ذكر وفاة الملك القاهر وولاية ابنة نور الدين وما كان من الفتن بسبب موته إلى ان استقرت الأمور
ص 381
في هذه السنة توفي الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه من مسعود بن مودود بن زنكي بن آق سنقر صاحق الموصل ليلة الاثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الأول وكانت ولايته سبع سنين وتسعة اشهر وكان موته أن أخذته حمى ثم فارقته الغد وبقي يومين موعوكا ثم عاودته الحمى مع قيء كثير وكرب شديد وقلق متتابع ثم برد بدنه وعرق وبقي كذلك إلى وسط الليل ثم توفي وكان كريما حليما قليل الطمع في أموال الرعية كافا عن أذى يوصله إليهم مقبلا على لذاته كأنما ينهبها ويبادر بها الموت وكان عنده رقة شديدة ويكثر ذكر الموت
حكى لي بعض من كان يلازمه قال كنا ليلة قبل وفاته بنصف شهر عنده فقال لي قد وجدت ضجرا من القعود فقم بنا نتمشى إلى الباب العمادي
قال فقمنا نخرج من داره نحو الباب العمادي فوصل التربة التي عملها لنفسه عند داره فوقف عندها مفكرا لا يتكلم ثم قال لي والله ما نحن في شيء أليس مصيرنا إلى ههنا وندفن تحت الأرض وأطال الحديث في هذا ونحوه ثم عاد إلى الدار
فقلت له ألا نمشي إلى الباب العمادي
فقال ما بقي عندي نشاط إلى هذا ولا إلى غيره ودخل داره وتوفي بعد ايام واصيب أهل بلاده بموته وعظم عليهم فقده وكان محبوبا إليهم قريبا من قلوبهم ففي كل دار لأجله رنة وعويل ولما حضرته الوفاة اوصى بالملك لولده الأكبر نور الدين ارسلان شاه وعمره نحو عشر سنين وجعل الوصي عليه والمدبر لدولته بدر الدين لؤلؤ وهو الذي كان يتولى دولة القاهر ودولة أبيه نور الدين قبله وقد تقدم من اخباره ما يعرف به محله وسيرد منها ايضا ما يزيد الناظر بصيرة فيه فلما قضى نحبه قام بدر الدين بأمر نور الدين اجلسه في مملكة أبيه وأرسل إلى الخليفة يطلب له التقليد والتشريف وأرسل إلى الملوك واصحاب الأطراف المجاورين لهم يطلب تجديد العهد لنور الدين على القاعدة التي كانت بينهم وبين أبيه فلم يصبح إلا وقد فرغ من كل ما يحتاج إليه وجلس للعزاء وحلف الجند والرعايا وضبط المملكة من التزلزل والتغير مع صغر السلطان وكثرة الطامعين في الملك فإنه كان معه في البلد اعمام أبيه وكان معه عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه بولايته وهي قلعة عقر الحميدية يحدث نفسه بالملك لا يشك في أن الملك يصير اليه بعد أخيه فرفع بدر الدين ذلك الخرق ورتق ذلك الفتق وتابع الاحسان والخلع على كافة الناس وغير ثياب الحداد عنهم فلم يخض بذلك شريفا دون مشروف ولا كبيرا دون صغير واحسن السيرة وجلس لكشف ظلامات الناس وانصاف بعضهم من بعض ويعد ايام وصل التقليد من الخليفة لنور الدين بالولاية ولبدر الدين بالنظر في أمر دولته والتشريفات لهمل أيضا وأتتهم رسل الملوك بالتعزية وبذل ما طلب منهم من العهود واستقرت القواعد لها
ذكر ملك عماد الدين زنكي قلاع المكارية والزوزان
ص 382
قد ذكرنا عند وفاة نور الدين سنة سبع وستمائة انه أعطى ولده الأصغر زنكي قلعتي العقر وشوش وهما بالقرب من الموصل فكان تارة يكون بالموصل وتارة بولايته متجنيا لكثرة تلونه وكان بقلعة العمادية مستحفظ من مماليك جده عز الدين مسعود بن مودود قيل إنه جرى له مع زنكي مراسلات في معنى تسليم العمادية اليه فنمي الخبر بذلك إلى بدر الدين فيادره بالعزل مع امير كبير وجماعة من الجند لم يمكنه الامتناع وسلم القلعة إلى نائب بدر الدين كذلك وجعل بدر الدين في غير العمادية من القلاع نوابا له وكان نور الدين بن القاهر