الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
50

ثم دخلت سنة اثنتي عشر وستمائة

الجزء العاشر 5 عنصر صفحة 363
ذكر قتل منكلي وولاية اغلمش ما كان بيده من الممالك ص 363

في هذه السنة في جمادى الأولى انهزم منكلي صاحب همذان وأصفهان والري وما بينهم من البلاد ومضى هاربا فقتل وسبب ذلك أنه كان قد ملك البلاد كما ذكرناه وقتل ايتغمش فأرسل إليه من الديوان الخلفي رسول ينكر ذلك عليه وكان اوحش الأمير أوزبك بن البهلوان صاحب اذربيجان وهو صاحبه ومخفأرسل الخليفة اليه يحرضه على منكلي ويعده النصرة وأرسل ايضا إلى جلال الدين الايماعيلي صاحب قلاع الاسماعيلية ببلاد العجم الموت وغيرها يأمره بمساعدة أوزبك على قتال منكلي واستقرت القاعدة بينهم على أن يكون للخليفة بعض البلاد ولأوزبك بعضها ويعطي جلال الدين بعضها فلما استقرت القواعد على ذلك جهز الخليفة عسكرا كثيرا وجعل مقدمهم مملوكه مظفر الدين سنقر المقلب بوجه السبع وأرسل إلى مظفر الدين كوكبري بن زين الدين على كوجك وهو اذ ذاك صاحب إربل وشهرزور واعمالها يأمره أن يحضر بعساكره ويكون مقدم العساكر جميعها وإليه المرجع في الحرب فحضر وحضر معه عسكر الموصل وديار الجزيرة وعسكر حلب فاجتمعت عساكر كثيرة وساروا إلى همذان فاجتمعت العساكر كلها فانزاح منكلي من بين أيديهم وتعلق بالجبال وتبعوه فنزلوا بسفح جبل هو في أعلاء بالقرب من مدينة كرج وضاقت الميرة والأقوات على العسكر الخليفي جميعه ومن معهم فلو أقام منكلي بموضعه لم يمكنهم المقام عليه اكثر من عشرة أيام لكنه طمع فنزل ببعض عسكره من الجبل مقابل الأمير أوزبك فحملوا عليه فلم يثبت أوزبك ومضى منهزما فعاد اصحاب منكلي وصعدا الجبل وعاد اوزبك إلى خيامه فطمع منكلي حينئذ ونزل من الغد في جميع عسكره واصطدمت العساكر للحرب واقتتلوا اشد قتال يكون فانهزم منكلي وصعد الجبل فلو أقام بمكانه لم يقدر أحد على الصعود إليه وكان قصاراهم العود عنه لكنه اتخذ الليل جملا وفارق موضعه ومضى منهزما فاتبعه نفر يسير من عسكره وفارقه الباقون وتفرقوا أيدي سبا واستولى عسكر الخليفة وأوزبك على البلاد فاعطى جلال الدين ملك الاسماعيلية من البلاد ما كان استقر له وأخذ الباقي أوزبك فسلمها إلى اغلمش مملوك أخيه وكان قد توجه إلى خوارزمشاه علاء الدين محمد وبقي عنده ثم عاد عنه وشهد الحرب وأبلى فيها فولاه أوزبك البلاد وعاد كل طائفة من العسكر إلى بلادهم وأما منكلي فإنه مضى منهزما إلى مدينة ساوة وبها شحنة هو صديق له فأرسل إليه يستأذنه في الدخول إلى البلد فأذن له ودخل اليه وخرج فلقيه وقبل الأرض بين يديه وادخله البلد وأنزله في داره ثم أخذ سلاحه وأراد أن يقيده ويرسله إلى أغلمش فسأله ان يقتله هو ولا يرسله فقتله وأرسل رأسه إلى أوزبك وأرسله أوزبك إلى بغداد وكان يوم دخولها يوما مشهودا إلا أنه لم تتم المسيرة للخليفة بذلك فانه وصل ومات ولده في تلك الحال فأعيد ودفن

