في هذه السنة سار الملك المسعود اتسز بن الملك الكامل محمد صاحب مصر إلى مكة وصاحبها حينئذ حسن بن قتادة بن ادريس العلوي الحسيني قد ملكها بعد أبيه كما ذكرنا وكان حسن قد أساء إلى الأشراف والمماليك الذين كانوا لأبيه وقد تفرقوا عنه ولم يبق عنده غير أخواله من غيره فوصل صاحب اليمن إلى مكة ونهبها عسكره إلى العصر فحدثني بعض المجاورين المتأهلين أنهم نهبوها حتى أخذوا الثياب عن الناس وأفقروهم وأمر صاحب اليمن أن ينبش قبر قتادة ويحرق فنبشوه فظهر التابوت الذي دفنه ابنه الحسن والناس ينظرون اليه فلم يروا فيه شيئا فعلموا حينئذ ان الحسن دفن أباه سرا وانه لم يجعل في التابوت شيئا وذاق الحسن عاقبة قطيعة الرحم وعجل الله مقابلته وأزال عنه ما قتل أباه وأخاه وعمه لأجله خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين
ثم دخلت سنة عشرين وستمائة
في هذه السنة في شعبان سار صاحب قلعة سرماري وهي من اعمال ارمينية إلى خلاط لانه كان في طاعة صاحب خلاط وهو حينئذ شهاب الدين غازي بن العادل أبي بكر بن ايوب فحضر عنده واستخلف ببلده اميرا من أمرائه فجمع هذا الأمير جمعا وسار إلى بلاد الكرج فنهب منها عدة قرى وعاد فسمعت الكرج بذلك فجمع صاحب دوين واسمه شلوة وهو من أكابر امراء الكرج عسكره وسار إلى سرماري فحصرها أياما ونهب بلدها وسوادها ورجع فسمع صاحب سرماري الخبر فعاد إلى سرماري فوصل إليها في اليوم الذي رحل الكرج عنها فأخذ عسكره وتبعهم فأوقع بساقنهم فقتل منهم وغنم واستنقذ ما أخذوا من غنائم بلاده ثم إن صاحب دوين جمع عسكره وسار إلى ساماري ليحصرها فوصل الخبر إلى صاحبها بذلك فحصنها وجمع الذخائر وما يحتاج إليه فأتاه من اخبره ان الكرج نزلوا بواد بين دوين وسرماري وهو واد ضيق فسار بجميع عسكره جريدة وجد السير ليكبس الكرج فوصل إلى الوادي الذي هم فيه وقت السحر ففرق عسكره فرقتين فرقة من أعلى الوادي وفرقة من أسفله وحملوا عليهم وهم غافلون ووضعوا السيف فيهم فقتلوا وأسروا فكان في جملة الأسرى شلوة أمير دوين في جماعة كثيرة من مقدميهم ومن سلم من الكرج عاد إلى بلدهم على حال سيئة ثم إن ملك الكرج ارسل إلى الملك الأشرف موسى بن العادل صاحب ديار الجزيرة وهو الذي أعطى خلاط وأعمالها الأمير شهاب الدين يقول له كنا نظن أننا على صلح والآن فقد عمل صاحب سرماري هذا العمل فإن كنا على الصلح فنريد إطلاق أصحابنا من الأسر وإن كان الصلح قد انفسخ بيننا فتعرفنا حتى ندبر أمرنا فأرسل الأشرف إلى صاحب سرماري يأمره بإطلاق الأسرى وتجديد الصلح مع الكرج ففعل ذلك واستقرت قاعدة الصلاح وأطلق الأسرى
في هذه السنة في جمادي الآخرة انهزم إيغان طائسي وهو خال غياث الدين بن خوارزمشاه محمد بن تكش وهذا غياث الدين هو صاحب بلاد الجبل والري وأصبهان وغير ذلك وله أيضا بلاد كرمان وكان سبب ذلك ان خاله إيغان طائسي كان معه وفي خدمته وهو اكبر أمير معه لا يصدر غياث الدين الا عن رأيه والحكم إليه في جميع المملكة فلما عظم شأنه حدث نفسه بالاستيلاء على الملك وحسن له ذلك غيره وأطعمه فيه
