الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
52

ثم دخلت سنة أربع عشر وستمائة

الجزء العاشر 7 عنصر صفحة 370
ذكر ملك خوارزم شاه بلد الجبل ص 370

في هذه السنة سار خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش إلى بلاد الجبل فملكها وكان سبب حركته في هذا الوقت اشياء أحدها انه كان قد استولى على ما وراء النهر وظفر بالخطا وعظم أمره وعلا شأنه واطاعه القريب والبعيد ومنها أنه كان يهوى أن يخطب له ببغداد ويلقب بالسطلان وكان الأمر بالصد لأنه كان لا يجد من ديوان الخلافة قبولا وكان سبيله إذا ورد إلى بغداد ان يقدم غيره عليه ولعل في عسكره مائة مثل الذي يقدم سبيله عليه فكان إذا سمع ذلك يغضبه ومنها ان اغلمش لما ملك بلاد الجبل خطب له فيها جميعها كما ذكرناه فلما قتله الباطنية غضب له وخرج لئلا تخرج البلاد عن طاعته فسار مجدا في عساكر تطبق الأرض فوصل إلى الري فملكها

وكان أتابك سعد بن دكلا صاحب بلاد فارس لما بلغه مقتل أغلمش جمع عساكره وسار نحو بلاد الجبل طمعا في تملكها لخلوها عن حام وممانع فوصل إلى أصفهان فاطاعه أهلها وسار منها يريد الري ولم يعلم بقدوم خوارزم شاه فلقيه مقدمة خوارزم شاه فظنها عساكر تلك الديار قد اجتمعت لقتاله ومنعه عن البلاد فقاتلهم وجد في محاربتهم حتى كاد يهزمهم فبينما هو كذلك وإذ هو قد ظهر له جتر خوارزم شاه فسأل عنه فأخبر به فاستسلم وانهزمت عساكره وأخذ أسيرا وحمل إلى بين يدي خوارزم شاه فأكرمه ووعده الإحسان والجميل وأمنه على نفسه واستحلفه على طاعته واستقرت القاعدة بينهما على ان يسلم بعض البلاد إليه ويبقي بعضها واطلقه وسير معه جيشا إلى بلاد فارس ليسلم إليهم ما استقرت القاعدة عليه فلما قدم على ولده الأكبر رآه قد تغلب على بلاد فارس فامتنع من التسليم إلى أبيه ثم إنه ملك البلاد كما نذكره وخطب فيها لخوارزم شاه وسار خوارزم شاه إلى ساوة فملكها وأقطعها العماد الملك عارض جيشه وهو من أهلها ثم سار إلى قزوين وزنجان وأبهر فملكها كلها بغير ممانع ولا مدافع ثم سار إلى همذان فملكها واقطع البلاد لأصحابه وملك اصفهان وكذلك قم وقاشان واستوعب ملك جميع البلاد واستقرت القاعدة بينه وبين أوزبك بن البهلوان صاحب اذربيجان وأران بان يخطب له اوزبك في بلاده ويدخل في طاعته ثم انه عزم على المسير إلى بغداد فقدم بين يديه أميرا كبيرا في خمسة عشر الف فارس واقطعه حلوان فسار حتى وصل إليها ثم أتبعه بأمير آخر فلما سار عن همذان يومين أو ثلاثة سقط عليهم من الثلج ما لم يسمع بمثله فهلكت دوابهم ومات كثير منهم وطمع فيمن بقي بنو ترجم الأتراك وبنو هكار الأكراد فتخطفوهم فلم يرجع منهم إلى خوارزم شاه إلا اليسير فتطير خوارزم شاه من ذلك الطريق وعزم على العود إلى خراسان خوفا من التتر لأنه ظن أنه يقضي حاجته ويفرغ من إرادته في المدة اليسيرة فخاب ظنه ورأى البيكار بين يديه طويلا فعزم على العود فولى همذان اميرا من أقاربه من جهة والدته يقال له طائيسي وجعل في البلاد جميعها ابنه ركن الدين وجعل معه متوليا لأمر دولته عماد الملك الساوي وكان عظيم القدر عنده وكان يحرص على قصد العراق

