في هذه السنة عبر علاء الدين محمد بن خوارزم شاه نهر جيحون لقتال الخطا وسبب ذلك أن الخطا كانوا قد طالت أيامهم ببلاد تركستان وما وراء النهر وثقلت وطأتهم على أهلها ولهم في كل مدينة نائب يجبي إليهم الأموال وهم يسكنون الخركاهات على عادتهم قبل أن يملكوا وكان مقامهم بنواحي أوزكند وبلاساغون وكاشغر وتلك النواحي فاتفق أن سلطان سمرقند وبخارا ويلقب خان خانان يعني سلطان السلاطين وهو من أولاد الخانية عريق النسب في الإسلام والملك أنف وضجر من تحكم الكفار على المسلمين فأرسل إلى خوارزم شاه يقول له إن الله عز وجل قد أوجب عليك بما أعطاك من سعة الملك وكثرة الجنود أن تستنقذ المسلمين وبلادهم من أيدي الكفار وتخلصهم مما يجري عليهم من التحكم في الأموال والأبشار ونحن نتفق معك على محاربة الخطا ونحمل إليك ما نحمله إليهم ونذكر اسمك في الخطبة وعلى السكة فأجابه إلى ذلك وقال أخاف أنكم لا توفون لي فسير إليه صاحب سمرقند وجوه أهل بخارا وسمرقند بعد أن حلفوا صاحبهم على الوفاء بما تضمنه وضمنوا عنه الصدق والثبات على بذل وجعلوا عنده رهائن فشرع في إصلاح أمر خراسان وتقرير قواعدها فولى أخاه علي شاه طبرستان مضافة إلى جرجان وأمر بالحفظ والاحتياط وولى الأمير كزلك خان وهو من أقارب أمه وأعيان دولته بنيسابور وجعل معه عسكرا وولى الأمير جلدك مدينة الخام وولى الأمير أمين الدين أبا بكر مدينة زوزن وكان هذا أمين الدين حمالا ثم صار أكبر الأمراء وهو الذي ملك كرمان على ما نذكره إن شاء الله تعالى وأقر الأمير الحسين على هراة وجعل معه فيها ألف فارس من الخوارزمية وصالح غياث الدين محمودا على ما بيده من بلاد الغور وكرمسير واستناب في مرو وسرخس وغيرهما من خراسان نوابا وأمرهم بحسن السياسة والحفظ والاحتياط وجمع عساكره جميعها وسار إلى خوارزم وتجهز منها وعبر جيحون واجتمع بسلطان سمرقند وسمع الخطا فحشدوا وجمعوا وجاؤوا إليه فجرى بينهم وقعات كثيرة ومغاورات فتارة له وتارة عليه
ثم دخلت سنة أربع وستمائة
ثم إن خرميل صاحب هراة رأى سوء معاملة عسكر خوارزمشاه للرعية وتعديهم إلى الأموال فقبض عليهم وحبسهم وبعث رسولا إلى خوارزمشاه يعتذر ويعرفه ما صنعوا فعظم عليه ولم يمكنه محاققته لاشتغاله بقتال الخطا فكتب اليه يتحسن فعله ويأمره بانفاذ الجند الذين قبض عليهم لحاجته إليهم وقال له إنني قد أمرت عز الدين جلدك ابن طغرل صاحب الخام أن يكون عندك لما أعلمه من عقله وحسن سيرته وأرسل إلى جلدك يأمره بالمسير إلى هراة وأسر إليه أن يحتال في القبض على حسين بن خرميل ولو أول ساعة يلقاه فسار جلدك في ألفي فارس وكان أبوه طغرل أيام السلطان سنجر واليا بهراة فهوى إليها بالأشواق يختارها على جميع خراسان فلما قارب هراة أمر ابن خرميل الناس بالخروج بتلقيه وكان للحسين وزير يعرف بخواجه الصاحب وكان كبيرا قد حنكته التجارب فقال لابن خرميل لا تخرج إلى لقائه ودعه يدخل إليك منفردا فإنني أخاف أن يغدر بك وأن يكون خوارزمشاه أمر بذلك فقال لا يجوز أن يقدم مثل هذا الأمير ولا ألتقيه وأخاف أن يضطغن ذلك على خوارزمشاه وما أظنه يتجاسر علي فخرج إليه الحسين بن خرميل فلما بصر كل