الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
58

ثم دخلت سنة عشرين وستمائة

الجزء العاشر 5 عنصر صفحة 434
ذكر ملك صاحب اليمن مكة حرسها الله تعالى ص 434

في هذه السنة سار الملك المسعود اتسز بن الملك الكامل محمد صاحب مصر إلى مكة وصاحبها حينئذ حسن بن قتادة بن ادريس العلوي الحسيني قد ملكها بعد أبيه كما ذكرنا وكان حسن قد أساء إلى الأشراف والمماليك الذين كانوا لأبيه وقد تفرقوا عنه ولم يبق عنده غير أخواله من غيره فوصل صاحب اليمن إلى مكة ونهبها عسكره إلى العصر فحدثني بعض المجاورين المتأهلين أنهم نهبوها حتى أخذوا الثياب عن الناس وأفقروهم وأمر صاحب اليمن أن ينبش قبر قتادة ويحرق فنبشوه فظهر التابوت الذي دفنه ابنه الحسن والناس ينظرون اليه فلم يروا فيه شيئا فعلموا حينئذ ان الحسن دفن أباه سرا وانه لم يجعل في التابوت شيئا وذاق الحسن عاقبة قطيعة الرحم وعجل الله مقابلته وأزال عنه ما قتل أباه وأخاه وعمه لأجله خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين

ذكر حرب بين المسلمين والكرج بأرمينية ص 434

في هذه السنة في شعبان سار صاحب قلعة سرماري وهي من اعمال ارمينية إلى خلاط لانه كان في طاعة صاحب خلاط وهو حينئذ شهاب الدين غازي بن العادل أبي بكر بن ايوب فحضر عنده واستخلف ببلده اميرا من أمرائه فجمع هذا الأمير جمعا وسار إلى بلاد الكرج فنهب منها عدة قرى وعاد فسمعت الكرج بذلك فجمع صاحب دوين واسمه شلوة وهو من أكابر امراء الكرج عسكره وسار إلى سرماري فحصرها أياما ونهب بلدها وسوادها ورجع فسمع صاحب سرماري الخبر فعاد إلى سرماري فوصل إليها في اليوم الذي رحل الكرج عنها فأخذ عسكره وتبعهم فأوقع بساقنهم فقتل منهم وغنم واستنقذ ما أخذوا من غنائم بلاده ثم إن صاحب دوين جمع عسكره وسار إلى ساماري ليحصرها فوصل الخبر إلى صاحبها بذلك فحصنها وجمع الذخائر وما يحتاج إليه فأتاه من اخبره ان الكرج نزلوا بواد بين دوين وسرماري وهو واد ضيق فسار بجميع عسكره جريدة وجد السير ليكبس الكرج فوصل إلى الوادي الذي هم فيه وقت السحر ففرق عسكره فرقتين فرقة من أعلى الوادي وفرقة من أسفله وحملوا عليهم وهم غافلون ووضعوا السيف فيهم فقتلوا وأسروا فكان في جملة الأسرى شلوة أمير دوين في جماعة كثيرة من مقدميهم ومن سلم من الكرج عاد إلى بلدهم على حال سيئة ثم إن ملك الكرج ارسل إلى الملك الأشرف موسى بن العادل صاحب ديار الجزيرة وهو الذي أعطى خلاط وأعمالها الأمير شهاب الدين يقول له كنا نظن أننا على صلح والآن فقد عمل صاحب سرماري هذا العمل فإن كنا على الصلح فنريد إطلاق أصحابنا من الأسر وإن كان الصلح قد انفسخ بيننا فتعرفنا حتى ندبر أمرنا فأرسل الأشرف إلى صاحب سرماري يأمره بإطلاق الأسرى وتجديد الصلح مع الكرج ففعل ذلك واستقرت قاعدة الصلاح وأطلق الأسرى

ذكر الحرب بين غياث الدين وبين خاله ص 435

في هذه السنة في جمادي الآخرة انهزم إيغان طائسي وهو خال غياث الدين بن خوارزمشاه محمد بن تكش وهذا غياث الدين هو صاحب بلاد الجبل والري وأصبهان وغير ذلك وله أيضا بلاد كرمان وكان سبب ذلك ان خاله إيغان طائسي كان معه وفي خدمته وهو اكبر أمير معه لا يصدر غياث الدين الا عن رأيه والحكم إليه في جميع المملكة فلما عظم شأنه حدث نفسه بالاستيلاء على الملك وحسن له ذلك غيره وأطعمه فيه

