الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
41

ثم دخلت سنة ثلاث وستمائة

الجزء العاشر 9 عنصر صفحة 322
ذكر ملك عباس باميان وعودها إلى ابن أخيه ص 322

في هذه السنة ملك عباس باميان من علاء الدين وجلال الدين ولدي أخيه بهاء الدين وسبب ذلك أن عسكر باميان لما انهزموا من الدز وعادوا إليها أخبروا أن علاء الدين وجلال الدين أسرا وأن الدز ومن معه غنموا ما في أيديهما فأخذ وزير أبيهما المعروف بالصاحب من الأموال كثيرا ومن الجواهر وغيرها من التحف وأخذ فيلا وسار إلى خوارزم شاه يستنجده على الدز ليسير معه عسكرا يستخلص به صاحبه فلما فارق باميان ورأى عمهما عباس خلو البلد منه ومن ابني أخيه جمع أصحابه وقام في البلد فملكه وصعد إلى القلعة فملكها وأخرج اصحاب ابني اخيه جمع أصحابه وقام في البلد فملكه وصعد إلى القلعة فملكها وأخرج اصحاب ابني اخيه علاء الدين وجلال الدين منها فبلغ الخبر إلى الوزير السائر إلى خوارزم شاه فعاد إلى باميان وجمع الجموع الكثيرة وحصر عباسا في القلعة وكان مطاعا في جميع ممالك بهاء الدين وولديه من بعده وأقام محاصرا إلا أنه لم يكن معه من المال ما يقوم بما يحتاج إليه إنما كان معه ما أخذه إلى خوارزم شاه فلما خلص جلال الدين من أسر الدز على ما نذكره وسار إلى باميان فوصل إلى أرصف وهي مدينة باميان وجاء إليه وزير أبيه الصاحب واجتمع به وسار إلى القلاع وأرسبوا عباسا المنقلب عليها ولاطفوه فسلم الجميع إلى جلال الدين وقال إنما حفظتها خوفا أن يأخذها خوارزم شاه فاستحسن فعله وعاد إلى مكة

ذكر ملك خوارزم شاه الطالقان ص 322

لما سلم خوارزم شاه ترمذ إلى الخطا سار عنها إلى ميهنة واندخوي وكتب إلى سونج أمير الشكار نائب غياث الدين محمود بالطالقان يستميله فعاد الرسول خائبا لم يجبه سونج إلى ما أراد منه وجمع عسكره وخرج يحارب خوارزم شاه فالتقوا بالقرب من الطالقان فلما تقابل العسكران حمل سونج وحده مجدا حتى قارب عسكر خوارزم شاه فالقى نفسه إلى الأرض ورمى سلاحه عنه وقبل الأرض وسأل العفو فظن خوارزم شاه أنه سكران فلما علم أنه صاح ذمه وسبه وقال من يثق إلى هذا وأشباهه ولم يلتفت إليه وأخذ ما بالطالقان من مال وسلاح ودواب وأنفذه إلى غياث الدين مع رسول وحمله رسالة تتضمن التقرب إليه والملاطفة له واستناب بالطالقان بعض أصحابه وسار إلى قلاع كالوين وبيوار فخرج إليه حسام الدين علي بن أبي علي صاحب كالوين وقاتله على رؤوس الجبال فأرسل إليه خوارزم شاه يتهدده إن لم يسلم إليه فقال أما أنا فمملوك وهذه الحصون فهي أمانة بيدي ولا أسلمها إلا إلى صاحبها فاستحسن خوارزم شاه منه هذا وأثنى عليه وذم سونج ولما بلغ غياث الدين خبر سونج وتسليم الطالقان إلى خوارزم شاه عظم عنده وشق عليه فسلاه أصحابه وهونوا الأمر

