الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
5

ثم دخلت سنة سبع وستين وخمسمائة

الجزء العاشر 6 عنصر صفحة 32
ذكر إقامة الخطبة العباسية بمصر وانقراض الدولة العلوية ص 32

في هذه السنة في ثاني جمعة من المحرم قطعت خطبة العضد لدين الله أبي محمد الإمام عبد الله بن يوسف بن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد بن أبي القاسم محمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي بن الحاكم بأمر الله أبي علي المنصور بن العزيز بالله أبي منصور بن نزار بن المعز لدين الله أبي تميم معد بن المنصور بالله أبي الظاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهدي بالله أبي محمد عبيد الله وهو أول العلويين من هذا البيت الذين خطب لهم بالخلافة وخوطبوا بأمرة المؤمنين وكان سبب الخطبة العباسية بمصر أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ثبت قدمه بمصر وأزال المخالفين له وضعف أمر الخليفة بها العاضد وصار قصره يحكم فيه صلاح الدين ونائبه قراقوش وهو خصي كان من أعيان الأمراء الأسدية كلهم يرجعون إليه فكتب إليه نور الدين محمود بن زنكي يأمره بقطع الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة المستضيئية فامتنع صلاح الدين واعتذر بالخوف من قيام أهل الديار المصرية عليهم لميلهم إلى العلويين وكان صلاح الدين يكره قطع الخطبة لهم ويريد بقاءهم خوفا من نور الدين فإنه كان يخافه أن يدخل إلى الديار المصرية يأخذها منه فكان يريد يكون العاضد معه حتى إن قصده نور الدين امتنع به وبأهل مصر عليه فلما اعتذر إلى نور الدين بذلك لم يقبل عذره وألح عليه بقطع خطبته وألزمه إلزاما لا فسحة له في مخالفته وكان على الحقيقة نائب نور الدين واتفق أن العاضد مرض هذا الوقت مرضا شديدا فلما عزم صلاح الدين على قطع خطبته استشار أمراءه فمنهم من أشار به ولم يفكر في المصريين ومنهم من خافه إلا أنه ما يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين وكان قد دخل إلى مصر إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم رأيته أنا بالموصل فلما رأى ما هم فيه من الإحجام وأن أحدا لا يتجاسر يخطب للعباسي قال أنا ابتدئ بالخطبة له فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب ودعا للمستضيء ففعلوا ذلك فلم يتنطح فيها عنزان وكتب بذلك إلى سائر بلاد مصر ففعلوا وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أحد من أهله وأصحابه بقطع الخطبة وقالوا إن عوفي فهو يعلم وإن توفي فلا ينبغي أن نفجعه بمثل هذه الحادثة قبل موته فتوفي يوم عاشوراء ولم يعلم بقطع الخطبة ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء واستولى على قصر الخلافة وعلى جميع ما فيه فحفظه بهاء الدين قراقوش الذي كان قد رتبه قبل موت العاضد فحمل الجميع إلى صلاح الدين وكان من كثرته يخرج عن الإحصاء وفيه من الأعلاق النفيسة الأشياء الغريبة ما تخلو الدنيا عن مثله ومن الجواهر التي لم توجد عند غيرهم فمنه الحبل الياقوت وزنه سبعة عشر درهما أو سبعة عشر مثقالا أنا لا أشك فإنني رأيته ووزنته واللؤلؤ الذي لم يوجد مثله ومنه النصاب الزمرد الذي طوله أربع أصابع في عرض عقد كبير ووجد فيه طبل كان بالقرب من موضع العاضد وقد احتاطوا بالحفظ فلما رأوه ظنوه عمل لأجل اللعب فيه فسخروا من العاضد فأخذ إنسان فضرب به فضرط فتضاحكوا منه ثم آخر كذلك وكان كل من ضرب به ضرط فألقاه أحدهم فكسره فإذا الطبل لأجل قولنج فندموا على كسره لما قيل لهم ذلك وكان فيه من الكتب النفيسة المعدومة المثل ما لا يعد فباع جميع ما فيه ونقل أهل العاضد إلى موضع من القصر ووكل بهم من يحفظهم وأخرج جميع من فيه من أمة وعبد فباع البعض وأعتق البعض ووهب البعض وخلا القصر من سكانه كأن لم يغن بالأمس فسبحان الحي الدائم الذي لا يزول ملكه ولا تغيره الدهور ولا يقرب النقص حماه ولما اشتد مرض العاضد أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه فظن ذلك خديعة فلم بمض إليه فلما توفي علم صدقة فندم على تخلفه عنه وكان يصفه كثيرا بالكرم ولين الجانب وغلبة الخير على طبعه وانقياده وكان في نسبه تسع خطب لهم بالخلافة وهم الحافظ والمستنصر والظاهر والحاكم والعزيز والمعز والمنصور والقائم والمهدي ومنهم من لم يخطب له بالخلافة أبوه يوسف بن الحافظ وجد أبيه وهو الأمير أبو القاسم محمد بن المستنصر وبقي من خطب له بالخلافة وليس من آبائه المستعلي والآمر والظافر والفائز وجميع من خطب له منهم بالخلافة أربعة عشر خليفة منهم بأفريقتة المهدي والقائم والمنصور والمعز إلى أن سار إلى مصر ومنهم بمصر المعز المذكور وهو أول من خرج إليها من أفريقية والعزيز والحاكم والظاهر والمستنصر والمستعلي والآمر والحافظ والظافر والفائز والعاضد وجميع مدة ملكهم من حين ظهر المهدي بسجلماسة في ذي الحجة من سنة تسع وتسعين ومائتين إلى أن توفي العاضد مائتان واثنتان وسبعون سنة وشهر تقريبا وهذا دأب الدنيا لم تعط إلا واستردت ولم تحل إلا وتمررت ولم تصف إلا وتكدرت بل صفوها لا يخلو من الكدر وكدرها قد يخلو من الصفو نسأل الله تعالى أن يقبل قلوبنا إليه ويرينا الدنيا حقيقة ويزهدنا فيها ويرغبنا في الآخرة إنه سميع الدعاء قريب من الإجابة