لا يزال مريضا من جروح كانت به وغيرها من الأمراض وكان يبقى المدة الطويلة لا يركب ولا يظهر للناس فأرسل زنكي إلى من بالعمادية من الجند يقول إن ابن اخي توفي ويريد بدر الدين يملك البلاد وأنا احق بملك آبائي واجدادي فلم يزل حتى استدعاه الجند منها وسلموا اليه ثامن عشر رمضان سنة خمس عشرة وستمائة وقبضوا على النائب البدري وعلى من معه فوصل الخبر إلى بدر الدين ليلا فجد في الأمر ونادى في العسكر لوقته بالرحيل فساروا مجدين إلى العمادية وحصروها وكان الزمان شتاء والبرد شديد والثلج هناك كثير فلم يتمكنوا من القتال من بها لكنهم اقاموا يحصرونها وقام مظفر الدين كوكبري بن زين الدين صاحب إربل في نصر عماد الدين وتجرد لمساعدته فراسله بدر الدين يذكره الايمان والعهود التي من جملتها انه لا يتعرض إلى شيء من اعمال الموصل ومنها قلاع الهكارية والزوزان باسمائها ومتى تعرض اليها أحد من الناس من كان منعه بنفسه وعساكره واعان نور الدين وبدر الدين على منعه ويطالبه بالوفاء بها ثم نزل عند هذا ورضي منه بالسكوت لا لهم ولا عليهم فلم يفعل وأظهر معاضدة عماد الدين زنكي فحينئذ لم تكن مكاثرة زنكي بالرجال والعساكر لقرب هذا الخصم واعمالها الا ان العسكر البدري محاصر العمادية وبها زنكي
ثم إن بعض الأمراء من عسكر الموصل ممن لا علم له بالحرب وكان شجاعا وهو جديد الإمارة اراد ان يظهر شجاعته ليزداد بها تقدما واشار على من هناك من العسكر بالتقدم إلى العمادية ومباشرتها بالقتال وكانوا قد تأخروا عنها شيئا يسيرا لشدة البرد والثلج فلم يوافقوه وقبحوا رأيه فتركهم ورحل متقدما اليهم ليلا فاضطروا إلى اتباعه خوفا عليه من اذى يصيبه ومن معه فساروا اليه على غير تعبية لضيق المسلك ولأنه اعجلهم عن ذلك وحكم الثلج عليهم ايضا فسمع زنكي ومن معه فنزلوا ولقوا اوائل الناس وأهل مكة اخبر بشعابها فلم يثبتوا لهم وانهزموا وعادوا إلى منزلتهم ولم يقف العسكر عليهم فاضطروا إلى العود فلما عادوا راسل زنكي باقي قلاع الهكارية والزوزان واستدعاهم إلى طاعته فأجابوه وسلموا إليه فجعل فيها الولاة وتسلمها وحكم فيها
ذكر اتفاق بدر الدين مع الملك الأشرف
ص 383
لما رأى بدر الدين خروج القلاع عن يده واتفاق مظفر الدين وعماد الدين عليه لم ينفع معهم اللين ولا الشدة وأنهما لا يزالان يسعيان في أخذ بلاده ويتعرضان إلى اطرافها بالنهب والأذى أرسل إلى الملك الأشرف موسى بن الملك العادل وهو صاحب ديار الجزيرة كلها الا القليل وصاحب خلاط وبلادها يطلب منه الموافقة والمعاضدة وانتمى اليه وصار في طاعته منخرطا في سلك موافقته فأجابه الأشرف بالقبول والفرح به والاستبشار وبذل له المساعدة والمعاضدة والمحاربة دونه واستعادة ما أخذ من القلاع التي كانت له وكان الملك الأشرف حينئذ بحلب نازلا بظاهرها لما ذكرناه من تعرض كيكاوس ملك بلاد الروم التي بيد المسلمين قونية وغيرها إلى اعمالها وملكوا بعض قلاعها فأرسل إلى مظفر الدين يقبح هذه الحالة ويقول له إن هذه القاعدة تقررت بين جميعنا بحضور رسلك واننا نكون على الناكث إلى ان يرجع إلى الحق ولا بد من اعادة ما اخذ من بلد الموصل لندوم على اليمين التي استقرت بيننا فإن امتنعت واصررت على معاضدة زنكي ونصرته فأنا اجيء بنفسي وعساكري واقصد بلادك وغيرها واسترد ما اخذتموه واعيده إلى اصحابه والمصلحة انك توافق وتعود إلى الحق لنجعل شغلنا جمع العساكر وقصد الديار المصرية واجلاء الفرنج عنها قبل ان يعظم خطبهم ويستطير شرهم فلم تحصل بالاجابة منه إلى شيء من ذلك وكان ناصر الدين محمود صاحب الحصن وآمد قد امتنع عن موافقة الاشرف وقصد بعض بلاده ونهبها وكذلك صاحب ماردين واتفقا مع مظفر الدين فلما رأى الأشرف ذلك جهز عسكرا وسيره إلى نصيبين نجدة لبدر الدين إن احتاج إليهم
