الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
55

ثم دخلت سنة سبع عشرة وستمائة

الجزء العاشر 21 عنصر صفحة 398
ذكر خروج التتر إلى بلاد الإسلام ص 398

لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك فياليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعا فنقول هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقت الأيام والليالي عن مثلها عمت الخلائق وخصت المسلمين فلو قال قائل إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها

ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بختنصر ببني إسرائيل من القتل وتخريب البيت المقدس وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس

وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إلا يخوخ ومأجوج وأما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه ويهلك من خالفه وهؤلاء لم يبقوا على أحد بل قتلوا النساء والرجال والأطفال وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة فإنا لله ولإنا اليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لهذه الحادثة التي استطار شررها وعم ضررها وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح فإن قوما خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاساغون ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند وبخاري وغيرهما فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها ملكا وتخريبا وقتلا ونهبا ثم يتجاوزونها إلى الري وهمذان وبلد الجبل وما فيه من البلاد إلى حد العراق ثم بلاد أذربيجان وأرانية ويخربونها ويقتلون أكثر أهلها ولم ينج إلا الشريد النادر في أقل من سنة هذا ما لم يسمع بمثله ثم لما فرغوا من أذربيجان وأرانية ساروا إلى دربندشروان فملكوا مدنه ولم يسلم غير القلعة التي بها ملكهم

وعبروا عندها إلى بلد اللان واللكز ومن في ذلك الصقع من الأمم المختلفة فأوسعوهم قتلا ونهبا وتخريبا ثم قصدوا بلاد قفجاق وهم من أكثر الترك عددا فقتلوا كل من وقف لهم فهرب الباقون إلى الغياض ورؤوس الجبال وفارقوا بلادهم واستولى هؤلاء التتر عليها فعلوا هذا في أسرع زمان لم يلبثوا إلا بمقدار مسيرهم لا غير ومضى طائفة أخرى غير هذه الطائفة إلى غزنة وأعمالها وما يجاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان ففعلوا فيها مثل فعل هؤلاء وأشد هذا ما لم يطرق الأسماع مثله فإن الإسكندر الذي اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة إنما ملكها في نحو عشر سنين ولم يقتل أحدا إنما رضي من الناس بالطاعة وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه وأكثره عمارة وأهلا وأعدل أهل الأرض أخلاقا وسيرة في نحو سنة ولم يبت أحد من البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائف يتوقعهم ويترقب وصولهم إليه ثم إنهم لا يحتاجون إلى ميرة ومدد يأتيهم فإنهم معهم الأغنام والبقر والخيل وغير ذلك من الدواب يأكلون لحومها لا غير وأما دوابهم التي يركبونها فإنها تحفر الأرض بحوافرها وتأكل عروق النبات لا تعرف الشعير فهم إذا نزلوا منزلا لا يحتاجون إلى شيء من خارج وأما ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها ولا يحرمون شيئا فإنهم يأكلون جميع الدواب حتى الكلاب والخنازير وغيرها ولا يعرفون نكاحا بل المرأة يأتيها غير واحد من الرجال فإذا جاء الولد لا يعرف أباه ولقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم منها هؤلاء التتر قبحهم الله أقبلوا من المشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها وستراها مشروحة متصلة إن شاء الله تعالى

ومنها خروج الفرنج لعنهم الله من المغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر وملكهم ثغر دمياط منها وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم وقد ذكرناه سنة أربع عشرة وستمائة

ومنها أن الذي سلم من هاتين الطائفتين فالسيف بينهم مسلول والفتنة قائمة على ساق وقد ذكرناه أيضا فإنا لله وإنا إليه راجعون نسأل الله أن ييسر للإسلام والمسلمين نصرا من عنده فإن الناصر والمعين والذاب عن الإسلام معدوم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال فإن هؤلاء التتر إنما استقام لهم هذا الأمر لعدم المانع وسبب عدمه أن خوارزمشاه محمدا كان قد استولى على البلاد وقتل ملوكها وأفناهم وبقي هو وحده سلطان البلاد جميعها فلما انهزم منهم لم يبق في البلاد من يمنعهم ولا من يحميها ليقضي الله أمرا كان مفعولا وهذا حين نذكر ابتداء خروجهم إلى البلاد

ذكر خروج التتر إلى تركستان وما وراء النهر وما فعلوه ص 400

في هذه السنة ظهر التتر إلى بلاد الإسلام وهم نوع كثير من الترك ومساكنهم جبال طمغاج من نحو الصين وبينها وبين بلاد الإسلام ما يزيد على ستة أشهر وكان السبب في ظهورهم أن ملكهم ويسمى بجنكزخان المعروف بتموجين كان قد فارق بلاده وسار إلى نواحي تركستان وسير جماعة من التجار والأتراك ومعهم شيء كثير من النقرة والقندر وغيرهما إلى بلاد ما وراء النهر سمرقند وبخارا ليشتروا له ثيابا للكسوة فوصلوا إلى مدينة من بلاد الترك تسمى أوترار وهي آخر ولاية خوارزمشاه وكان له نائب هناك فلما وردت عليه هذه الطائفة من التتر أرسل إلى خوارزمشاه يعلمه بوسولهم ويذكر له ما معهم من الأموال فبعث إليه خوارزمشاه يأمر بقتلهم وأخذ ما معهم من الأموال وإنفاذه إليه فقتلهم وسير ما معهم وكان شيئا كثيرا فلما وصل إلى خوارزمشاه فرقه على تجار بخارا وسمرقند وأخذ ثمنه منهم وكان بعد أن ملك ما وراء النهر من الخطا قد سد الطرق عن بلاد تركستان وما بعدها من البلاد وأن طائفة من التتر أيضا كانوا قد خرجوا قديما والبلاد للخطا فلما ملك خوارزمشاه البلاد بما وراء النهر من الخطا وقتلهم واستولى هؤلاء التتر على تركستان كاشغار وبلاساغون وغيرها وصاروا يحاربون عساكر خوارزمشاه فلذلك منع الميرة عنهم من الكسوات وغيرها وقيل في سبب خروجهم إلى بلاد الإسلام غير ذلك مما لا يذكر في بطون الدفاتر

( فكان ما كان مما لست أذكره % فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر )

فلما قتل نائب خوارزمشاه أصحاب جنكزخان أرسل جواسيس إلى جنكزخان لينظر ما هو وكم مقدار ما معه من اليزك وما يريد أن يعمل فمضى الجواسيس وسلكوا المفازة والجبال التي على طريقهم حتى وصلوا إليه فعادوا بعد مدة طويلة وأخبروه بكثرة عددهم وأنهم يخرجون عن الإحصاء وأنهم من أصبر خلق الله على القتال لا يعرفون هزيمة وأنهم يعملون ما يحتاجون إليه من السلاح بأيديهم فندم خوارزمشاه على قتل أصحابهم وأخذ أموالهم وحصل عنده فكر زائد فأحضر الشهاب الحيوفي وهو فقيه فاضل كبير المحل عنده لا يخالف ما يشير به فحضر عنده فقال له قد حدث أمر عظيم لا بد من الفكر فيه فأخذ رأيك في الذي نفعله وذاك أنه قد تحرك إلينا خصم من ناحية الترك في كثرة لا تحصى فقال له عساكرك كثيرة ونكاتب الأطراف ونجمع العساكر ويكون النفير عاما فإنه يجب على المسلمين كافة مساعدتك بالمال والنفس ثم نذهب بجميع العساكر إلى جانب سيحون وهو نهر كبير يفصل بين بلاد الترك وبلاد الاسلام فتكون هناك فإذا جاء العدو وقد سار مسافة بعيدة لقيناه ونحن مستريحون وهو وعساكره قد مسهم النصب والتعب فجمع خوارزمشاه أمراءه ومن عنده من أرباب المشورة فاستشارهم فلم يوافقوه على رأيه بل قالوا نتركهم يعبرون سيحون الينا ويسلكون هذه الجبال والمضايق فإنهم جاهلون بطرقهم ونحن عارفون بها فنقوى حينئذ عليهم ونهلكهم فلا ينجو منهم أحد فبينما الأتراك كذلك إذ ورد رسول من هذا اللعين جنكزخان معه جماعة يتهدد خوارزمشاه ويقول تقتلون أصحابي وتأخذون أموالهم استعدوا للحرب فإني واصل إليكم بجمع لا قبل لكم به

وكان جنكز خان قد سار إلى تركستان فملك كاشغار وبلاساغون وجميع البلاد وأزال عنها التتر الأولى فلم يظهر لهم خبر ولا بقي لهم أثر بل بادوا كما أصاب الخطا وأرسل الرسالة المذكورة إلى خوارزمشاه فلما سمعها خوارزمشاه أمر بقتل رسوله فقتل وأمر بحلق لحى الجماعة الذين كانوا معه وأعادهم إلى صاحبهم جنكز خان يخبرونه بما فعل بالرسول ويقولون له إن خوارزمشاه يقول لك أنا سائر إليك ولو أنك في آخر الدنيا حتى أنتقم وأفعل بك كما فعلت بأصحابك وتجهز خوارزمشاه وسار بعد الرسول مبادرا ليسبق خبره ويكبسهم فأدمن السير فمضى وقطع مسيرة أربعة أشهر فوصل إلى بيوتهم فلم ير فيها إلا النساء والصبيان والأطفال فأوقع بهم وغنم الجميع وسبى النساء والذرية وكان سبب غيبة الكفار عن بيوتهم أنهم ساروا إلى محاربة ملك من ملوك الترك يقال له كشلوخان فقاتلوه وهزموه وغنموا أمواله وعادوا فلقيهم في الطريق الخبر بما فعل خوارزمشاه بمخلفيهم فجدوا السير فأدركوه قبل أن يخرج عن بيوتهم وتصافوا للحرب واقتتلوا قتالا لم يسمع بمثله فبقوا في الحرب ثلاثة أيام بلياليها فقتل من الطائفتين ما لا يعد ولم ينهزم أحد منهم

