الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
7

ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة

الجزء العاشر 7 عنصر صفحة 51
ذكر ملك شمس الدولة زبيد وغيرها من بلاد اليمن ص 51

قد ذكرنا قبل أن صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب مصر وأهله كانوا يخافون من نور الدين محمود أن يدخل إلى مصر فيأخذها منهم فشرعوا في تحصيل مملكة يقصدونها ويتملكونها تكون عدة لهم إن أخرجهم نور الدين من مصر ساروا إليها وأقاموا بها فسيروا شمس الدولة تورانشاه بن أيوب وهو أخو صلاح الدين الأكبر إلى بلد النوبة فكان ما ذكرناه فلما عاد إلى مصر استأذنوا نور الدين في أن يسير إلى اليمن لقصد عبد النبي صاحب زبيد لأجل قطع الخطبة العباسية فأذن في ذلك وكان بمصر شاعر اسمه عمارة من أهل اليمن فكان يحسن لشمس الدولة قصد اليمن ويصف البلاد له ويعظم ذلك في عينه فزاده قوله رغبة فيها فشرع يتجهز ويعد الأزواد والروايا والسلاح وغيره من الآلات وجند الأجناد فجمع وحشد وسار عن مصر مستهل رجب فوصل إلى مكة أعزها الله تعالى ومنها إلى زبيد وفيها صاحبها المتغلب عليها المعروف بعبد النبي فلما قرب منها رآه أهلها فاستقل من معه فقال لهم عبد النبي كأنكم بهؤلاء وقد حمي عليهم الحر فهلكوا إلا أكلة رام فخرج إليها بعسكره فقاتلهم شمس الدولة ومن معه فلم يثبت أهل زبيد وانهزموا ووصل المصريون إلى سور زبيد فلم يجدوا عليه من يمنعهم فنصبوا السلالم وصعدوا السور فملكوا البلد عنوة ونهبوه وأكثروا النهب وأخذوا عبد النبي أسيرا وزوجته المدعوة بالحرة وكانت امرأة صالحة كثيرة الدقة لا سيما إذا حجت فإن فقراء الحاج كانوا يجدون عندها صدقة دارة وخيرا كثيرا ومعروفا عظيما فلما أسر شمس الدولة عبد النبي وسلم شمس الدولة عبد النبي إلى بعض أمرائه يقال له سيف الدولة مبارك بن كامل من بني منقذ أصحاب شيزر وأمره أن يستخرج منه الأموال فأعطاه منها شيئا كثيرا

ثم إنه دلهم على قبر كان قد صنعه لوالده وبنى عليه بنية عظيمة وله هناك دفائن كثيرة فأعلمهم بها فاستخرجت الأموال من هناك وكانت جليلة المقدار

وأما الحرة فإنها أيضا كانت تدلهم على ودائع لها فأخذ منها مالا كثيرا ولما ملكوا زبيد واستقر الأمر لهم بها ودانت أهلها وأقيمت فيها الخطبة العباسية أصلحوا حالها وساروا إلى عدن وهي على البحر ولها مرسى عظيم وهي فرضة الهند والزنج والحبشة وعمان وكرمان وكيش وفارس وغير ذلك وهي من جهة البر من أمنع البلاد وأحصنها وصاحبها إنسان اسمه ياسر فلو أقام بها ولم يخرج عنها لعادوا خائبين وإنما حمله جهله وانقضاء مدته على الخروج إليهم ومباشرة قتالهم فسار إليهم وقاتلهم فانهزم ياسر ومن معه وسبقهم بعض عسكر شمس الدولة فدخلوا البلد قبل أهله فملكوه وأخذوا صاحبها ياسرا أسيرا وأرادوا نهب البلد فمنعهم شمس الدولة وقال ما جئنا لنخرب البلاد وإنما جئنا لنملكها ونعمرها وننتفع بدخلها فلم ينهب أحد منها شيئا فبقيت على حالها وثبت ملكه واستقر أمره ولما مضى إلى عدن كان معه عبد النبي صاحب زبيد مأسورا فلما دخل إلى عدن قال سبحان الله كنت قد علمت أني أدخل إلى عدن في موكب كبير فأنا أنتظر ذلك وأسر به ولم أكن أعلم أنني أدخلها على هذا الحال ولما فرغ شمس الدولة من أمر عدن عاد إلى زبيد وحصر ما في الجبل من الحصون فملك قلعة تعز وهي من أحصن القلاع وبها تكون خزائن صاحب زبيد وملك أيضا قلعة النعكر والجند وغيرها من المعاقل والحصون واستناب بعدن عز الدين عثمان بن الزنجبيلي وبزبيد سيف الدولة مبارك بن منقذ وجعل في كل قلعة نائبا من أصحابه وألقى ملكهم باليمن جرانه ودام وأحسن شمس الدولة إلى أهل البلاد واستصفى طاعتهم بالعدل والإحسان وعادت زبيد إلى أحسن أحوالها من العمارة والأمن بعد خرابها