ذكر انهزام عماد الدين زنكي من العسكر البدري
ص 384
لما عاد العسكر البدري من حصار العمادية وبها زنكي كما ذكرناه قويت نفسه وفارقها وعاد إلى قلعة العقر التي له ليتسلط على اعمال الموصل بالصحراء فإن بلد الجبل كان قد فرغ منه وأمده مظفر الدين بطائفة كثيرة من العسكر فلما اتصل الخبر ببدر الدين سير طائفة من عسكره إلى اطراف بلد الموصل يحمونها فأقاموا على اربعة فراسخ من الموصل ثم إنهم اتفقوا بينهم على المسير إلى زنكي وهو عند العقر في عسكره ومحاربته ففعلوا ذلك ولم يأخذوا أمر بدر الدين بل اعلموه بمسيرهم جريدة ليس معهم إلا سلاحهم ودواب يقاتلون عليها فساروا ليلتهم وصبحوا زنكي بكرة الأحد لأربع بقين من المحرم من سنة ست عشرة وستمائة فالتقوا واقتتلوا تحت العقر وعظم الخطب فأنزل الله نصره على العسكر البدري فانهزم عماد الدين وعسكره وسار إلى إربل منهزما وعاد العسكر البدري إلى منزلته التي كان بها وحضرت الرسل من الخليفة الناصر لدين الله ومن الملك الأشرف في تجديد الصلح فاصطلحوا وتحالفوا بحضرة الرسل
ذكر وفاة نور الدين صاحب الموصل وملك أخيه
ص 385
ولما تقرر الصلح توفي نور الدين أرسلان شاه بن الملك القاهر صاحب الموصل وكان لا يزال مريضا بعدة أمراض فرتب بدر الدين في الملك بعده أخاه ناصر الدين وله من العمر نحو ثلاث سنين ولم يكن للقاهر ولد غيره وحلف له الجند وركبه فطابت نفوس الناس لأن نور الدين كان لا يقدر على الركوب لمرضه فلما ركبوا هذا علموا ان لهم سلطانا من البيت الأتابكي فاستقروا واطمأنوا وسكن كثير من الشغب بسببه
ذكر انهزام بدر الدين من مظفر الدين
ص 385
لما توفي نور الدين وملك اخوه ناصر الدين تجدد لمظفر الدين ولعماد الدين طمع لصغر سن ناصر الدين فجمعا الرجال وتجهزا للحركة فظهر ذلك وقصد بعض اصحابهم طرف ولاية الموصل بالنهب والفساد وكان بدر الدين قد سير ولده الاكبر في جمع صالح من العسكر إلى الملك الأشرف بحلب نجدة له بسبب اجتماع الفرنج بمصر وهو يريد ان يدخل بلاد الفرنج التي بساحل الشام ينهبها ويخربها ليعود بعض من بدمياط إلى بلادهم فيخف الأمر على الملك الكامل صاحب مصر فلما رأى بدر الدين تحرك مظفر الدين وعماد الدين وأن بعض عسكره بالشام أرسل إلى عسكر الملك الأشرف الذي بنصيبين يستدعيهم ليعتضد بهم وكان المقدم عليهم مملوك الأشرف اسمه أيبك فسار إلى الموصل رابع رجب سنة ست عشرة فلما رآهم بدر الدين استقلهم لأنهم كانوا اقل من العسكر الذي له بالشام أو مثلهم فألح ايبك على عبور دجلة ة قصد بلاد إربل فمنعه بدر الدين من ذلك وأمره بالاستراحة فنزل بظاهر الموصل أياما وأصر على عبور دجلة فعبرها بدر الدين موافقة له ونزلوا على فرسخين من الموصل شرقي دجلة فلما سمع مظفر الدين ذلك جمع عسكره وسار إليهم ومعه زنكي فعبر الزاب وسبق خبره فسمع به بدر الدين فعبى اصحابه وجعل ايبك في الجالشية ومعه شجعان أصحابه وأكثر معه منهم بحيث انه لم يبق معه إلا اليسير وجعل في مسيرته اميرا كبيرا وطلب الانتقال عنها إلى الميمنة فنقله فلما كان وقت العشاء الآخرة اعاد ذلك الأمير الطلب بالانتقال من الميمنة إلى الميسرة والخصم بالقرب منهم فمنعه بدر الدين وقال متى انتقلت انت ومن معك في هذا الليل ربما ظنه الناس هزيمة فلا يقف أحد فأقام بمكانه وهو في جمع كبير من العسكر