واحد منهما بصاحبه ترجل للالتقاء وكان جلدك قد أمر أصحابه بالقبض عليه فاختلطوا بهما وحالوا بين ابن خرميل وأصحابه وقبضوا عليه فانهزم اصحابه ودخلوا المدينة وأخبروا الوزير بالحال فأمر بإغلاق الباب والطلوع إلى الأسوار واستعد للحصار ونزل جلدك على البلد وأرسل إلى الوزير يبذل له الأمان ويتهدده إن لم يسلم البلد بقتل ابن خرميل فنادى الوزير بشعار غياث الدين محمود الغوري وقال لجلدك لا أسلم البلد إليك ولا إلى الغادر ابن خرميل وإنما هو لغياث الدين ولأبيه قبله فقدموا ابن خرميل إلى السور فخاطب الوزير وأمره بالتسليم فلم يفعل فقتل ابن خرميل وهذه عاقبة الغدر فقد تقدم من أخباره عند شهاب الدين الغوري ما يدل على غدره وكفرانه الإحسان ممن أحسن إليه فلما قتل ابن خرميل كتب جلدك إلى خوارزمشاه بجلية الحال فأنفذ خوارزمشاه إلى كزلك خان وإلى نيسابور أمين الدين أبي بكر صاحب زوزن يأمرهما بالمسير إلى هراة وحصارها وأخذها فسارا في عشرة آلاف فارس فنزلوا على هراة وراسلوا الوزير بالتسليم فلم يلتفت إليهم وقال ليس لكم من المحل ما يسلم إليكم مثل هراة لكن إذا وصل السلطان خوارزمشاه سلمتها إليه فقاتلوه وجدوا في قتاله فلم يقدروا عليه وكان ابن خرميل قد حصن هراة وعمل لها أربعة أسوار محكمة وحفر خندقها وشحنها بالميرة فلما فرغ من كل ما أراد قال بقيت أخاف على هذه المدينة شيئا واحدا وهو ان تسكر المياه التي لها أياما كثيرة ثم ترسل دغعة واحدة فتخرق أسوارها فلما حصرها هؤلاء سمعوا قول ابن خرميل فسكروا المياه حتى اجتمعت مثيرا ثم اطلقوها على هراة فأحاطت بها ولم تصل إلى السور لأن أرض المدينة مرتفعة فامتلأ الخندق ماء وصار حولها وحل فانتقل العسكر عنهم ولم يمكنهم القتال لبعدهم عن المدينة وهذا كان قصد ابن خرميل أن يمتلئ الخندق ماء ويمنع الوحل من القرب عن المدينة فأقاموا مدة حتى نشف الماء فكان قول ابن خرميل من أحسن الحيل
ونعود إلى قتال خوارزمشاه الخطا وأسره وأما خوارزمشاه فإنه دام القتال بينه وبين الخطا ففي بعض الأيام اقتتلوا واشتد القتال ودام بينهم ثم انهزم المسلمون هزيمة قبيحة وأسر كثير منهم وقتل كثير وكان من جملة الأسرى خوارزمشاه وأسر معه أمير كبير يقال له فلان بن شهاب الدين مسعود أسرهما رجل واحد ووصلت العساكر الإسلامية إلى خوارزم ولم يروا السلطان معهم فأرسلت أخت كزلك خان صاحب نيسابور وهو يحاصر هراة وأعلمته الحال فلما أتاه الخبر سار عن هراة ليلا إلى نيسابور وأحسن به الأمير أمين الدين أبو بكر صاحب زوزن فأراد هو ومن عنده من الأمراء منعه مخافة أن يجري بينهم حرب يطمع بسببها أهل هراة فيهم فيخرجون اليهم فيبلغون منهم ما يريدونه فامسكوا عن معارضته وكان خوارزمشاه قد خرب سور نيسابور لما ملكها من الغورية فشرع كزلك خان يعمره وأدخل اليها الميرة واستكثر من الجند وعزم على الإستيلاء على خراسان إن صح فقد السلطان وبلغ خبر عدم السلطان إلى أخيه علي شاه وهو بطبرستان فدعا إلى نفسه وقطع خطبة أخيه واستعد لطلب السلطنة واختلطت خراسان اختلاطا عظيما وأما السلطان خوارزمشاه فإنه لما أسر قال له ابن شهاب الدين مسعود يجب ان تدع السلطنة في