ذكر وفاة ابن الخليفة ص 364

في هذه السنة في العشرين من ذي القعدة توفي ولد الخليفة وهو الأصغر وكان يلقب الملك المعظم واسمه أبو الحسن علي وكان احب ولدي الخليفة إليه وقد رشحه لولاية العهد بعده وعزل ولده الأكبر عن ولاية العهد واطرحه لأجل هذا الولد وكان رحمه الله كريما كثير الصدقة والمعروف حسن السيرة محبوبا إلى الخاص والعام وكان سبب موته أنه اصابه إسهال فتوفي وحزن عليه الخليفة حزنا لم يسمع بمثله حتى انه ارسل إلى اصحاب الأطراف ينهاهم عن انفاذ رسول اليه يعزيه بولده ولم يقرأ كتابا ولا سمع رسالة وانقطع وخلا بهمومه واحزانه ورؤي عليه من الحزن والجزع ما لم يسمع بمثله ولما توفي اخرج نهارا ومشى جميع الناس بين يدي تابوته إلى تربة جدته عند قبر معروف الكرخي فدفن عندها ولما أدخل التابوت اغلقت الأبواب وسمع الصراخ العظيم من داخل التربة فقيل إن ذلك صوت الخليفة وأما العامة ببغداد فإنهم وجدوا عليه وجدا شديدا ودامت المناحات عليه في اقطار بغداد ليلا ونهارا ولم يبق ببغداد محلة إلا فيها النوح ولم تبق امرأة إلا وأظهرت الحزن وما سمع ببغداد مثل ذلك في قديم الزمان وحديثه وكان موته وقت وصول رأس منكلي إلى بغداد فإن الموكب أمر بالخروج إلى لقاء الرأس فخرج الناس كافة فلما دخلوا بالرأس درب حبيب وقع الصوت بموت ابن الخليفة فأعيد الرأس وهذا دأب الدنيا لا يصفو أبدا فرحها من ترح وقد تخلص مصائبها من شائبة الترح

ذكر ملك خوارزمشاه غزنة واعمالها ص 365

في هذه السنة في شعبان ملك خوارزمشاه محمد بن تكش مدينة غزنة واعمالها وسبب ذلك أن خوارزمشاه لما استولى على عامة خراسان وملك باميان وغيرها ارسل إلى تاج الدين صاحب غزنة وقد تقدمت اخباره حتى ملكها يطلب منه ان يخطب له ويضرب السكة باسمه ويرسل إليه فيلا واحدا ليصالحه وبيده غزنة ولا يعارضه فيها فأحضر الأمراء واعيان دولته واستشارهم وكان فيهم اكبر امير اسمع قتلغ تكين وهو من مماليك شهاب الدين الغوري ايضا وإليه الحكم في دولة الدز وهو النائب عنه يغزنة فقال الرأي أن يخطب له وتعطيه ما طلب وتستريح من الحرب والقتال وليس لنا بهذا السلطان قوة فقال الجماعة مثل قوله فأجاب إلى ما طلب منه وخطب لخوارزمشاه وضرب السكة باسمه وأرسل إليه رسولا وأعاد رسوله اليه ومضى إلى الصيد فأرسل قتلغ تكين من غزنة إلى خوارزمشاه يطلبه ليسلم إليه غزنة فسار مجدا وسبق خبره فسلم إليه قتلغ تكين غزنة وقلعتها فلما دخل اليها قتل من بها من عسكر الغورية لا سيما الأتراك فوصل الخبر إلى الدز بذلك فقال ما فعل قتلغ تكين وكيف ملك القلعة مع وجوده فيها فقيل هو الذي احضره وسلم إليه فمضى هاربا هو ومن معه إلى لهاوور وأقام خوارزمشاه بغزنة فلما تمكن منها احضر قتلغ تكين فقال له كيف حالك مع الدز وكان عالما به وإنما أراد أن تكون له الحجة عليه فقال كلآنا مماليك شهاب الدين ولم يكن الدز يقيم بغزنة إلا أربعة اشهر الصيف وانا الحاكم فيها والمرجع إلييي في كل الأمور فقال له خوارزمشاه اذا كنت لا ترعى لرفيقك ومن احسن اليك صحبته وإحسانه فكيف يكون حالي أنا معك وما الذي تصنع مع ولدي إذا تركته عندك فقبض عليه وأخذ منه أموالا جمة حملها ثلاثون دابة من أصناف الأموال والأمتعة وأحضر أربعمائة مملوك فلما أخذ ماله قتله وترك ولده جلال الدين بغزنة مع جماعة من عسكره وامرائه وقيل إن ملك خوارزمشاه غزنة كان سنة ثلاث عشرة وستمائة

