الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
56

ثم دخلت سنة ثمان عشرة وستمائة

الجزء العاشر 2 عنصر صفحة 425
ذكر وفاة قتادة امير مكة وملك ابنه الحسن وقتل أمير الحاج ص 425

في هذه السنة في جمادى الآخرة توفي قتادة بن ادريس العلوي ثم الحسيني امير مكة حرسها الله وكان عمره نحو سبعين سنة وكانت ولايته قد اتسعت من حدود اليمن إلى مدينة النبي وله قلعة ينبع بنواحي المدينة وكثر عسكره واستكثر من المماليك وخافه العرب في تلك البلاد خوفا عظيما وكان أول ملكه لما ملك مكة حرسها الله حسن السيرة وأزال عنها العبيد المفسدين وحمى البلاد وأحسن إلى الحجاج وأكرمهم وبقي كذلك مدة ثم إنه بعد ذلك اساء السيرة وجدد المكوس بمكة وفعل افعالا شنيعة ونهب الحاج في بعض السنين كما ذكرناه ولما مات ملك بعده ابنه الحسن وكان له ابن آخر اسمه راجح مقيم في العرب بظاهر مكة يفسد وينازع اخاه في مسلكه فلما سار حاج العراق كان الأمير عليهم مملوكا من مماليك الخليفة الناصر لدين الله اسمه اقباش وكان حسن السيرة مع الحاج في الطريق كثير الحماية فقصده راجح بن قتادة وبذل له وللخليفة مالا ليساعده على ملك مكة فأجابه إلى ذلك ووصلوا إلى مكة ونزلوا بالزاهر وتقدم إلى مكة مقاتلا لصاحبها حسن وكان حسن قد جمع جموعا كثيرة من العرب وغيرها فخرج إليه من مكة وقاتله وتقدم أمير الحاج من بين يدي عسكره منفردا وصعد الجبل إذلالا بنفسهوانه لا يقدم أحد عليه فأحاط به اصحاب حسن وقتلوه وغلقوا رأسه فانهزم عسكر امير المؤمنين واحاط حسن بالحاج لينهبوهم فأرسل اليهم حسن عمامته أمانا للحجاج فعاد اصحابه ولم ينهبوا منهم شيئا وسكن الناس وإذن لهم حسن في دخول مكة وفعل ما يريدونه من الحج والبيع وغير ذلك واقاموا بمكة عشرة ايام وعادوا فوصلوا إلى العراق سالمين وعظم الأمر على الخليفة فوصلت رسل حسن يعتذرون ويطلبون العفو عنه فأجيب إلى ذلك

وقيل في موت قتادة أن ابنه حسن خنقه فملت وسبب ذلك أن قتادة جمع جموعا كثيرة وسار عن مكة يريد المدينة فنزل بوادي الفرع وهو مريض وسير أخاه على الجيش ومعه ابنه الحسن بن قتادة فلما ابعدوا بلغ الحسن أن عمه قال لبعض الجند إن أخي مريض وهو ميت لا محالة وطلب منهم ان يحافوا له ليكون هو الأمير بعد أخيه قتادة فحضر الحسن عند عمه واجتمع إليه كثير من الأجناد والمماليك الذين لأبيه فقال الحسن لعمه قد فعلت كذا وكذا فقال لم افعل فأمر حسن الحاضرين بقتله فلم يفعلوا وقالوا أنت أمير وهذا أمير ولا نمد ايدينا إلى أحد كما قال له غلامان لقتادة نحن عبيدك فمرنا بما شئت فأمرهما أن يجعلا عمامة عمه في عنقه ففعلا ثم قتله فسمع قتادة الخبر فبلغ منه الغيظ كل مبلغ وحلف ليقتلن ابنه وكان على ما ذكرناه من المرض فكتب بعض اصحابه إلى الحسن يعرفه الحال ويقول له ابدأ به قبل ان يقتلك فعاد الحسن إلى مكة فلما وصلها قصد دار أبيه في نفر يسير فوجد على باب الدار جمعا كثيرا فأمرهم بالانصراف إلى منازلهم ففارقوا الدار وعادوا إلى مساكنهم ودخل الحسن إلى أبيه فلما رآه أبوه شتمه وبالغ في ذمه وتهديده فوثب اليه الحسن فخنقه لوقته وخرج إلى الحرم الشريف