فلما انتصف الليل سار أيبك فأمره بدر الدين بالمقام إلى الصبح لقرب العدو منهم فلم يقبل لجهله بالحرب فاضطر الناس لاتباعه فتقطعوا في الليل والظلمة والتقوا هم والخصم في العشرين من رجب على ثلاثة فراسخ من الموصل فأما عز الدين فإنه تيامن والتحق بالميمنة وحمل في اطلابه هو والميمنة على ميسرة مظفر الدين فهزمها وبها زنكي وكان الأمير الذي انتقل إلى الميمنة قد ابعد عنها فلم يقاتل فلما رأى ايبك قد هزم الميسرة تبعه وتقدم إليه مظفر الدين فيمن معه في القلب لم يتفرقوا فلم يمكنه الوقوف فعاد إلى الموصل وعبر دجلة إلى القلعة ونزل منها إلى البلد فلما رآه الناس فرحوا به وساروا معه وقصد باب الجسر والعدو بإزائه بينهما دجلة فنزل مظفر الدين فيمن سلم معه من عسكره وزايل حصن نينوى فأقام ثلاثة أيام فلما رأى اجتماع العسكر البدري بالموصل وأنهم لم يفقد منهم إلا ليسيرة وبلغه الخبر ان بدر الدين يريد العبور إليه ليلا بالفارس والراجل على الجسور وفي السفن ويكبسه فرحل ليلا من غير أن يضرب كأسا أو بقوا وعادوا نحو أربل فلما عبروا الزاب نزلوا ثم جاءت الرسل وسعوا في الصلح فاصطلحوا على أن كل من بيده شيء هو له وتقررت العهود والأيمان على ذلك
ذكر ملك عماد الدين قلعة كواشى وملك بدر الدين تل يعفر وملك الملك الأشرف سنجار
ص 386
كواشي هذه من احصن قلاع الموصل وأعلاها وأمنعها وكان الجند الذين بها لما رأوا ما فعل أهل العمادي وغيرها من التسليم إلى زنكي وانهم قد تحكموا في القلاع لا يقدر أحد على الحكم عليهم احبوا ان يكونوا كذلك فأخرجوا نواب بدر الدين عنهم وامتنعوا بها وكانت رهائنهم بالموصل وهم يظهرون طاعة بدر الدين ويبطنون المخالفة فترددت الرسل في عودهم إلى الطاعة فلم يفعلوا وراسلوا زنكي في المجيء إليهم وتسلم القلعة وأقام عندهم فروسل مظفر الدين يذكر بالايمان القريبة العهد ويطلب منه إعادة كواشي فلم تقع الإجابة إلى ذلك حينئذ بدر الدين إلى الملك الأشرف وهو بحلب يستنجده فسار وعبر الفرات إلى حران واختلفت عليه الأمور من عدة جهات منعته من سرعة السير وسبب هذا كان الاختلاف ان مظفر الدين كان يراسل الملوك اصحاب الأطراف ليستميلهم ويحسن لهم الخروج على الأشرف ويخوفهم منه إذا خلى وجهه فأجابه إلى ذلك عز الدين كيكاوس كيخسرو بن قلج أرسلان صاحب بلاد الروم وصاحب آمد وحصن كيفا وصاحب ماردين واتفقوا كلهم على طاعة كيكاوس وخطبوا له في بلادهم ونحن نذكر ما كان بينه وبين الأشرف عند منبج لما قصد بلاد حلب فهو موغر الصدر عليه فاتفق ان كيكاوس مات في ذلك الوقت وكفي الأشرف وبدر الدين شره ولا جدالا ما أقعص عنك الرجال وكان مظفر الدين قد راسل جماعة من الأمراء الذين مع الأشرف واستمالهم فأجابوه منهم أحمد ابن علي بن المشطوب الذي ذكرنا أنه فعل على دمياط ما فعل وهو أكبر أمير معه ووافقه غيره منهم عز الدين محمد بن بدر الحميدي وغيرهما وفارقوا الأشرف ونزلوا بدنيسر تحت ماردين ليجتمعوا مع صاحب آمد ويمنعوا الأشراف من العبور إلى الموصل لمساعدة بدر الدين فلما اجتمعوا هناك عاد صاحب آمد إلى موافقة الأشرف وفارقهم واستقر الصلح بينهما وسلم اليه الأشرف مدينة حاني وجبل جوز وضمن له أخذ دارا وتسليمها اليه فلما فارقهم صاحب آمد انحل امرهم فاضطر بعض أولئك الأمراء إلى العود إلى طاعة الأشرف وبقي ابن المشطوب وحده فسار إلى نصيبين ليسير إلى إربل فخرج إليه شحنة نصيبين فيمن عنده من الجند فاقتتلوا فانهزم ابن المشطوب وتفرق من معه من الجمع ومضى منهزما فاجتاز بطرف بلد سنجار فسير إليه