الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
57

ثم دخلت سنة تسع عشرة وستمائة

الجزء العاشر 4 عنصر صفحة 429
ذكر خروج طائفة من قفجاق إلى أذربيجان وما فعلوه بالكرج وما كان منهم ص 429

لما استولى التتر على أرض قفجاق تفرق قفجاق فطائفة قصدت بلاد الروس وطائفة تفرقت في جبالهم واجتمع طائفة كثيرة منهم وساروا إلى دربند شروان وأرسلوا إلى صاحبه واسمه رشيد وقالوا له إن التتر قد ملكوا بلادنا ونهبوا أموالنا وقد قصدناك لنقيم في بلادك ونحن مماليك لك ونفتح البلاد لك وأنت سلطاننا فمنعهم من ذلك وخافهم فأعادوا الرسالة إليه إننا نحن نرهن عندك أولادنا ونساءنا على الطاعة والخدمة لك والانقياد لحكمك فلم يجبهم إلى ما طلبوا فسألوه ان يمكنهم ليتزودوا من بلده تدخل عشرة عشرة فإذا اشتروا ما يحتاجون إليه فارقوا بلاده فأجابهم إلى ذلك فصاروا يدخلون متفرقين ويشترون ما يريدون ويخرجون ثم إن بعض كبرائهم والمقدمين منهم جاء إلى رشيد وقال إنني كنت في خدمة السلطان خوارزمشاه وأنا مسلم والدين يحملني على نصحك اعلم ان قفجاق اعداؤك ويريدون الغدر بك فلا تمكنهم من المقام ببلادك فاعطني عسكرا حتى أقاتلهم وأخرجهم من البلاد ففعل ذلك وسلم اليه طائفة من عسكره واعطاهم ما يحتاجون من سلاح وغيره فساروا معه فأوقعوا بطائفة من قفجاق فقتل منهم جماعة ونهب منهم فلم يتحرك قفجاق لقتال بل قالوا نحن مماليك الملك شروان شاه رشيد ولولا ذلك لقاتلنا عسكره فلما عاد ذلك المقدم القفجاقي ومعه عسكر رشيد سالمين فرح بهم ثم ان قفجاق فارقوا موضعهم فساروا ثلاثة أيام فقال ذلك القفجاقي لرشيد أريد عسكرا اتبعهم فأمر له من العسكر بما أراد فسار يقفو أثر القفجاقي فأوقع بأواخرهم وغنم منهم