ولما فرغ خوارزم شاه من الطالقان سار إلى هراة فنزل بظاهرها ولم يمكن ابن خرميل أحدا من الخوارزميين أن يتطرق بالأذى إلى أهلها وإنما كان يجتمع منهم الجماعة بعد الجماعة فيقطعون الطريق وهذه عادة الخوارزميين ووصل رسول غياث الدين إلى خوارزم شاه بالهدايا ورأى الناس عجبا وذلك أن الخوارزميين لا يذكرون غياث الدين الكبير والد هذا غياث الدين ولا يذكرون أيضا شهاب الدين أخاه وهما حيان إلا بالغوري صاحب غزنة وكان وزير خوارزم شاه الآن مع عظم شأنه وقلة شأن غياث الدين هذا لا يذكره إلا بمولانا السلطان مع ضعفه وعجزه وقلة بلاده وأما ابن خرميل فإنه سار من هراة في جمع من عسكر خوارزم شاه فنزل على اسفرار في صفر وكان صاحبها قد توجه إلى غياث الدين فحصرها وأرسل إلى من بها يقسم بالله لئن سلموها أن يؤمنهم وإن امتنعوا أقام عليهم إلى أن يأخذهم فإذا أخذهم قهرا لا يبقي على كبير ولا صغير فخافوا فسلموها في ربيع الأول فأمنهم ولم يتعرض إلى أهلها بسوء فلما أخذها أرسل إلى حرب بن محمد صاحب سجستان يدعوه إلى طاعة خوارز شاه والخطبة له ببلاده فأجابه إلى ذلك وكان غياث الدين قد راسله قبل ذلك في الخطبة والدخول في طاعته فغالطه ولم يجبه إلى ما طلب ولما كان خوارزم شاه على هراة عاد إليها القاضي صاعد بن الفضل الذي كان ابن خرميل قد أخرجه من هراة في العام الماضي وسار إلى غياث الدين فعاد الآن من عنده فلما وصل قال ابن خرميل لخوارزم شاه إن هذا يميل إلى الغورية ويريد دولتهم ووقع فيه فسجنه خوارزم شاه بقلعة زوزن وولى القضاء بهراة الصفي أبا بكر بن محمد السرخسي وكان ينوب عن صاعد وابنه في القضاء بهراة

ذكر حال غياث الدين مع الدز وأيبك ص 324

لما عاد الدز إلى غزنة وأسر علاء الدين وأخاه جلال الدين كما ذكرناه وكتب اليه غياث الدين يطالبه بالخطبة له فأجابه في هذه المدة أشد منه فيما تقدم وأعاد غياث الدين اليه يقول إما أن تخطب لنا وإما أن تعرفنا ما في نفسك فلما وصل الرسول بهذا أحضر خطيب غزنة وأمره يخطب لنفسه بعد الترحم على شهاب الدين فخطب لتاج الدين الدز بغزنة فلما سمع الناس ذلك ساءهم وتغيرت نياتهم ونيات الأتراك الذين معه ولم يروه أهلا أن يخدموه وإنما كانوا يطيعونه ظنا منهم أنه ينصر دولة غياث الدين فلما خطب لنفسه أرسل إلى غياث الدين يقول له بماذا تشتط علي وتتحكم هذه الخزانة نحن جمعناها بأسيافنا وهذا الملك قد أخذته وأنت قد اجتمع عندك الذين هم اساس الفتنة وأقطعتهم الإقطاعات ووعدتني بأمور لم تف بها فإن أنت اعتقتني خطبت لك وحضرت خدمتك فلما وصل الرسول أجابه غياث الدين إلى عتق الدز بعد الامتناع الشديد والعزم على مصالحة خوارزم شاه على ما يريد وقصد غزنة ومحاربته بها فلما أجابه إلى العتق أشهد عليه به وأشهد عليه أيضا بعتق قطب الدين أيبك مملوك شهاب الدين ونائبه وببلاد الهند وأرسل إلى كل واحد منهما ألف قباء وألف قلنسوة ومناطق الذهب وسيوفا كثيرا وجترين ومائة رأس من الخيل وأرسل إلى كل واحد منهما رسولا فقبل الدز الخلع ورد الجتر وقال نحن عبيد ومماليك والجتر له أصحاب وسار رسول أيبك إليه وكان بفرشابور قد ضبط المملكة وحفظ البلاد ومنع المفسدين من الفساد والأذى والناس معه في أمن فلما قرب الرسول منه لقيه على بعد وترجل وقبل حافر الفرس ولبس الخلعة وقال أما الجتر فلا يصلح للمماليك وأما العتق فمقبول وسوف اجازيه بعبودية الأبد وأما خوارزم ساه فإنه أرسل إلى غياث الدين يطلب منه أن يتصاهرا ويطلب منه ابن خرميل صاحب هراة إلى طاعته ويسير معه في العساكر إلى غزنة فإذا ملكها من الدز اقتسموا المال أثلاثا ثلثا لخوارزم شاه وثلثا لغياث الدين وثلثا للعسكر فأجابه إلى ذلك ولم يبق إلا الصلح فوصل الخبر إلى خواروزم شاه بموت صاحب مازندران فسار عن هراة إلى مرو

