الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
40

ثمدخلت سنة اثنتين وستمائة

الجزء العاشر 20 عنصر صفحة 299
ذكر الفتنة بهراة ص 299

في هذه السنة في المحرم ثار العامة بهراة وجرت فيه فتنة عظيمة بين أهل السوقين الحدادين والصفارين قتل فيها جماعة ونهبت الأموال وخربت الديار فخرج أمير البلد ليكفهم فضربه بعض العامة بحجر ناله منه ألم شديد واجتمع الغوغاء عليه فرفع إلى القصر الفيروزي واختفى أياما إلى أن سكنت الفتنة ثم ظهر

ذكر قتال شهاب الدين الغوري بني كوكر ص 299

قد ذكرنا انهزام شهاب الدين محمد بن سام الغوري صاحب غزنة من الخطا الكفار وأن الخبر ظهر ببلاده أنه عدم من المعركة لم يقف أصحابه له على خبر فلما اشتهر هذا الخبر ثار المفسدون في أطراف البلاد وكان ممن أفسد دانيال صاحب الجودي فإنه كان قد أسلم فلما بلغه الخبر ارتد عن الإسرم وتابع بني كوكر ومساكنهم في جبال بين لهاوور والمولتان حصينة منيعة وكانوا قد أطاعوا شهاب الدين وحملوا له الخراج فلما بلغهم خبر عدمه ثاروا فيمن معهم من قبائلهم وعشائرهم وأطاعوا صاحب جبل الجودي وغيره من القاطنين بتلك الجبال ومنعوا الطريق من لهاوور وغيرها إلى غزنة فلما بلغ شهاب الدين من قتل مملوكه أيبك وقد ذكرناه أرسل إلى نائبه بلهاوور والمولتان وهو محمد بن أبي علي يأمره بحمل المال لسنة ستمائة وسنة إحدى وستمائة ليتجهز به لحرب الخطا فأجاب أن أولاد كوكر قد قطعوا الطريق ولا يمكنه إرسال المال وحضر جماعة من التجار وذكروا أن قفلا كبيرا أخذه أولاد كوكر ولم ينج منه إلا القليل فأمر شهاب الدين مملوكه أيبك مقدم عساكر الهند أن يراسل بني كوكر يدعوهم إلى الطاعة ويتهددهم إن لم يجيبوا ففعل ذلك فقال ابن كوكر لأي معنى لم يرسل السلطان إلينا رسولا فقال له الرسول وما قدركم أنتم حتى يرسل إليكم وإنما مملوكه يبصركم رشدكم ويهددكم فقال ابن كوكر لو كان شهاب الدين حيا لراسلنا وقد كنا ندفع الأموال إليه فحيث عدم فقل لأيبك يترك لنا لهاوور وما والاها وفرشابور ونحن نصالحه فقال الرسول نفذ أنت جاسوسا نثق إليه يأتيك بخبر شهاب الدين من فرشابور فلم يصغ إلى قوله فرده فعاد وأخبر بما سمع ورأى فأمر شهاب الدين مملوكه قطب الدين مملوكه قطب الدين أيبك بالعود إلى بلاده وجمع العساكر وقتال بني كوكر فعاد إلى دهلى وأمر عساكره بالاستعداد فأقام شهاب الدين في فرشابور إلى نصف شعبان من سنة وستمائة ثم عاد إلى غزنة فوصلها أول رمضان وأمر بالنداء في العساكر بالتجهز لقتال الخطا وأن المسير يكون أول شوال فتجهزوا لذلك فاتفق أن الشكايات كثرت من بني كوكر وما يتعهدونه من إخافة السبل وأنهم قد أنفذوا شحنة إلى البلاد ووافقهم أكثر الهنود وخرجوا من طاعة أمير لهاوور والمولنان وغيرهما ووصل كتاب الوالي يذكر ما قد دهمه منهم وأن عماله قد أخرجهم بنو كوكر وجبوا الخراج وأن ابن كوكر مقدمهم أرسل إليه ليترك له لهاوور والبلاد وإلا قتله ويقول له إن لم يحضر السلطان شهاب الدين بنفسه ومعه العساكر وإلا خرجت البلاد من يده

وتحدث الناس بكثرة من معهم من الجموع وما لهم من القوة فتغير عزم شهاب الدين حينئذ عن غزو الخطا