أما المسلمون فإنهم صبروا حمية للدين وعلموا أنهم إن انهزموا لم يبق للمسلمين باقية وأنهم يؤخذون لبعدهم عن بلادهم وأما الكفار فصبروا لاستنقاذ أهليهم وأموالهم واشتد بهم الأمر حتى إن أحدهم كان ينزل عن فرسه ويقاتل قرنه راجلا ويتضاربون بالسكاكين وجرى الدم على الأرض حتى صارت الخيل تزلق من كثرته واستنقد الطائفتان وسعهم في الصبر والقتال هذا القتال جميعه مع ابن جنكيز خان ولم يحضر أبوه الوقعة ولم يشعر بها فأحصي من قتل من المسلمين في هذه الوقعة فكانوا عشرين ألفا وأما من الكفار فلا يحصى من قتل منهم فلما كان الليلة الرابعة افترقوا فنزل بعضهم مقابل بعض فلما أظلم الليل أوقد الكفار نيرتهم وتركوها بحالها وساروا وكذلك فعل المسلمون أيضا كل منهم سئم القتال فأما الكفار فعادوا إلى ملكهم جنكزخان وأما المسلمون فرجعوا إلى بخاري فاستعد للحصار لعلمه بعجزه لأن طائفة من عسكره لم يقدر خوارزمشاه على أن يظفر بهم فكيف إذا جاؤا جميعهم مع ملكهم فأمر أهل بخارى وسمرقند بالاستعداد للحصار وجمع الذخائر للامتناع وجعل في بخاري عشرين ألف فارس من العسكر يحملونها وفي سمرقند خمسين ألفا وقال لهم احفظوا البلد حتى أعود إلى خوارزم وخراسان وأجمع العساكر واستنجد بالمسلمين وأعود إليكم فلما فرغ من ذلك رحل عائدا إلى خراسان فعبر جيحون ونزل بالقرب من بلخ فعسكر هناك وأما الكفار فإنهم رحلوا بعد أن استعدوا يطلبون ما وراء النهر فوصلوا إلى بخارى بعد خمسة أشهر من وصول خوارزمشاه وحصروها وقاتلوها ثلاثة أيام قتالا شديدا متتابعا فلم يكن للعسكر الخوارزمي بهم قوة ففارقوا البلد عائدين إلى خراسان فلما أصبح أهل البلد وليس عندهم من العسكر أحد ضعفت نفوسهم فأرسلوا القاضي وهو بدر الدين قاضيخان ليطلب الأمان للناس فأعطوهم الأمان وكان قد بقي من العسكر طائفة لم يمكنهم الهرب مع أصحابهم فاعتصموا بالقلعة فلما أجابهم جنكزخان إلى الأمان فتحت أبواب المدينة يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة من سنة ست عشرة وستمائة فدخل الكفار بخارى ولم يتعرضوا إلى أحد بل قالوا لهم كل ما هو للسلطان عندكم من ذخيرة وغيره أخرجوه إلينا وساعدونا على قتال من بالقلعة وأظهروا عندهم العدل وحسن السيرة ودخل جنكزخان بنفسه وأحاط بالقلعة ونادى في البلد بأن لا يتخلف أحد ومن تخلف قتل فحضروا جميعهم فأمرهم بطم الخندق فطموه بالأخشاب والتراب وغير ذلك حتى إن الكفار كانوا يأخذون المنابر وربعات القرآن فيقلونها في الخندق فإنا لله وإنا إليه راجعون وبحق سمى الله نفسه صبورا حليما وإلا خسف بهم الأرض عند فعل مثل هذا

ثم تابعوا الزحف إلى القلعة وبها نحو أربعمائة فارس من المسلمين فبذلوا جهدهم ومنعوا القلعة اثني عشر يوما يقاتلون جمع الكفار وأهل البلد فقتل بعضهم ولم يزالوا كذلك حتى زحفوا إليهم ووصل النقابون إلى سور القلعة فنقبوه واشتد حينئذ القتال ومن بها من المسلمين يرمون بكل ما يجدون من حجارة ونار وسهام فغضب اللعين ورد أصحابه ذلك اليوم وباكرهم من الغد فجدوا في القتال وقد تعب من بالقلعة ونصبوا وجاءهم مالا قبل لهم به فقهرهم الكفار ودخلوا القلعة وقاتلهم المسلمون الذين فيها حتى قتلوا عن آخرهم فلما فرغ من القلعة أمر أن يكتب له رؤوس البلد ورؤساؤهم ففعلوا ذلك فلما عرضوا عليه أمر بإحضارهم فحضروا فقال أريد منكم النقرة التي باعكم خوارزمشاه فإنها لي ومن أصحابي أخذت وهي عندكم فأحضر كل من كان عنده شيء منها بين يديه ثم أمرهم بالخروج من البلد فخرجوا من البلد مجردين من أموالهم ليس مع أحد منهم غير ثيابه التي عليه ودخل الكفار البلد فنهبوه وقتلوا من وجدوا فيه وأحاط بالمسلمين فأمر أصحابه أن يقتسموهم فاقتسموهم وكان يوما عظيما من كثرة البكاء من الرجال والنساء والولدان وتفرقوا أيدي سبا وتمزقوا كل ممزق واقتسموا النساء أيضا وأصبحت بخارى خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس وارتكبوا من النساء العظيم والناس ينظرون ويبكون ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم شيئا مما نزل بهم فمنعهم من لم يرض بذلك واختار الموت على ذلك فقاتل حتى قتل

وممن فعل ذلك واختار أن يقتل ولا يرى ما نزل بالمسلمين الفقيه الإمام ركن الدين إمام زاده وولده فإنهما لما رأيا ما يفعل بالحرم قاتلا حتى قتلا وكذلك فعل القاضي صدر الدين خان ومن استسلم أخذ أسيرا وألقوا النار في البلد والمدارس والمساجد وعذبوا الناس بأنواع العذاب من طلب المال ثم رحلوا نحو سمرقند وقد تحققوا عجز خوارزمشاه عنهم وهم بمكانه بين ترمذ وبلخ واستصحبوا معهم من سلم من أهل بخارى أسارى فساروا بهم مشاة على أقبح صورة فكل من أعيا وعجز عن المشي قتل فلما قاربوا سمرقند قدموا الخيالة وتركوا الرجالة والأسارى والأثقال وراءهم حتى تقدموا شيئا فشيئا ليكون أرعب لقلوب المسلمين فلما رأى أهل البلد سوادهم استعظموه فلما كان اليوم الثاني وصل الأسارى والرجالة والأثقال ومع كل عشرة من الأسارى علم فظن أهل البلد أن الجميع عساكر مقاتلة وأحاطوا بالبلد وفيه خمسون ألف مقاتل من الخوارزمية وأما عامة البلد فلا يحصون كثرة فخرج إليهم شجعان أهله وأهل الجلد والقوة رجالة ولم يخرج معهم من العسكر الخوارزمي أحد لما في قلوبهم من خوف هؤلاء الملاعين فقاتلهم الرجالة بظاهر البلد فلم يزل التتر يتأخرون وأهل البلد يتبعوهم ويطمعون فيهم وكان الكفار قد كمنوا لهم كمينا فلما جاوزوا الكمين خرجوا عليهم وحالوا بينهم وبين البلد ورجع الباقون الذين أنشبوا القتال أولا فبقوا في الوسط وأخذهم السيف من كل جانب فلم يسلم منهم أحد قتلوا عن آخرهم شهداء رضي الله عنهم وكانوا سبعين ألفا على ما قيل فلما رأى الباقون من الجند والعامة ذلك ضعفت نفوسهم وأيقنوا بالهلاك فقال الجند وكانوا أتراكا نحن من جنس هؤلاء ولا ويقتلوننا فطلبوا الأمان فأجابوهم إلى ذلك ففتحوا أبواب البلد ولم يقدر العامة على منعهم وخرجوا إلى الكفار بأهليهم وأموالهم فقال لهم الكفار ادفعوا إلينا سلاحكم وأموالكم ودوابكم ونحن نسيركم إلى مأمنكم ففعلوا ذلك فلما أخذوا أسلحتهم ودوابهم وضعوا السيف فيهم وقتلوهم عن آخرهم وأخذوا أموالهم ودوابهم ونساءهم فلما كان اليوم الرابع نادوا في البلد أن يخرج أهله جميعهم ومن تأخر قتلوه فخرج جميع الرجال والنساء والصبيان ففعلوا مع أهل بخارى من النهب والقتل والسبي والفساد ودخلوا البلد فنهبوا ما فيه وأحرقوا الجامع وتركوا باقي البلد على حاله وافتضوا الأبكار وعذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المال وقتلوا من لم يصلح للسبي وكان ذلك في المحرم سنة سبع عشرة وستمائة وكان خوارزمشاه بمنزلته كلما اجتمع إليه عسكر سيره إلى سمرقند فيرجعون ولا يقدمون على الوصول إليها نعوذ بالله من الخذلان سير مرة عشرة آلاف فارس فعادوا وسير عشرين ألفا فعادوا أيضا