وقصده جمع كثير من قفجاق من الرجال والنساء يبكون وقد جزوا شعورهم ومعهم تابوت وهم محيطون به يبكون حوله وقالوا له إن صديقك فلانا قد مات وقد أوصى ان نحمله إليك فتدفنه في أي موضع شئت ونكون نحن عندك فحمله معه والذين يبكون عليه أيضا وعاد إلى شروان شاه رشيد وأعلمه أن الميت صديق له وقد حمله معه وقد طلب أهله ان يكونوا عنده في خدمته فأمر أن يدخلوا البلد وأنزلهم فيه فكان أولئك الجماعة يسيرون مع ذلك المقدم ويركبون بركوبه ويصعدون معه إلى القلعة التي لرشيد ويقعدون عنده ويشربون معهم ونساؤهم فأحب رشيد امرأة ذلك الرجل الذي قيل له انه ميت ولم يكن مات وإنما فعلوا هكذا مكيدة حتى دخلوا البلد والذي أظهروا موته معهم في المجلس ولا يعرفه رشيد هو من أكبر مقدمي قفجاق فيقوا كذلك عدة أيام فكل يوم يجيء جماعة من قفجاق متفرقين فاجتمع بالقلعة منهم جماعة وأرادوا قبض رشيد وملك بلاده ففطن لذلك عن القلعة من باب السر وهرب ومضى إلى شروان وملك قفجاق القلعة وقالوا لأهل البلد نحن خير لكم من رشيد وأعادوا باقي أصحابهم اليهم وأخذوا السلاح الذي في البلد جميعه واستولوا على الأموال التي كانت لرشيد في القلعة ورحلوا عن القلعة وقصدوا قبلة وهي للكرج فنزلوا عليها وحصروها فلما سمع رشيد بمفارقتهم القلعة رجع اليها وملكها وقتل من بها من قفجاق ولم يشعر القفجاق الذي عند قبلة بذلك فأرسلوا طائفة منهم إلى القلعة فقتلهم رشيد أيضا فبلغ الخبر إلى القفجاق فعادوا إلى دربند فلم يكن لهم في القلعة طمع وكان صاحب قبلة لما كانوا يحصرونه قد أرسل إليهم وقال لهم أنا أرسل إلى ملك الكرج حتى يرسل اليكم الخلع والأموال ونجتمع نحن وأنتم ونملك البلاد فكفوا عن نهب ولايته أياما ثم انهم مدوا ايديهم بالنهب والفساد ونهبوا بلاد قبلة جميعها وساروا إلى قريب كنجة من بلاد أرادن وهي للمسلمين فنزلوا هناك فأرسل اليهم الأمير بكنجة وهو مملوك لأوزبك صاحب أذربيجان اسمه كوشخرة عسكرا فمنعهم من الوصول إلى بلاده وسير رسولا إليهم يقول لهم غدرتم بصاحب شروان واخذتم قلعته وغدرتم بصاحب قبلة ونهبتم بلاده فما يثق بكم أحد فأجابوا أننا ما جئنا الا قصدا لخدمة سلطانكم فمنعنا شروان شاه عنكم فلهذا قصدنا بلاده وأخذنا قلعته ثم تركناها من غير خوف وأما صاحب قبلة فهو عدو لكم ولو أردنا أن نكون عند الكرج لما كنا جعلنا طريقنا على دربندشروان فإنه اصعب واشق وأبعد وكنا جئنا إلى بلادهم على عادتنا ونحن نوجه الرهائن اليكم فلما سمع هذا سار اليهم فسمع به قفجاق فركب اميران منهم هما مقدماهم في نفر يسير وجاؤوا اليه ولقوه وخدموه وقالوا له قد اتيناك جريدة في قلة من العدد لتعلم أننا ما قصدنا إلا الوفاء والخدمة لسلطانكم فأمرهم كوشخرة بالرحيل والنزول عند كنجة وتزوج ابنة احدهم وأرسل إلى صاحبه أوزبك يعرفه حالهم فأمر لهم بالخلع والنزول بجبل كيلكون ففعلوا ذلك وخافهم الكرج فجمعوا لهم ليكبسوهم فوصل الخبر بذلك إلى كوشخرة أمير كنجة فأخبر قفجاق وأمرهم بالعود والنزول عند كنجة فعادوا ونزاوا عندها وسار امير من امراء قفجاق في جمع منهم إلى الكرج فكبسهم وقتل كثيرا منهم وهزمهم وغنم ما معهم واكثر القتل فيهم والأسر منهم وتمت الهزيمة عليهم ورجع قفجاق إلى جبل كيلكون فنزلوا فيه كما كانوا فلما نزلوا اراد الأمير الآخر من أمراء قفجاق أن يؤثر في الكرج مثل ما فعل صاحبه فسمع كوشخرة فأرسل إليه ينهاه عن الحركة إلى أن يكشف له خبر الكرج فلم يقف فسار إلى بلادهم في طائفته ونهب وخرب وأخذ الغنائم فسار الكرج من طريق يعرفونها وسبقوه فلما وصل اليهم قاتلوه وحملوا عليه وعلى من معه على غرة وغفلة فوضعوا السيف فيهم وأكثروا القتل فيهم واستنقذوا الغنائم منه فعاد هو ومن معه على أقبح حالة وقصدوا برذعة وأرسلوا إلى كوشخرة يطلبون ان يحضر عندهم هو بنفسه ليقصدوا الكرج فيأخذوا بثأرهم منهم فلم يفعل وأخافهم وقال أنتم خالفتموني وعملتم برأيكم فلا انجدكم بفارس واحد فأرسلوا يطلبون الرهائن الذين لهم فلم يعطهم فاجتمعوا واخذوا كثيرا من المسلمين عوضا من الرهائن فثار بهم المسلمون من اهل البلاد وقاتلوهم فقتلوا منهم جماعة كثيرة فخافوا وساروا نحو شروان وجازوا إلى بلد اللكز فطمع الناس فيهم المسلمون والكرج واللكز وغيرهم فأفنوهم قتلا ونهبا وأسرا وسبيا بحيث ان المملوك منهم كان يباغ في دربند شروان بالثمن البخس

