في هذه السنة في جمادى الآخر توفي الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف بن ايوب وهو صاحب مدينة حلب ومنبج وغيرهما من بلاد الشام وكان مرضه إسهالا وكان شديد السيرة ضابطا لأموره كلها كثير الجمع للأموال من غير جهاتها المعتادة عظيم العقوبة على الذنب لا يرى الصفح وله مقصد يقصده كثير من أهل البيوتات من اطراف البلاد والشعراء وأهل الدين وغيرهم فيكرمهم ويجري عليهم الجاري الحسن ولما اشتدت علته عهد بالملك بعده لولد له صغير اسمه محمد ولقبه الملك العزيز غياث الدين عمره ثلاث سنين وعدل عن ولد كبير لأن الصغير كانت أمه ابنة عمه الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب مصر ودمشق وغيرهما من البلاد فعهد بالملك له ليبقي عمه البلاد عليع ولا ينازعه فيها ومن أعجب ما يحكى ان الملك الظاهر قبل مرضه أرسل رسولا إلى عمه العادل بمصر يطلب منه ان يخلف لولده الصغير فقال العادل سبحان الله أي حاجة إلى هذه اليمين الملك الظاهر مثل بعض أولادي فقال الرسول وقد طلب هذا واختاره ولا بد من اجابته اليه فقال العادل كم من كبش في المرعى وخروف عند القصاب وحلف فاتفق في تلك اليام أن توفي الملك الظاهر والرسول في الطريق ولما عهد الظاهر إلى ولده بالملك جعل أتابكه ومربيه خادما رومسا اسمه طغريل ولقبه شهاب الدين وهو من خيار عباد الله كثير الصدقة والمعروف ولما توفي الظاهر أحسن هذا شهاب الدين السيرة في الناس وعدل فيهم وأزال كثيرا من السنن الجارية واعاد املاكا كانت قد اخذت من اربابها وقام بتربية الطفل احسن قيام وحفظ بلاده واستقامت الأمور بحسن سيرته وعدله وملك ما كان يتعذر على الظاهر ملكه فمن ذلك تل باشر كان الملك الظاهر لا يقدر ان يتعرض إليه فلما توفي ملكها كيكاوس ملك الروم كما نذكره إن شاء الله تعالى انتقلت إلى شهاب الدين وما اقبح بالملوك وابناء الملوك ان يكون الرجل الغريب المنفرد احسن سيرة واعف من اموال الرعية وأقرب إلى الخير منهم ولا اعلم اليوم في ولاة امور المسلمين احسن سيرة منه فالله يبقيه ويدفع عنه فلقد بلغني عنه كل حسن وجميل
ثم دخلت سنة ثلاث عشر وستمائة
في هذه السنة في المحرم وقع بالبصرة برد كثير وهو مع كثرته عظيم القدر قيل كان اصغره مثل النارنجة الكبيرة وقيل في أكبره ما يستحي الانسان ان يذكره فكسر كثيرا من رؤوس النخيل وفي المحرم ايضا سير الخليفة الناصر لدين الله ولدي ابنه المعظم علي إلى تستر وهما المؤيد والموفق وسار معهما مؤيد الدين النائب عن الوزارة وعز الدين الشرابي فأقاما بها يسيرا ثم عاد الموفق مع الوزير والشرابي إلى بغداد أواخر ربيع الآخر
وفيها في صفر هبت ببغداد ريح سوداء شديدة كثيرة الغبار والقيام وألقت رملا كثيرا وقلعت كثيرا من الشجر فخاف الناس وتضرعوا ودامت من العشاء الآخرة إلى ثلث الليل وانكشفت
وفيها توفي التاج زيد بن الحسن بن زيد الكندي أبو اليمن البغدادي المولد والمنشأ انتقل بالشام فأقام بدمشق وكان إماما في النحو واللغة وله الاسناد العالي في الحديث وكان ذا فنون كثيرة من انواع العلوم رحمه الله
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