وعاد خوارزم شاه إلى خراسان فوصل إلى مرو في المحرم سنة خمس عشرة وستمائة وسار من وجهه إلى ما وراء النهر ولما قدم إلى نيسابور جلس يوم الجمعة عند المنبر وأمر الخطيب بترك الخطبة للخليفة الناصر لدين الله وقال إنه قد مات وكان ذلك في ذي القعدة سنة أربع عشر وستمائة ولما قدم مرو قطع الخطبة بها وكذلك ببلخ وبخارى وسرخس وبقي خوارزم وسمرقند وهراة لم تقطع الخطبة فيها إلا عن قصد لتركها لأن البلاد كانت لا تعارض من اشباه هذا ان احبوا خطبوا وإن ارادوا قطعوا فبقيت كذلك إلى أن كان منه ما كان وهذه من جملة سعادات هذا البيت الشريف العباسي لم يقصده أحد بأذى إلا لقيه فعله وخبث نيته لا جرم لم يمهل هذا خوارزم شاه حتى جرى له ما نذكره مما لم يسمع بمثله في الدنيا قديما ولا حديثا

ذكر ما جرى لأتابك سعد مع اولاده ص 371

لما قتل أغلمش صاحب بلاد الجبل همذان وأصفهان وما بينهما من البلاد جمع أتابك سعد بن دكلا صاحب فارس عساكره وسار عن بلاده أصفهان فملكها وأطاعه أهلها فطمع تلك البلاد جميعها فسار عن أصفهان إلى الري فلما وصل إليها لقي عساكر خوارزمشاه قد وصلت كما ذكرناه فعزم على محاربة مقدمة العسكر فقاتلها حتى كاد يهزمها فظهرت عساكر خوارزم شاه ورأى الجتر فسقط في يده والقى نفسه وضعفت قوته وقوة عسكره فولوا الأدبار وأخذ أتابك سعد أسيرا وأحضر بين يدي خواروزمشاه فأكرمه وطيب نفسه ووعده الإحسان واستصحبه معه إلى ان وصل إلى اصفهان فسيره منها إلى بلاده وهي تجاورها وسير معه عسكرا مع أمير كبير ليتسلم منه ما كان استقر بينهما فإنهما اتفقا على ان يكون لخوارزمشاه بعض البلاد ولأتابك سعد بعضها وتكون الخطبة لخوارزمشاه في البلاد جميعها وكان أتابك سعد قد استخلف ابنا له على البلاد فلما سمع الابن بأسر أبيه خطب لنفسه بالمملكة وقطع خطبة أبيه فلما وصل أبوه ومعه عسكر خوارزمشاه امتنع الابن من تسليم البلاد إلى أبيه وجمع العساكر وخرج يقاتله فلما تراءى الجمعان انحازت عساكر فارس إلى صاحبهم أتابك سعد وتركوا ابنه في خصاصته فحمل على أبيه فلما رآه أبوه ظن أنه لم يعرفه فقال له أنا فلان فقال إياك أردت فحينئذ امتنع منه وولى الابن منهزما ووصل أتابك سعد إلى البلاد فدخلها مالكا لها وأخذ ابنه اسيرا فسجنه إلى الآن إلا أنني سمعت الآن وهو سنة عشرين وستمائة أنه قد خفف حبسه ووسع عليه ولما عاد خوارزم شاه إلى خراسان غدر سعد بالأمير الذي عنده فقتله ورفع عن طاعة خوارزم شاه واشتغل خوارزم شاه بالحادثة العظمى التي شغلته عن هذا وغيره لكن الله انتقم له بابنه غياث الدين كما ذكرناه سنة عشرين وستمائة لأن سعدا كفر إحسان خوارزم شاه وكفر الإحسان عظيم العقوبة