ذكر قتل جماعة من المصريين أرادوا الوثوب بصلاح الدين ص 52

في هذه السنة ثاني رمضان صلب صلاح الدين يوسف بن أيوب جماعة ممن أراد الوثوب به بمصر من أصحاب الخلفاء العلويين وسبب ذلك أن جماعة من الشيعة منهم عمارة بن أبي الحسن اليمني الشاعر وعبد الصمد الكاتب والقاضي العويرس وداعي الدعاة وغيرهم من جند المصريين ورجالتهم السودان وحاشية القصر وافقهم جماعة من امراء صلاح الدين وجنده واتفق رأيهم على استدعاء الفرنج من صقيلة ومن ساحل الشام إلى ديار مصر على شيء بذلوه لهم من المال والبلاد وأعادوا الدولة العلوية وعاد من معه من العسكر الذين وافقوهم عنه فلا يبقى له مقام مقابل للفرنج وإن كان صلاح الدين يقيم ويرسل العساكر إليهم ثاروا به وأخذوه أخذا باليد لعدم الناصر له وقال لهم عمارة وأنا قد أبعدت أخاه إلى اليمن خوفا أن يسد مسده وتجتمع الكلمة عليه بعده

وأرسلوا إلى الفرنج وصقلية والساحل في ذلك وتقررت تاقاعدة بينهم ولم يبق إلا رحيل الفرنج

وكان من لطف الله بالمسلمين أن الجماعة المصريين أدخلوا معهم زين الدين علي ابن نجا الواعظ والقاضي المعروف بابن نجية ورتبوا الخليفة والوزير والحاجب والداعي والقضاة إلا أن بني رزيك قالوا يكون الوزير منا وبني شاور والقاضي قالوا يكون الوزير منا فلما علم ابن نجا الحال حضر عنده صلاح الدين وأعلمه حقيقة الأمر فأمره بملازمتهم ومخالطتهم ومواطأتهم على ما يريدون يفعلونه وتعريفه ما يتجدد أولا بأول ففعل ذلك وصار يطالعه بكل ما عزموا عليع ثم وصل رسول من ملك الفرنج بالساحل بهدية ورسالة وهو في الظاهر إليه والباطن إلى أولئك الجماعة وكان يرسل إليهم بعض النصارى وتأتيه رسلهم فأتى الخبر إلى صلاح الدين من بلاد الفرنج بجلية الحال فوضع صلاح الدين على الرسول بعض من يثق إليه من النصارى وداخله فأخبره الرسول بالخبر على حقيقته فقبض حينئذ على المقدمين في هذه الحادثة منهم عمارة وعبد الصمد الكاتب والعويرس وغيرهم وصلبهم وقيل في كشف أمرهم أن عبد الصمد المذكور كان إذا لقي القاضي الفاضل الصلاحي يخدمه ويتقرب إليه بجهده وطاقته فلقيه يوما فلم يلتفت إليه فقال القاضي الفاضل ما هذا إلا لسبب وخاف أن يكون قد صار له باطن مع صلاح الدين فأحضر علي بن نجا الواعظ وأخبره الحال وقال أريد تكشف لي الأمر فسعى في كشفه فلم ير له من جانب صلاح الدين شيئا فعدل إلى الجانب الأخر فكشف الحال وحضر عند القاضي الفاضل وأعلمه فقال تحضر الساعة عند صلاح الدين وتنهي الحال إليه فحضر عند صلاح الدين وهو في الجامع فذكر له الحال فقام وأخذ الجماعة وقررهم فأقروا فأمر بصلبهم وكان عمارة بينه وبين الفاضل عداوة من أيام العاضد وقبلها فلما أراد صلبه قام القاضي الفاضل وخاطب صلاح الدين في إطلاقه وظن عمارة أنه يحرض على هلاكه فقال صلاح الدين يا مولانا لا تسمع منه في حقي فغضب الفاضل وخرج وقال صلاح الدين لعمارة إنه كان يشفع فيك فندم ثم أخرج عمارة ليصلب فطلب أن يمر به على مجلس الفاضل فاجتازوا به عليه فأغلق بابه ولم يجتمع به فقال عمارة