ذكر مسير التتر إلى خوارزمشاه وانهزامه وموته ص 405

لما ملك الكفار سمرقند عمد جنكزخان لعنه الله وسير عشرين ألف فارس وقال لهم اطلبوا خوارزمشاه أين كان ولو تعلق بالسماء حتى تدركوه وتأخذوه وهذه الطائفة تسميها التتر المغربة لأنها سارت نحو غرب خراسان ليقع جنكزخان بالمسير ساروا وقصدوا موضعا يسمى فنجاب ومعناه خمس مياه فوصلوا إليه فلم يجدوا هناك سفينة فعملوا من الخشب مثل الأحواض الكبار وألبسوها جلود البقر لئلا يدخلها الماء ووضعوا فيها سلاحهم وأمتعتهم وألقوا الخيل في الماء وأمسكوا أذنابها وتلك الحياض التي من الخشب مشدودة إليهم فكان الفرس يجذب الرجل والرجل يخذب الحوض المملوء من السلاح وغيره فعبروا كلهم دغعة واحدة فلم يشعر خوارزمشاه إلا وقد صاروا معه على أرض واحدة وكان المسلمون قد ملئوا منهم رعبا وخوفا وقد اختلفوا فيما بينهم أنهم كانوا يتماسكون بسبب ان نهر جيحون بينهم فلما عبروه إليهم لم يقدروا على الثبات ولا على المسير مجتمعين بل تفرقوا أيدي سبا وطلب كل طائفة منهم جهة ورحل خوارزمشاه لا يلوي على شيء في نفر من خاصته وقصدوا نيسابور فلما دخلها اجتمع عليه بعض العسكر فلم يستقر حتى وصل أولئك التتر إليها وكانوا لم يتعرضوا في مسيرهم لشيء لا بنهب ولا قتل بل يجدون السير في طلبه لا يمهلون حتى يجمع لهم فلما سمع بقربهم منه رحل إلى مازندران وهي له أيضا فرحل التتر المغربون في أثره ولم يعرجوا على نيسابور بل تبعوه فكان رحل عن منزلة نزلوها فوصل إلى مرسى من بحر طبرستان تعرف باب سكون وله هناك قلعة في البحر فلما نزل هو وأصحابه في السفن وصلت التتر فلما رأوا خوارزمشاه وقد دخل البحر وقفوا على ساحل البحر فلما أيسوا من لحاق خوارزمشاه رجعوا فهم الذين قصدوا الري وما بعدها على ما نذكره إن شاء الله هكذا لي بعض الفقهاء ممن كان ببخارى وأسروه معهم إلى سمرقند ثم نجا منهم ووصل إلينا وذكر غيره من التجار أن خوارزم شاه سار من مازندران حتى وصل إلى الري ثم منها إلى همذان والتتر أثره ففارق همذان في نفر يسير جريدة ليستر نفسه ويكتم خبره وعاد إلى مازندران وركب في البحر إلى هذه القلعة وكان هذا هو الصحيح فإن الفقيه كان حينئذ مأسورا وهؤلاء التجار أخبروا أنهم كانوا بهمذان ووصل خوارزمشاه ثم وصل بعده من أخبره بوصول التتر ففارق همذان وكذلك أيضا هؤلاء التجار فارقوها ووصل التتر إليها بعدهم ببعض نهارفهم يخبرون عن مشاهدة ولما وصل خوارزمشاه إلى هذه القلعة المذكورة توفي فيها

ذكر صفة خوارزمشاه وشيء من سيرته ص 406

هو علاء الدين محمد بن علاء الدين تكش وكان مدة ملكه أحدى وعشرين سنة وشهورا تقريبا واتسع ملكه وعظم محله وأطاعه العالم بأسره ولم يملك بعد السلجوقية أحد مثل ملكه فإنه ملك من حد العراق إلى تركستان وملك بلاد غزنة وبعض الهند وملك سجستان وكرمان وطبرستان وجرجان وبلاد الجبال وخراسان وبعض فارس وفعل بالخطا الأفاعيل العظيمة وملك بلادهم وكان فاضلا عالما بالفقه والأصول وغيرهما وكان مكرما للعلماء محبا لهم محسنا إليهم يكثر مجالستهم ومناظراتهم بين يديه وكان صبورا على التعب وإدمان السير غير متنعم ولا مقبل على اللذات إنما همه في الملك وتدبيره وحفظه وحفظ رعاياه وكان معظما لأهل الدين مقبلا عليهم متبركا بهم

حكى لي بعض خدم حجرة النبي وقد عاد من خراسان قال وصلت إلى خوارزم فنزلت ودخلت الحمام ثم قصدت باب السلطان علاء الدين فحين حضرت لقيني إنسان فقال ما حاجتك فقلت له أنا من خدم حجرة النبي فأمرني بالجلوس وانصرف عني ثم عاد إلي واخذني إلى دار السلطان فتسلمني منه حاجب من حجاب السلطان وقال لي قد اعلمت السلطان خبرك فأمر بإحضارك عنده فدخلت اليه وهو جالس في صدر إيوان كبير فحين توسطت صحن الدار قام قائما ومشى إلي بين يدي فأسرعت السير فلقيته في وسط الايوان فأردت ان اقبل يده فمنعني واعتنقني وجلس وأجلسني إلى جانبه وقال لي أنت تخدم حجرة النبي فقلت نعم فأخذ يدي وأمرها على وجهه وسألني عن حالنا وعيشنا وصفة المدينة ومقدارها وأطال الحديث معي فلما خرجت من عنده قال لولا أننا على عزم السفر هذه الساعة لما ودعتك إنما نريد أن نعبر جيحون إلى الخطا وهذا طريق مبارك حيث رأينا من خدم حجرة النبي ثم ودعني وأرسل إلي جملة كثيرة من النفقة ومضى وكان منه ومن الخطا ما ذكرناه وبالجملة فاجتمع فيه ما تفرق في غيره من ملوك العالم رحمه الله ولو اردنا ذكر مناقبه لطال

ذكر استيلاء التتر المغربة على مازندران ص 407

لما أيس التتر المغربة من إدراك خوارزمشاه عادوا فقصدوا بلاد مازندران فملكوها في أسرع وقت مع حصانتها وصعوبة الدخول اليها وامتناع قلاعها فإنها لم تزل ممتنعة قديم الزمان وحديثه حتى إن المسلمين لما ملكوا بلاد الاكاسرة جميعها من العراق إلى أقاصي خراسان بقيت اعمال مازندران يؤخذ منهم الخراج ولا يقدرون على دخول البلاد إلى ان ملكت أيام سليمان بن عبد الملك سنة تسعين وهؤلاء الملاعين ملكوها صفوا عفوا لأمر يريده الله تعالى ولما ملكوا بلد مازندران قتلوا وسبوا ونهبوا وأحرقوا البلاد ولما فرغوا من مازندران سلكوا نحو الري فرأوا في الطريق والدة خوارزمشاه ونساءه وأموالهم وذخائرهم التي لن يسمع بمثلها من الاعلاق النفيسة وكان سبب ذلك أن والدة خوارزمشاه لما سمعت بما جرى على ولدها خافت ففارقت خوارزم وقصدت نحو الري لتصل إلى أصفهان وهمذان وبلد الجبل تمتنع فيها فصادفوها في الطريق وما معها قبل وصولها إلى الري فكان فيه ما ملأ عيونهم وقلوبهم وما لم يشاهد الناس مثله من كل غريب من المتاع ونفيس من الجواهر وغير ذلك وسيروا الجميع إلى جنكزخان بسمرقند

ذكر وصول التتر إلى الري وهمذان ص 408

في سنة سبع عشرة وستمائة وصل التتر لعنهم الله إلى الري في طلب خوارزمشاه محمد لأنهم بلغهم أنه مضى منهزما منهم نحو الري فجدوا السير في أثره وقد انضاف إليهم كثير من عساكر المسلمين والكفار وكذلك ايضا من المفسدين من يريد النهب والشر فوصلوا إلى الري على حين غفلة من اهلها فلم يشعروا إلا وقد وصلوا اليها وملكوها ونهبوها وسبوا الحريم واسترقوا الأطفال وفعلوا الأفعال التي لم يسمع بمثلها ولم يقيموا ومضوا مسرعين في طلب خوارزمشاه فنهبوا في طريقهم كل مدينة وقرية مروا عليها وفعلوا في الجميع اضعاف ما فعلوا في الري وأحرقوا وخربوا ووضعوا السيف في الرجال والنساء والأطفال فلم يبقوا على شيء وتموا على حالهم إلى همذان وكان خوارزمشاه قد وصل اليها في نفر من اصحابه ففارقها وكان آخر العهد به فلا يدرى ما كان منه فيما حكاه بعضهم عنه وقيل غير ذلك وقد ذكرناه فلما قاربوا همذان خرج وئيسها ومعه الحمل من الأموال والثياب والدواب وغير ذلك يطلب الأمان لأهل البلد فأمنوهم ثم فارقوها وساروا إلى زنجان ففعلوا أضعاف ذلك ثم وصلوا إلى قزوين فاعتصم أهلها منهم بمدينتهم فقاتلوهم وجدوا في قتالهم ودخلوها عنوة بالسيف فاقتتلوا هم وأهل البلد في باطنه حتى صاروا يقتتلون بالسكاكين فقتل من الفريقين ما لا يحصى ثم فارقوا قزوين فعد القتلى من أهل قزوين فزادوا على أربعين الف قتيل