هذه الأيام وتصير خادما لعلي احتال في خلاصك فشرع يخدم ابن مسعود ويقدم له الطعام ويخلعه ثيابه وخفه ويعظمه فقال الرجل الذي أسرهما لابن مسعود أرى هذا الرجل يعظمك فمن أنت فقال أنا فلان وهذا غلامي فقال إليه وأكرمه وقال لولا أن القوم عرفوا بمكانك عندي لأطلقتك ثم تركه أياما فقال له ابن مسعود إني خاف ان يرجع المنهزمون فلا يراني أهلي معهم فيظنون أني قتلت فيعملون العزاء والمأتم وتضيق صدورهم لذلك ثم يقتسمون مالي فأهلك واحب أن تقرر علي شيئا من المال حتى أحمله إليك فقرر عليه مالا وقال له أريد أن تأمر رجلا عاقلا يذهب بكتابي إلى اهلي ويخبرهم بعافيتي ويحضر معه من يحمل المال ثم قال إن اصحابكم لا يعرفون أهلنا ولكن هذا غلامي أثق به ويصدقه أهلي فأذن له الخطائي بإنفاذه فسيره وأرسل معه الخطائي فرسا وعدة من الفرسان يحمونه فساروا حتى قاربوا خوارزم وعاد الفرسان عن خوارزمشاه ووصل خوارزمشاه إلى خوارزم فاستبشر به الناس وضربت البشائر وزينوا البلد وأتته الأخبار بما صنع كزلك بنيسابور وبما صنع أخوه علي شاه بطبرستان
لما وصل خوارزمشاه إلى خوارزم أتته الأخبار بما فعله كزلك خان وأخوه علي شاه وغيرهم فسار إلى خراسان وتبعته العساكر فتقطعت ووصل هو إليها في اليوم السادس ومعه ستة فرسان وبلغ كزلك خان وصوله فأخذ أمواله وعساكره وهرب نحو العراق وبلغ أخاه علي شاه فخافه وسار على طريق قهستان ملتجئا إلى غياث الدين محمود الغوري صاحب فيروزكوه فتلقاه وأكرمه وأنزله عنده وأما خوارزم شاه فإنه دخل نيسابور وأصلح أمرها وجعل فيها نائبا وسار إلى هراة فنزل عليها مع عسكره الذين يحاصرونه وأحسن إلى أولئك الأمراء ووثق بهم لأنهم صبروا على تلك الحال ولم يتغيروا ولم يبلغوا من هراة غرضا بحسن تدبير ذلك الوزير فأرسل خوارزمشاه إلى الوزير يقول له إنك وعدت عسكري أنك تسلم المدينة إذا حضرت فسلم فقال لا أفعل لأني أعرف أنكم غدارون لا تبقون على أحد ولا أسلم البلد إلا إلى غياث الدين محمود فغضب خوارزمشاه من ذلك وزحف إليه بعساكره فلم يكن فيه حيلة فاتفق جماعة من أهل هراة وقالوا هلك الناس من الجوع والقلة وقد تعطلت علينا معايشنا وقد مضى سنة وشهر وكان الوزير وعد تسليم البلد إلى خوارزمشاه إذا وصل إليه وقد حضر خوارزمشاه ولم يسلم ويجب أن نحتال في تسليم البلد والخلاص من هذه الشدة التي نحن فيها فانتهى ذلك إلى الوزير فبعث إليهم جماعة من عسكره وأمره بالقبض عليهم فمضى الجند إليهم فثارت فتنة في البلد عظم خطبها فاحتاج الوزير إلى تداركها بنفسه فمضى لذلك فكتب من البلد خوارزمشاه بالخبر وزحف إلى البلد وأهله مختلطون فخربوا برجين من السور ودخلوا البلد فملكوه وقبضوا على الوزير فقتله خوارزمشاه وملك البلد وذلك سنة خمس وستمائة وأصلح حاله وسلمه إلى خاله أمير ملك وهو من أعيان امرائه فلم تزل بيده حتى هلك خوارزمشاه وأما ابن شهاب الدين مسعود فإنه أقام عند الخطا مديدة فقال له الذي استأسره يوما إن خوارزمشاه قد عدم فإيش عندك من خبره فقال له أما تعرفه قال لا قال هو اسيرك الذي كان عندك
فقال لم لا عرفتني حتى كنت أخدمه وأسير بين يديه إلى مملكته قال خفتكم عليه فقال الخطائي سر بنا إليه فسار إليه فأكرمهما وأحسن إليهما وبالغ في ذلك