وسمع الدز بالصلح فجزع لذلك جزعا عظيما ظهر أثره عليه وأرسل إلى غياث الدين يقول له ما حملك على هذا فقال حملني عليه عصيانك وخلافك علي فثار الدز إلى تكياباذ فأخذها وإلى بست وتلك الأعمال فملكها وقطع خطبة غياث الدين منها وأرسل إلى صاحب سجستان بأمره بإعادة الترحم على شهاب الدين وقطع خطبة خوارزم شاه وأرسل إلى ابن خرميل صاحب هراة بمثل ذلك وتهددهما بقصد بلادهما فخالفه الناس ثم إن الدز أخرج جلال الدين صاحب باميان من أسره وسير معه خمسة آلاف فارس مع أيدكز التتر مملوك شهاب الدين إلى باميان ليعيدوه إلى ملكه ويزيلوا ابن عمه عنه وزوجه ابنته وسار ومعه ايدكز فلما خلا به لامه على لبسه خلعة الدز وقال أنتم ما رضيتم تلبسون خلعة غياث الدين وهو أكبر سنا منكم وأشرف بيتا تلبس خلعة هذا المزبون يعني الدز ودعاه إلى العود معه إلى غزنة واعلمه أن الأتراك كلهم مجمعون على خلاف الدز فلم يجبه إلى ذلك فقال ايدكز فإني لا أسير معك وعاد إلى كابل وهي أقطاعه فلما وصل ايدكز إلى كابل لقيه رسول من قطب الدين أيبك إلى الدز يقبح له فعله ويأمره بإقامة خطبة غياث الدين ويخبره انه قد خطب له في بلاده ويقول له إن لم يخطب له هو ايضا بغزنة ويعود إلى طاعته وإلا قصده وحاربه فلما علم ايدكز ذلك قويت نفسه على محاربة الدز وصمم العزم على قصد غزنة ووصل أيضا رسول أيبك إلى غياث الدين بالهدايا والتحف ويشير بإجابة خوارزم شاه إلى ما طلب

الآن وعند الفراغ من أمر غزنة تسهل امور خوارزم شاه وغيره وأنفذ له ذهبا عليه اسمه فكتب أيدكز إلى أيبك يعرفه عصيان الدز على غياث الدين وما فعله في البلاد وأنه على عزم مشافقة الدز وهو ينتظر أمره فأعاد أيبك جوابه يأمره بقصد غزنة فإن حصلت له القلعة أقام بها إلى أن يأتيه وإن لم تحصل له القلعة وقصده الدز انحاز إليه أو إلى غياث الدين أو يعود إلى كابل فسار إلى غزنة وكان جلال الدين قد كتب إلى الدز يخبره خبر أيدكز وما عزم عليه فكتب الدز إلى نوابه بقلعة غزنة يأمرهم بالاحتياط منه فوصلها ايدكز أول رجب من السنة وقد حذروه فلم يسلموا إليه القلعة ومنعوه عنها فأمر اصحابه بنهب البلد فنهبوا عدة مواضع منه فتوسط القاضي الحال بأن سلم إليه من الخزانة خمسين ألف دينار ركنية وأخذ له من التجار شيئا آخر وخطب أيدكز بغزنة لغياث الدين وقطع خطبة الدز ففرح الناس بذلك وكان مؤيد الملك ينوب عن الدز بالقلعة