( عبد الرحيم قد احتجب % إن الخلاص هو العجب )

ثم صلب هو والجماعة ونودي في أجناد المصريين بالرحيل من ديار مصر ومفارقتها إلى أقاصي الصعيد واحتيط على من بالقصر من سلالة العاضد وغيره من أهله وأما الذين نافقوا على صلاح الدين من جنده فلم يعرض لهم ولا أعلمهم أنه علم بحالهم وأما الفرنج فإن فرنج صقلية قصدوا الإسكندرية على ما نذكره إن شاء الله تعالى لأنهم لم يتصل بهم ظهور الخبر عند صلاح الدين وأما فرنج الساحل الشامي فإنهم لم يتحركوا لعلمهم بحقيقة الحال وكان عمارة شاعرا مفلقا فمن شعره

( لو أن قلبي يوم كاظمة معي % لملكته وكظمت فيض الأدمع )

( قلب كفاك من الصبابة أنه % لبى نداء الظاعنين وما دعي )

( ما القلب أول غادر فألومه % هي شيمة الأيام مذ خلقت معي )

( ومن الظنون الفاسدات توهمي % بعد اليقين بقاءه في أضلعي )

وله أيضا

( لي في هوى الرشا العذري إعذار % لم يبق لي مذ أقر الدمع إنكار )

( لي في القدود وفي لثم الخدود وفي % ضم النهود لبانات وأوطار )

( هذا اختياري فوافق إن رضيت به % أو لا فدعني وما أهوى واختار )

وله ديوان شعر مشهور في غاية الحسن والرقة والملاحة

ذكر وفاة نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله ص 54

في هذه السنة توفي نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر صاحب الشام وديار الجزيرة ومصر يوم الاربعاء حادي عشر شوال بعلة الخوانيق ودفن بقلعة دمشق ونقل منها إلى المدرسة التي أنشأها بدمشق عند سوق الخواصين

ومن عجيب الإتفاق أنه ركب ثاني شوال وإلى جانبه بعض الأمراء الأخيار فقال له الأمير سبحان من يعلم هل نجتمع هنا في العام المقبل أم لا فقال نور الدين لا تقل هكذا بل سبحان من يعلم هل نجتمع بعد شهر أم لا فمات نور الدين رحمه الله بعد أحد عشر يوما ومات الأمير قبل الحول فأخذ كل منهما بما قاله وكان قد شرع يتجهز للدخول إلى مصر لأخذها من صلاح الدين يوسف بن أيوب فإنه رأى منه فتورا في غزو الفرنج من ناحيته وكان يعلم أنه إنما يمنع صلاح الدين من الغز والخوف منه ومن الاجتماع به فإنه يؤثر كون الفرنج في الطريق ليمتنع بهم على نور الدين فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر يطلب العساكر للغزاة وكان عزمه أن يتركها مع ابن أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل والشام ويسير هو بعساكره إلى مصر فبينما هو يتجهز لذلك أتاه أمر الله الذي لا مرد له