قيل إن الخليفة الناصر لدين الله اقطعه البلاد سرا وأمره بذلك فقويت نفسه على الخلاف فاستفسد جماعة من العسكر واستمالهم فلما تم له أمره أظهر الخلاف على غياث الدين وخرج عن طاعته أوزبك وصار في البلاد يفسد ويقطع الطريق وينهب ما أمكنه من القرى وغيرها وانضاف إليه جمع كثير من أهل العنف والفساد ومعه مملوك آخر اسمه أيبك الشامي كانا متفقين على العصيان فقوي بهما وساروا جميعهم إلى غياث الدين ليقاتلوه ويملكوا بلاده ويخرجوه منها فجمع غياث الدين عسكره والتقوا بنواحي واقتتلوا فانهزم خال غياث الدين ومن معه وقتل من عسكره وأسر كثير وعاد المنهزمون إلى أذربيجان على أقبح حال وأقام غياث الدين في بلاده وثبت قدمه
كان أهل مملكة الكرج لم يبق منهم غير امرأة وقد انتهى الملك إليها فوليته وقامت بالأمر فيهم وحكمت فطلبوا لها رجلا يتزوجها ويقوم بالملك نيابة عنها ويكون من اهل بيت مملكة فلم يكن فيها من يصلح لهذا الأمر وكان صاحب أرزن الروم هذا الوقت هو مغيث الدين طغرلشاه بن قلج ارسلان بن مسعود قلج ارسلان وبيته مشهور من أكابر ملوك الاسلام وهم من الملوك السلجوقية وله ولد كبير فأرسل إلى الكرج يطلب الملكة لولده ليتزوجها فامتنعوا من إجابته وقالوا لا نفعل هذا لأننا لا يمكننا ان يملك أمرنا مسلم فقال لهم إن ابني يتنصر ويتزوجها فأجابوه إلى ذلك فأمر ابنه فتنصر ودان بالنصرانية وتزوج الملكة وانتقل فيها وأقام عند الكرج حاكما في بلادهم واستمر على النصرانية نهوذ بالله من الخذلان ونسأله ان يجعل خير اعمالنا آخرها وخير أعمالنا خواتيمها وخير ايامنا يوم نلقاه ثم كانت هذه الملكة الكرجية تهوى مملوكا لها فكان زوجها يسمع عنها القبائح ولا يمكنه الكلام لعجزه ثم إنه يوما دخل عليها فرآها نائمة مع مملوكها في فراش فأنكر ذلك وواجهها بالمنع منه فقالن إن رضيت بهذا وإلا فأنت أخبر فقال إنني لا ارضى بهذه فنقلته إلى بلد آخر ووكلت به من يمنعه من الحركة وحجرت عليه وأرسلت إلى بلد اللان وأحضرت رجلين كانا قد وصفا بحسن الصورة فتزوجت أحدهما فبقي معها يسيرا ثم إنها فارقته واحضرت انسانا آخر من كنجة وهو مسلم فطلبت منه ان يتنصر ليتزوجها فلم يفعل فأرادت ان تتزوجه وهو مسلم فقام عليها جماعة الأمراء ومعهم إيواني وهو مقدم العساكر الكرجية فقالوا لها قد افتضحنا بين الملوك بما تفعلين ثم تريدين ان يتزوجك مسلم وهذا لا نمكن منه ابدا والأمر بينهم متردد والرجل الكنجي عندهم لم يجبهم إلى الدخول في النصرانية وهي تهواه
في هذه السنة كان الجراد في اكثر البلاد وأهلك كثيرا من الغلات والخضر بالعراق والجزيرة وديار بكر وكثير من الشام وغيرها
وفيها في رمضان توفي عبد الرحمن بن هبة الله بن عساكر الفقيه الشافعي الدمشقي بها وكان غزير العلم عالما بالمذهب كثير الصلاح والزهد والخير رحمه الله
وفيها تجمع العرب في خلق كثير على حجاج الشام وأرادوا قطع الطريق عليهم وأخذهم وكان الأمير على الحجاج شرف يعقوب من محمد وهو من اهل الموصل أقام بالشام وتقدم فيه فمنعهم بالرغبة والرهبة ثم صانعهم بمال وثياب وغير ذلك فأعطى الجميع من ماله ولم يأخذ من الحجاج الدرهم الفرد وفعل فعلا جميلا وكان عنده كثير من العلوم ويرجع إلى دين متين
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