ذكر ظهور الفرنج إلى الشام ومسيرهم إلى ديار مصر وملكهم مدينة دمياط وعودها إلى المسلمين ص 372

كان من أول هذه الحادثة إلى آخرها اربع سنين غير شهر وإنما ذكرناها ههنا لأن ظهورهم كان فيها وسقناها سياقة متتابعة ليتلو بعضها بعضا فنقول في هذه السنة وصلت أمداد الفرنج في البحر من رومية الكبرى وغيرها من بلاد الفرنج في الغرب والشمال إلا أن المتولي لها كان صاحب رومية لأنه ينزل عند الفرنج بمنزلة عظيمة لا يرون مخالفة أمره ولا العدول عن حكمه فيما سرهم وساءهم فجهز العساكر من عنده مع جماعة من مقدمي الفرنج وأمر غيره من ملوك الفرنج أن يسير بنفسه أو يرسل جيشا ففعلوا ما أمرهم فاجتمعوا بعكا من ساحل الشام وكان الملك العادل أبو بكر ابن أيوب بمصر فسار منها إلى الشام فوصل إلى الرملة ومنها إلى لد وبرز الفرنج من عكا ليقصدوه فسار العادل نحوهم فوصل إلى نابلس عازما على أن يسبقهم إلى أطراف البلاد مما يلي عكا ليحميها منهم فساروا هم فسبقوه فنزل على بيسان من الأردن فتقدم الفرنج إليه في شعبان عازمين على محاربته لعلمهم أنه في قلة من العسكر لأن العساكر كانت متفرقة في البلاد فلما رأى العادل قربهم منه لم ير أن يلقاهم في الطائفة التي معه خوفا من هزيمة تكون عليه وكان حازما كثير الحذر ففارق بيسان نحو دمشق ليقيم بالقرب منها ويرسل إلى البلاد ويجمع العساكر فوصل إلى مرج الصفر فنزل فيه وكان أهل بيسان وتلك الأعمال لما رأوا الملك العادل عندهم اطمأنوا فلم يفارقوا بلادهم ظنا منهم أن الفرنج لا يقدمون عليه فلما أقدموا على غفلة من الناس فلم يقدر على النجاة إلا القليل فأخذ الفرنج كل ما في بيسان من ذخائر قد جمعت وكانت كثيرة وغنموا شيئا كثيرا ونهبوا البلاد من بيسان إلى بانياس وبثوا السرايا في القرى فوصلت إلى خسفين ونوى وأطراف السواد ونازلوا بانياس وأقاموا عليها ثلاثة أيام ثم عادوا عنها إلى مرج عكا ومعهم من الغنائم والسبي والأسرى ما لا يحصى كثرة سوى ما قتلوا وأحرقوا وأهلكوا فأقاموا أياما استراحوا ثم جاؤوا إلى صور وقصدوا بلد الشقيف ونزلوا بينهم وبين بانياس مقدار فرسخين فنهبوا البلاد صيدا والشقيف وعادوا إلى عكا وكان هذا من نصف رمضان إلى العيد والذي سلم من تلك البلاد كان مخفا حتى قدر على النجاة ولقد بلغني أن العادل لما سار إلى مرج الصفر رأى في طريقه رجلا يحمل شيئا وهو يمشي تارة وتارة يقعد ليستريح فعدل العادل إليه وحده فقال له يا شيخ لا تعجل وارفق بنفسك فعرفه الرجل فقال يا سلطان المسلمين أنت لا تعجل فإنا إذا رأيناك قد سرت إلى بلادك وتركتنا مع الاعداء كيف لا نعجل وبالجملة الذي فعله العادل هو الحزم والمصلحة لئلا يخاطر باللقاء على حال تفرق من العساكر ولما نزل العادل على مرج الصفر سير ولده الملك المعظم عيسى وهو صاحب دمشق في قطعة صالحة من الجيش إلى نابلس ليمنع الفرنج عن البيت المقدس