لما سلم خوارزمشاه هراة إلى خاله أمير ملك وسار إلى خوارزم أمره أن يقصد غياث الدين محمود بن غياث الدين محمد بن سام الغوري صاحب الغور وفيروزكوه وأن يقبض عليه وعلى أخيه علي شاه بن خوارزمشاه ويأخذ فيروزكوه من غياث الدين فسار أمير ملك إلى فيروزكوه وبلغ ذلك إلى محمود فأرسل يبذل الطاعة ويطلب الأمان فأعطاه ذلك فنزل إليه محمود فقبض عليه أمير ملك وعلى علي شاه أخي خوارزمشاه فسألاه أن يحملهما إلى خوارزمشاه ليرى فيهما رأيه فأرسل إلى خوارزمشاه يعرفه الخبر فأمره بقتلهما فقتلا في يوم واحد واستقامت خراسان كلها لخوارزمشاه وذلك سنة خمس وستمائة أيضا وهذا غياث الدين هو آخر ملوك الغورية ولقد كانت دولتهم من أحسن الدول سيرة وأعدلها وأكثرها جهادا وكان محمود هذا عادلا حليما كريما من أكرم الملوك أخلاقا رحمه الله تعالى
لما استقر أمر خراسان لمحمد خوارزمشاه وعبر نهر جيحون جمع له الخطا جمعا عظيما وساروا إليه والمقدم عليهم شيخ دولتهم القائم مقام الملك فيهم المعروف بطاينكوه وكان عمره قد جاوز مائة سنة ولقي حروبا كثيرة وكان مظفرا حسن التدبير والعقل واجتمع خوارزمشاه وصاحب سمرقند وتصافوا هم والخطا سنة ست وستمائة فجرت حروب لم يكن مثلها شدة وصبروا فانهزم الخطا هزيمة منكرة وقتل منهم وأسر خلق لا يحصى وكان فيمن أسر طاينكوه مقدمهم وجيء به إلى خوارزمشاه فأكرمه وأجلسه على سريره وسيره إلى خوارزم ثم قصد خوارزمشاه إلى بلد ما وراء النهر فملكها مدينة مدينة وناحية ناحية حتى بلغ أوزكند وجعل نوابه فيها وعاد إلى خوارزم ومعه سلطان سمرقند وكان من أحسن الناس صورة فكان أهل خوارزم يجتمعون حتى ينظروا إليه فزوجه خوارزمشاه بابنته ورده إلى سمرقند وبعث معه شحنة يكون بسمرقند على ما كان رسم الخطا
لما عاد صاحب سمرقند إليها ومعه شحنة لخوارزمشاه وأقام معه نحو سنة فرأى سوء سيرة الخوارزميين وقبح معاملتهم ندم على مفارقة الخطا فأرسل إلى ملك الخطا يدعوه إلى سمرقند ليسلمها إليه ويعود إلى طاعته وأمر بقتل كل من في سمرقند من الخوارزمية ممن سكنها قديما وحديثا وأخذ أصحاب خوارزمشاه فكان يجعل الرجل منهم قطعتين ويعلقهم في الأسواق كما يعلق القصاب اللحم وأساء غاية الإساءة ومضى إلى القلعة ليقتل زوجته ابنة خوارزمشاه فأغلقت الأبواب ووقفت بجواريهاا تمنعه وأرسلت إليه تقول أنا لمرأة وقتل مثلي قبيح ولم يكن مني اليك ما استوجب به هذا منك ولعل تركي أحمد عاقبة فاتق الله في فتركها ووكل بها من يمنعها التصرف في نفسها ووصل الخبر إلى خوارزمشاه فقامت قيامته وغضب غضبا شديدا وأمر بقتل كل من بخوارزم من الغرباء فمنعته أمه عن ذلك وقالت إن هذا قد أتاه الناس من أقطار الأرض ولم يرض كلهم بما كان من هذا الرجل فأمر بقتل أهل سمرقند فنهته أمه فانتهى وأمر عساكره بالتجهيز إلى ما وراء النهر وسيرهم أرسالا كلما تجهز جماعة عبروا جيحون فعبر منهم خلق كثير لا يحصى ثم عبر هو بنفسه في آخرهم ونزل على سمرقند وأنفذ إلى صاحبها بقول له قد فعلت ما لم يفعله مسلم واستحللت من دماء المسلمين ما لا يفعله عاقل