صاحبها فروخ شاه بن زنكي بن مودود بن زنكي عسكرا فهزموه وأخذوه أسيرا وحملوه إلى سنجار وكان صاحبها موافقا للأشرف وبدر الدين فلما صار عنده ابن المشطوب حسن له مخالفة الأشرف فأجابه إلى ذلك وأطلقه فاجتمع معه من يريد الفساد فقصدوا البقعاء من أعمال الموصل ونهبوا فيها عدة قرى وعادوا إلى سنجار ثم ساروا وهم معهم إلى تل يعفر وهي لصاحب سنجار ليقصدوا بلد الموصل وينهبوا في تلك الناحية فلما سمع بدر الدين بذلك سير اليه عسكرا فقاتلوهم فمضى منهزما وصعد إلى تل يعفر واحتمى بها منهم ونازلوه وحصره فيها فسار بدر الدين من الموصل اليه يوم الثلاثاء لتسع بقين من ربيع الأول سنة سبع عشرة وستمائة وجد في حصره وزحف إليها مرة بعد أخرى فملكها سابع عشر ربيع الآخرة من هذه السنة وأخذ ابن المشطوب معه إلى الموصل فسجنه بها ثم اخذه منه الأشرف
فسجن بحران إلى ان توفي في ربيع الآخر سنة تسع عشرة وستمائة ولقاه الله عقوبة ما صنع بالمسلمين بدمياط
وأما الملك الأشرف فإنه لما اطاعه صاحب الحصن وآمد وتفرق الأمراء كما ذكرناه رحل من حران إلى دنيسر فنزل عليها واستولى على بلد ماردين وشحن عليه وأقطعه ومنع الميرة عن ماردين وحضر معه صاحب آمد وترددت الرسل بينه وبين صاحب ماردين في الصلح فاصطلحوا على ان يأخذ الأشرف رأس العين وكان هو قد اقطعها لصاحب ماردين ويأخذ منه ايضا ثلاثين ألف دينار ويأخذ منه صاحب آمد الموزر من بلد شبختان فلما تم الصلح سار الأشرف من دنيسر إلى نصيبين يريد الموصل فبينما هو في الطريق لقيه رسل صاحب سنجار يبذل تسليمها إليه ويطلب العوض عنها مدينة الرقة وكان السبب في ذلك أخذ تل يعفر منه فانخلع قلبه وانضاف إلى ذلك أن ثقاته ونصحاءه خانوه وزادوه رعبا وخوفا لأنهم تهددوه فتغدوه به قبل ان يتعشى بهم ولأنه قطع رحمه وقتل اخاه الذي ملك سنجار بعد أبيه قتله كما نذكره إن شاء الله وملكها فلقاه الله سوء فعلهولم يمتعه بها فلما تيقن رحيل الأشرف تحير في الأمر فأرسل في التسليم اليه فأجابه الأشرف إلى العوض وسلم اليه الرقة وتسلم سنجار مستهل جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة وفارقها صاحبها واخوته بأهليهم وأموالهم وكان هذا آخر ملوك البيت الأتابكي بسنجار فسبحان الحي الذي ليس لملكه آخر وكان مدة ملكهم لها أربعا وتسعين سنة وهذا دأب الدنيا بأبنائها فتعسا لها من دار ما أغدرها بأهلها
ذكر وصول الأشرف إلى الموصل والصلح مع مظفر الدين
ص 388
لما ملك الملك الأشرف سنجار سار يريد الموصل ليجتاز منها فقدم بين يديه عساكره فكان يصل كل يوم منهم جمع كثير ثم وصل هو في آخرهم يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى من السنة المذكورة وكان يوم وصولبه مشهودا وأتاه رسل الخليفة ومظفر الدين في الصلح وبذل تسليم القلاع المأخوذة جميعها إلى بدر الدين ما عدا قلعة العمادية فإنها تبقى بيد زنكي وأن المصلحة قبول هذا لتزول الفتن ويقع الاشتغال بجهاد الفرنج وطال الحديث في ذلك نحو شهرين ثم رحل الأشرف يريد مظفر الدين صاحب إربل فوصل إلى قرية السلامية بالقرب من نهر الزاب وكان مظفر الدين نازلا عليه من جانب إربل فأعاد الرسل
وكان العسكر قد طال بيكاره والناس قد ضجروا وناصر الدين صاحب آمد يميل بهواه إلى مظفر الدين فأشار بالاجابة إلى ما بذل وأعانه عليه غيره فوقعت الاجابة اليه واصطلحوا على ذلك وجعل لتسليمها أجل