ذكر حصر الفرنج قلعة الطور وتخريبها ص 374

لما نزل الفرنج بمرج عكا تجهزوا وأخذوا معهم آلة الحصار من مجانيق وغيرها وقصدوا قلعة الطور وهي قلعة منيعة على رأس جبل بالقرب من عكا كان العادل قد بناها عن قريب فتقدموا إليها وحصروها وزحفوا اليها وصعدوا في جبلها حتى وصلوا إلى سورها وكادوا يملكونه فاتفق ان بعض المسلمين ممن فيها قتل بعض ملوكهم فعادوا عن القلعة فتركوها وقصدوا عكا وكان مدة مقامهم على الطور سبعة عشر يوما ولما فارقوا الطور أقاموا قريبا ثم ساروا في البحر إلى ديار مصر على ما نذكره إن شاء الله تعالى فتوجه الملك المعظم إلى قلعة الطور فخربها إلى ان الحقها بالأرض لأنها بالقرب من عكا ويتعذر حفظها

ذكر حصر الفرنج دمياط إلى أن ملكوها ص 374

لما عاد الفرنج من حصار الطور أقاموا بعكا إلى أن دخلت سنة خمس عشرة وستمائة فساروا في البحر إلى دمياط فوصلوا في صفر فأرسلوا إلى بر الجيزة بينهم وبين دمياط النيل فإن بعض النيل يصب في البحر المالح عند دمياط وقد بني في النيل برج كبير منيع وجعلوا فيه سلاسل من حديد غلاظ ومدوها في النيل إلى سور دمياط لتمنع المراكب الواصلة من البحر المالح ان تصعد في النيل إلى ديار مصر ولولا هذا البرج وهذه السلاسل لكانت مراكب العدو لا يقدر أحد على منعها عن اقاصي ديار مصر وأدانيها فلما نزل الفرنج على بر الجيزة وبينهم وبين دمياط النيل بنوا عليهم سورا وجعلوا خندقا يمنعهم ممن يريدهم وشرعوا في قتال من بدمياط وعملوا آلات ومرمات وأبراجا يزحفون بها في المراكب إلى هذا البرج ليقاتلوه ويملكوه وكان البرج مشحونا بالرجال وقد نزل الملك الكامل ابن الملك العادل وهو صاحب دمياط وجميع ديار مصر بمنزلة تعرف بالعادلية بالقرب من دمياط والعساكر متصلة من عنده إلى دمياط ليمنع العدو من العبور إلى أرضها وأدام الفرنج قتال البرج وتابعوه فلم يظفروا منه بشيء وكسرت مرماتهم وآلاتهم ومع هذا غهم ملازمون لقتاله فبقوا كذلك أربعة اشهر ولم يقدروا على أخذه ثم بعد ذلك ملكوا البرج فلما ملكوه قطعوا السلاسل لتدخل مراكبهم من البحر المالح في النيل ويتحكموا في البر فنصب الملك عوض السلاسل جسرا عظيما امتنعوا به من سلوك النيل ثم انهم قاتلوا عليه أيضا قتالا شديدا كثيرا متتابعا حتى قطعوه فلما قطع اخذ الملك الكامل عدة مراكب كبار وملأها وخرقها في النيل فمنعت المراكب من سلوكه فلما رأى الفرنج ذلك قصدوا خليجا هناك يعرف بالأزرق كان النيل يجري عليه قديما فحفروا ذلك الخليج وعمقوه فوق المراكب التي جعلت في النيل واجروا الماء فيه إلى البحر المالح واصعدوا مراكبهم فيه إلى موضع يقال له بورة على ارض الجيزة ايضا مقابل المنزلة التي فيها الملك الكامل ليقاتلوه من هناك فإنهم لم يكن لهم إليه طريق يقاتلوه في الماء وزحفوا اليه غير مرة فلم يظفروا بطائل ولم يتغير على أهل دمياط شيء لأن الميرة والأمداد متصلة بهم والنيل يحجز بينهم وبين الفرنج فهم ممتنعون لا يصل اليهم اذى وأبوابها مفتحة وليس عليها من الحصر ضيق ولا ضرر فاتفق لما يريد الله عز وجل أن الملك العادل توفي في جمادى الآخرة من سنة خمس عشر وستمائة على ما نذكره إن شاء الله فضعفت نفوس الناس لأنه السلطان حقيقة وأولاده وإن كانوا ملوكا إلا أنهم بحكمه والأمر إليه وهو ملكهم البلاد فاتفق موته والحال هكذا من مقاتلة العدو