لا مسلم ولا كافر وقد عفا الله عما سلف فاخرج من البلاد وامض حيث شئت فقال لا اخرج وافعل ما بدا لك فأمر عساكره بالزحف فأشار عليه بعض من معه بأن يأمر بعض الأمراء إذا فتحوا البلدان يقصدوا الدرب الذي يسكنه التجار فيمنع من نهبه والتطرق إليهم بسوء فإنهم غرباء وكلهم كارهون لهذا الفعل فأمر بعض الأمراء بذلك وزحف ونصب السلاليم على السور فلم يكن بأسرع من أن أخذوا البلد وأذن لعسكره بالنهب وقتل من يجدونه من أهل سمرقند فنهب البلد وقتل أهله ثلاثة أيام فيقال إنهم قتلوا منهم مائتي ألف إنسان وسلم ذلك الدرب الذي فيه الغرباء فلم يعدم منهم الفرد ولا الآدمي الواحد ثم أمر بالكف عن النهب والقتل ثم زحف إلى القلعة فرأى صاحبها ما ملأ قلبه هيبة وخوفا فأرسل يطلب الأمان فقال لا أمان لك عندي فرحفوا عليها فملكوها وأسروا صاحبها وأحضروه عند خوارزمشاه فقبل الأرض فطلب العفو فلم يعف عنه وأمر بقتله فقتل صبرا وقتل معه جماعة من أقاربه ولم يترك أحدا ممن ينسب إلى الخانية ورتب فيها وفي سائر البلاد نوابه ولم يبق لأحد معه في البلاد حكم
لما فعل خوارزم شاه بالخطا ما ذكرناه مضى من سلم منهم إلى ملكهم فإنه لم يحضر الحرب فاجتمعوا عنده وكان طائفة عظيمة من التتر قد خرجوا من بلادهم حدود الصين قديما ونزلوا وراء بلاد تركستان وكان بينهم وبين الخطا عداوة وحروب فلما سمعوا بما فعله خوارزمشاه بالخطا قصدوهم مع ملكهم كشلي خان فلما رأى ملك الخطا ذلك أرسل إلى خوارزمشاه يقول له أما ما كان منك من أخذ بلادنا وقتل رجالنا فعفو عنه وقد أتى من هذا العدو من لا قبل لنا به وإنهم إن انتصروا علينا وملكونا فلا دافع لهم عنك والمصلحة أن تسير إلينا بعساكرك وتنصرنا على قتالهم ونحن نحلف لك أننا إذا ظفرنا بهم لا نتعرض إلى ما أخذت منالبلاد ونقنع بما في أيدينا وأرسل إليه كشلي خان ملك التتر يقول إن هؤلاء الخطا اعداؤك وأعداء آبائك واعداؤنا فساعدنا عليهم ونحلف أننا إذا انتصرنا عليهم لا تقرب بلادك ونقنع بالمواضع التي ينزلونها فأجاب كلا منهما أنني معك ومعا ضدك على خصمك وسار بعساكره إلى أن نزل قريبا من الموضع الذي تصافوا فيه فلم يخالطهم مخالطة يعلم بها أنه من أحدهما فكانت كل طائفة منهم تظن أنه معها وتواقع الخطا والتتر فانهزم الخطا هزيمة عظيمة فمال حينئذ خوارزمشاه وجعل يقتل ويأسر وينهب ولم يترك احدا ينجو منهم فلم يسلم منهم إلا طائفة يسيره مع ملكهم في موضع من نواحي الترك يحيط به جبال ليس إليه طريق إلا من جهة واحدة تحصنوا فيه وانضم إلى خوارزم شاه منهم طائفة وساروا في عسكره وأنفذ خوارزمشاه إلى كشلي خان ملك التتر يمن عليه بأنه حضر لمساعدته ولولاه ما تمكن من الخطا فاعترف له كشلي خان بذلك مدة ثم ارسل إليه يطلب منه المقاسمة على بلاد الخطا وقال كما انا اتفقنا على ابادتهم ينبغي أن نقسم بلادهم فقال ليس لك عندي غير السيف ولستم بأقوى من الخطا شوكة ولا اعز ملكا فإن قنعت بالمساكنة وإلا سرت إليك وفعلت بك شرا مما فعلت بهم وتجهز وسار حتى نزل قريبا منهم وعلم خوارزمشاه أنه لا طاقة له به فكان يراوغه فإذا سار إلى موضع قصد خوارزمشاه أهله وأثقالهم فينهبها