ووصل الخبر إلى الدز بوصول أيدكز إلى غزنة ووصول رسول أيبك إليه ففت في عضده وخطب لغياث الدين في تكياباذ وأسقط اسمه من الخطبة فخطب له ورحل إلى غزنة فلما قاربها ورحل ايدكز عنها إلى بلد الغور فأقام في تمران وكتب إلى غياث الدين يخبره بحاله وأنفذ إليه المال الذي أخذه من الخزانة ومن أموال الناس فأرسل إليه يخبره بحاله وأنفذ إليه المال الذي أخذه من الخزانة ومن أموال الناس فأرسل إليه خلعا واعتقه وخاطبه بملك الأمراء ورد عليه المال الذي كان أخذه من الخزانة وقال له أما مال الخزانة فقد أعدناه إليك لتخرجه وأما أموال التجار وأهل البلد فقد أرسلته مع رسولي ليعاد إلى أربابه لئلا نفتتح دولتنا بالظلم وقد عوضتك عنه ضعفه وأرسل أموال الناس إلى غزنة إلى قاضي غزنة وأمره أن يرد المال المنفذ على أربابه فأنهى القاضي الحال إلى الدز وأشار عليه بالخطبة لغياث الدين وقال أنا أسعى في الوصلة بينكما والصلح فأمره بذلك فبلغ الخبر إلى غياث الدين فأرسل إلى القاضي ينهاه عن المجيء غليه وقال لا تسأل في عبد أبق قدبان فساده واتضح عناده فأقام هو والدز وسير غياث الدين عسكر إلى أيدكز التتر فأقاموا معه وسير الدز عسكر إلى روين كان وهي لغياث الدين وقد أقطعها لبعض الأمراء فهجموا على صاحبها فنهبوا ماله وأخذوا أولاده فنجا وحده إلى غياث الدين فاقتضى الحال أن سار غياث الدين إلى بست وتلك الولاية فاستردها وأحسن إلى أهلها وأطلق لهم خراج سنة لما نالهم من الدز من الأذى

ذكر وفاة صاحب مازندران والخلف بين أولاده ص 326

في هذه السنة توفي حسام الدين أردشير صاحب مازندران وخلف ثلاثة أولاد فملك بعده شاه تكش أخو خوارزم شاه محمد وهو ينوب عن أخيه فيها فشكا إليه ما صنع به أخوه من إخراجه من البلاد وطلب منه أن ينجده عليه ويأخذ له البلاد ليكون في طاعته فكتب علي شاه إلى أخيه خوارزم شاه في ذلك فأمره بالمسير معه إلى مازندران وأخذ البلاد له وإقامة الخطبة لخوارزم شاه فيها فساروا عن جرجان فاتفق أن حسام الدين صاحب مازندران مات في ذلك الوقت وملك البلاد بعده أخوه الأصغر واستولى على القلاع والأموال فوصل علي شاه البلاد ومعه صاحب مازندران فنهبوها وخربوها وامتنع منهم الأخ الصغير بالقلاع وأقام بقلعة كورا وهي التي فيها الأموال والذخائر وحصره فيها بعد أن ملكوا أسامة البلاد مثل سارية وآمل وغيرها من البلاد والحصون وخطب لخوارزم شاه فيها جميعها فصارت في طاعته وعاد علي شاه إلى جرجان وأقام ابن ملك مازندران في البلاد مالكها جميعها سوى القلعة التي فيها أخوه الأصغر وهو يراسله ويستميله ويستعطفه وأخوه لا يرد جوابا ولا ينزل في حصنه