وكان من جملة الأمراء بمصر أمير يقال له عماد الدين أحمد بن علي ويعرف بابن المشطوب وهو من الأكراد الهكارية وهو اكبر أمير بمصر وله لفيف كثير وجميع الأمراء ينقادون اليه ويطيعونه لا سيما الأكراد فاتفق هذا الأمير مع غيره من الأمراء وأرادوا ان يخلعوا الملك الكامل من الملك ويملكوا أخاه الملك الفائز بن العادل ليصير الحكم اليهم عليه وعلى البلاد فبلغ الخبر إلى الكامل ففارق المنزلة ليلا جريدة وسار إلى قرية يقال لها شمعون طناح فنزل عندها واصبح العسكر وقد فقدوا سلطانهم فركب كل انسان منهم هواه ولم يقف الأخ على أخيه ولم يقدروا على أخذ شيء من خيامهم وذخائرهم وأموالهم وأسلحتهم الا اليسير الذي يخف حمله وتركوا الباقي بحاله من ميرة وسلاح ودواب وخيام وغير ذلك ولحقوا بالكامل وأما الفرنج فإنهم اصبحوا من الغد فلم يروا من المسلمين أحذا على شاطئ النيل كجاري عادتهم فبقوا لا يدرون ما الخبر وإذا قد أتاهم من اخبرهم الخبر على حقيقته فعبروا حينئذ النيل إلى بر دمياط آمنين بغير منازع ولا مانع وكان عبورهم في العشرين من ذي القعدة سنة خمس عشرة وستمائة فغنموا ما في عسكر المسلمين فكان عظيما يعجز العادين وكان الملك الكامل قد فارق الديار المصرية لأنه لم يثق بأحد من عسكره وكان الفرنج ملكوا الجميع بغير تعب ولا مشقة فاتفق من لطف الله تعالى بالمسلمين ان الملك المعظم عيسى بن الملك العادل وصل إلى أخيه الكامل بعد هذه الحركة بيومين والناس في أمر مريج فقوي به قلبه واشتد ظهره وثبت جنانه وأقام بمنزلته وأخرجوا ابن المشطوب إلى الشام فاتصل بالملك الأشرف وصار من جنده فلما عبر الفرنج إلى ارض دمياط اجتمعت العرب على اختلاف قبائلها ونهبوا البلاد المجاورة لدمياط وقطعوا الطريق وأفسدوا وبالغوا في الإفساد فكانوا أشد على المسلمين من الفرنج

وكان اضر شيء على أهل دمياط أنها لم يكن بها من العسكر أحد لأن السلطان ومن معه من العساكر كانوا عندها يمنعون العدو عنها فأتتهم هذه الحركة بغتة فلم يدخلها أحد من العسكر وكان ذلك من فعل ابن المشطوب لا جرم لم يمهله الله وأخذه اخذة رابية على ما نذكره إن شاء الله واحاط الفرنج بدمياط وقاتلوها برا وبحرا وعملوا عليهم خندقا يمنعهم ممن يريدهم من المسلمين وهذه كانت عادتهم وأداموا القتال واشتد الأمر على أهلها وتعذرت عليهم الأقوات وغيرها وسئموا القتال وملازمته لأن الفرنج كانوا يتناوبون القتال عليهم لكثرتهم وليس بدمياط من الكثرة ما يجعلون القتال بينهم مناوبة ومع هذا فصبروا صبرا لم يسمع بمثله وكثر القتل فيهم والجراج والموت والأمراض ودام الحصار عليهم إلى السابع والعشرين من شعبان سنة ست عشرة وستمائة فعجز من بقي من أهلها عن الحفظ لقلتهم وتعذر القوت عندهم فسلموا البلد ألى الفرنج في هذا التاريخ بالأمان فخرج منهم قوة وأقام آخرون لعجزهم عن الحركة فتفرقوا أيدي سبا

