ذكر وفاة المستنجد بالله
ص 27
في هذه السنة تاسع ربيع الآخر توفي المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله وقد تقدم باقي النسب في غير موضع وأمه أم ولد اسمها طاوس وقيل نرجس رومية ومولده مستهل ربيع الآخر سنة عشر وخمسمائة وكان أسمر تام القامة طويل اللحية وكان سبب موته أنه مرض واشتد مرضه وكان قد خافه أستاذ الدار عضد الدين أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء وقطب الدين قايماز المقتفوي وهو حينئذ أكبر أمير ببغداد فلما اشتد مرض الخليفة اتفقا ووضعا الطبيب على أن يصف له ما يؤذيه فوصف له دخول الحمام فامتنع لضعفه ثم إنه دخل وأغلق عليه بابه فمات وهكذا سمعت من غير واحد ممن يعلم الحال وقيل إن الخليفة كتب إلى وزيره مع طبيبه ابن صفية يأمره بالقبض على أستاذ الدار وقطب الدين وصلبهما فاجتمع ابن صفية بأستاذ الدار وأعطاه خط الخليفة فقال له تعود وتقول إنني أوصلت الخط إلى الوزير ففعل ذلك وحضر أستاذ الدار قطب الدين ويزدن أخاه تنامش وعرض الخط عليهم فاتفقوا على قتل الخليفة فدخل إليه يزدن وقايماز الحميدي فحملاه إلى الحمام وهو يستغيث وألقياه وأغلقا الباب عليه وهو يصيح إلى أن مات رحمه الله وكانوزيره أبا جعفر بن البلدي وبينه وبين أستاذ الدار وبين قطب الدين عداوة مستحكمة لأن المستنجد بالله كان يأمره بأشياء تتعلق بهما فيفعلهما فكانا يظنان أنه هو الذي يسعى بهما فلما مرض المستنجد وأرجف بموته ركب الوزير ومعه الأمراء والأجناد وغيرهما بالعدد فلم يتحقق عنده خبر موته فأرسل إليه عضد الدين يقول إن أمير المؤمنين قد خف ما به من المرض وأقبلت العافية فخاف الوزير أن يدخل دار الخلافة بالجند فربما أنكر عليه ذلك فعاد إلى داره وتفرق الناس عنه وكان عضد الدين وقطب الدين قد استعد للهرب لما ركب الوزير خوفا منه إن دخل الدار أن يأخذهما فلما عاد أغلق أستاذ الدار أبواب الدار وأظهروا وفاة المستنجد وأحضر هو وقطب الدين ابنه أبا محمد الحسن وبايعاه بالخلافة ولقباه المستضيء بأمر الله وشرطا عليه شروطا أن يكون عضد الدين وزيرا وابنه كمال الدين أستاذ الدار وقطب الدين أمير العسكر فأجابهم إلى ذلك ولم يتول الخلافة من اسمه الحسن إلا الحسن ابن علي بن أبي طالب والمستضيء بأمر الله واتفقا في الكنية والكرم فبايعه أهل بيته البيعة الخاصة يوم توفي أبوه وبايعه الناس من الغد في التاج بيعة عامة وأظهر من العدل أضعاف ما عمل أبوه وفرق أموالا جليلة المقدار وعلم الوزير ابن البلدي فسقط في يده وقرع سنة ندما على ما فرط في عوده حيث لا ينفعه وأتاه من يستدعيه للجلوس للعزاء والبيعة للمستضيئ فمضى إلى دار الخلافة فلما دخلها صرف إلى موضع وقتل وقطع قطعا وألقي في دجلة رحمه الله وأخذا جميع ما في داره فرأيا فيها خطوط المستنجد بالله يأمره فيها بالقبض عليهما وخط الوزير قد راجعه في ذلك وصرفه عنه فلما وقفا عليها عرفا براءته مما كانا يظنا فيه فندما حيث فرطا في قتله وكان المستنجد بالله من أحسن الخلفاء سيرة مع الرعية عادلا فيهم كثير الرفق بهم وأطلق كثيرا من المكوس ولم يترك بالعراق منها شيئا وكان شديدا على أهل العيث والفساد والسعاية بالناس