واحضر الأشراف وقال ان أبي قد اشتد مرضه وقد أمركم ان تحلفوا لي ان اكون انا اميركم فحلفوا له ثم إنه أظهر تابوتا ودفنه ليظن الناس انه مات وكان قد دفنه سرا فلما استقرت الامارة بمكة له ارسل إلى اخيه الذي بقلعة الينبع على لسان أبيه يستدعيه وكتم موت أبيه عنه فلما حضر أخوه قتله أيضا واستقر أمره وثبت قدمه وفعل بأمير الحاج ما تقدم ذكره فارتكب عظيما قتل أباه وعمه وأخاه في أيام يسيرة لا جرم لم يمهله الله سبحانه وتعالى نزع ملكه وجعله طريدا شريدا خائفا يترقب

وقيل إن قتادة كان يقول شعرا فمن ذلك انه طلب ليحضر عند أمير الحاج كما جرت عادة أمراء مكة فامتنع فعوتب من بغداد فأجاب بأبيات شعر منها

( ولي كف ضرغام أدل ببطشها % وأشري بها بين الورى وأبيع )

( تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها % وفي سطحها للمجد بين ربيع )

( أأجعلها تحت الرحا ثم أبتغي % خلاصا لها إني إذا لرقيع )

( وما أنا إلا المسك في كل بلدة % يضوع وأما عندكم فيضيع )

ذكر عدة حوادث ص 427

في هذه السنة استعاد المسلمون مدينة دمياط بالديار المصرية من الفرنج وقد تقدم ذكرها مشروحا مفصلا

وفيها في صفر ملك التتر مراغة وخربوها واحرقوها وقتلوا اكثر اهلها ونهبوا أموالهم وسبوا حريمهم وسار التتر منها إلى همذان وحصروها فقاتلهم اهلها وظفر بهم التتر وقتلوا منهم ما لا يحصى ونهبوا البلد وساروا إلى أذربيجان فأعادوا النهب ونهبوا ما بقي من البلاد ولم ينهبوه أولا ووصلوا إلى بيلقان من بلاد اران فحصروها وملكوها وقتلوا اهلها حتى كادوا حتى كادوا يفنونهم وقتل منهم كثير ونهبت اموالهم وأكثر بلادهم وقصدوا دريندشروان فحصروا مدينة شماخي وملكوها وقتلوا كثيرا من أهلها وساروا إلى بلد اللان واللكز ومن عندهم من الأمم فأوقعوا ورحلوا عن قفجاق وأجلوهم عنهم واستولوا عليها وساحوا في تلك الأرض حتى وصلوا إلى بلاد الروس وقد تقدم ذكر جميعه مستقصى وإنما أوردناه ههنا جملة ليعلم الذي كان في هذه السنة من حوادثهم

وفيها توفي صديقنا أمين الدين ياقوت الكاتب الموصلي ولم يكن في زمانه من يكتب ما يقاربه ولا من يؤدي طريقة ابن البواب مثله وكان ذا فضائل جمة من علم الأدب وغيره وكان كثير الخير نعم الرجل مشهورا في الدنيا والناس متفقون على الثناء الجميل عليه والمدح له ولهم فيه أقوال كثيرة نظما ونثرا فمن ذلك ما قاله نجيب الدين الحسين بن علي الواسطي من قصيدة يمدحه بها

( جامع شارد العلوم ولولاه % لكانت الفضائل ثكلى )

( ذو يراع تخاف سطوته الأسد وتعنو له الكتائب دلا % )

( وإذا افتر ثغره عن سواد % في بياض فالبيض والسمر خجلى )

( أنت بدر والكاتب بن هلال % كأبيه لا فخر فيمن تولى )

ومنها

إن يكن أولا فإنك بالتفضيل أولى لقد سبقت وصلى

وهي طويلة والكاتب بن هلال هو ابن البواب الذي هو أشهر من أن يعرف

وفيها توفي جلال الدين الحسن وهو من أولاد الحسن بن الصباح الذي تقدم ذكره صاحب الموت وكردكوه وهو مقدم الاسماعيلية وقد ذكرنا أنه كان قد اظهر شريعة الإسلام من الأذان والصلاة وولي بعده ابنه علاء الدين محمد

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.