ذكر ملك المسلمين دمياط من الفرنج ص 376

لما ملك الفرنج دمياط اقاموا بها وبثوا سراياهم في كل ما جاورهم من البلاد ينهبون ويقتلون فجلى أهله عنها وشرعوا في عمارتها وتحصينها وبالغوا في ذلك حتى انها بقيت لا ترام وأما الملك الكامل فانه أقام بالقرب منهم في اطراف بلاده يحميها ولما سمع الفرنج في بلادهم بفتح دمياط على أصحابهم اقبلوا يهرعون من كل فج عميق واصبحت دار هجرتهم وعاد الملك المعظم صاحب دمشق إلى الشام فخرب البيت المقدس في ذي القعدة من السنة وإنما فعل ذلك لأن الناس كافة خافوا الفرنج وأشرف الإسلام وكافة أهله وبلاده على خطة خسف في شرق الأرض وغربها وأقبل التتر من المشرق حتى وصلوا إلى نواحي العراق وأذربيجان وأران وغيرها على ما نذكره إن شاء الله تعالى

واقبل الفرنج من المغرب فملكوا مثل دمياط في الديار المصرية مع عدم الحصون المانعة بها من الأعداء وأشرف على سائر البلاد بمصر والشام وصاروا يتوقعون البلاء صباحا ومساء وأراد أهل مصر الجلاء عن بلادهم خوفا من العدو ولات حين مناص والعدو قد أحاط بهم من كل جانب ولو مكنهم الكامل من ذلك لتركوا البلاد خاوية على عروشها وإنما منعوا منه فثبتوا وتابع الملك الكامل كتبه إلى أخويه المعظم صاحب دمشق والملك الأشرف موسى بن العادل صاحب ديار الجزيرة وأرمينية وغيرهما يستنجدهما ويحثهما على الحضور بأنفسهما فإن لم يمكن فيرسلان العساكر إليه فسار صاحب دمشق إلى الأشرف بنفسه فرآه مشغولا عن انجاده بما دهمه من اختلاف الكلمة عليه وزوال الطاعة عن كثير ممن كان يطيعه ونحن نذكر ذلك سنة خمس عشرة وستمائة إن شاء الله عند وفاة الملك القاهر صاحب الموصل فليطلب من هناك فعذره وعاد عنه وبقي الأمر كذلك مع الفرنج فأمر الملك الأشرف فزال الخلف من بلاده ورجع الملوك الخارجون عن طاعته إليه واستقامت له الأمور إلى سنة ثمان عشرة وستمائة والملك الكامل مقابل الفرنج فلما دخلت سنة ثمان عشرة وستمائة علو بزوال المانع للأشرف عن انجاده فأرسل إلى دمشق فيمن معه من العساكر والعود إلى بلاده خوفا من اختلاف يحدث فلم يقبل قولهم

وقال قد خرجت للجهاد ولا بد من إتمام ذلك العزم فسار إلى مصر وكان الفرنج قد ساروا عن دمياط الفارس والراجل وقصدوا الملك الكامل ونزلوا مقابله بينهما خليج من النيل يسمى بحر أشمون وهم يرمون بالمنجنيق والجرخ إلى عسكر المسلمين وقد تيقنوا هم وكل الناس أنهم يملكون الديار المصرية وأما الأشرف فإنه سار حتى وصل مصر فلما سمع أخوه الكامل بقربه منهم توجه اليه فلقيه واستبشر هو وكافة المسلمين باجتماعهما لعل الله يحدث بذلك نصرا وظفرا