ذكر وصول التتر إلى أذربيجان ص 408

لما هجم الشتاء على التتر في همذان وبلد الجبل رأوا بردا شديدا وثلجا متراكما فساروا إل أذربيجان ففعلوا في طريفهم بالقرى والمدن الصغار من القتل والنهب مثل ما تقدم منهم وخربوا وأحرقوا ووصلوا إلى تبريز وبها صاحب أذربيجان اوزبك بن البهلوان فلم يخرج إليهم ولا حدث نفسه بقتالهم لاشغاله بما هو بصدده من إدمان الشرب ليلا ونهارا لا يفيق وإنما أرسل إليهم وصالحهم على مال وثياب ودواب وحمل الجميع إليهم فساروا من عنده يريدون ساحل البحر لأنه يكون قليل البرد ليشتوا عليه والمراعي به كثيرة لأجل جوابهم فوصلوا إلى موفان وتطرفوا في طريقهم إلى بلاد الكرج فجاء اليهم من الكرج جمع كثير من العسكر نحو عشرة آلاف مقاتل فقاتلوهم فانهزمت الكرج وقتل أكثرهم وأرسل الكرج إلى اوزبك صاحب أذربيجان يطلبون منه الصلح والاتفاق معهم على دفع التتر فاصطلحوا ليجتمعوا اذا انحسر الشتاء وكذلك ارسلوا إلى الملك الأشرف بن الملك العادل صاحب خلاط وبديار الجزيرة يطلبون منه الموافقة عليهم وظنوا جميعهم ان التتر يصبرون في الشتاء إلى الربيع فلم يفعلوا كذلك بل تحركوا وساروا نحو بلاد الكرج

وانضاف اليهم مملوك تركي من مماليك اوزبك اسمه أقوش وجمع أهل تلك الجبال والصحراء من التركمان والأكراد وغيرهم فاجتمع معهم خلق كثير وراسل التتر في الانضمام اليهم فأجابوه إلى ذلك ومالوا اليه للجنسية فاجتمعوا وساروا في مقدمة التتر إلى الكرج فملكوا حصنا من حصونهم وخربوه ونهبوا البلاد وخربوها وقتلوا أهلها ونهبوا أموالهم حتى وصلوا إلى قريب تفليس فاجتمعت الكرج وخرجت بحدها وحديدها إليهم فلقيهم أقوش أولا فيمن اجتمع إليه فاقتتلوا قتالا شديدا صبروا فيه كلهم فقتل من اصحاب اقوش خلق كثير وأدركهم التتر وقد تعب الكرج من القتال فقتل منهم أيضا كثير فلم يثبتوا للتتر وتهزموا أقبح هزيمة وركبهم السيف من كل جانب فقتل منهم ما لا يحصى كثرة وكانت الوقعة في ذي القعدة من هذه السنة ونهبوا من البلاد ما كان سلم منهم ولقد جرى لهؤلاء التتر ما لم يسمع بمثله من قديم الزمان وحديثه طائفة تخرج من حدود الصين لا تنقضي عليهم سنة حتى يصل بعضهم إلى بلاد ارمينية من هذه الناحية ويجاوزون العراق من ناحية همذان وتالله لا اشك ان من يجيء بعدنا اذا بعد العهد ويرى هذه الحادثة مسطورة ينكرها ويستبعدها والحق بيده فمتى استبعد ذلك فلينظر أنا سطرنا نحن وكل من جمع التاريخ في ازماننا هذه في وقت كل من فيه يعلم هذه الحادثة استوى في معرفتها العالم والجاهل لشهرتها يسر الله للمسلمين والاسلام من يحفظهم ويحوطهم فلقد دفعوا من العدو إلى عظيم ومن الملكوك المسلمين إلى من لا تتعدى همته بطنه وفرجه ولم ينل المسلمين اذى وشدة مذ جاء النبي إلى هذا الوقت مثل ما دفعوا إليه الآن هذا العدو الكافر التتر قد وطؤوا بلاد ما وراء النهر وملكوها وخربوها وناهيك به سبعة بلاد وتعدت طائفة منهم النهر إلى خراسان فملكوها وفعلوا مثل ذلك ثم إلى الري وبلد الجبل وأذربيجان وقد اتصلوا بالكرج فغلبوهم على بلادهم والعدو الآخر الفرنج قد ظهر من بلادهم في لقصى بلاد الروم بين الغرب والشمال ووصلوا إلى مصر فملكوا مثل دمياط وأقاموا فيها ولم يقدر المسلمون على ازعاجهم عنها ولا إخراجهم منها وباقي ديار مصر على خطر فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

ومن اعظم الامور على المسلمين ان سلطانهم خوارزمشاه محمدا قد عدم لا يعرف حقيقة خبره فتارة يقال مات عن همذان وأخفي موته وتارى دخل اطراف بلاد فارس ومات هناك وأخفى موته لئلا يقصدها التتر في اثره وتارة يقال عاد إلى طبرستان وركب البحر فتوفي في جزيرة هناك وبالجملة فقد عدم ثم صح موته ببحر طبرستان وهذا عظيم مثل خراسان وعراق العجم اصبح سائبا لا مانع له ولا سلطان يدفع عنه والعدو يجوس البلاد يأخذ ما أراد ويترك ما أراد على انهم لم يبقوا على مدينة إلا خربوها وكل ما مروا عليه نهبوه وما لا يصلح لهم احرقوه فكانوا يجمعون الإبريسم تلالا ويلقون فيه النار وكذلك غيره من الامتعة

ذكر ملك التتر مراغة ص 410

في صفر سنة ثمان عشر وستمائة ملك التتر مدينة مراغة من أذربيجان وسبب ذلك اننا ذكرنا سنة سبع عشرة وستمائة ما فعله التتر بالكرج وانقضت تلك السنة وهم في بلاد الكرج فلما دخلت سنة ثمان عشرة وستمائة ساروا من ناحية الكرج لأنهم رأوا أن بين أيديهم شوكة قوية ومضايق تحتاج إلى قتال وصراع فعدلوا عنهم وهذه كانت عادتهم إذا قصدوا مدينة ورأوا عندها امتناعا عدلوا عنها فوصلوا إلى تبريز وصانعهم صاحبها بمال وثياب ودواب فساروا عنه إلى مدينة مراغة فحصروها وليس بها صاحب يمنعها لأن صاحبها كانت امرأة وهي مقيمة بقلعة رويندز وقد قال النبي لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة فلما حصروها قاتلهم أهلها فنصبوا عليها المجانيق وزحفوا اليها وكانت عادتهم اذا قاتلوا مدينة قدموا من معهم من أسارى المسلمين بين ايديهم يزحفون ويقاتلون فإن عادوا قتلوا فكانوا يقتلون كرها وهم المساكين كما قيل كالاشقر إن تقدم ينحر وإن تأخر يعقر وكانوا هم يقاتلون وراء المسلمين فيكون القتل في المسلمين الأسارى وهم بنجوة منه فأقاموا عليها عدة أيام ثم ملكوا المدينة عنوة وقهرا رابع صفر ووضعوا السيف في أهلها فقتل منهم ما يخرج عن الحد والاحصاء ونهبوا كل ما صلح لهم وما لا يصلح لهم واحرقوه واختفى بعض الناس منهم فكانوا يأخذون الأسارى ويقولون لهم نادوا في الدروب ان التتر قد رحلوا فإذا نادى أولئك خرج من اختفى فيؤخذ ويقتل

وبلغني أن امرأة من التتر دخلت دارا وقتلت جماعة من أهلها وهم يظنونها رجلا فوضعت السلاح وإذا هي امرأة فقتلها رجل اخذته اسيرا

وسمعت من بعض أهلها ان رجلا من التتر دخل فيه مائة رجل فما زال يقتلهم واحدا واحدا حتى أفناهم ولم يمد أحد يده اليه بسوء ووضعت الذلة على الناس فلا يدفعون عن نفوسهم قليلا ولا كثيرا نعوذ بالله من الخذلان ثم رحلوا عنها نحو مدينة إربل ووصل الخبر إلينا بذلك بالموصل فخفنا حتى إن بعض الناس هم بالجلاء خوفا من السيف وجاءت كتب مظفر الدين صاحب إربل إلى بدر الدين صاحب الموصل يطلب منه نجدة من العساكر فسير جمعا صالحا من عسكره وأراد ان يمضي إلى طرف بلاده من جهة التتر ويحفظ المضايق لئلا يجوزها أحد فإنها جميعها جبال وعرة ومضايق لا يقدر أن يجوزها إلا الفارس بعد الفارس ويمنعهم من الجواز إليه ووصلت كتب الخليفة ورسله إلى الموصل والى مظفر الدين يأمر الجميع بالاجتماع مع عساكره بمدينة دقوقا ليمنعوا التتر فإنهم ربما عدلوا عن جبال إربل لصعوبتها إلى هذه الناحية ويطرقون العراق فسار مظفر الدين من إربل في صفر وسار إليهم جمع من عسكر الموصل وتبعهم من المتطوعة كثير وأرسل الخليفة ايضا إلى الملك الأشرف يأمره بالحضور بنفسه في عسكره ليجتمع الجميع على قصد التتر وقتالهم فاتفق ان الملك المعظم بن الملك العادل وصل من دمشق إلى أخيه الأشرف وهو بحران يستنجده على الفرنج الذين بمصر وطلب منه ان يحضر بنفسه ليسيروا كلهم إلى مصر ليستنقذوا دمياط من الفرنج فاعتذر إلى الخليفة بأخيه وقوة الفرنج وإن لم يتداركها خرجت هي وغيرها وشرع يتجهز للسير إلى الشام ليدخل مصر وكان ما ذكرناه من استنقاذ دمياط فلما اجتمع مظفر الدين والعساكر بدقوقا سير الخليفة اليهم مملوكه قشتمر وهو اكبر امير بالعراق ومعه غيره من الأمراء في نحو ثمانمائة فارس فاجتمعوا هناك ليتصل بهم باقي عسكر الخليفة وكان المقدم على الجميع مظفر الدين فلما رأى قلة العسكر لم يقدر على قصد التتر