وحمل زنكي إلى الملك الأشرف يكون عنده رهينة إلى حين تسليم القلاع وسلمت قلعة العقر وقلعة شوش أيضا وهما لزنكي إلى نواب الأشرف رخنا على تسليم ما استقر من القلاع فإذا سلمت أطلق زنكي وأعيد عليه قلعة العقر شوش وحلفوا على هذا وسلم الأشرف إلى زنكي القلعتين وعاد إلى سنجار وكان رحيله عن الموصل ثاني شهر رمضان من سنة سبع عشرة وستمائة فأرسلوا إلى القلاع لتسلم إلى نواب بدر الدين فلم يسلم إليه غير قلعة جل صورا من أعمال الهكارية وأما باقي القلاع فإن جندها أظهروا الاماتناع من ذلك ومضى الأجل ولم يسلم الأجل صورا ولزم عماد الدين زنكي لشهاب الدين غازي بن الملك العادل وخدمه وتقرب إليه فاستعطف له أخاه الملك الأشرف فمال إليه وأطلقه وأزال نوابه من قلعة العقر وشوش وسلمها إليه وبلغ بدر الدين عن الملك الأشرف ميل إلى قلعة تل يعفر وأنها كانت لسنجار من قديم الزمان وحديثه وطال الحديث في ذلك فسلمها إليه بدر الدين
ذكر عود قلاع الهكارية والزوزان إلى بدر الدين
ص 389
لما ملك زنكي قلاع الهكارية والزوزان لم يفعل مع اهلها ماظنوه من الاحسان والإنعام بل فعل ضده وضيق عليهم وكان يبلغهم افعال بدر الدين مع جنده ورعاياه وإحسانه اليهم وبذله الأموال لهم وكانوا يريدون العود اليه ويمنعهم الخوف منه لما اسلفوه من ذلك فلما كان الآن اعلنوا بما فعل معهم فأرسلوا إلى بدر الدين في المحرم سنة ثمان عشرة وستمائة في التسليم إليه وطلبوا منه اليمين والعفو عنهم وذكروا شيئا من اقطاع تكون لهم فأجابهم إلى ذلك وأرسل إلى الملك الأشرف يستأذنه في ذلك فلم يأذن له وعاد زنكي من عند الأشرف فجمع جموعا وحصر قلعة العمادية فلم يبلغ منهم غرضا واعادوا مراسلة بدر الدين التسليم اليه فكتب الى الملك الأشرف في المعنى وبذل له قلعة جديدة ونصيبين وولاية بين النهرين ليأذن له في أخذها فأذن له فأرسل اليها النواب وتسلموها واحسن إلى أهلها ورحل زنكي عنها ووفى له بدر الدين بما بذله له فلما سمع جنديا في القلاع بما فعلوا وما وصلهم من الاحسان والزيادة ورغبوا كلهم في التسليم فسير اليهم النواب واتفقت كلمة أهلها على طاعته والانقياد إليه والعجب ان العساكر اجتمعت من الشام والجزيرة وديار بكر وخلاط وغيرها في استعادة هذه القلاع فلم يقدروا على ذلك فلما تفرقوا حضر اهلها وسألوا ان تؤخذ منهم فعادت صفوا عفوا بغير منة ولقد احسن من قال
( لا سهل إلا ما جعلت سهلا % وإن تشأ تجعل بحزن وحلا )
فتبارك الله الفعال لما يريد لا مانع لما اعطى ولا معطي لما منع وهو على كل شيء قدير
ذكر قصد كيكاوس ولاية حلب وطاعة صاحبها للأشرف وانهزام كيكاوس
ص 390
في هذه السنة سار عز الدين كيكاوس بن كيسخرو ملك الروم إلى ولاية حلب قصدا للتغلب عليها ومعه الأفضل بن صلاح الدين يوسف وسبب ذلك انه كان بحلب رجلان فيهما شر كثير وسعاية بالناس فكانا ينقلان إلى صاحبها الملك الظاهر بن صلاح الدين عن رعيته فأوغروا صدره فلقي الناس منهما شدة فلما توفي الظاهر وولي الأمر شهاب الدين طغرل أبعدهما ممن يفعل فعلهما وسد هذا الباب على فاعله ولم يطرق إليه احدا من أهله فلما رأى الرجلان كساد سوقهما لزما بيوتهما وثار بهما الناس وآذوهما وتهددوهما لما كانا أسلفاه من الشر فخافا ففارقا حلب وقصدا كيكاوس فأطمعاه فيها وقررا في نفسه انه متى قصدها لا يثبت بين يديه وانه يملكها ويهون عليه ملك ما بعدها فلما عزم على ذلك أشار عليه ذوو الرأي من اصحابه وقالوا له لا يتم لك هذا الا بأن يكون معك أحد من بيت أيوب ليسهل على أهل البلاد وجندها الانقياد إليه وهذا الأفضل بن صلاح الدين هو في طاعتك والمصلحة أنك تستصحبه معك وتقرر بينكما فاعدة فيما تفتحانه من البلاد فمتى كان معك اطاعك