وأما الملك المعظم صاحب دمشق فإنه سار أيضا إلى ديار مصر وقصد دمياط ظنا منه أن اخويه وعسكريهما قد نازلوها وقيل بل أخبر في الطريق أن الفرنج قد توجهوا إلى دمياط فسابهم اليها ليلقاهم من بين أيديهم وأخواه من خلفهم والله أعلم ولما اجتمع الأشرف بالكامل استقر الأمر بينهما على التقدم إلى خليج من النيل يعرف ببحر المحلة فتقدموا إليه فقاتلوا الفرنج وزادادوا قربا وتقدمت شواني المسلمين من النيل وقاتلوا شواني الفرنج فأخذوا منها ثلاث قطع بمن فيها من الرجال وما فيها من الأموال والسلاح ففرح المسلمون بذلك واستبشروا وتفاءلوا وقويت نفوسهم واستطالوا على عدوهم

هذا يجري والرسل مترددة بينهم في تقرير قاعدة الصلح وبذل المسلمون لهم تسليم البيت المقدس وعسقلان وطبرية وصيدا وجبلة واللاذقية وجميع ما فتحه صلاح الدين ما عدا الكرك ليسلموا دمياط فلم يرضوا وطلبوا ثلاثمائة ألف دينار عوضا عن تخريب القدس ليعمروه بها فلم يتم بينهم أمر وقالوا لا بد من الكرك فبينما الأمر في هذا وهم يمنعون فاضطر المسلمون إلى قتالهم وكان الفرنج لاقتدارهم في نفوسهم لم يستصحبوا معهم ما يقوتهم عدة ايام ظنا منهم أن العساكر الإسلامية لا تقوم لهم وان القرى والسواد جميعه يبقى بأيديهم يأخذون منه ما أرادوا من الميرة لأمر يريده الله تعالى بهم فعبر طائفة من المسلمين إلى الأرض التي عليها الفرنج ففجروا النيل فركب الماء اكثر تلك الأرض ولم يبق للفرنج جهة يسلكون منها غير جهة واحدة فيها ضيق فنصب الكامل حينئذ الجسور على النيل عند اشمون وعبرت العساكر عليها فملك الطريق الذي يسلكه الفرنج ان ارادوا العود إلى دمياط فلم يبق لهم خلاص واتفق في تلك الحال انه وصل إليهم مركب كبير للفرنج من أعظم المراكب يسمى مرمة وحوله عدة حراقات تحميه والجميع مملوءة من الميرة والسلاح وما يحتاجون اليه فوقع عليها شواني المسلمين وقاتلوهم فظفروا بالمرمة وبما معها من الحراقات وأخذوها فلما رأى الفرنج ذلك سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا الصواب بمفارقة دمياط في أرض يجهلونها هذا وعساكر المسلمين محيطة بهم يرمونهم بالنشاب ويحملون على أطرافهم فلما اشتد الأمر على الفرنج احرقوا خيامهم ومجانيقهم وأثقالهم وأرادوا الزحف إلى المسلمين ومقاتلتهم لعلهم يقدرون على العود إلى دمياط فرأوا ما أملوه بعيدا وحيل بينهم وبين ما يشتهون لكثرة الوحل والمياه حولهم والوجه الذي يقدرون على سلوكه قد ملكه المسلمون فلما تيقنوا أنهم قد أحيط بهم من سائر جهاتهم وأن ميرتهم قد تعذر عليهم وصولها وان المنايا قد كشرت لهم عن أنيابها ذلت نفوسهم وتنكست صلبانهم وضل عنهم شيطانهم فراسلوا الملك الكامل والأشرف يطلبون الأمان ليسلموا دمياط بغير عوض فبينما المراسلات مترددة اذ اقبل جيش كبير لهم رهجشديد وجلبة عظيمة من جهة دمياط فظنه المسلمون نجدة اتت للفرنج فاستشعروا وإذ هو الملك المعظم صاحب دمشق قد وصل اليهم وكان قد جعل طريقه على دمياط لما ذكرناه فاستدت ظهور المسلمين وازداد الفرنج خذلانا ووهنا وتمموا الصلح على تسليم دمياط واستقرت القاعدة والأيمان سابع رجب من سنة ثمان عشر وستمائة وانتقل ملوك الفرنج وكنودهم وقمامصتهم إلى الملك الكامل والأشرف رهائن على تسليم دمياط ملك عكا ونائب بابا صاحب رومية وكندريش وغيرهم وعدتهم عشرون ملكا وراسلوا قسوسهم ورهبانهم إلى دمياط في تسليمها فلم يمتنع من بها وسلموها إلى المسلمين تاسع رجب المذكور وكان يوما مشهودا ومن العجب ان المسلمين لما تسلموها وصلت للفرنج نجدة في البحر فلو سبقوا المسلمين اليها لامتنعوا من تسليمها ولكن سبقهم المسلمون ليقضي الله امرا كان مفعولا ولم يبق بها من اهلها الا آحاد وتفرقوا ايدي سبا بعضهم سار عنها باختياره وبعضهم مات وبعضهم أخذه الفرنج ولما دخلها المسلمون رأوها حصينة قد حصنها الفرنج تحصينا عظيما بحيث بقيت لا ترام ولا يوصل اليها وأعاد الله سبحانه وتعالى الحق إلى نصابه ورده إلى اربابه واعطى المسلمين ظفرا لم يكن في حسابهم فإنهم كانت غاية امانيهم ان يسلموا البلاد التي اخذت منهم بالشام ليعيدوا دمياط فرزقهم الله إعادة دمياط وبقيت البلاد بأيديهم على حالها فالله المحمود المشكور على ما أنعم به على الاسلام والمسلمين من كف عادية هذا العدو وكفاهم شر التتر على ما نذكره ان شاء الله تعالى