وحكى مظفر الدين قال لما أرسل إلي الخليفة في معنى التتر قلت له إن العدو قوي وليس لي من العسكر ما ألقاه به فإن اجتمع معي عشرة آلاف فارس استنقذت ما أخذ من البلاد فأمرني بالمسير وواعدني بوصول العسكر فلما سرت لم يحضر عندي غير عدد لم يبلغوا ثمانمائة طواشي فأقمت وما رأيت المخاطرة بنفسي وبالمسلمين ولما سمع التتر باجتماع العساكر لهم رجعوا القهقرى ظنا منهم ان العسكر يتبعهم فلما لم يروا أحدا يطلبهم أقاموا وأقام العسكر الاسلامي عند دقوقا فلما لم يروا ان العدو يقصدهم ولا المدد يأتيهم تفرقوا وعادوا إلى بلادهم

ذكر ملك التتر همذان وقتل أهلها ص 412

لما تفرق العسكر الإسلامي عاد التتر إلى همذان فنزلوا بالقرب منها وكان لهم بها شحنة يحكم فيها فأرسلوا إليه يأمرونه ليطلب من اهلها مالا وثيابا وكانوا قد استنفدوا أموالهم في طول المدة وكان رئيس همذان شريفا علويا وهو من بيت رياسة قديمة لهذه المدينة وهو الذي يسعى في امور اهل البلد مع التتر ويوصل إليهم ما يجمعه من الأموال فلما طلبوا الآن منهم المال لم يجد أهل همذان ما يحملونه إليهم فحضروا عند الرئيس ومعه انسان فقيه قد قام في اجتماع الكلمة على الكفار قياما مرضيا فقالوا لهما هؤلاء الكفار قد افنوا اموالنا ولم يبق لنا ما نعطيهم وقد هلكنا من أخذهم اموالنا وما يفعله النائب عنهم بنا من الهوان وكانول قد جعلوا بهمذان شحنة لهم يحكم في اهلها بما يختاره فقال الشريف إذا كنا نعجز عنهم فكيف الحيلة فليس لنا إلا مصانعتهم بالأموال فقالوا له أنت أشد علينا من الكفار وغلظوا له في القول

فقال أنا واحد منكم فاصنعوا ما شئتم فأشار الفقيه بإخراج شحنة التتر من البلد والامتناع فيه ومقاتلة التتر فوثب العامة على الشحنة فقتلوه وامتنعوا في البلد فتقدم التتر اليهم وحصروهم

وكانت الأقوات متعذرة في تلك البلاد جميعها لخرابها وقتل أهلها وجلاء من سلم منهم فلا يقدر أحد على الطعام إلا قليلا وأما التتر فلا يبالون لعدم الأقوات لأنهم لا يأكلون إلا اللحم ولا تأكل دوابهم إلا نبات الأرض حتى إنها تحفر بحوافرها الأرض عن عروق النبات فتأكلها فلما حصروا همذان قاتلهم أهلها والرئيس والفقيه في أوائلهم فقتل من التتر خلق كثير وجرح الفقيه عدة جراحات وافترقوا ثم خرجوا من الغد فاقتتلوا أشد من القتال الأول وقتل أيضا من التتر اكثر من اليوم الأول وجرح الفقيه ايضا عدة جراحات وهو صابر وأرادوا ايضا الخروج في اليوم الثالث فلم يطق الفقيه الركوب وطلب الناس الرئيس العلوي فلم يجدوه وكان قد هرب في سرب صنعه إلى ظاهر البلد هو وأهله إلى قلعة هناك جبل عال فامتنع فيها فلما فقده الناس بقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون إلا أنهم اجتمعت كلمتهم على القتال إلى ان يموتوا فأقاموا في البلد ولم يخرجوا منه وكان التتر قد عزموا على الرحيل لكثرة من قتل منهم فلما لم يروا أحدا خرج إليهم من البلد طمعوا واستدلوا على ضعف أهله فقصدوهم وقاتلوهم في رجب من سنة ثمان عشرة وستمائة ودخلوا المدينة بالسيف وقاتلهم الناس في الدروب فبطل السلاح للزحمة واقتتلوا بالسكاكين فقتل من الفريقين ما لا يحصيه إلا الله تعالى وقوي التتر على المسلمين فأفنوهم قتلا ولم يسلم الا من كان عمل له نفقا يختفي فيه وبقي القتل في المسلمين عدة أيام ثم ألقوا النار في البلد فأحرقوه ورحلوا عنها إلى مدينة أردويل

وقيل كان السبب في ملكها أن اهل البلد شكوا إلى الرئيس الشريف ما يفعل بهم الكفار أشار عليهم بمكاتبة الخليفة لينفذ اليهم عسكرا مع أمير يجمع كلمتهم فاتفقوا على ذلك فكتب إلى الخليفة ينهي إليه ما هم عليه من الخوف والذل وما يركبهم به العدو من الصغار والخزي ويطلب نجدة ولو ألف فارس من أمير يقاتلون معه ويجتمعون عليه فلما سار القصاد بالكتب أرسل بعض من علم بالحال إلى التتر يعلمهم ذلك فأرسلوا إلى الطريق فأخذوهم واخذوا الكتب منهم وأرسلوا إلى الرئيس ينكرون عليه الحال فجحد فأرسلوا اليه كتبه والجماعة فسقط في أيديهم وتقدم اليهم التتر حينئذ وقاتلوهم وجرى في القتال كما ذكرنا

ذكر مسير التتر إلى اذربيجان وملكهم أردويل وغيرهم ص 413

لما فرغ التتر من همذان ساروا إلى اذربيجان فوصلوا إلى اردويل فملكوها وقتلوا فيها واكثروا وخربوا أكثرها وساروا منها إلى تبريز وكان قد قام بأمرها شمس الدين الطغرائي وجمع كلمة أهلها وقد فارقها صاحبها أوزبك بن البهلوان وكان أميرا مختلفا لا يزال منهمكا في الخمر ليلا ونهارا يبقى الشهر والشهرين لا يظهر وإذا سمع هيعة طار مجفلا لها وله جميع أذربيجان وأران وهو اعجز خلق الله عن البلاد من عدو يريدها ويقصدها فلما سمع بمسير التتر من همذان فارق هو تبريز وقصد نقجوان وسير أهله ونساءه إلى خوى ليبعد عنهم فقام هذا الطغرائي بأمر البلد وجمع الكلمة وقوى نفوس الناس على الامتناع وحذرهم عاقبة التخاذل والتواني وحصن البلد بجهده وطاقته فلما قاربه التتر وسمعوا بما أهل البلد عليه من اجتماع الكلمة على قتالهم وانهم قد حصنوا المدينة واصلحوا اسوارها وخندقها ارسلوا يطلبون منهم مالا وثيابا فاستقر الأمر بينهم على قدر معلوم من ذلك فسيروه إليهم فأخذوه ورحلوا إلى ما مروا به من البلاد والقرى وخربوا وقتلوا من ظفروا به من أهلها فلما وصلوا إلى بيلقان حصروها فاستدعى اهلها منهم رسولا يقرون معه الصلح فأرسلوا إليهم رسولا من أكابرهم ومقدمهم فقتله أهل البلد فزحف التتر اليهم وقاتلوهم ثم إنهم ملكوا البلد عنوة في شهر رمضان سنة ثمان عشرة ووضعوا السيف فلم يبقوا على صغير ولا كبير ولا امرأة حتى إنهم يشقون بطون الحبالى ويقتلون الاجنة وكانوا يفجرون بالمرأة ثم يقتلونها وكان الانسان منهم يدخل الدرب فيه الجماعة فيقتلهم واحدا بعد واحد حتى يفرغ من الجميع لا يمد أحد منهم اليه يدا فلما فرغوا منها استقصوا ما حولها من النهب والتخريب وساروا إلى مدينة كنجة وهي أم بلاد أران فعلموا بكثرة أهلها وشجاعتهم لكثرة دربتهم بقتال الكرج وحصانتها فلم يقدموا عليها فأرسلوا إلى اهلها يطلبون منهم المال والثياب فحملوا إليهم ما طلبوا فساروا عنهم