حكى لي طبيب كان يخدم نور الدين وهو من حذاق الأطباء قال استدعاني نور الدين في مرضه الذي توفي فيه مع غيري من الأطباء فدخلنا إليه وهو في بيت صغير بقلعة دمشق وقد تمكنت الخوانيق منه وقارب الهلاك فلا يكاد يسمع صوته وكان يخلو فيه للتعبد فابتدأ به المرض فلم ينتقل عنه فلما دخلنا ورأينا ما به قلت له كان ينبغي أن لا تؤخر إحضارنا إلى أن يشتد بك المرض الآن وينبغي أن تعجل الانتقال من هذا الموضع إلى مكان فسيح مضيء فله أثر في هذا المرض وشرعنا في علاجه وأشرنا بالقصد فقال ابن ستين لا يقتصد وامتنع منه فعالجناه بغيره فلم ينجع فيه الدواء وعظم الداء ومات رحمه الله ورضي عنه وكان أسمر طويل القامة ليس له لحية إلا في حنكه وكان واسع الجبهة حسن الصورة حلو العينين وكان قد اتسع ملكه جدا وخطب له بالحرمين الشريفين وباليمن لما دخلها شمس الدولة بن أيوب وملكها وكان مولده سنة إحدى عشرة وخمسمائة وطبق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله وقد طالعت سير الملوك المتقدمين فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته ولا أكثر تحريا منه للعدل وقد أتينا على كثير من ذلك في كتاب الباهر من أخبار دولتهم ولنذكر ههنا نبذة لعل يقف عليها من له حكم فيقتدي به فمن ذلك زهده وعبادته وعلمه فإنه كان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف إلا في الذي يخصه من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين ولقد شكت إليه زوجته من الضائقة فأعطاها ثلاث دكاكين في حمص كانت له يحصل له منها في السنة نحو العشرين دينار فلما استقلتها قال ليس لي إلا هذا وجميع ما يبدي أنا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم فيه ولا أخوض نار جهنم لأجلك وكان يصلي كثيرا بالليل وله أوراد حسنة وكان كما قيل

( جمع الشجاعة والخشوع لربه % ما أحسن المحراب في المحراب )

وكان عارفا بالفقه على مذهب أبي حنيفة ليس عنده فيه تعصب وسمع الحديث وأسمعه طلبا للأجر وأما عدله فإنه لم يترك في بلاده على سعتها مكسا ولا عشرا بل أطلقها جميعا في مصر والشام والجزيرة والموصل وكان يعظم الشريعة ويقف عند أحكامها وأحضره إنسان إلى مجلس الحكم فمضى معه إليه وأرسل إلى القاضي كمال الدين بن الشهرزوري يقول قد جئت محاكما فاسلك معي ما تسلك مع الخصوم وظهر الحق له فوهبه الخصم الذي أحضره وقال أردت أن أترك له ما يدعيه إنما خفت أن يكون الباعث لي على ذلك الكبر والأنفة من الحضور إلى مجلس الشريعة فحضرت ثم وهبته ما يدعيه وبنى دار العدل في بلاده وكان يجلس هو والقاضي فيها ينصف المظلوم ولو أنه يهودي من الظالم ولو أنه ولده أو أكبر أمير عنده وأما شجاعته فإليها النهاية وكان في الحرب يأخذ قوسين وتركشين ليقاتل بها فقال له القطب النساوي الفقيه بالله عليك لا تخاطر بنفسك وبالإسلام فإن أصبت في معركة لا يبقى من المسلمين أحد إلا أخذه السيف فقال نور الدين ومن محمود حتى يقال له هذا من قبلي من حفظ البلاد والإسلام ذلك الله الذي لا إله إلا هو وأما ما فعله من المصالح فإنه بنى أسوار مدن الشام جميعها وقلاعها فمنها دمشق وحمص وحماة وحلب وشيزر وبعلبك وغيرها وبنى المدارس الكثيرة للحنفية والشافعية وبنى الجامع النوري بالموصل وبنى البيمارستانات والخانات في الطرق وبنى الخانكاهات في جميع البلاد وأوقف على الجميع الوقوف الكثيرة سمعت أن حاصل وقفه كل شهر تسعة آلاف دينار صوري وكان يكرم العلماء وأهل الدين ويعظمهم ويقوم إليهم ويجلسهم معه وينبسط معهم ولا يرد لهم قولا ويكاتبهم بخط يده وكان وقورا مهيبا مع تواضعه وبالجملة فحسناته كثيرة ومناقبه عزيزة لا يحتملها هذا الكتاب