قيل إن الخليفة الناصر لدين الله اقطعه البلاد سرا وأمره بذلك فقويت نفسه على الخلاف فاستفسد جماعة من العسكر واستمالهم فلما تم له أمره أظهر الخلاف على غياث الدين وخرج عن طاعته أوزبك وصار في البلاد يفسد ويقطع الطريق وينهب ما أمكنه من القرى وغيرها وانضاف إليه جمع كثير من أهل العنف والفساد ومعه مملوك آخر اسمه أيبك الشامي كانا متفقين على العصيان فقوي بهما وساروا جميعهم إلى غياث الدين ليقاتلوه ويملكوا بلاده ويخرجوه منها فجمع غياث الدين عسكره والتقوا بنواحي واقتتلوا فانهزم خال غياث الدين ومن معه وقتل من عسكره وأسر كثير وعاد المنهزمون إلى أذربيجان على أقبح حال وأقام غياث الدين في بلاده وثبت قدمه

حادثة غريبة لم يوجد مثلها ص 436

كان أهل مملكة الكرج لم يبق منهم غير امرأة وقد انتهى الملك إليها فوليته وقامت بالأمر فيهم وحكمت فطلبوا لها رجلا يتزوجها ويقوم بالملك نيابة عنها ويكون من اهل بيت مملكة فلم يكن فيها من يصلح لهذا الأمر وكان صاحب أرزن الروم هذا الوقت هو مغيث الدين طغرلشاه بن قلج ارسلان بن مسعود قلج ارسلان وبيته مشهور من أكابر ملوك الاسلام وهم من الملوك السلجوقية وله ولد كبير فأرسل إلى الكرج يطلب الملكة لولده ليتزوجها فامتنعوا من إجابته وقالوا لا نفعل هذا لأننا لا يمكننا ان يملك أمرنا مسلم فقال لهم إن ابني يتنصر ويتزوجها فأجابوه إلى ذلك فأمر ابنه فتنصر ودان بالنصرانية وتزوج الملكة وانتقل فيها وأقام عند الكرج حاكما في بلادهم واستمر على النصرانية نهوذ بالله من الخذلان ونسأله ان يجعل خير اعمالنا آخرها وخير أعمالنا خواتيمها وخير ايامنا يوم نلقاه ثم كانت هذه الملكة الكرجية تهوى مملوكا لها فكان زوجها يسمع عنها القبائح ولا يمكنه الكلام لعجزه ثم إنه يوما دخل عليها فرآها نائمة مع مملوكها في فراش فأنكر ذلك وواجهها بالمنع منه فقالن إن رضيت بهذا وإلا فأنت أخبر فقال إنني لا ارضى بهذه فنقلته إلى بلد آخر ووكلت به من يمنعه من الحركة وحجرت عليه وأرسلت إلى بلد اللان وأحضرت رجلين كانا قد وصفا بحسن الصورة فتزوجت أحدهما فبقي معها يسيرا ثم إنها فارقته واحضرت انسانا آخر من كنجة وهو مسلم فطلبت منه ان يتنصر ليتزوجها فلم يفعل فأرادت ان تتزوجه وهو مسلم فقام عليها جماعة الأمراء ومعهم إيواني وهو مقدم العساكر الكرجية فقالوا لها قد افتضحنا بين الملوك بما تفعلين ثم تريدين ان يتزوجك مسلم وهذا لا نمكن منه ابدا والأمر بينهم متردد والرجل الكنجي عندهم لم يجبهم إلى الدخول في النصرانية وهي تهواه

ذكر حوادث عدة ص 436

في هذه السنة كان الجراد في اكثر البلاد وأهلك كثيرا من الغلات والخضر بالعراق والجزيرة وديار بكر وكثير من الشام وغيرها

وفيها في رمضان توفي عبد الرحمن بن هبة الله بن عساكر الفقيه الشافعي الدمشقي بها وكان غزير العلم عالما بالمذهب كثير الصلاح والزهد والخير رحمه الله

وفيها تجمع العرب في خلق كثير على حجاج الشام وأرادوا قطع الطريق عليهم وأخذهم وكان الأمير على الحجاج شرف يعقوب من محمد وهو من اهل الموصل أقام بالشام وتقدم فيه فمنعهم بالرغبة والرهبة ثم صانعهم بمال وثياب وغير ذلك فأعطى الجميع من ماله ولم يأخذ من الحجاج الدرهم الفرد وفعل فعلا جميلا وكان عنده كثير من العلوم ويرجع إلى دين متين

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.