ذكر وصول التتر إلى بلاد الكرج ص 414

لما فرغ التتر من بلاد المسلمين بأذربيجان وأران بعضه بالملك وبعضه بالصلح وساروا إلى بلاد الكرج من هذه الأعمال أيضا وكان الكرج قد اعدوا لهم واستعدوا وسيروا جيشا كثيرا إلى طرف بلادهم ليمنعوا التتر عنها فوصل إليهم التتر فالتقوا فلم يثبت الكرج بل ولوا منهزمين فأخذهم السيف فلم يسلم منهم الا الشريد ولقد بلغني أنهم قتل منهم نحو ثلاثين ألفا ونهبوا ما وصلوا اليه من بلادهم وخربوها وفعلوا بها ما هو عادتهم فلما وصل المنهزمون إلى تفليس وبها ملكهم جمع جموعا اخرى وسيرهم إلى التتر ايضا ليمنعوهم من توسط بلادهم فرأوا التتر وقد دخلوا البلاد لم يمنعهم جبل ولا مضيق ولا غير ذلك فلما رأوا فعلهم عادوا إلى تفليس فأخلوا البلاد ففعل التتر فيها ما أرادوا من النهب والقتل والتخريب ورأوا بلادا كثيرة المضايق والدربندات فلم يتجاسروا على الوغول فيها فعادوا عنها وداخل الكرج منهم خوف عظيم حتى سمعت عن بعض اكابر الكرج وكان قدم رسولا انه قال من حدثكم ان التتر انهزموا وأسروا فلا تصدقوه واذا حدثتم انهم قتلوا فصدقوا فإن القوم لا يفرون أبدا ولقد اخذنا أسيرا منهم فألقى نفسه من الدابة وضرب رأسه بالحجر إلى ان مات ولم يسلم نفسه للأسرة

ذكر وصولهم إلى دربند شروان وما فعلوه ص 415

لما عاد التتر من بلد الكرج قصدوا دربندشروان فحصروا مدينة شماخي وقاتلوا اهلها فصبروا على الحصر ثم ان التتر صعدوا سورها بالسلاليم وقيل بل جمعوا كثيرا من الجمال والبقر والغنم وغير ذلك ومن قتلى الناس منهم وممن قتل من غيرهم والقوا بعضه فوق بعض فصار مثل الغل وصعدوا عليه فأشرفوا على المدينة وقاتلوا اهلها فصبروا واشتد القتال ثلاثة أيام فأشرفوا على أن يؤخذوا فقالوا السيف لا بد منه فالصبر اولى بنا نموت كراما فصبروا تلك الليلة فأنتنت تلك الجيف وانهضمت فلم يبق للتتر على السور استعلاء ولا تسلط على الحرب فعاودوا الزحف وملازمة القتال فضجر اهلها ومسهم التعب والكلال والاعياء فضعفوا فملك التتر البلد وقتلوا فيه كثيرا ونهبوا الأموال واستباحوها فلما فرغوا منه ارادوا عبور الدربند فلم يقدروا على ذلك فأرسلوا رسولا إلى شروان شاه ملك دربندشروان يقولون له ليرسل إليهم رسولا يسعى بينهم في الصلح فأرسل عشرة رجال من أعيان اصحابه فأخذوا احدهم فقتلوه ثم قالوا للباقين إن أنتم عرفتمونا طريقا نعبر فيه فلكم الأمان وإن لم تفعلوا قتلناكم كما قتلنا هذا فقالوا لهم ان هذا الدربند ليس فيه طريق البتة ولكن فيه موضع هو اسهل ما فيه من الطرق فساروا معهم إلى ذلك الطريق فعبروا فيه وخلفوه وراء ظهورهم

ذكر ما فعلوه باللان وقفجاق ص 415

لما عبر التتر دربند شروان ساروا في تلك الأعمال وفيها أمم كثيرة منهم اللان واللكز وطوائف من الترك فنهبوه وقتلوا من اللكز كثيرا وهم مسلمون وكفار وأوقعوا بمن عداهم من أهل تلك البلاد ووصلوا إلى اللان وهم أمم كثيرة وقد بلغهم خبرهم فجدوا وجمعوا عندهم جمعا من قفجان فقاتلوهم فلم تظفر احدى الطائفتين بالأخرى فأرسل التتر إلى قفجاق يقولون نحن وأنتم جنس واحد وهؤلاء اللان ليسوا منكم حتى تنصروهم ولا دينكم مثل دينهم ونحن نعاهدكم اننا لا نعترض إليكم ونحمل اليكم من الأموال والثياب ما شئتم وتتركون بيننا وبينهم فاستقر الأمر بينهم على مال حملوه وثياب وغير ذلك فحملوا إليهم ما استقر وفارقهم قفجاق فأوقع التتر باللان فقتلوا منهم وأكثروا ونهبوا وسبوا وساروا إلى قفجاق وهم آمنون متفرقون لما استقر بينهم من الصلح فلم يسمعوا بهم إلا وقد طرقوهم ودخلوا بلادهم فأوقعوا بهم الأول فالأول وأخذوا منهم أضعاف ما حملوا إليهم وسمع من كان بعيد الدار من قفجان الخبر ففروا من غير قتال وأبعدوا وبعضهم اعتصم بالغياض وبعضهم بالجبال وبعضهم لحق ببلاد الروس وأقام التتر في بلاد قفجان وهي أرض كثيرة المراعي في الشتاء والصيف وفيها اماكن باردة في الصيف كثيرة المرعى وأماكن حارة في الشتاء كثيرة المرعى وهي غياض على ساحل البحر ووصلوا إلى مدينة سوادق وهي مدينة قفجاق التي منها مادتهم فإنها على بحر حزرية والمراكب تصل إليها وفيها الثياب فتشتري منهم وتبيع عليهم الجواري والمماليك والبرطاسي والقندر والسنجاب وغير ذلك مما هو في بلادهم وبحر خزرية هذا بحر متصل بخليج القسطنطينية ولما وصل التتر إلى سوادق ملكوها وتفرق اهلها منها فبعضهم صعد الجبال بأهله وماله وبعضهم ركب البحر وسار إلى بلاد الروم التي بيد المسلمين من أولاد قلج أرسلان

ذكر ما فعله التتر قفجاق والروس ص 416

لما استولى التتر على ارض قفجاق كما ذكرنا سار طائفة كثيرة منهم إلى بلاد الروس وهي بلاد كثيرة طويلة عريضة تجاورهم وأهلها يدينون بالنصرانية فلما وصلوا إليهم اجتمعوا كلهم واتفقت كلمتهم على قتال التتر ان قصدوهم وأقام التتر بأرض قفجاق مدة ثم انهم ساروا سنة عشرين وستمائة إلى بلاد الروس فسمع الروس وقفجان خبرهم وكانوا مستعدين لقتالهم فساروا إلى طريق التتر ليلقوهم قبل ان يصلوا إلى بلادهم ليمنعوهم عنها فبلغ مسيرهم التتر فعادوا على اعقابهم راجعين فطمع الروس وقفجاق فيهم وظنوا انهم عادوا خوفا منهم وعجزا عن قتالهم فجدوا في اتباعهم ولم يزل التتر راجعين واولئك يقفون اثرهم اثني عشر يوما ثم ان التتر عطفوا على الروس وقفجان فلم يشعروا بهم الا وقد لقوهم على غرة منهم لأنهم كانوا قد أمنوا التتر واستشعروا القدرة عليهم فلم يجتمعوا للقتال الا وقد بلغ التتر منهم مبلغا عظيما فصبر الطائفتان صبرا لم يسمع بمثله ودام القتال بينهم عدة ايام ثم إن التتر ظفروا واستظهروا فانهزم قفجان والروس هزيمة عظيمة بعد ان اثخن فيهم التتر وكثر القتل في المنهزمين فلم يسلم منهم الا القليل ونهب جميع ما معهم ومن سلم وصل إلى البلاد على أقبح صورة لبعد الطريق والهزيمة وتبعهم كثير يقتلون وينهبون ويخرجون البلاد حتى خلا اكثرها فاجتمع كثير من اعيان تجار الروس وأغنيائهم وحملوا ما يعز عليهم وساروا يقطعون البحر إلى بلاد الإسلام في عدة مراكب فلما قاربوا المرسى الذي يريدونه انكسر مركب من مراكبهم فغرق الا ان الناس نجوا وكانت العادة جارية ان السلطان له المركب الذي ينكسر فأخذ من ذلك شيئا كثيرا وسلم باقي المراكب وأخبره من بها بهذه الحال

ذكر عود التتر من بلاد الروس وقفجاق إلى ملكهم ص 417

لما فعل التتر بالروس ما ذكرناه ونهبوا بلادهم عادوا عنها وقصدوا بلغار أواخر سنة عشرين وستمائة فلما سمع اهل بلغار بقربهم منهم كمنوا لهم في عدة مواضع وخرجوا إليهم فلقوهم واستجروهم إلى ان جاوزوا موضع الكمناء فخرجوا عليهم من وراء ظهورهم فبقوا في الوسط وأخذهم السيف من كل ناحية فقتل اكثرهم ولم ينج منهم الا القليل قيل كانوا نحو اربعة آلاف رجل فساروا إلى سقين عائدين إلى ملكهم جنكزخان وخلت ارض قفجاق منهم فعاد من سلم منهم إلى بلادهم وكان الطريق منقطعا مذ دخلها التتر فلم يصل منهم شيء من البرطاسي والسنجاب والقندر وغيرها مما يجعل من تلك البلاد فلما فارقوها عادوا إلى بلادهم واتصلت الطريق وحملت الأمتعة كما كانت هذا اخبار التتر المغربة قد ذكرناها سياقة واحدة لئلا تنقطع