ذكر ملك ولده الملك الصالح ص 57

لما توفي نور الدين قام ابنه الملك الصالح إسماعيل بالملك بعده وكان عمره إحدى عشر سنة وحلف له الأمراء والمقدمون بدمشق وأقام بها وأطاعه الناس بالشام وصلاح الدين بمصر وخطب له بها وضرب السكة باسمه وتولى تربيته الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم وصار مدبر دولته فقال له كمال الدين صاحب مصر هو من أصحاب نور الدين والمصلحة أن نشاوره في الذي نفعله ولا نخرجه من بيننا فيخرج عن طاعتنا ويجعل ذلك حجة علينا وهو أقوى منا لأنه قد انفرد اليوم بملك مصر فلم يوافق هذا القول أغراضهم وخافوا أن يدخل صلاح الدين ويخرجهم فلم يمض غير قليل حتى وردت كتب صلاح الدين إلى الملك الصالح يعزيه ويهنئه بالملك وأرسل دنانير مصرية عليها اسمه ويعرفه أن الخطبة والطاعة له كما كانت لأبيه فلما سار سيف الدين غازي صاحب الموصل وملك البلاد الجزرية على ما نذكره

فأرسل صلاح الدين أيضا إلى الملك الصالح يعتبه حيث لم يعلمه قصد سيف الدين بلاده وأخذها ليحضر في خدمته ويكشف سيف الدين وكتب إلى كمال الدين والأمراء يقول لو أن نور الدين يعلم أن فيكم من يقوم مقامي أو يثق إليه مثل ثقته إلي لسلم إليه مصر التي هي أعظم ممالكه وولاياته ولو لم يعجل عليه الموت لم يعهد إلى أحد بتربية ولده والقيام بخدمته غيري وأراكم قد تفردتم بمولاي وابن مولاي دوني وسوف أصل إلى خدمته وأجازي إنعام والده بخدمة يظهر أثرها وأجازي كلا منكم على سوء صنيعه في ترك الذب عن بلاده وتمسك ابن المقدم وجماعة الأمراء بالملك الصالح ولم يرسلوه إلى حلب خوفا أن يغلب عليهم شمس الدين علي بن الداية فإنه كان أكبر الأمراء النورية وإنما منعه من الاتصال به والقيام بخدمته مرض لحقه وكان هو وإخوته بحلب وأمرها إليهم وعساكرها معهم في حياة نور الدين وبعده ولما عجز عن الحركة أرسل إلى الملك الصالح يدعوه إلى حلب لتمتنع به البلاد الجزرية من سيف الدين ابن عمه قطب الدين فلم يمكنه الأمراء الذين معه من الانتقال إلى حلب لما ذكرنا

ذكر ملك سيف الدين البلاد الجزرية ص 58

كان نور الدين قبل أن يمرض قد أرسل إلى البلاد الشرقية الموصل وديار الجزيرة وغيرها يستدعي العساكر منها لحجة الغزاة والمراد غيرها وقد تقدم ذكره فسار سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل في عساكره وعلى مقدمته الخادم سعد الدين كمشتكين الذي كان قد جعله نور الدين بقلعة الموصل مع سيف الدين فلما كانوا ببعض الطريق وصلت الأخبار بوفاة نور الدين فأما سعد الدين فإنه كان في المقدمة فهرب جريدة وأما سيف الدين فأخذ كل ما كان له من برك وغيره وعاد إلى نصيبين فملكها وأرسل الشحن إلى الخابور فاستولوا عليه وأقطعه وسار هو إلى حران فحصرها عدة أيام وبها مملوك لنور الدين يقال له قايماز الحراني فامتنع بها وأطاع بعد ذلك على أن تكون حران له ونزل إلى خدمة سيف الدين فقبض عليه وأخذ حران منه وسار إلى الرها فحصرها وملكها وكان بها خادم أسود لنور الدين فسلمها وطلب عوضها قلعة الزعفران من أعمال جزيرة ابن عمر فأعطيها ثم أخذت منه ثم صار إلى أن يستعطي ما يقوم به وبقوته وسير سيف الدين إلى الرقة فملكها وكذلك سروج واستكمل جميع بلاد الجزيرة سوى قلعة جعبر فإنها كانت منيعة وسوى رأس عين فإنها كانت لقطب الدين صاحب ماردين وهو ابن خال سيف الدين فلم يتعرض إليها وكان شمس الدين علي بن الداية وهو أكبر الأمراء النورية بحلب مع عساكرها فلم يقدر على العبور إلى سيف الدين ليمنعه من أخذ البلاد لفالج كان به فأرسل إلى دمشق يطلب الملك الصالح فلم يرسل إليه لما ذكرناه ولما ملك سيف الدين الجزيرة قال له فخر الدين عبد المسيح وكان قد وصل إليه من سيواس بعد موت نور الدين وهو الذي أقر له الملك بعد أبيه فظن أن سيف الدين يرعى له ذلك فلم يجن ثمرة ما غرس وكان عنده كبعض الأمراء قال له الرأي أن تعبر إلى الشام فليس به مانع فقال له أكبر أمرائه وهو أمير يقال له عز الدين محمود المعروف بزلفندار قد ملكت أكثر ما كان لأبيك والمصلحة أن تعود فرجع لإلى قوله وعاد إلى الموصل ليقضي الله أمرا كان مفعولا