الناس وسهل عليك ما تريد فأحضر الأفضل من سميساط إليه وأكرمه وحمل اليه شيئا كثيرا من الخيل والخيام والسلاح وغير ذلك واستقرت القواعد بينهما ان يكون ما يفتحه من حلب وأعمالها للأفضل وهو في طاعة كيكاوس والخطبة له ذلك أجمع ثم يقصدون ديار الجزيرة فما يفتحونه مما بيد الملك الأشرف مثل حران والرها من البلاد الجزرية تكون لكيكاوس وجرت الأيمان على ذلك وجمعوا العساكر وساروا فملكوا قلعة رعيان فتسلمها الأفضل فمال الناس حينئذ إليهما ثم سارا إلى قلعة تل باشر وفيها صاحبها ابن بدر الدين دلدرم الياروقي فحصروه وضيقوا عليه وملكوها منه فأخذها كيكاوس لنفسه ولم يسلمها إلى الأفضل فاستشعر الأفضل من ذلك وقال هذا أول الغدر وخاف انه ان ملك حلب يفعل به هكذا فلا يحصل إلا أن يكون قد قلع بيته لغيره ففترت نيته واعرض عما كان يفعله وكذلك أيضا أهل البلاد فكانوا يظنون أن الأفضل يملكها فيسهل عليهم الأمر فلما رأوا ضد ذلك وقفوا
واما شهاب الدين أتابك ولد الظاهر صاحب حلب فإنه ملازم قلعة حلب لا ينزل منها ولا يفارقها البتة وهذه كانت عادته مذمات الظاهر خوفا من ثائر يثور به فلما حدث هذا الأمر خاف ان يحصروه وربما سلم أهل البلد والجند والمدينة إلى الأفضل لميلهم اليه فأرسل إلى الملك الأشرف ابن الملك العادل صاحب الديار الجزرية وخلاط وغيرها يستدعيه لتكون طاعتهم له ويخطبون له ويجعل السكة باسمه ويأخذ من أعمال حلب ما اختار ولأن ولد الظاهر هو ابن اخته فأجاب إلى ذلك وسار إليهم في عساكره التي عنده وأرسل إلى الباقين يطلبهم إليه وسره ذلك للمصلحة العامة لجميعهم وأحضر اليه العرب من طيء وغيرهم ونزل بظاهر حلب ولما اخذ كيكاوس تل باشر كان الأفضل يشير بمعالجة حلب قبل اجتماع العساكر بها وقبل أن يحتاطوا أو يتجهزوا فعاد عن ذلك وصار يقول الرأي اننا نقصد منبج وغيرها لئلا يبقى لهم وراء ظهورنا شيء قصدا للتمادي ومرور الزمان في لا شيء فتوجهوا من تل باشر إلى جهة منبج وتقدم الأشرف نحوهم وسارت العرب في مقدمته وكان طائفة من عسكر كيكاوس نحو الف فارس قد سبقت مقدمته له فالتقوا هم والعرب ومن معهم من العسكر الأشرفي فاقتتلوا فانهزم عسكر كيكاوس وعادوا إليه منهزمين واكثر العرب الأسر منهم والنهب لجودة خيلهم ودير خيل الروم فلما وصل إليه اصحابه منهزمين لم يثبت بل ولى على أعقابه يطوي المراحل إلى بلاده خائفا يترقب فلما وصل إلى اطرافها اقام وإنما فعل هذا لأنه صبي غر لا معرفة له بالحرب وإلا فالعساكر ما برحت تقع مقدماتها بعضها على بعض فسار حينئذ الأشرف فملك رعيان وحصر تل باشر وبها جمع من عسكر كيكاوس فقاتلوه حتى غلبوا فأخذت القلعة منهم وأطلقهم الأشرف فلما وصلوا إلى كيكاوس جعلهم في دار وأحرقها عليهم فهلكوا فعظم ذلك على الناس كافة واستقبحوه واستضعفوه لا جرم لم يمهله الله تعالى وعجل عقوبته للؤم قدرته وشدة عقوبته ولعدم الرحمة في قلبه ومات عقيب هذه الحادثة وسلم الأشرف تل باشر وغيرها من بلد حلب إلى شهاب الدين أتابك صاحب حلب وكان عازما على اتباع كيكاوس ويدخل بلاده فأتاه الخبر بوفاة أبيه الملك العادل فاقتضت المصلحة العود إلى حلب لأن الفرنج بديار مصر ومثل ذلك السلطان العظيم إذا توفي ربما جرى خلل في البلاد لا تعرف العاقبة فيه فعاد إليها وكفي كل منهما أذى صاحبه
ذكر وفاة الملك العادل وملك أولاده بعده
ص 392