وإذا سمع أن طائفة سارت عن موطنهم سار إليها فأوقع بها فأرسل إليه كشلي خان يقول له ليس هذا فعل الملوك هذا فعل اللصوص وإلا إن كنت سلطانا كما تقول فيجب أن نلتقي فإما أن تهزمني وتملك البلاد التي بيدي وإما أن أفعل أنا بك ذلك فكان يغالطه ولا يجيبه إلى ما طلب لكنه أمر أهل الشاش وفرغانه واسفيجاب وكاسان وما حولها من المدن التي لم يكن في الدنيا أنزه منها ولا احسن عمارة بالجلاء منها واللحاق ببلاد الإسلام ثم خربها جميعها خوفا من التتر أن يملكوها ثم اتفق خروج هؤلاء التتر الآخر الذين خربوا الدنيا وملكهم جنكزخان التهرجي على كشلي خان التتري الأول فاشتغل بهم كشلي خان عن خوارزمشاه فخلا وجهه فعبر النهر إلى خراسان
في هذه السنة ملك الملك الأوحد نجم الدين أيوب بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب مدينة خلاط وسبب ذلك أنه كان بمدينة ميافارقين من جهة أبيه فلما كان من ملك بلبان خلاط ما ذكرناه قصد هو مدينة موش وحصرها وأخذها وأخذ غيرها مما يجاورها وكان بلبان لم تثبت قدمه حتى يمنعه فلما ملكها طمع في خلاط فسار اليها فهزمه بلبان كما ذكرناه أيضا فعاد إلى بلده وجمع وحشد وسير إليه أبوه جيشا فقصد خلاط فسار إليه بلبان فتصافا واقتتلا فانهزم بلبان وتمكن نجم الدين من البلاد وازداد منها ودخل بلبان خلاط واعتصم بها وأرسل رسولا مغيث الدين طغرل شاه بن قلج أرسلان وهو صاحب ارزن الروم يستنجده على نجم الدين فحضر بنفسه ومعه عسكره فاجتمعا وهزما نجم الدين وحصرا موش فأشرف الحصار على أن تملك فغدر ابن قلج ارسلان بصاحب خلاط وقتله طمعا في البلاد فلما قتله سار إلى خلاط فمنعه اهلها عنها فسار إلى ملازكرد فرده أهلها ايضا وامتنعوا عليه فلما لم يجد في شيء من البلاد مطمعا عاد إلى بلده فأرسل أهل خلاط إلى نجم الدين يستدعونه إليهم ليملكوه فحضر غندهم وملك خلاط وأعمالها سوى اليسير منها وكره الملوك المجاورون له ملكه لها خوفا من أبيه وكذلك ايضا خافه الكرج وكرهوه فتابعوا الغارات على أعمال خلاط وبلادها ونجم الدين مقيم بخلاط لا يقدر على مفارقتها فلقي المسلمون من ذلك اذى شديدا واعتزل جماعة من عسكر خلاط واستولوا على حصن وان وهو من اعظم الحصون وامنعها وعضوا على نجم الدين واجتمع اليهم جمع كثير وملكوا مدينة أرجيش فأرسل نجم الدين إلى أبيه الملك العادل يعرفه الحال ويطلب منه نجدة وان يمده بعسكر فسير إليه أخاه الملك الأشرف موسى بن العادل في عسكر فاجتمعا في عسكر كثير وحصرا قلعة وان وبها الخلاطية وجدوا في قتالهم فضعف أولئك عن مقاومتهم فسلموها صلحا وخرجوا منها وتسلمها نجم الدين واستقر ملكه بخلاط وأعمالها وعاد أخوه الاشرف إلى بلده حران والرها