ذكر حصر الفرنج بانياس وعودهم عنها ص 59

لما مات نور الدين محمود صاحب الشام اجتمعن الفرنج وساروا إلى قلعة بانياس من أعمال دمشق فحصروها فجمع شمس الدين محمد بن عبد الملك ابن المقدم العسكر عنده بدمشق فخرج عنها فراسلهم ولاطفهم ثم أغلظ لهم في القول وقال لهم إن أنتم صالحتمونا وعدتم عن بانياس فنحن على ما كنا عليه وإلا فنرسل إلى سيف الدين صاحب الموصل ونعلمه ونصالحه ونستنجده ونرسل إلى صلاح الدين بمصر فنستنجده ونقصد بلادكم من جهاتها كلها ولا تقومون لنا وأنتم تعلمون أن صلاح الدين كان يخاف أن يجتمع بنور الدين والآن فقد زال ذلك الخوف وإذا طلبناه إلى بلادكم فلا يمتنع فعلموا صدقه فصالحوه على شيء من المال أخذوه وأسرى أجطلقوا لهم كانوا عند المسلمين وتقررت الهدنة فلما سمع صلاح الدين بذلك أنكره واستعظمه وكتب إلى الملك الصالح والأمراء الذين معه يقبح لهم ما فعلوه ويبذل من نفسه قصد بلاد الفرنج ومقارعتهم وإزعاجهم عن قصد شيء من بلاد الملك الصالح وكان قصده أن يصير له طريق إلى بلاد الشام ليتملك البلاد والأمراء الشاميون إنما صالحوا الفرنج خوفا منه ومن سيف الدين غازي صاحب الموصل فإنه كان قد أخذ البلاد الجزرية وخافوا منه أن يعبر إلى الشام فرأوا صلح الفرنج أصلح من أن يجيء هذا من الغرب وهذا من الشرق وهم مشغولون عن ردهم

ذكر عدة حوادث ص 59

في هذه السنة في المحرم وقع الحريق ليلا ببغداد فاحترق أكثر الظفرية ومواضع غيرها ودام الحريق إلى بكرة وطفئت النار

وفيها في شعبان بنى ابن شنكا وهو ابن أخي شملة صاحب خوزستان قلعة بالقرب من الماهكي ليتقوى بها على الاستيلاء على تلك الأعمال فسير إليه الخليفة العساكر من بغداد لمنعه فالتقوا فحمل بنفسه على الميمنة فهزمها واقتتل الناس قتالا عظيما وأسر ابن أخي شملة وحمل رأسه إلى بغداد فعبق بباب النوبي وهدمت القلعة