ولما وصلت البشارة إلى بغداد بذلك ضربت البشائر بها عدة أيام وزينت بغداد وظهر من الفرح والجذل ما لا حد عليه وسيرت الخلع مع عماد الدين صندل وهو من خواص الخدم المقتفوية والمقدمين في الدولة لنور الدين وصلاح الدين فسار صندل إلى نور الدين وألبسه الخلعة وسير الخلعة التي لصلاح الدين وللخطباء بالديار المصرية والأعلام السود ثم إن هذا صندلا صار أستاذ دار الخليفة المستضيء بأمر الله ببغداد وكان يدري الفقه على مذهب الشافعي وسمع الحديث ورواه ويعرف أشياء حسنة وفيه دين وله معروف كثير وهو من محاسن بغداد

ذكر الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين باطنا ص 34

في هذه السنة جرت أمور أوجبت أن تأثر نور الدين من صلاح الدين ولم يظهر ذلك وكلن سببه أن صلاح الدين يوسف بن أيوب سار عن مصر في صفر من هذه السنة إلى بلاد الفرنج غازيا ونازل حصن الشوبك وبينه وبين الكرك يوم وحصره وضيق على من به من الفرنج وأدام القتال وطلبوا الأمان واستمهلوه عشرة أيام فأجابهم إلى ذلك فلما سمع نور الدين بما فعله صلاح الدين سار عن دمشق قاصدا بلاد الفرنج أيضا ليدخل إليه من جهة أخرى فقيل لصلاح الدين إن دخل نور الدين بلاد الفرنج وهم على هذه الحال أنت من جانب ونور الدين من جانب ملكها ومتى زال الفرنج عن الطريق وأخذ ملكهم لم يبق بديار مصر مقام مع نور الدين وإن جاء نور الدين إليك وأنت ههنا فلا بد لك من الاجتماع به وحينئذ يكون هو المتحكم فيك بما شاء إن شاء تركك أولا فقد لا يقدر على الامتناع عليه والمصلحة الرجوع إلى مصر فرحل عن الشوبك عائدا إلى مصر ولم يأخذه من الفرنج وكتب إلى نور الدين يعتذر باختلال البلاد المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعته العلويين وإنهم عازمون على الوثوب بها فإنه يخاف عليها من البعد عنها أن يقوم أهلها على من تخلف بها فيخرجوهم وتعود ممتنعة وأطال الاعتذار فلم يقبلها نور الدين منه وتغير عليه وعزم على قصد مصر وإخراجه عنها وظهر ذلك فسمع صلاح الدين الخبر فجمع أهله وفيهم أبوه نجم الدين أيوب وخاله شهاب الدين الحارمي ومعهم سائر الأمراء وأعلمهم ما بلغه من عزم نور الدين وحركته إليه واستشارهم فلم يجبه أحد بكلمة واحدة فقام تقي الدين عمر بن أخي صلاح الدين فقال إذا جاءنا قاتلناه ومنعناه عن البلاد ووافقه غيره من أهلهم فشتمهم نجم الدين أيوب وأنكر ذلك واستعظمه وشتم تقي الدين وأقعده وقال لصلاح الدين أنا أبوك وهذا خالك شهاب الدين ونحن أكثر محبة لك من جميع من ترى والله لو رأيت أنا وهذا خالك نور الدين لم نمكث إلا أن نقتل بين يديه ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا فإذا كنا نحن هكذا فما ظنك بغيرنا وكل من تراه عندك من الأمراء لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسروا على الثبات على سروجهم وهذه البلاد له ونحن مماليكه ونوابه فيها فإن أراد سمعنا وأطعنا والرأي أن تكتب كتابا مع نجاب تقول فيه بلغني أنك تريد الحركة لأجل البلاد فأي حاجة إلى هذا يرسل المولى نجابا يضع في رقبتي منديلا ويأخذني إليك وما ههنا من يمتنع وقام الأمراء وغيرهم وتفرقوا على هذا فلما خلى به أيوب قال له بأي عقل فعلت هذا أما تعلم أن نور الدين إذا سمع عزمنا على منعه ومحاربته جعلنا أهم الوجوه إليه وحينئذ لا نقوى عليه وأما الآن إذا بلغه ما جرى وطاعتنا له تركنا واشتغل بغيرنا والأقدار تعمل عملها ووالله لو أراد نور الدين قصبة من قصب السكر لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل ففعل صلاح الدين ما أشار به فترك نور الدين قصده واشتغل بغيره فكان الأمر كما ظنه أيوب فتوفي نور الدين ولم يقصده وملك صلاح الدين البلاد وكان هذا من أحسن الآراء وأجودها

