في هذه السنة في جمادى الآخرة توفي قتادة بن ادريس العلوي ثم الحسيني امير مكة حرسها الله وكان عمره نحو سبعين سنة وكانت ولايته قد اتسعت من حدود اليمن إلى مدينة النبي وله قلعة ينبع بنواحي المدينة وكثر عسكره واستكثر من المماليك وخافه العرب في تلك البلاد خوفا عظيما وكان أول ملكه لما ملك مكة حرسها الله حسن السيرة وأزال عنها العبيد المفسدين وحمى البلاد وأحسن إلى الحجاج وأكرمهم وبقي كذلك مدة ثم إنه بعد ذلك اساء السيرة وجدد المكوس بمكة وفعل افعالا شنيعة ونهب الحاج في بعض السنين كما ذكرناه ولما مات ملك بعده ابنه الحسن وكان له ابن آخر اسمه راجح مقيم في العرب بظاهر مكة يفسد وينازع اخاه في مسلكه فلما سار حاج العراق كان الأمير عليهم مملوكا من مماليك الخليفة الناصر لدين الله اسمه اقباش وكان حسن السيرة مع الحاج في الطريق كثير الحماية فقصده راجح بن قتادة وبذل له وللخليفة مالا ليساعده على ملك مكة فأجابه إلى ذلك ووصلوا إلى مكة ونزلوا بالزاهر وتقدم إلى مكة مقاتلا لصاحبها حسن وكان حسن قد جمع جموعا كثيرة من العرب وغيرها فخرج إليه من مكة وقاتله وتقدم أمير الحاج من بين يدي عسكره منفردا وصعد الجبل إذلالا بنفسهوانه لا يقدم أحد عليه فأحاط به اصحاب حسن وقتلوه وغلقوا رأسه فانهزم عسكر امير المؤمنين واحاط حسن بالحاج لينهبوهم فأرسل اليهم حسن عمامته أمانا للحجاج فعاد اصحابه ولم ينهبوا منهم شيئا وسكن الناس وإذن لهم حسن في دخول مكة وفعل ما يريدونه من الحج والبيع وغير ذلك واقاموا بمكة عشرة ايام وعادوا فوصلوا إلى العراق سالمين وعظم الأمر على الخليفة فوصلت رسل حسن يعتذرون ويطلبون العفو عنه فأجيب إلى ذلك
وقيل في موت قتادة أن ابنه حسن خنقه فملت وسبب ذلك أن قتادة جمع جموعا كثيرة وسار عن مكة يريد المدينة فنزل بوادي الفرع وهو مريض وسير أخاه على الجيش ومعه ابنه الحسن بن قتادة فلما ابعدوا بلغ الحسن أن عمه قال لبعض الجند إن أخي مريض وهو ميت لا محالة وطلب منهم ان يحافوا له ليكون هو الأمير بعد أخيه قتادة فحضر الحسن عند عمه واجتمع إليه كثير من الأجناد والمماليك الذين لأبيه فقال الحسن لعمه قد فعلت كذا وكذا فقال لم افعل فأمر حسن الحاضرين بقتله فلم يفعلوا وقالوا أنت أمير وهذا أمير ولا نمد ايدينا إلى أحد كما قال له غلامان لقتادة نحن عبيدك فمرنا بما شئت فأمرهما أن يجعلا عمامة عمه في عنقه ففعلا ثم قتله فسمع قتادة الخبر فبلغ منه الغيظ كل مبلغ وحلف ليقتلن ابنه وكان على ما ذكرناه من المرض فكتب بعض اصحابه إلى الحسن يعرفه الحال ويقول له ابدأ به قبل ان يقتلك فعاد الحسن إلى مكة فلما وصلها قصد دار أبيه في نفر يسير فوجد على باب الدار جمعا كثيرا فأمرهم بالانصراف إلى منازلهم ففارقوا الدار وعادوا إلى مساكنهم ودخل الحسن إلى أبيه فلما رآه أبوه شتمه وبالغ في ذمه وتهديده فوثب اليه الحسن فخنقه لوقته وخرج إلى الحرم الشريف
واحضر الأشراف وقال ان أبي قد اشتد مرضه وقد أمركم ان تحلفوا لي ان اكون انا اميركم فحلفوا له ثم إنه أظهر تابوتا ودفنه ليظن الناس انه مات وكان قد دفنه سرا فلما استقرت الامارة بمكة له ارسل إلى اخيه الذي بقلعة الينبع على لسان أبيه يستدعيه وكتم موت أبيه عنه فلما حضر أخوه قتله أيضا واستقر أمره وثبت قدمه وفعل بأمير الحاج ما تقدم ذكره فارتكب عظيما قتل أباه وعمه وأخاه في أيام يسيرة لا جرم لم يمهله الله سبحانه وتعالى نزع ملكه وجعله طريدا شريدا خائفا يترقب
وقيل إن قتادة كان يقول شعرا فمن ذلك انه طلب ليحضر عند أمير الحاج كما جرت عادة أمراء مكة فامتنع فعوتب من بغداد فأجاب بأبيات شعر منها
( ولي كف ضرغام أدل ببطشها % وأشري بها بين الورى وأبيع )
( تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها % وفي سطحها للمجد بين ربيع )
( أأجعلها تحت الرحا ثم أبتغي % خلاصا لها إني إذا لرقيع )
( وما أنا إلا المسك في كل بلدة % يضوع وأما عندكم فيضيع )