توفي الملك العادل أبو بكر بن أيوب سابع جمادي الآخرة من سنة خمس عشر وستمائة وقد ذكرنا ابتداء دولتهم عند ملك عمه اسد الدين شيركوه ديار مصر سنة أربع وستين وخمسمائة ولما ملك أخوه صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر بعد عمه وسار إلى الشام استخلفه بمصر ثقة به واعتمادا عليه وعلما بما هو عليه من توفر العقل وحسن السيرة فلما توفي أخوه صلاح الدين ملك دمشق كما ذكرناه وبقي مالكا للبلاد إلى الأن فلما ظهر الفرنج كما ذكرناه سنة أربع عشر وستمائة قصد هو مرج الصفر فلما سار الفرنج إلى ديار مصر انتقل هو إلى عالقين فأقام به ومرض وتوفي وحمل إلى دمشق فدفن بالتربة التي له وكان عاقلا ذا رأي سديد ومكر شديد وخديعة صبورا حليما ذا أتاه يسمع ما يكره ويغض عليه حتى كأنه لم يسمعه كثير الحرج وقت الحاجة لا يقف في شيء وذا لم تكن حاجة فلا وكان عمره خمسا وسبعين سنة وشهورا لأن مولده كان في المحرم من سنة أربعين وخمسمائة وملك دمشق في شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة من الأفضل ابن أخيه وملك مصر في ربيع الآخر من سنة ست وتسعين منه ايضا ومن أعجب ما رأيت من منافاة الطوالع انه لم يملك الأفضل مملكة قط إلا وأخذها منه عمه العادل فأول ذلك أن صلاح الدين اعطى ابنه الأفضل حران والرها وميافارقين سنة ست وثمانين بعد فرده من حلب وأخذ هذه البلاد منه ثم ملك الأفضل بعد وفاة أبيه مدينة دمشق فأخذها منه ثم ملك مصر بعد وفاة أخيه الملك العزيز فأخذها أيضا منه ثم ملك صرخد فأخذها منه وأعجب من هذا أنني رأيت بالبيت المقدس سارية من الرخام ملقاه في بيعة صهيون ليس يوجد مثلها فقال القس الذي بالبيعة هذه كان قد أخذها الملك الأفضل لينقلها إلى دمشق ثم ان العادل أخذها بعد ذلك من الأفضل طلبها منه فأخذها وهذا غاية وهو من اعجب ما يحكي وكان العادل قد قسم البلاد في حياته بين أولاده فجعل بمصر الملك الكامل محمدا وبدمشق والقدس وكبرية والأردن والكرك وغيرها من الحصون المجاورة لها ابنه المعظم عيسى وجعل بعض ديار الجزيرة وميافارقين وخلاط وأعمالها لابنه الملك الأشرف موسى وأعطى الرها لولده شهاب الدين غازي وأعطى قلعة جعفر لولده الحافظ أرسلان شاه فلما توفي ثبت كل منهم في المملكة التي أعطاه إياها أبوه واتفقوا اتفاقا حسنا لم يجر بينهم من الاختلاف ما جرى العادة ان يجري بين أولاد الملوك بعد آبائهم بل كانوا كالنفس الواحدة كل منهم يثق إلى الاخر بحيث يحضر عنده منفردا من عسكره ولا يخافه فلا جرم زاد ملكهم ورأوا من نفاذ الأمر والحكم ما لم يره ابوهم ولعمري أنهم نعم الملوك فيهم الحلم والجهاد والذب عن الاسلام وفي نوبة دمياط كفاية
وأما الملك الأشرف فليس للمال عنده محل بل يمطره مطرا كثيرا كعفته عن أموال الرعية دائم الإحسان لا يسمع سعاية ساع
ذكر عدة حوادث
ص 393
في هذه السنة في ذي القعدة رحل الملك الكامل بن العادل عن أرض دمياط لأنه بلغه أن جماعة من الأمراء قد اجتمعوا على تمليك أخيه الفائز عوضه فخافهم ففارق منزلته فانتقل الفرنج إليها وحصروا حينئذ دمياط برا وبحرا وتمكنوا من ذلك وقد تقدم مستقصى سنة اربع عشرة وستمائة
وفيها في المحرم توفي شرف الدين محمد بن علوان بن مهاجر الفقيه الشافعي وكان مدرسا في عدة مدارس بالموصل وكان صالحا كثير الخير والدين سليم القلب رحمه الله
وفيها توفي عز الدين نجاح الشرابي خاص الخليفة واقرب الناس اليه وكان الحاكم في دولته كثير العدل والإحسان والمعروف والعصبية للناس وأما عقله وتدبيره فإليه كانت النهاية وبه يضرب المثل
وفيها توفي علي بن نصر بن هارون أبو الحسن الحلي النحوي الملقب بالحجة قرأ على الخشاب وغيره
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.