ذكر استيلاء الدز على لهاوور وقتله ص 366

لما هرب الدز من غزنة إلى لهاوور لقيه صاحبها ماصر الدين قباجة وهو من مماليك شهاب الدين الغوري أيضا وله من البلاد لهاوور وملتان وأوجه وديبل وغير ذلك إلى ساحل البحر ومعه نحو خمسة عشر الف فارس وكان قد بقي مع الدز نحو الف وخمسمائة فارس فوقع بينهما مصاف واقتتلوا فانهزمت ميمنة الدز وميسرته وأخذت الفيلة التي معه ولم يبق له غير فيلين معه في القلب فقال الفيال إذا اخاطر بسعادتك وأمر أحد الفيلين ان يحمل على العلم الذي لقباجة يأخذه وأمر الفيل الآخر الذي له ايضا ان يأخذ الجتر الذي له فأخذه ايضا والفيلة المعلمة تفهم ما يقال لها هذا رأيناه فحمل الفيلان وحمل معهما الدز فيمن بقي عنده من العسكر وكشف رأسه وقال بالعجمية ما معناه إما ملك وإما هلك واختلط الناس بعضهم ببعض وفعل الغيلان ما أمرهما الفيال من أخذ العلم والختر فانهزم قباجة وعسكره وملك الدز مدينة لهاوور ثم سار إلى بلاد الهند ليملك مدينة دهلة وغيرها مما بيد المسلمين وكان صاحب دهلة امير اسمه الترمش ولقبه شمس الدين وهو من مماليك قطب الدين أيبك مملوك شهاب الدين أيضا وكان قد ملك الهند بعد سيده فلما سمع به الترمش سار اليه في عساكره كلها فلقيه عند مدينة سمانا فاقتتلوا فانهزم الدز وعسكره واخذ وقتل وكان الدز محمود السيرة في ولايته كثير العدل والاحسان الر الرعية لا سيما التجار والغرباء ومن محاسن اعماله انه كان له اولاد ولهم معلم يعلمهم فضرب المعلم احدهم فمات فاحضره الدز وقال له يا مسكين ما حملك على هذا فقال والله ما أردت إلا تأديبه فاتفق ان مات

فقال صدقت وأعطاه نفقة وقال له تغيب فان أمه لا تقدر على الصبر فربما اهلكتك لا اقدر أمنع عنك فلما سمعت أم الصبي بموته طلبت الأستاذ لتقتله فلم تجده فسلم وكان هذا من احسن ما يحكى عن أحد من الناس

ذكر عدة حوادث ص 366

في هذه السنة توفي الوجيه المبارك بن أبي الأزهر سعيد بن الدهان الواسطي النحوي الضرير كان نحريرا فاضلا قرأ على الكمال بن الأنباري وعلى غيره وكان حنبليا فصار حنفيا ثم صار شافعيا فقال فيه أبو البركات بن زيد التكريتي

( ألا مبلغا عني الوجيه رسالة % وإن كان لا تجدي لديه الرسائل )

( تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل % وفارقته إذ اعوزتك المآكل )

( وما اخترت رأي الشافعي تدينا % ولكنما تهوى الذي هو حاصل )

( وعما قليل أنت لا شك صائر % إلى مالك فافطن لما أنا قائل )

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.