ذكر ما فعله التتر بما وراء النهر بعد بخارى وسمرقند ص 417

قد ذكرنا ما فعله التتر المغربة التي سيرها ملكهم جنكزخان لعنه الله إلى خوارزمشاه وأما جنكزخان فإنه بعد ان سير هذه الطائفة إلى خوارزم شاه وبعد انهزام خوارزمشاه من خراسان قسم اصحابه عدة أقسام فسير قسما منها إلى بلاد فرغانة ليملكوها وسير قسما آخر منها إلى ترمذ وسير قسما منها إلى كلابة وهي قلعة خصينة على جانب جيحون من أحصن القلاع وامنع الحصون فسارت كا طائفة إلى الجهة التي أمرت بقصدها ونازلتها واستولت عليها وفعلت من القتل والأسر والسبي والنهب والتخريب وانواع الفساد مثل ما فعل اصحابهم فلما فرغوا من ذلك عادوا إلى ملكهم جنكزخان وهو بسمرقند فجهز جيشا عظيما مع أحد اولاده وسيره إلى خوارزم وسير جيشا آخر فعبروا جيحون إلى خراسان

ذكر ملك التتر خراسان ص 418

لما سار الجيش المنفذ إلى خراسان عبروا جيحون وقصدوا مدينة بلخ فطلب أهلها الأمان فأمنوهم فسلم البلد سنة سبع عشرة وستمائة ولم يتعرضوا اليه بنهب ولا قتل بل جعلوا فيه شحنة وساروا وقصدوا الزوزان وسميند واندخوي وقاريات فملكوا الجميع وجعلوا فيه ولاة ولم يتعرضوا إلى اهلها بسوء ولا اذى سوى أنهم كانوا يأخذون الرجال ليقاتلوا بهم من يمتنع عليهم حتى وصلوا إلى الطالقان وهي ولاية تشتمل على عدة بلاد وفيها قلعة حصينة يقال لها منصوركوه لا ترام علوا وارتفاعا وبها رجال يقاتلون شجعان فحصروها مدة ستة اشهر يقاتلون اهلها ليلا ونهارا ولا يظفرون منها بشيء فأرسلوا إلى جنكزخان يعرفونه بعجزهم عن ملك هذه القلعة لكثرة من فيها من المقاتلة ولا متناعها بحصانتها فسار بنفسه وبمن عنده من جموعه اليهم وحصرها ومعه خلق كثير من المسلمين اسرى فأمرهم بمباشرة القتال وإلا قتلهم فقاتلوا معه وأقام عليها أربعة أشهر أخرى فقتل من التتر عليها خلق كثير فلما رأى ملكهم ذلك أمر أن يجمع له من الحطب والأخشاب ما امكن جمعه ففعلوا ذلك وصاروا يعملون صفا من خشب وفوقه صفا من تراب فلم يزالوا كذلك حتى صار تلا عاليا يوازي القلعة فاجتمع من بها وفتحوا بابها وخرجوا منها وحملوا حملة رجل واحد فسلم الخيالة منهم ونجوا وسلكوا تلك الجبال والشعاب واما الرجالة فقتلوا ودخل التتر القلعة وسبوا النساء والأطفال ونهبوا الأموال والأمتعة ثم إن جنكزخان جمع أهل البلاد التي اعطاهم الأمان ببلخ وغيرها وسيرهم مع بعض أولاده إلى مدينة مرو فدخلوا إليها وقد اجتمع بها من الأعراب والأتراك وغيرهم ممن نجا من المسليمن ما يزيد على مائتي ألف رجل وهم معسكرون بظاهر مرو وهم عازمون على لقاء التتر ويحدثون نفوسهم بالغلبة لهم والاستيلاء عليهم فلما وصل التتر إليهم التقوا واقتتلوا فصبر المسلمون وأما التتر فلا يعرفون الهزيمة حتى ان بعضهم أسر فقال وهو عند المسلمين إن قيل إن التتر يقتلون فصدقوا وإن قيل إنهم ينهزمون فلا تصدقوا فلما رأى المسلمون صبر التتر واقدامهم ولوا منهزمين فقتل التتر منهم وأسروا الكثير ولم يسلم إلا القليل ونهبت اموالهم وسلاحهم ودوابهم

وأرسل التتر إلى ما حولهم من البلاد يجمعون الرجال لحصار مرو فلما اجتمع لهم ما ارادوا تقدموا إلى مرو وحصروها وجدوا في حصرها ولازموا القتال وكان اهل البلد قد ضعفوا بانهزام ذلك العسكر وكثرة القتل والأسر فيهم فلما كان اليوم الخامس من نزولهم ارسل التتر إلى الأمير الذي بها متقدما على من فيها يقولون له لا تهلك نفسك وأهل البلد واخرج الينا فنحن نجعلك امير هذه البلدة ونرحل عنك فأرسل يطلب الأمان لنفسه ولأهل البلد فأمنهم فخرج اليهم فخلع عليه ابن جنكزخان واحترامه وقال له اريد ان تعرض على اصحابك حتى تنظر من يصلح لخدمتنا استخدمناه وأعطيناه اقطاعا ويكون معنا فلما حضروا عنده وتمكن منهم قبض عليهم وعلى أميرهم وكتفوهم فلما فرغ منهم قال لهم اكتبوا إلى تجار البلد ورؤسائه وأرباب الأموال في جريدة واكتبوا إلى ارباب الصناعات والحرف في نسخة اخرى واعرضوا ذلك علينا ففعلوا ما امرهم فلما وقف على النسخ أمر ان يخرج أهل البلد منه بأهلهم فخرجوا كلهم ولم يبق فيه أحد فجلس على كرسي من ذهب وأمر ان يحضر أولئك الأجناد الذين قبض عليهم فأحضروا وضربت رقابهم صبرا والناس ينظرون إليهم ويبكون

وأما العامة فإنهم قسموا الرجال والنساء والأطفال فكان يوما مشهودا من كثرة الصراخ والبكاء والعويل وأخذوا ارباب الأموال فضربوهم وعذبوهم بأنواع العقوبات في طلب الأموال فربما مات احدهم من شدة الضرب ولم يكن بقي له ما يفتدي به نفسه ثم انهم احرقوا البلد وأحرقوا تربة السلطان سنجر ونبشوا القبر طلبا للمال فبقوا كذلك ثلاثة أيام فلما كان اليوم الرابع أمر بقتل أهل البلد كافة وقال هؤلاء عصوا علينا فقتلوهم اجمعين وأمر باحصاء القتلى فكانوا نحو سبعمائة الف قتيل فإنا لله وإنا اليه راجعون مما جرى على المسلمين ذلك اليوم ثم ساروا إلى نيسابور فحصروها خمسة أيام وبها جمع صالح من العسكر الإسلامي فلم يكن لهم بالتتر قوة فملكوا المدينة وأخرجوا أهلها إلى الصحراء فقتلوهم وسبوا حريمهم وعاقبوا من اتهموه بمال كما فعلوا بمرو وأقاموا خمسة عشر يوما يخربون ويفتشون المنازل عن الأموال وكانوا لما قتتلوا أهل مرو قيل لهم ان قتلاهم سلم منهم كثير ونجوا إلى بلاد الإسلام فأمروا بأهل نيسابور ان تقطع رؤوسهم لئلا يسلم من القتل أحد فلما فرغوا من ذلك سيروا طائفة منهم إلى طوس ففعلوا بها كذلك أيضا وخربوها وخربوا المشهد الذي فيه الامام علي بن موسى الرضا ع والرشيد حتى جعلوا الجميع خرابا ثم ساروا إلى هراة وهي من احصن البلاد فحصروها عشرة أيام فملكوها وأمنوا اهلها وقتلوا منهم البعض وجعلوا عند من سلم منهم شحنة وساروا إلى غزنة فلقيهم جلال الدين ابن خوارزم شاه فقاتلهم وهزمهم على ما نذكره إن شاء الله فوثب اهل هراة على الشحنة فقتلوه فلما عاد المنهزمون إليهم دخلوا البلد قهرا وعنوة وقتلوا كل من فيه ونهبوا الأموال وسبوا الحريم ونهبوا السواد وخربوا المدينة جميعها وأحرقوها وعادوا إلى ملكهم جنكزخان وهو بالطالقان يرسل السرايا إلى جميع بلاد خراسان ففعلوا بها كذلك ولم يسلم من شرهم وفسادهم شيء من البلاد وكان جميع ما فعلوه بخراسان سنة سبع عشرة

ذكر ملكهم خوارزم وتخريبها ص 420

واما الطائفة من الجيش التي سيرها جنكزخان إلى خوارزم فإنها كانت اكثر السرايا جميعها لعظم البلد فساروا حتى وصلوا إلى خوارزم وفيها عسكر كبير وأهل البلد معروفون بالشجاعة والكثرة فقاتلوهم اشد قتال سمع به الناس ودام الحصر لهم خمسة اشهر فقتل من الفريقين خلق كثير إلا أن القتلى من التتر كانوا اكثر لأن المسلمين كان يحميهم السور فأرسل التتر إلى ملكهم جنكزخان يطلبون المدد فأمدهم بخلق كثير فلما وصلوا إلى البلد زحفوا زحفا متتابعا فملكوا طرفا منه فاجتمع أهل البلد وقاتلوهم في طرف الموضع الذي ملكوا فلم يقدروا على افراجهم ولم يزالوا يقاتلونهم والتتر يملكون منهم محلة بعد محلة وكلما ملكوا محلة قاتلهم المسلمون في المحلة التي تليهم فكان الرجال والنساء والصبيان يقاتلون فلم يزالوا كذلك حتى ملكوا البلد جميعه وقتلوا كل من فيه ونهبوا كل ما فيه ثم إنهم فتحوا السكر الذي يمنع ماء جيحون عن البلد فدخله الماء فغرق البلد جميعه وتهدمت الابنية وبقي موضعه ماء ولم يسلم من اهله أحد البتة فإن غيره من البلاد قد كان يسلم بعض اهله منهم من يختفي ومنهم من يهرب ومنهم من يخرج ثم يسلم ومنهم من يلقي نفسه بين القتلى فينجو وأما أهل خوارزم فمن اختفى من التتر غرفة الماء أو قتله الهدم فأصبحت خرابا يبابا

( كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا % أنيس ولم يسمر بمكة سامر )

وهذا لم يسمع بمثله في قديم الزمان وحديثه نعوذ بالله من الخور بعد الكور ومن الخذلان بعد النصر فلقد عمت هذه المصيبة الإسلام وأهله فكم من قتيل من أهل خراسان وغيرها لأن القاصدين من التجار وغيرهم كانوا كثيرا مضى الجميع تحت السيف ولما فرغوا من خراسان وخوارزم عادوا إلى ملكهم بالطالقان

ذكر ملك التتر غزنة وبلاد الغور ص 421

لما فرغ التتر من خرسان وعادوا إلى ملكهم جيشا كثيفا وسيره إلى غزنة وبها جلال الدين بن خوارزمشاه مالكا لها وقد اجتمع إليه من سلم من عسكر أبيه قيل كانوا ستين الفا فلما وصلوا إلى اعمال غزنة خرج إليهم المسلمون مع ابن خوارزمشاه إلى موضع يقال له بلق فالتقوا هناك واقتتلوا قتالا شديدا وبقوا كذلك ثلاثة أيام ثم أنزل الله نصره إلى المسلمين فانهزم التتر وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا ومن سلم منهم عاد إلى ملكهم بالطالقان فلما سمع أهل هراة بذلك ثاروا بالوالي الذي عندهم للتتر فقتلوه فسير إليهم جنكزخان عسكرا فملكوا البلد وخربوه كما ذكرناه فلما انهزم التتر أرسل جلال الدين رسولا إلى جنكزخان يقول له في أي موضع تريد يكون الحرب حتى نأتي اليه فجهز جنكزخان عسكرا كثيرا اكثر من الأول مع بعض أولاده وسيره اليه فوصل إلى كابل فتوجه العسكر الإسلامي اليهم وتصافوا هناك وجرى بينهم قتال عظيم فانهزم الكفار ثانيا فقتل كثير منهم وغنم المسلمون ما معهم وكان عظيما وكان معهم من أسارى المسلمين خلق كثير فاستنقذوهم ثم ان المسلمين جرى بينهم فتتة لأجل الغنيمة وسبب ذلك ان اميرا منهم يقال له سيف الدين بغراق أصله من الأتراك الخلج كان شجاعا مقداما ذا رأي في الحرب ومكيدة واصطلى الحرب مع التتر بنفسه وقال لعسكر جلال الدين تأخروا أنتم فقد ملئتم منهم رعبا وهو الذي كسر التتر على الحقيقة

وكان من المسلمين أيضا أمير كبير يقال له ملك خان بينه وبين خوارزمشاه نسب وهو صاحب هراة فاختلف هذان الأميران في الغنيمة فاقتتلوا فقتل بينهم أخ لبغراق فقال بغراق أنا اهزم الكفار ويقتل أخي لأجل هذا السحت فغضب وفارق العسكر وسار إلى الهند فتبعه من العسكر ثلاثون ألفا كلهم يريدونه فاستعطفه جلال الدين بكل طريق وسار بنفسه إليه وذكره الجهاد وخوفه من الله تعالى وبكى بين يديه فلم يرجع وسار مفارقا فانكسر لذلك المسلمون وصعفوا فبينما هم كذلك اذ ورد الخبر أن جنكزخان قد وصل في جموعه وجيوشه فلما رأى جلال الدين ضعف المسلمين لأجل من فارقهم من العسكر ولم يقدر على المقام سار نحو بلاد الهند فوصل إلى ماء السند وهو نهر كبير فلم يجد من السفن ما يعبر فيه وكان جنكزخان يقص أثره مسرعا فلم يتمكن جلال الدين من العبور حتى ادركه جنكزخان في التتر فاضطر المسلمون حينئذ إلى القتال والصبر لتعذر العبور عليهم وكانوا في ذلك كالأشقر ان تقدم ينحر وان تأخر يعقر فتصافوا واقتتلوا أشد قتال اعترفوا كلهم ان كل ما مضى من الحروب كان لعبا بالنسبة إلى هذا القتال في الكفار اكثر والجراح اعظم فرجع الكفار عنهم فأبعدوا ونزلوا فلما رأى المسلمون انهم لا مدد لهم وقد ازدادوا صعفا بمن قتل منهم وجرح ولم يعلموا بما أصاب الكفار من ذلك فأرسلوا يطلبون السفن فوصلت وعبر المسلمين ليقضي الله امرا كان مفعولا فلما كان الغد عاد الكفار إلى غزنة وقد قويت نفوسهم بعبور المسلمين الماء إلى جهة الهند وبعدهم فلما وصلوا اليها ملكوها لوقتها لخلوها من العساكر والمحامي فقتلوا اهلها ونهبوا الأموال وسبوا الحريم ولم يبق أحد وخربوها وأحرقوها وفعلوا بسوادها كذلك ونهبوا وقتلوا وأحرقوا فأصبحت تلك الأعمال جميعها خالية من الأنيس خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس

ذكر تسليم الأشرف خلاط إلى اخيه شهاب الدين غازي ص 423

أواخر هذه السنة اقطع الملك الأشرف موسى بن العادل مدينة خلاط وجميع الأعمال ارمينية ومدينة ميافارقين من ديار بكر ومدينة حابي أخاه شهاب الدين غازي ابن العادل وأخذ منه مدينة الرها ومدينة سروج من بلاد الجزيرة وسيره إلى خلاط أول سنة ثمان عشرة وستمائة وسبب ذلك ان الكرج لما قصد التتر بلادهم وهزموهم ونهبوها وقتلوا كثيرا من اهلها ارسلوا إلى أوزبك صاحب اذربيجان واران يطلبون منه المهادنة والموافقة على دفع التتر وأرسلوا إلى الملك الأشرف في هذا المعنى وقالوا للجميع إن لم توافقونا على قتال هؤلاء القوم ودفعهم عن بلادنا وتحضروا بنفوسكم وعساكركم لهذا المهم وإلا صالحناهم عليكم فوصلت رسلهم إلى الاشرف وهو يتجهز إلى الديار المصرية لأجل الفرنج وكانوا عنده أهم الوجوه لأسباب أولها ان الفرنج كانوا قد ملكوا دمياط وقد أشرفت الديار المصرية على أن تملك فلو ملكوها لم يبق بالشام ولا غيره معهم ملك لأحد وثانيها أن الفرنج أشد شكيمة وطالبو ملك فإذا ملكوا قرية لا يفارقونها إلا بعد ان يعجزوا عن حفظها يوما واحد وثالثها أن الفرنج قد طمعوا في كرسي مملكة البيت العادلي وهي مصر والتتر لم يصلوا إليها ولم يجاوزوا شيئا من بلادهم وليسوا أيضا ممن يريد المنازعة في الملك وما غرضهم إلا النهب والقتل وتخريب البلاد والانتقال من بلد إلى آخر فلما أتاه رسل الكرج بما ذكرناه أجابهم يتعذر بالمسير إلى مصر لدفع الفرنج ويقول لهم إنني قد أقطعت ولاية خلاط لأخي وسيرته إليها ليكون بالقرب منكم وتركت عنده العساكر فمتى احتجتم إلى نصرته حضر لدفع التتر وسار هو إلى مصر كما ذكرناه

ذكر عدة حوادث ص 423

في هذه السنة في ربيع الآخر ملك بدر الدين قلعة تل اعفر

وفيها في جمادى الأولى ملك الأشرف مدينة سنجار

وفيها أيضا وصل الموصل وأقام بظاهرها ثم سار يريد إربل لقصد صاحبها فترددت الرسل بينهم في الصلح فاصطلحوا في شعبان وقد تقدم هذا جميعه مفصلا سنة خمس عشرة وستمائة

وفيها وصل التتر الري فملكوها وقتلوا كل من فيها ونهبوها وساروا عنها فوصلوا إلى همذان فلقيهم رئيسها بالطاعة والحمل فأبقوا على أهلها وساروا إلى أذربيجان فخربوا وحرقوا البلاد وقتلوا وسبوا وعملوا ما لم يسمع بمثله وقد تقدم أيضا مفصلا

وفيها توفي نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الذي كان وزير الخليفة وصلي عليه بجامع القصر وحضره أرباب الدولة ودفن بالمشهد

وفيها توفي صدر الدين أبو الحسن محمد بن عمر بن حموية الجويني شيخ الشيوخ بمصر والشام وكان موته بالموصل وردها رسولا وكان فقيها فاضلا وصوفيا صالحا من بيت كبير من خراسان رحمه الله كان نعم الرجل

وفيها عاد جمع بني معروف إلى مواضعهم من البطيحة وكانوا قد ساروا إلى الاجنا والقطيف فلم يمكنهم المقام لكثرة اعدائهم فقصدوا شحنة البصرة وطلبوا منه ان يكاتب الديوان ببغداد بالرضا عنهم فكتب معهم بذلك وسيرهم مع اصحابه إلى بغداد فلما قاربوا واسط لقيهم قاصد من الديوان بقتلهم فقتلوا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.