وفي هذه السنة كثر الفرنج الذين بطرابلس وحصن الأكراد وأكثروا الاغارة على بلد حمص وولاياتها ونازلوا مدينة حمص وكان جميعهم كثيرا فلم يكن لصاحبها أسد الدين سيركوه بن محمد بن شيركوه بهم قوة ولا يقدر على دفعهم ومنعهم فاستنجد الظاهر غازي صاحب حلب وغيره من ملوك الشام فلم ينجده أحد إلا الظاهر فإنه سير له عسكرا اقاموا عنده ومنعوا الفرنج عن ولايته ثم إن الملك العادل خرج من مصر بالعساكر الكثيرة وقصد مدينة عكا فصالحه صاحبها الفرنجي على قاعدة استقرت من إطلاق أسرى من المسلمين وغير ذلك ثم سار إلى حمص فنزل على بحيرة قدس وجاءته عساكر الشرق وديار الجزيرة ودخل إلى بلاد طرابلس وحاصر موضعل يسمى القليعات وأخذه صلحا وأطلق صاحبه وغنم ما فيه من دواب وسلاح وخربه وتقدم إلى طرابلس فنهب وأحرق وسبى وغنم وعاد إلى بحيرة قدس وترددت الرسل بينه وبين الفرنج في الصلح فلم تستقر قاعدة ودخل الشتاء وطلبت العساكر الشرقية العود إلى بلادهم قبل البرد فنزل طائفة من العسكر بحمص عند صاحبها وعاد إلى دمشق فشتى بها وعادت عساكر ديار الجزيرة إلى اماكنها وكان سبب خروجه من مصر بالعساكر أن أهل قبرس الفرنج اخذوا عدة قطع من اسطول مصر واسروا من فيها فأرسل العادل إلى صاحب عكا في رد ما أخذوا ويقول نحن صلح فلم غدرتم باصحابنا فاعتذر بأن أهل قبرس ليس لي عليهم حكم وأن مرجعهم إلى الفرنج الذين بالقسطنطينية ثم إن أهل قبرس ساروا إلى القسطنطينية بسبب غلاء كان عندهم تعذرت عليهم اقوات وعاد حكم قبرس إلى صاحب عكا وأعاد العادل مراسلته فلم ينفصل حال فخرج بالعساكر وفعل بعكا ما ذكرناه فأجابه حينئذ صاحبها إلى ما طلب وأرسل الأسرى
لما تم ملك خلاط وأعمالها للملك الأوحد نجم الدين بن العادل سار عنها إلى ملازكرد ليقرر قواعدها أيضا ويفعل ما ينبغي أن يفعله فيها فلما فارق خلاط وثب أهلها على من بها من العسكر فاخرجوه من عندهم وعصوا وحصروا القلعة وبها أصحاب الأوحد ونادوا بشعار شاه أرمن وإن كان ميتا يعنون بذلك رد الملك إلى اصحابه ومماليكه فبلغ الخبر إلى الملك الأوحد فعاد إليهم وقد وافاه عسكر من الجزيرة فقوي بهم وحصر خلاط فاختلف اهلها فمال اليه بعضهم حسدا للاخرين فملكها وقتل بها خلقا كثيرا من أهلها وأسر جماعة من الأعيان فسيرهم إلى ميافارقين وكان كل يوم يرسل إليهم فيقتل منهم جماعة فلم يسلم إلا القليل وذل أهل خلاط بعد هذه الوقعة وتفرقت كلمة الفتيان وكان الحكم إليهم وكفى الناس شرهم فإنهم كانوا قد صاروا يقيمون ملكا ويقتلون آخر السلطنة عندهم لا حكم لها وإنما الحكم لهم وإليهم
في هذه السنة ملك الأمير نصرة الدين أبو بكر بن البهلوان صاحب أذربيجان مدينة مراغة وسبب ذلك أن صاحبها علاء الدين قراسنقر مات هذه السنة وولي بعده ابن له طفل وقام بتدبير دولته وتربيته خادم كان لأبيه فعصى عليه أمير كان مع أبيه وجمع جمعا كثيرا فأرسل اليه الخادم من عنده من العسكر فقاتلهم ذلك الأمير فانهزموا واستقر ملك ولد علاء الدين إلا أنه لم تطل أيامه حتى توفي في أول سنة خمس وستمائة وانقرض أهل بيته ولم يبق منهم أحد فلما توفي سار نصرة الدين أبو بكر من تبريز إلى مراغة فملكها واستولى على جميع مملكة آل قراسنقر ما عدا قلعة روين فإنها اعتصم بها الخادم وعنده الخزائن فامتنع بها على الأمير أبي بكر