ذكر ملك غياث الدين كيخسرو مدينة أنطاكية ص 327

في هذه السنة ثالث شعبان ملك غياث الدين كيخسرو صاحب قونية وبلد الروم مدينة أنطاكية بالأمان وهي للروم على ساحل البحر وسبب ذلك أنه كان حصرها قبل هذا التاريخ وأطال المقام عليها وهدم عدة أبراج من سورها ولم يبق إلا فتحها عنوة فأرسل من بها من الروم إلى الفرنج الذين بجزيرة قبرس وهي قريبة منها فاستنجدوهم فوصل إليها جماعة منهم فعند ذلك يئس غياث الدين منها ورحل عنها وترك طائفة من عسكره بالقرب منها بالجبال التي بينها وبين بلاده وأمرهم بقطع الميرة عنها فاستمر الحال على ذلك مدة حتى ضاق بأهل البلد واشتد الأمر عليهم فطلبوا من الفرنج الخروج لدفع المسلمين عن مضايقتهم فظن الفرنج أن الروم يريدون إخراجهم من المدينة بهذا السبب فوقع الخلف بينهم فاقتتلوا فأرسل الروم إلى المسلمين وطلبوهم ليسلموا إليهم البلد فوصلوا إليهم واجتمعوا معهم على قتال الفرنج فانهزم الفرنج ودخلوا الحصن فاعتصموا له فأرسل المسلمون يطلبون غياث الدين وهو بمدينة قونية فسار إليهم مجدا في طائفة من عسكره فوصلها ثاني شعبان وتقرر الحال بينه وبين الروم وتسلم المدينة ثالثة وحصر الحصن الذي فيه الفرنج وتسلمه وقتل كل من كان به من الفرنج

ذكر عزل ولد بكتمر صاحب خلاط وملك بلبان ومسير صاحب ماردين إلى خلاط ص 327

وفي هذه السنة قبض عسكر خلاط على صاحبها ولد بكتمر وملكها بلبان مملوك شاه أرمن بن سكمان وكتب اهل خلاط إلى ناصر الدين ارتق بن أيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن أيلغازي بن أرتق يستدعونه إليها وسبب ذلك أن ولد بكتمر كان صبيا جاهلا فقبض على الأمير شجاع الدين قتلغ مملوك من مماليك شاه أرمن وهو كان أتابكه ومدبر بلاده وكان حسن السيرة مع الجند والرعية فلما قتله اختلفت الكلمة عليه من الجند والعامة واشتغل هو باللهو واللعب وإدمان الشرب فكاتب جماعة من أهل خلاط وجماعة من الجند ناصر الدين صاحب ماردين يستدعونه إليهم وإنما كاتبوه دون غيره من الملوك لأن أباه قطب الدين أيلغازي كان ابن اخت شاه ارمن بن سكمان وكان شاه ارمن قد حلف له الناس في حياته لأنه لم يكن له ولد فلما تجددت بعده هذه الحادثة تذاكروا تلك الأيمان وقالوا نستدعيه ونملكه فإنه من أهل شاه ارمن فكاتبوه وطلبوه إليهم ثم ان بعض مماليك شاه أرمن اسمه بلبان وكان قد جاهر ولد بكتمر بالعداوة والعصيان سار من خلاط إلى بلاد ماز كرد وملكها واجتمع الأجناد عليه وكثر جمعه وسار إلى خلاط فملكها واتفق وصول صاحب ماردين إليها وهو يظن أن أحدا لا يمتنع عليه ويسلمون إليه المدينة فنزل قريبا من خلاط عدة أيام فأرسل إليه بلبان يقول له إن أهل خلاط قد اتهموني بالميل إليك وهم ينفرون من العرب والرأي أنك ترحل عائدا مرحلة واحدة وتقيم فإذا تسلمت البلد سلمته إليك لأنني لا يمكنني أن أملكه أنا ففعل صاحب ماردين ذلك فلما أبعد عن خلاط أرسل إليه يقول له تعود إلى بلدك وإلا جئت إليك وأوقعت بك وبمن معك وكان في قلة من الجيش فعاد إلى ماردين وكان الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب صاحب حران وديار الجزيرة قد أرسل إلى صاحب ماردين لما سمع أنه يريد قصد خلاط يقول له إن سرت إلى خلاط قصدت بلدك وانما خاف ان يملك خلاط فيقوى عليهم فلما سار إلى خلاط جمع الأشرف العساكر وسار إلى ولاية ماردين فأخذ دخلها وأقام بدنيسر حتى تجيء الأموال إليه فلما فرغ منه عاد إلى حران فكان مثل صاحب ماردين كما قيل خرجت النعامة تطلب قرنين عادت بلا أذنين