وفيها في رمضان وكان الزمان ربيعا توالت الأمطار في ديار بكر والجزيرة والموصل فدامت أربعين يوما ما رأينا الشمس فيها غير مرتين كل مرة مقدار لحظة وخربت المساكن وغيرها وكثر الهدم ومات تحته كثير من الناس وزادت دجلة زيادة عظيمة وكان أكثرها ببغداد فإنها زادت على كل زيادة تقدمت منذ بنيت بغداد بذراع وكسر وخاف الناس الغرق وفارقوا البلد وأقاموا على شاطئ دجلة خوفا من انفتاح القورج وغيره وكانوا كلما انفتح موضع بادروا بسده ونبع الماء في البلاليع وخرب كثيرا من الدور ودخل الماء إلى البيمارستان العضدي ودخلت السفن من الشبابيك التي له فإنها كانت قد تقلعت فمن الله تعالى على الناس بنقص الماء بعد أن أشرفوا على الغرق

وفيها في جمادي الأولى كانت الفتنة ببغداد بين قطب الدين قايماز والخليفة وسببها أن الخليفة أمر بإعادة عضد الدين ابن رئيس الرؤساء إلى الوزارة فمنع منه قطب الدين وأغلق باب النوبي وباب العامة وبقيت دار الخليفة كالمحاصرة فأجاب الخليفة إلى ترك وزارته فقال قطب الدين لا أقنع إلا بإخراج عضد الدين من بغداد فأمر بالخروج منها فالتجأ إلى صدر الدين شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن إسماعيل فأخذه إلى رباطه وأجاره ونقله إلى دار الوزير بقطفتا فأقام بها ثم عاد إلى بيته في جمادى الآخرة

وفيها سقط الأمير أبو العباس أحمد بن الخليفة وهو الذي صار خليفة من قبة عالية إلى أرض التاج ومعه غلام له اسمه نجاح فألقى نفسه بعده وسلم ابن الخليفة ونجا فقيل لنجاح لم ألقيت نفسك فقال ما كنت أريد البقاء بعد مولاي فرعى له الأمير أبو العباس ذلك فلما صار خليفة جعله شرابيا وصارت الدولة جميعها بحكمه ولقيه الملك الرحيم عز الدين وبالغ في الإحسان إليه والتقديم له وخدمه جميع الأمراء بالعراق والوزاراء وغيرهم

وفيها في رمضان وقد ببغداد برد كبار ما رأى الناس مثله فهدم الدور وقتل جماعة من الناس وكثيرا من المواشي فوزنت بردة منها فكانت سبعة أرطال وكان عامته كالنارنج يكسر الأغصان هكذا ذكره أبو الفرج بن الجوزي في تاريخه والعهدة عليه

وفيها كانت وقعة عظيمة بين المؤيد صاحب نيسابور وبين شاه مازندران قتل فيها كثير من الطائفتين فانهزم شاه مازندران ودخل المؤيد بلد الديلم وخربها وفتك بأهلها وعاد عنها

وفيها وقعت كبيرة بين أهل باب البصرة وأهل باب الكرخ وسببها أن الماء لما زاد سكر أهل باب الكرخ سكرا رد الماء عنهم فغرق مسجد فيه شجرة فانقلعت فصاح أهل الكرخ انقلعت الشجرة لعن الله العشرة فقامت الفتنة فتقدم الخليفة إلى علاء الدين تنامش فمال على أهل باب البصرة لأنه كان شيعيا وأراد دخول المحلة فمنعه أهلها وأغلقوا الأبواب ووقفوا على السور وأراد أحراق الأبواب فبلغ ذلك الخليفة فأنكره أشد إنكار وأمر بإعادة تنامش فعاد ودامت الفتنة أسبوعا ثم انفصل الحال من غير توسط سلطان

وفيها عبر ملك الروم خليج القسطنطينية وقصد بلاد قلج أرسلان فجرى بينهما حرب اشتظهر فيها المسلمون فلما رأى ملك الروم عجزه عاد إلى بلده وقد قتل من عسكره وأسر جماعة كثيرة

وفيها في جمادى الأولى مات أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن عبد الله أبو عبد الله العلوي الحسيني نقيب العلويين ببغداد وكان يلقب الظاهر وسمع الحديث الكثير ورواه وكان حسنة أهل بغداد

وفيها توفي الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد بن محمد العطار الهمداني سافر الكثير في طلب الحديث وقراءة القرآن واللغة وكان من أعيان المحدثين وكان له قبول عظيم ببلد عند العامة والخاصة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.