ذكر نهب الكرج بيلقان ص 431

في هذه السنة في شهر رمضان سار الكرج من بلادهم إلى بلاد أران وقصدوا مدينة بيلقان وكان التتر قد خربوها ونهبوها كما ذكرناه قبل فلما سار التتر إلى بلاد قفجاق عاد من سلم من اهلها اليها وعمروا ما أمكنهم عمارته من سورها فبينما هم كذلك اذا اتاهم الكرج ودخلوا البلد وملكوه وكان المسلمون في تلك البلاد ألفوا من الكرج انهم إذا ظفروا ببلد صانعوهم بشيء من المال فيعودون عنهم فكانوا احسن الأعداء مقدرة فلما كان هذه الدفعة ظن المسلمون انهم يفعلون مثل ما تقدم فلم يبالغوا في الامتناع منهم ولا هربوا من بين أيديهم فلما ملك الكرج المدينة وضعوا السيف في أهلها وفعلوا من القتل والنهب ما فعل بهم التتر هذا جميعه يجري وصاحب بلاد أذربيجان أوزبك بن البهلوان بمدينة تبريز ولا يتحرك في صلاح ولا يتجه لخير بل قد قنع بالأكل وادمان الشرب والفساد فقبحه الله ويسر للمسلمين من يقوم بنصرهم وحفظ بلادهم بمحمد وآله

ذكر ملك بدر الدين قلعة شوش ص 432

في هذه السنة ملك بدر الدين صاحب الموصل قلعة شوش من اعمال الحميدية وبينها وبين الموصل اثنا عشر فرسخا وسبب ذلك انها كانت هي وقلعة العقر متجاورتين لعماد الدين زنكي بن أرسلانشاه وكان بينهما من الخلف ما تقدم ذكره فلما كان هذه السنة سار زنكي إلى اذربيجان ليخدم صاحبها أوزبك بن البهلوان فاتصل به وصار معه واقطعه اقطاعات وأقام عنده فسار بدر الدين إلى قلعة شوش فحاصرها وضيق عليها وهي على رأس جبل عال فطال مقامه عليها لحصانتها فعاد إلى الموصل وترك عسكره محاصرا لها فلما طال الأمر على من بها ولم يروا من يرحله عنهم ولا من ينجدهم سلموها على قاعدة استقرت بينهم من اقطاع وخلع وغير ذلك فتسلمها نوابه في التاريخ ورتبوا أمورها وعادوا إلى الموصل

ذكر عدة حوادث ص 432

في هذه السنة في العشرين من شعبان ظهر كوكب في السماء في الشرق كبير له ذؤابة طويلة غليظة وكان طلوعه وقت السحر فبقي كذلك عشرة أيام ثم انه ظهر اول الليل في الغرب مما يلي الشمال فكان كل ليلة يتقدم إلى جهة الجنوب نحو عشرة أذرع في رأي العين فلم يزل يقرب من الجنوب حتى صار غربا محضا ثم صار غربا مائلا إلى الجنوب بعد ان كان غربا مما يلي الشمال فبقي كذلك إلى آخر شهر رمضان من السنة ثم غاب

وفيها توفي ناصر الدين محمود بن محمد قزا أرسلان صاحب حصن كيفا وآمد وكان ظالما قبيح السيرة في رعيته قيل إنه كان يتظاهر بمذهب الفلاسفة في أن الأجساد لا تحشر كذبوا لعنهم الله ولما مات ملك ابنه الملك المسعود

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.