وأما بلبان فإنه جمع العسكر وحشد وحصر خلاط وضيق على أهلها وبها ولد بكتمر فجمع من عنده بالبلد من الأجناد والعامة وخرج إليه فالتقوا فانهزم بلبان ومن معه من بين يديه وعاد إلى الذي بيده من البلاد وهو ملان كرد وأرجيش وغيرهما من الحصون وجمع العساكر واستكثر منها وعاود حصار خلاط وضيق على أهلها فاضطرهم إلى خذلان ولد بكتمر لصغره وجهله بالملك واشتغاله بلهوه ولعبه ثم قبضوا عليه في القلعة وارسلوا إلى بلبان وحلفوه على ما أرادوا وسلموا إليه البلد وابن بكتمر واستولى على جميع أعمال خلاط وسجن ابن بكتمر في قلعة هناك واستقر ملكه فسبحان من إذا أراد أمرا هيأ أسبابه بالأمس يقصدها شمس الدين محمد بن البهلوان وصلاح الدين يوسف بن أيوب فلم يقدر أحدهما عليها والآن يظهر هذا المملوك العاجز القاصر عن الرجال والبلاد والأموال فيملكها صفوا عفوا ثم إن نجم الدين أيوب بن العادل صاحب ميافارقين سار نحو ولاية خلاط وكان قد استولى على عدة حصون من أعمالها منها حصن موسى ومدينته فلما قارب خلاط أظهر له بلبان العجز عن مقابلته فطمع وأوغل في القرب فأخذ عليه بلبان الطريق وقاتله فهزمه ولم يفلت من أصحابه إلا القليل وهم جرحى وعاد إلى ميافارقين

ذكر ملك الكرج مدينة قرس وموت ملكة الكرج ص 329

في هذه السنة ملك الكرج حصن قرس من أعمال خلاط وكانوا قد حصروه مدة طويلة وضيقوا على من فيه وأخذوا دخل الولاية عدة سنين وكل من نزل خلاط لا ينجدهم ولا يسعى في راحة تصل إليهم وكان الوالي بها يواصل رسله في طلب النجدة وإزاحة من عليه من الكرج فلا يجاب له دعاء فلما طال الأمر عليه ورأى أن لا ناصر له صالح الكرج على تسليم القلعة على مال كثير وأقطاع يأخذه منهم وصارت دار شرك بعد أن كانت دار توحيد فإنا لله وإنا إليه راجعون ونسأل الله أن يسهل للإسلام وأهله نصرا من عنده فإن ملوك زماننا قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم وظلمهم عن سد الثغور وحفظ البلاد ثم إن الله تعالى نظر إلى قلة ناصر الإسلام فتولاه فأمات ملكة الكرج واختلفوا فيما بينهم وكفى الله شرهم إلى آخر السنة

