لما استولى التتر على أرض قفجاق تفرق قفجاق فطائفة قصدت بلاد الروس وطائفة تفرقت في جبالهم واجتمع طائفة كثيرة منهم وساروا إلى دربند شروان وأرسلوا إلى صاحبه واسمه رشيد وقالوا له إن التتر قد ملكوا بلادنا ونهبوا أموالنا وقد قصدناك لنقيم في بلادك ونحن مماليك لك ونفتح البلاد لك وأنت سلطاننا فمنعهم من ذلك وخافهم فأعادوا الرسالة إليه إننا نحن نرهن عندك أولادنا ونساءنا على الطاعة والخدمة لك والانقياد لحكمك فلم يجبهم إلى ما طلبوا فسألوه ان يمكنهم ليتزودوا من بلده تدخل عشرة عشرة فإذا اشتروا ما يحتاجون إليه فارقوا بلاده فأجابهم إلى ذلك فصاروا يدخلون متفرقين ويشترون ما يريدون ويخرجون ثم إن بعض كبرائهم والمقدمين منهم جاء إلى رشيد وقال إنني كنت في خدمة السلطان خوارزمشاه وأنا مسلم والدين يحملني على نصحك اعلم ان قفجاق اعداؤك ويريدون الغدر بك فلا تمكنهم من المقام ببلادك فاعطني عسكرا حتى أقاتلهم وأخرجهم من البلاد ففعل ذلك وسلم اليه طائفة من عسكره واعطاهم ما يحتاجون من سلاح وغيره فساروا معه فأوقعوا بطائفة من قفجاق فقتل منهم جماعة ونهب منهم فلم يتحرك قفجاق لقتال بل قالوا نحن مماليك الملك شروان شاه رشيد ولولا ذلك لقاتلنا عسكره فلما عاد ذلك المقدم القفجاقي ومعه عسكر رشيد سالمين فرح بهم ثم ان قفجاق فارقوا موضعهم فساروا ثلاثة أيام فقال ذلك القفجاقي لرشيد أريد عسكرا اتبعهم فأمر له من العسكر بما أراد فسار يقفو أثر القفجاقي فأوقع بأواخرهم وغنم منهم
وقصده جمع كثير من قفجاق من الرجال والنساء يبكون وقد جزوا شعورهم ومعهم تابوت وهم محيطون به يبكون حوله وقالوا له إن صديقك فلانا قد مات وقد أوصى ان نحمله إليك فتدفنه في أي موضع شئت ونكون نحن عندك فحمله معه والذين يبكون عليه أيضا وعاد إلى شروان شاه رشيد وأعلمه أن الميت صديق له وقد حمله معه وقد طلب أهله ان يكونوا عنده في خدمته فأمر أن يدخلوا البلد وأنزلهم فيه فكان أولئك الجماعة يسيرون مع ذلك المقدم ويركبون بركوبه ويصعدون معه إلى القلعة التي لرشيد ويقعدون عنده ويشربون معهم ونساؤهم فأحب رشيد امرأة ذلك الرجل الذي قيل له انه ميت ولم يكن مات وإنما فعلوا هكذا مكيدة حتى دخلوا البلد والذي أظهروا موته معهم في المجلس ولا يعرفه رشيد هو من أكبر مقدمي قفجاق فيقوا كذلك عدة أيام فكل يوم يجيء جماعة من قفجاق متفرقين فاجتمع بالقلعة منهم جماعة وأرادوا قبض رشيد وملك بلاده ففطن لذلك عن القلعة من باب السر وهرب ومضى إلى شروان وملك قفجاق القلعة وقالوا لأهل البلد نحن خير لكم من رشيد وأعادوا باقي أصحابهم اليهم وأخذوا السلاح الذي في البلد جميعه واستولوا على الأموال التي كانت لرشيد في القلعة ورحلوا عن القلعة وقصدوا قبلة وهي للكرج فنزلوا عليها وحصروها فلما سمع رشيد بمفارقتهم القلعة رجع اليها وملكها وقتل من بها من قفجاق ولم يشعر القفجاق الذي عند قبلة بذلك فأرسلوا طائفة منهم إلى