وأخرج خيامه وسار عن غزنة خامس ربيع الأول سنة اثنتين وستمائة فلما سار وأبعد انقطعت أخباره عن الناس بغزنة وفرشابور حتى أرجف الناس بانهزامه وكان شهاب الدين لما سار عن فرشابور أتاه خبر ابن كوكر أنه نازل في عساكره ما بين حبلم وسودرة فجد السير إليه فدهمه قبل الوقت الذي كان يقدر وصوله فيه فاقتتلوا قتالا شديدا يوم الخميس لخمس بقين من ربيع الآخر من بكرة إلى العصر واشتد القتال فبينما هم في القتال وإذ قد أقبل قطب الدين أيبك في عساكره فنادوا بشعار الإسلام وحملوا حملة صادقة فانهزم الكوكرية ومن انضم إليهم وقتلوا بكل مكان وقصدوا أجمة هناك فاحتموا بها وأضرموا نارا فكان أحدهم يقول لصاحبه لا تترك المسلمين يقتلونك ثم يلقي نفسه في النار فيلقي صاحبه نفسه بعده فيها فعمهم الفناء قتلا وحرقا فبعدا للقوم الظالمين وكان أهلهم وأموالهم معهم لم يفارقوها فغنم المسلمون منهم ما لم يسمع بمثله حتى إن المماليك كانوا يباعون كل خمسة بدينار ركني ونحوه وهرب ابن كوكر بعد أن قتل إخوته وأهله وأما ابن دانيال صاحب جبل الجودي فإنه جاء ليلا إلى قطب الدين أيبك فاستجار به فأجاره وشفع فيه إلى شهاب الدين فشفعه فيه وأخذ منه قلعة الجودى فلما فر منهم سار نحو لهاوور ليؤمن أهلها ويسكن روعهم وأمر الناس بالرجوع إلى بلادهم والتجهيز لحرب الخطا وأقام شهاب الدين بلهاوور إلى سادس عشر رجب وعاد نحو غزنة وأرسل إلى بهاء الدين سام صاحب باميان ليتجهز للمسير إلى سمرقند ويعمل جسرا ليعبر هو وعساكره عليه

ذكر الظفر بالتيراهية ص 301

كان من جملة الخارجين المفسدين أيضا على شهاب الدين التيراهية فإنهم خرجوا إلى حدود سوران ومكرهان للغارة على المسلمين فأوقع بهم نائب تاج الدين الدز مملوك شهاب الدين بتلك الناحية ويعرف بالخايجي وقتل منهم خلقا كثيرا وحمل رؤوس المعروفين فعلقت ببلاد الإسلام وكانت فتنة هؤلاء التيراهية على بلاد الإسلام عظيمة قديما وحديثا وكان إذا وقع بأيديهم أسير من المسلمين عذبوه بأنواع العذاب وكان أهل فرشابور معهم في ضر شديد لأنهم يحيطون بتلك الولاية من جوانبها لا سيما آخر أيام سبكتكين فإن الملوك ضعفوا وقوي هؤلاء عليهم وكانوا يغيرون على أطراف البلاد وكانوا كفارا لا دين لهم يرجعون إليه ولا مذهب يعتمدون عليه إلا أنهم كانوا إذا ولد لأحدهم بنت وقف على باب داره ونادى من يتزوج هذه من يقبلها فإن أجابه أحد تركها وإلا قتلها ويكون للمرأة عدة أزواج فإذا كان أحدهم عندها جعل مداسه على الباب فإذا جاء غيره من أزواجها ورأى مداسه عاد ولم يزالوا كذلك حتى أسلم طائفة منهم آخر أيام شهاب الدين الغوري فكفوا عن البلاد وسبب إسلامهم أنهم أسروا إنسانا من فرشابور فعذبوه فلم يمت ودامت أيامه عندهم فأحضره يوما مقدمهم وسأله عن بلاد الإسلام وقال له لو حضرت أنا عند شهاب الدين ماذا كان يعطيني فقال له كان يعطيك الأموال والأقطاع ويرد إليك حكم جميع البلاد التي لكم فأرسله إلى شهاب الدين في الدخول في الإسلام فعاد ومعه رسول بالخلع والمنشور بالإقطاع فلما وصل إليه الرسول سار هو وجماعة من أهله إلى شهاب الدين فأسلموا وعادوا وكان للناس بهم راحة فلما كانت هذه الفتنة واختلفت البلاد نزل أكثرهم من الجبال فلم يكن لهذه الطائفة بهم قدرة ليمنعوهم فأقسدوا وعملوا ما ذكرناه