ذكر الحرب بين عسكر الخليفة وصاحب كرستان ص 329

في هذه السنة في رمضان سار عسكر الخليفة من خوزستان مع مملوكه سنجر وهو كان المتولي لتلك الأعمال وليها بعد موت طاشتكين أمير الحاج لأنه زوج ابنة طاشتكين إلى جبال كرستان وصاحبها يعرف بأبي طاهر وهي جبال منيعة بين فارس وأصبهان وخوزستان فقاتلوا أهلها وعادوا منهزمين وسبب ذلك أن مملوكا للخليفة الناصر لدين الله اسمه قشتمر من أكابر مماليكه كان قد فارق الخدمة لتقصير رآه من الوزير نصير الدين العلوي الرازي واجتاز بخوزستان وأخذ منها ما أمكنه ولحق بأبي طاهر صاحب كرستان فأكرمه وعظمه وزوجه ابنته ثم توفي أبو طاهر فقوي أمر قشتمر وأطاعة أهل تلك الولاية فأمر سنجر بجمع العساكر وقصده وقتاله ففعل سنجر ما أمر به وجمع العساكر وسار إليه فأرسل قشتمر يعتذر ويسأل أن لا يقصده ويخرج إلى الخروج عن العبودية ولم يقبل عذره فجمع أهل تلك الأعمال ونزل إلى العسكر فلقيهم فهزمهم وأرسل إلى صاحب فارس بن دكلا وشمس الدين أيتغمش صاحب اصبهان وهمذان والري يعرفها الحال ويقول إني لا قوة لي بعسكر الخليفة لما أضيف اليهم عساكر أخرى من بغداد وعادوا إلى حربي وحينئذ لا أقدر بهم وطلب منهما النجدة وخوفهما من عسكر الخليفة إن ملك تلك الجبال فأجاباه إلى ما طلب فقوي جنابه واستمر على حاله

ذكر عدة حوادث ص 330

في هذه السنة قتل صبي صبيا آخر ببغداد وكانا يتعاشران وعمر كل واحد منهما يقارب عشرين سنة فقال احدهما للآخر الساعة أضربك بهذه السكين يمازحه بذلك وأهوى نحوه بها فدخلت في جوفه فمات فهرب القاتل ثم أخذ وأمر به ليقتل فلما أرادوا قتله طلب دواة وبيضاء وكتب فيها من قوله

( قدمت على الكريم بغير زاد % من الأعمال بالقلب السليم )

( وسوء الظن أن تعتد زادا % إذا كان القدوم على كريم )

وفيها حج برهان الدين صدر جهان محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن مارة البخاري رئيس الحنفية ببخارا وهو كان صاحبها على الحقيقة يؤدي الخراج إلى الخطا وينوب عنهم في البلد فلما حج لم تحمد سيرته في الطريق ولم يصنع معروفا وكان قد أكرم ببغداد عند قدومه من بخارا فلما عاد لم يلفت اليه لسوء سيرته مع الحاج وسماه الحجاج صدر جهنم

وفيها في شوال مات شيخنا أبو الحرم مكي بن ريان بن شبه النحوي المقري بالموصل وكان عارفا بالنحو واللغة والقراءات لم يكن في زمانه مثله وكان ضريرا وكان يعرف سوى هذه العلوم من الفقه والحساب وغير ذلك معرفة حسنة وكان من خيار عباد الله وصالحيهم كثير التواضع لا يزال الناس يشتغلون عليه من بكرة إلى الليل

وفيها فارق أمير الحاج مظفر الدين سنقر مملوك الخليفة المعروف بوجه السبع الحاج بموضع يقال له المرخوم ومضى في طائفة من اصحابه إلى الشام وسار الحاج ومعهم الجند فوصلوا سالمين ووصل هو إلى الملك العادل أبي بكر بن أيوب فأقطعه أقطاعا كثيرا بمصر وأقام عنده إلى أن عاد إلى بغداد سنة ثمان وستمائة في جمادى الأولى فإنه لما قبض الوزير أمن على نفسه وأرسل يطلب العود فأجيب إليه فلما وصل أكرمه الخليفة وأقطعه الكوفة

وفيها في جمادى الآخرة توفي أبو الفضل عبد المنعم بن عبد العزيز الإسكندراني المعروف بابن النظروني في مارستان ببغداد وكان قد مضى إلى المايورقي في رسالة بافريقية فحصل له منه عشرة آلاف دينار مغربية ففرقها جميعها في بلده على معارفه وأصدقائه وكان فاضلا خيرا نعم الرجل رحمه الله وله شعر حسن وكان قيما بعلم الأدب وأقام بالموصل مدة واشتغل على الشيخ أبي الحرم واجتمعت به كثيرا عند الشيخ أبي الحرم رحمه الله

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.