب هرون والتمس أرضا على شاطئ دجلة يبنيها مدرسة للشافعية ويوقف عليها صريفين ودرب هرون فأكرم كمال الدين إكراما لم يكرمه رسول قبله وأجيب إلى ما التمسه فمات نور الدين قبل الشروع في بناء المدرسة رحمه الله

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.