ذكر قتل شهاب الدين الغوري ص 302

في هذه السنة أول ليلة من شعبان قتل شهاب الدين أبو المظفر محمد بن سام الغوري ملك غزنة وبعض خراسان بعد عوده من لها وور بمنزل يقال له دميك وقت صلاة العشاء وكان سبب قتله أن نفرا من الكفار الكوكرية لزموا عسكره عازمين على قتله لما فعل بهم من القتل والأسر والسبي فلما كان هذه الليلة تفرق عنه أصحابه وكان قد عاد ومعه من الأموال ما لا يحد فإنه كان عازما على قصد الخطا والاستكثار من العساكر وتفريق المال فيهم وقد أمر عساكره بالهند باللحاق به وأمر عساكره الخراسانية بالتجهز إلى أن يصل إليهم فأتاه الله من حيث لم يحتسب ولم يغن عنه ما جمع من مال وسلاح ورجال لكن كان على نية صالحة من قتال الكفار فلما تفرق عنه أصحابه وبقي وحده في خركاه فثار أولئك النفر فقتل أحدهم بعض الحرس بباب سرادق شهاب الدين فلما قتلوه صاح فثار أصحابه من حول السرادق لينظروا ما بصاحبهم فأخلوا مواقفهم وكثر الزحام فاغتنم الكوكرية غفلتهم عن الحفظ فدخلوا على شهاب الدين وهو في الخركاه فضربوه بالسكاكين اثنتين وعشرين ضربة فقتلوه فدخل عليه أصحابه فوجدوه على مصلاه قتيلا وهو ساجد فأخذوا أولئك الكفار فقتلوهم وكان فيهم اثنان مجنونان وقيل إنما قتله الإسماعيلية لأنهم خافوا خروجه إلى خراسان وكان له عسكر يحاصر بعض قلاعهم على ما ذكرناه فلما قتل اجتمع الأمراء عند وزيره مؤيد الملك ابن خوجا سجستان فتحالفوا على حفظ الخزانة والملك ولزوم السكينة إلى أن يظهر من يتولاه وأجلسوا شهاب الدين وخيطوا جراحه وجعلوه في المحفة وساروا به ورتب الوزير الأمور وسكن الناس بحيث لم ترق محجمة دم ولم يوجد في أحد شيء وكانت المحفة محفوفة بالحشم والوزير والعسكر والشمسية على حاله في حياته وتقدم الوزير إلى أمير دار العسكر بإقامة السياسة وضبط العسكر وكانت الخزانة التي في صحبته ألفي حمل ومائتي حمل وشغل الغلمان الأتراك الصغار لينهبوا المال فمنعهم الوزير والأمراء الكبار من المماليك وهو صونج صهر الذز وغيره وأمروا كل من له إقطاع عند قطب الدين أيبك مملوك شهاب الدين ببلاد الهند بالعود إليه وفرقوا فيهم أموالا كثيرة فعادوا وسار الوزير ومعه من له أقطاع وأهل بغزنة وعلموا أنه يكون من غياث الدين محمود بن غياث الدين أخي شهاب الدين الأكبر وبين بهاء الدين صاحب باميان وهو ابن أخت شهاب الدين حروب شديدة وكان ميل الوزير والأتراك وغيرهم إلى غياث الدين محمود وكان الأمراء الغورية يميلون إلى بهاء الدين سام صاحب باميان فأرسل كل طائفة إلى من يميلون إليه يعرفونه قتل شهاب الدين وجلية الأمور وجاء بعض المفسدين من أهل غزنة فقال للمماليك إن فخر الدين الرازي قتل مولاكم لأنه هو أوصل من قتله فوضع من خوارزمشاه فثاروا به ليقتلوه فهرب وقصد مؤيد الملك الوزير فأعلمه الحال فسيره سرا إلى مأمنه ولما وصل العسكر والوزير إلى فرشابور اختلفوا فالغورية يقولون نسير إلى غزنة على طريق مكرهان وكان غرضهم أن يقربوا من باميان ليخرج صاحبها بهاء الدين سام فيملك الخزانة قال الأتراك بل نسير على طريق سوران وكان مقصودهم أن يكونوا قريبا من تاج الدين الدز مملوك شهاب الدين وهو صاحب كرمان مدينة بين غزنة ولهاوور وليست بكرمان التي تجاور بلاد فارس ليحفظ الدز الخزانة ويرسلون من كرمان إلى غياث الدين يستدعونه إلى غزنة ويملكونه وكثر بينهم الاختلاف حتى كادوا يقتتلون فتوصل مؤيد الملك مع الغورية حتى أذنوا له وللأتراك بأخذ الخزانة والمحفة التي فيها شهاب الدين والمسير على كرمان وساروا هم على طريق مكرهان ولقي الوزير ومن معه مشقة عظيمة وخرج عليهم الأمم الذين في تلك الجبال التيراهية وأوغان وغيرهم فنالوا من أطراف العسكر إلى أن وصلوا إلى كرمان فخرج إليهم تاج الدين الدز يستقبلهم فلما عاين المحفة وفيها شهاب الدين ميتانزل وقبل الأرض على عادته في حياة شهاب الدين وكشف عنه فلما رآه ميتا مزق ثيابه وصاح وبكى فأبكى الناس وكان يوما مشهودا