بلغني أنه قبض على إنسان كان يسعى بالناس فأطال حبسه فشفع فيه بعض أصحابه المختصين بخدمته وبذل عنه عشرة آلاف دينار فقال أنا أعطيك عشرة آلاف دينار وتحضر لي إنسانا آخر مثله لأكف شره عن الناس ولم يطلقه ورد كثيرا من الأموال على أصحابها أيضا وقبض على القاضي ابن المرخم وأخذ منه مالا كثيرا فأعاده على أصحابه أيضا وكان ابن المرخم ظالما جائرا في أحكامه
ذكر ملك نور الدين الموصل وإقرار سيف الدين عليها
ص 28
لما بلغ نور الدين محمودا وفاة أخيه قطب الدين مودود صاحب الموصل وملك ولده سيف الدين غازي الموصل والبلاد التي كانت لأبيه بعد وفاته وقام فخر الدين عبد المسيح بالأمر معه وتحكمه عليه وكان يبغض فخر الدين لما يبلغه عنه من خشونة سياسته فقال أنا أولى بتدبير أولاد أخي وملكهم وسار عند انقضاء العزاء جريدة في قلة من العسكر وعبر الفرات عند قلعة جعبر مستهل المحرم من هذه السنة وقصد الرقة فحصرها وأخذها ثم سار إلى الخابور فملكه جميعه وملك نصيبين وأقام بها فجمع العساكر فأتاه بها نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود صاحب حصن كيفا وكثر جمعه وكان قد ترك أكثر عساكره بالشام لحفظ ثغوره فلما اجتمعت العساكر سار إلى سنجار فحصرها ونصب المنجنيقات وملكها وسلمها إلى عماد الدين ابن أخيه قطب الدين وكان قد جاءته كتب الأمراء الذين بالموصل سرا يبذلون له الطاعة ويحثونه على الوصول إليهم فسار إلى الموصل فأتى مدينة بلد وعبر دجلة عندها مخاضة إلى الجانب الشرقي وسار فنزل شرقي الموصل على حصن نينوى ودجلة بينه وبين الموصل ومن العجب أن يوم نزوله سقط من سور الموصل بدنة كبيرة وكان سيف الدين غازي قد سير عز الدين مسعود بن قطب الدين إلى أتابك شمس الدين أيلدكز صاحب همذان وبلد الجبل وأذربيجان وأصفهان والري وتلك الأعمال يستنجده على عمه نور الدين فأرسل أيلدكز رسولا إلى نور الدين ينهاه عن التعرض إلى الموصل وقول له إن هذه البلاد للسلطان فلا تقصدها فلم يلتفت إليه وقال للرسول قل لصاحبك أنا أصلح لأولاد أخي منك فلم تدخل نفسك بيننا وعند الفراغ من إصلاح بلادهم يكون الحديث معك على باب همذان فإنك قد ملكت هذه المملكة العظيمة وأهملت الثغور حتى غلب الكرج عليها وقد بليت أنا ولي مثل ربع بلادك بالفرنج وهم أشجع العالم فأخذت معظم بلادهم وأسرت ملوكهم ولا يحل لي السكوت عنك فإنه يجب علينا القيام بحفظ ما أهملت وإزالة الظلم عن المسلمين فأقام نور الدين على الموصل فعزم من بها من الأمراء على مجاهرة فخر الدين عبد المسيح وتسليم البلد إلى نور الدين فعلم ذلك فأرسل إلى نور الدين في تسليم البلد إليه على أن يقره بيد سيف الدين ويطلب لنفسه الأمان ولما له فأجابه إلى ذلك وشرط أن فخر الدين يأخذه معه إلى الشام ويعطيه عنده إقطاعا يرضيه فتسلم البلد ثالث عشر جمادى الأولى من هذه السنة ودخل القلعة من باب السر لأنه لما بلغه عصيان عبد المسيح عليه حلف أن لا يدخلها إلا من أحصن موضع فيها ولما ملكها أطلق ما بها من المكوس وغيرها من أبواب المظالم وكذلك فعل بنصيبين وسنجار والخابور وهكذا كان جميع بلاده من الشام ومصر ووصله وهو على الموصل يحاصرها