القلعة فقتلهم رشيد أيضا فبلغ الخبر إلى القفجاق فعادوا إلى دربند فلم يكن لهم في القلعة طمع وكان صاحب قبلة لما كانوا يحصرونه قد أرسل إليهم وقال لهم أنا أرسل إلى ملك الكرج حتى يرسل اليكم الخلع والأموال ونجتمع نحن وأنتم ونملك البلاد فكفوا عن نهب ولايته أياما ثم انهم مدوا ايديهم بالنهب والفساد ونهبوا بلاد قبلة جميعها وساروا إلى قريب كنجة من بلاد أرادن وهي للمسلمين فنزلوا هناك فأرسل اليهم الأمير بكنجة وهو مملوك لأوزبك صاحب أذربيجان اسمه كوشخرة عسكرا فمنعهم من الوصول إلى بلاده وسير رسولا إليهم يقول لهم غدرتم بصاحب شروان واخذتم قلعته وغدرتم بصاحب قبلة ونهبتم بلاده فما يثق بكم أحد فأجابوا أننا ما جئنا الا قصدا لخدمة سلطانكم فمنعنا شروان شاه عنكم فلهذا قصدنا بلاده وأخذنا قلعته ثم تركناها من غير خوف وأما صاحب قبلة فهو عدو لكم ولو أردنا أن نكون عند الكرج لما كنا جعلنا طريقنا على دربندشروان فإنه اصعب واشق وأبعد وكنا جئنا إلى بلادهم على عادتنا ونحن نوجه الرهائن اليكم فلما سمع هذا سار اليهم فسمع به قفجاق فركب اميران منهم هما مقدماهم في نفر يسير وجاؤوا اليه ولقوه وخدموه وقالوا له قد اتيناك جريدة في قلة من العدد لتعلم أننا ما قصدنا إلا الوفاء والخدمة لسلطانكم فأمرهم كوشخرة بالرحيل والنزول عند كنجة وتزوج ابنة احدهم وأرسل إلى صاحبه أوزبك يعرفه حالهم فأمر لهم بالخلع والنزول بجبل كيلكون ففعلوا ذلك وخافهم الكرج فجمعوا لهم ليكبسوهم فوصل الخبر بذلك إلى كوشخرة أمير كنجة فأخبر قفجاق وأمرهم بالعود والنزول عند كنجة فعادوا ونزاوا عندها وسار امير من امراء قفجاق في جمع منهم إلى الكرج فكبسهم وقتل كثيرا منهم وهزمهم وغنم ما معهم واكثر القتل فيهم والأسر منهم وتمت الهزيمة عليهم ورجع قفجاق إلى جبل كيلكون فنزلوا فيه كما كانوا فلما نزلوا اراد الأمير الآخر من أمراء قفجاق أن يؤثر في الكرج مثل ما فعل صاحبه فسمع كوشخرة فأرسل إليه ينهاه عن الحركة إلى أن يكشف له خبر الكرج فلم يقف فسار إلى بلادهم في طائفته ونهب وخرب وأخذ الغنائم فسار الكرج من طريق يعرفونها وسبقوه فلما وصل اليهم قاتلوه وحملوا عليه وعلى من معه على غرة وغفلة فوضعوا السيف فيهم وأكثروا القتل فيهم واستنقذوا الغنائم منه فعاد هو ومن معه على أقبح حالة وقصدوا برذعة وأرسلوا إلى كوشخرة يطلبون ان يحضر عندهم هو بنفسه ليقصدوا الكرج فيأخذوا بثأرهم منهم فلم يفعل وأخافهم وقال أنتم خالفتموني وعملتم برأيكم فلا انجدكم بفارس واحد فأرسلوا يطلبون الرهائن الذين لهم فلم يعطهم فاجتمعوا واخذوا كثيرا من المسلمين عوضا من الرهائن فثار بهم المسلمون من اهل البلاد وقاتلوهم فقتلوا منهم جماعة كثيرة فخافوا وساروا نحو شروان وجازوا إلى بلد اللكز فطمع الناس فيهم المسلمون والكرج واللكز وغيرهم فأفنوهم قتلا ونهبا وأسرا وسبيا بحيث ان المملوك منهم كان يباغ في دربند شروان بالثمن البخس