ذكر عدة حوادث ص 379

في هذه السنة في المحرم كانت ببغداد فتنة بين اخل المأمونية وبين أهل باب الأزج بسبب قتل سبع وزاد الشر بينهم واقتتلوا فجرح بينهم كثير فحضر نائب الباب وكفهم عن ذلك فلم يقبلوا ذلك واسمعوه يكره فأرسل من الديوان امير من مماليك الخليفة فرد أهل كل محلة إلى محلتهم وسكنت الفتنة

وفيها كثر الفار ببلدة دجيل من اعمال بغداد فكان الانسان لا يقدر أن يجلس إلا معه عصا يرد الفار عنه وكان يرى الكثير منه ظاهرا يتبع بعضه بعضا

وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة لم يشاهد في قديم الزمان مثلها وأشرفت بغداد على الغرق فركب الوزير وكافة الأمراء والأعيان وجمعوا الخلق العظيم من العامة وغيرهم لعمل القورج حول البلد وقلق الناس لذلك وانزعجوا وعاينوا الهلاك واعدوا السفن لينجوا فيها وظهر الخليفة للناس وحثهم على العمل وكان مما قال لهم لو كان يفدى ما أرى بمال أو غيره لفعلت ولو دفع بحرب لفعلت ولكن أمر الله لا يرد ونبع الماء من البلاليع والآبار من الجانب الشرقي وغرق كثير منه وغرق مشهد أبي حنيفة وبعض الرصافة وجامع المهدي وقربة الملكية والكشك وانقطعت الصلاة بجامع السلطان وأما الجانب الغربي فتهدم اكثر القرية ونهر عيسر والشطيات وخربت البساتين ومشهد باب التين ومقبرة أحمد بن حنبل والحريم الظاهري وبعض باب البصرة والدور التي على نهر عيسى واكثر محلة قطفتا

وفيها توفي أحمد بن أبي الفضائل عبد المنعم بن أبي البركات محمد بن طاهر بن سعيد بن فضل الله بن سعيد بن أبي الخير الميهني الصوفي أبو الفضل شيخ رباط الخليفة ببغداد وكان صالحا من بيت التصوف والصلاح

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.