كان هذا نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي من أهل الري من بيت كبير فقدم بغداد لما ملك مؤيد الدين بن القصاب وزير الخليفة الري ولقي من الخليفة قبولا فجعله نائب الوزارة ثم جعله وزيرا وحكم ابنه صاحب المخزن فلما كان في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة عزل وأغلق بابه وكان سبب عزله أنه اساء السيرة مع أكابر مماليك الخليفة فمنهم أمير الحاج مظفر الدين سنقر المعروف بوجه السبع فإنه هرب من يديه إلى الشام سنة ثلاث وستمائة فارق الحاج بالمرخوم وأرسل يعتذر ويقول إن الوزير يريد أن لا يبقي في خدمة الخليفة أحدا من مماليكه ولا شك أنه يريد أن يدعي الخلافة وقال الناس في ذلك فأكثروا وقالوا الشعر فمن ذلك قول بعضهم
( ألا مبلغا عني الخليفة أحمدا % توق وقيت السوء ما أنت صانع )
( وزيرك هذا بين أمرين فيهما % فعالك يا خير البرية ضائع )
( فإن كان حقا من سلالة أحمد % فهذا وزيد في الخلافة طامع )
( وإن كان فيما يدعي غير صادق % فأضيع ما كانت لديه الصنائع )
فعزله وقيل في سبب ذلك غيره ولما عزل أرسل إلى الخليفة يقول إنني قدمت إلى ههنا وليس لي دينار ولا درهم وقد حصل لي من الأموال والاعلاق النفيسة وغير ذلك ما يزيد على خمسو آلاف دينار ويسأل أن يؤخذ منه الجميع ويمكن من المقام بالمشهد أسوة ببعض العلويين فأجابه إننا ما أنعمنا عليك بشيء فنوينا إعادته ولو كان ملء الأرض ذهبا ونفسك في أمان الله وأماننا لم يبلغنا عنك ما تستوجب به ذلك غير ان الأعداء قد اكثروا فيك فاختر لنفسك موضعا تنتقل إليه موقرا محترما فاختار ان يكون تحت الاستظهار من جانب الخليفة لئلا يتمكن منه العدو فتذهب نفسه ففعل به ذلك وكان حسن السيرة قريبا إلى الناس حسن اللقاء لهم والانبساط معهم عفيفا عن أموالهم غير ظالم لهم فلما قبض عاد أمير الحاج من مصر في الخدمة العادلية وعاد أيضا قشتمر واقيم في النيابة في الوزارة فخر الدين أبو البدر محمد بن أحمد بن امسينا الواسطي إلا أنه لم يكن متحكما
في هذه السنة ليلة الأربعاء لخمس بقين من رجب زلزلت الأرض وقت السحر وكنت حينئذ بالموصل ولم تكن بها شديدة وجاءت الأخبار من كثير من البلاد بأنها زلزلت ولم تكن بالقوية
وفيها أطلق الخليفة الناصر لدين الله جميع حق البيع وما يؤخذ من أرباب الأمتعة من الموكس من سائر المبيعات وكان مبلغا كثيرا وكان سبب ذلك أن بنتا لعز الدين نجاح شرابي الخليفة توفيت فاشترى لها بقرة لتذبح ويتصدق بلحمها عنها فرفعوا في حساب مؤنة البقرة فكانت كثيرة فوقف الخليفة على ذلك وأمر بإطلاق المؤنة جميعها
وفيها في شهر رمضان أمر الخليفة ببناء دور في المحال ببغداد ليفطر فيها الفقراء وسميت دور الضيافة يطبخ فيها اللحم الضأن والخبر الجيد عمل ذلك في جانبي بغداد وجعل في كل دار من يوثق بأمانته وكان يعطي كل إنسان قدحا مملوءا من الطبيخ واللحم ومنا من الخبز فكان يفطر كل ليلة على طعامه خلق لا يحصون كثرة
وفيها زادت دجلة زيادة كثيرة ودخل الماء في خندق بغداد من ناحية باب كلواذي فخيف على البلد من الغرق فاهتم الخليفة بسد الخندق وركب فخر الدين نائب الوزارة وعز الدين الشرابي ووقفا ظاهر البلد فلم يبرحا حتى سد الخندق
وفيها توفي الشيخ حنبل بن عبد الله بن الفرج المكبر بجامع الرصافة وكان عالي الإسناد روي عن ابن الحصين مسند أحمد بن حنبل وله إسناد حسن وقدم الموصل وحدث بها وبغيرها
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