ذكر غزوة إلى الفرنج بالشام ص 36

وفي هذه السنة خرج مركبان من مصر إلى الشام فأرستا بمدينة لاذقية فأخذهما الفرنج وهما مملوءتان من الأمتعة والتجارة وكان بينهم وبين نور الدين هدنة فنكثوا وغدروا فأرسل نور الدين إليهم في المعنى وإعادة ما أخذوه من أموال التجار فغالطوه واحتجوا بأمور منها أن المركبين كانا قد انكسرا ودخلهما الماء وكان الشرط أن كل مركب ينكسر ويدخله الماء يأخذونه فلم يقبل مغالطتهم وجمع العساكر وبث السرايا في بلادهم بعضها نحو أنطاكية وبعضها نحو طرابلس وحصر هو حصن عرقة وخرب ربضة وأرسل طائفة من العسكر إلى حصن صافيثا وعريمة فأخذهما عنوة ونهب وخرب وغنم المسلمون غنائم كثيرة وعادوا إليه وهو بعرقة فسار في العساكر جميعها إلى أن قارب طرابلس ينهب ويخرب ويحرق ويقتل وأما الذين ساروا إلى أنطاكية ففعلوا في ولايتها مثل ما فعل في ولاية طرابلس فراجعه الفرنج وبذلوا جميع ما أخذوه من المركبين وتجديد الهدنة معهم فأجابهم إلى ذلك وأعادوا ما أخذوا وهم صاغرون وقد خربت بلادهم وغنمت أموالهم

ذكر وفاة ابن مردنيش وملك يوسف بن عبد المؤمن بلاده ص 36

في هذه السنة توفي الأمير محمد بن سعد بن مردنيش صاحب البلاد بشرق الأندلس وهي مرسية وبلنسية وغيرهما ووصى أولاده أن يقصدوا بعد موته الأمير أبا يعقوب وكان قد اجتاز إلى الأندلس في مائة ألف مقاتل قبل موت ابن مردنيش فحين رآهم يوسف فرح بهم وسره قدومهم عليه وتسلم بلادهم وتزوج أختهم وأكرمهم وعظم أمرهم ووصلهم بالأموال الجزيلة وأقاموا معه

ذكر عبور الخطا جيحون والحرب بينهم وبين خوارزمشاه ص 36

في هذه السنة عبر الخطا نهر جيحون يريدون خوارزم فسمع صاحبها خوارزمشاه ايل أرسلان بن أتسز فجمع عساكره وسار إلى أمرية ليقاتلهم ويصدهم فمرض وأقام بها وسير بعض جيشه مع أمير كبير إليهم فلقيهم فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم الخوارزميون وأسر مقدمهم ورجع به الخطا إلى ما وراء النهر وعاد خوارزمشاه إلى خوارزم مريضا

ذكر عدة حوادث ص 37

في هذه السنة اتخذ نور الدين بالشأن الحمام الهوادي وهي التي يقال لها المناسيب وهي تطير من البلاد البعيدة إلى أوكارها وجعلها في جميع بلاده وسبب ذلك أنه لما اتسعت بلاده وطالت مملكته وعرضت أكنافها وتباعدت أوائلها عن أواخرها ثم إنها جاورت بلاد الفرنج وكانوا ربما نازلوا حصنا من ثغوره فالى أن يصل الخبر ويصل إليهم قد بلغوا غرضهم منه أمر بالحمام ليصل الخبر اليه في يومه

وأجرى الجرايات على المرتبين لحفظها وإقامتها فحصل منها الراحة العظيمة والنفع الكبير للمسلمين

وفيها عزل الخليفة المستضيء بأمر الله وزيره عضد الدين أبا الفرج ابن رئيس الرؤساء لأن قطب الدين قايماز ألزمه بعزله فلم يمكنه مخالفته

وفيها مات أبو محمد عبد الله بن أحمد الخشاب اللغوي وكان قيما بالعربية وسمع الحديث

وفيها مات البوري الفقيه الشافعي تفقه على محمد بن يحيى وقدم بغداد ووعظ وكان يذم الحنابلة وكثرت أتباعه فأصابه إسهال فمات هو وجماعة من أصحابه فقيل إن الحنابلة أعدوا له حلوا فأكل منها فمات وكل من أكل منها

وفيها مات القرطبي أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمتم الأزدي الأندلسي وكان إماما في القراءة والنحو وغيره من العلوم زاهدا عابدا انتفع به الناس في كثير من البلاد ولا سيما أهل الموصل فإنه أقام بها وفيها توفي رحمه الله

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.