خلعة من الخليفة المستضيء بأمر الله فلبسها ولما ملك الموصل خلعها على سيف الدين ابن اخيه وأمره وهو بالموصل بعمارة الجامع النوري وركب هو بنفسه إلى موضعه فرآه وصعد منارة مسجد أبي حاضر فأشرف منها على موضع الجامع فأمر أن يضاف إلى الأرض التي شاهدها ما يجاورها من الدور والحوانيت وأن لا يؤخذ منها شيء بغير اختيار أصحابه وولي الشيخ محمد لملا عمارته وكان من الصالحين الأخيار فاشترى الأملاك من أصحابها بأوفر الأثمان وعمره فخرج عليه أموال كثيرة وفرغ من عمارته سنة ثمان وستين وخمسمائة
وأما نور الدين فإنه عاد إلى الشام واستناب في قلعة الموصل خصيا كان له اسمه كمشتكين ولقبه سعد الدين وأمر سيف الدين أن لا ينفرد عنه بقليل من الأمور ولا بكثير وحكمه وأقطع مدينة سنجار لعماد الدين ابن اخيه قطب الدين فلما فعل ذلك قال كمال الدين بن الشهرزوري هذا طريق إلى أذى يحصل ببيت أتابك لأن عماد الدين كبير لا يرى طاعة سيف الدين وسيف الدين هو الملك لا يرى الإغضاء لعماد الدين فيحصل الخلف ويطمع الأعداء فكان كذلك على ما نذكره سنة سبعين وخمسمائة وكان مقام نور الدين بالموصل أربعة وعشرين يوما واستصحب معه فخر الدين عبد المسيح وغير اسمه فسماه عبد الله وأقطعه إقطاعا كبيرا
ذكر غزو صلاح الدين بلاد الفرنج وفتح أيلة
ص 30
وفي هذه السنة سار صلاح الدين أيضا عن مصر إلى بلاد الفرنج فأغار على أعمال عسقلان والرمة وهجم على ربض غزة فنهبه وأتاه ملك الفرنج في قلة من العسكر مسرعين لرده عن البلاد فقاتلهم وهزمهم وأفلت ملك الفرنج بعد أن أشرف أن يؤخذ أسيرا وعاد إلى مصر وعمل مراكب مفصلة وحملها قطعا على الجمال في البر وقصد أيلة فجمع قطع المراكب وألقاها في البحر وحصر أيلة برا وبحرا وفتحها في العشر الأول من ربيع الآخر واستباح أهلها وما فيها وعاد إلى مصر
ذكر ما اعتمده صلاح الدين بمصر هذه السنة
ص 30
كان بمصر دار للشحنة تسمى دار المعونة يحبس فيها من يريد جبسه فهدمها صلاح الدين وبناها مدرسة للشافعية وأزال ما كان فيها من الظلم وبنى دار العدل مدرسة للشافعية أيضا وعزل قضاة المصريين وكانوا شيعة وأقام قاضيا شافعيا في مصر فاستناب القضاة الشافعية في جميع البلاد في العشرين من جمادى الآخرة
ذكر عدة حوادث
ص 31
$ في هذه السنة اشترى تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين منازل العز بمصر وبناها مدرسة للشافعية
وفيها أغار شمس الدولة تورانشاه أخو صلاح الدين على الأعراب الذين بالصعيد وكانوا قد أفسدوا في البلاد ومدوا أيديهم فكفوا عما كانوا يفعلونه
وفيها مات القاضي ابن الخلال من أعيان الكتاب المصريين وفضلائهم وكان صاحب ديوان الإنشاء بها
وفيها وقع حريق ببغداد في درب المطبخ وفي خرابة ابن جردة
وفيها توفي الأمير نصر بن المستظهر بالله عم المستنجد بالله وحموه وهو آخر من مات من أولاد المستظهر بالله وكان موته في ذي القعدة ودفن في الترب بالرصافة
وفيها جعل ظهير الدين أبو بكر نصر بن العطار صاحب المخزن ببغداد ولقب ظهير الدين
وفيها حج بالناس الأمير طاشتكين المستنجدي وكان نعم الأمير رحمه الله
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.