ذكر ما فعله الدز ص 303

كان الدز من أول مماليك شهاب الدين وأكبرهم وأقدمهم وأكبرهم محلا عنده بحيث إن أهل شهاب الدين كانوا يخدمونه ويقصدونه في أشغالهم فلما قتل صاحبه طمع أن يملك غزنة فأول ما عمل أنه سأل الوزير مؤيد الملك عن الأموال والسلاح والدواب فأخبره بما خرج من ذلك وة بالباقي معه فأنكر الحال وأساء أدبه في الجواب وقال إن الغورية قد كاتبوا بهاء الدين سام صاحب باميان ليملكوه غزنة وقد كتب إلي غياث الدين محمود وهو مولاي يأمرني أنني لا أترك أحدا يقرب من غزنة وقد جعلني نائبه فيها وفي سائر الولاية المجاورة لها لأنه مشتغل بأمر خراسان وقال للوزير إنه أمرني أيضا أن أتسلم الخزانة منك فلم يقدر على الامتناع لميل الأتراك إليه فسلمها إليه وسار بالمحفة والمماليك والوزير إلى غزنة فدفن شهاب الدين في التربة بالمدرسة التي أنشأها ودفن لبنته فيها وكان وصوله إليها في الثاني والعشرين من شعبان من السنة

ذكر بعض سيرة شهاب الدين ص 304

كان رحمه الله شجاعا مقداما كثير الغزو إلى بلاد الهند عادلا في رعيته حسن السيرة فيهم حاكما بينهم بما يوجبه الشرع المطهر وكان القاضي بغزنة يحضر داره من كل أسبوع السبت والأحد والاثنين والثلاثاء ويحضر معه أمير حاجب وأمير دار وصاحب التربة فيحكم القاضي وأصحاب السلطان ينفذون أحكامه على الصغير والكبير والشريف والوضيع وإن طلب أحد الخصوم والحضور عنده أحضره وسمع كلامه وأمضى عليه أوله حكم الشرع فكانت الأمور جارية على أحسن نظام

حكي عنه أنه لقيه صبي علوي عمره نحو خمس سنين فدعا له وقال لي خمسة أيام ما أكلت شيئا فعاد من الركوب لوقته ومعه الصبي فنزل في داره وأطعم العلوي أطيب الطعام بحضرته ثم أعطاه مالا بعد أن أحضر أباه وسلمه إليه وفرق في سائر العلويين مالا عظيما

وحكي أن تاجرا من مراغة كان بغزنة وله على بعض مماليك شهاب الدين دين مبلغه عشرة آلاف دينار فقتل المملوك في حرب كانت له فرفع التاجر حاله فأمر بأن يقر أقطاع المملوك بيد التاجر إلى أن يستوفي دينه ففعل ذلك

وحكي عنه أنه كان يحضر العلماء بحضرته فيتكلمون من المسائل الفقهية وغيرها وكان فخر الدين الرازي يعظ في داره فحضر يوما فوعظ وقال في آخر كلامه يا سلطان لا سلطانك يبقى ولا تلبيس الرازي وأن مردنا إلى الله فبكى شهاب الدين حتى رحمه الناس لكثرة بكائه وكان رقيق القلب وكان شافعي المذهب مثل أخيه قيل وكان حنفيا والله أعلم

[ذ]كر مسير بهاء الدين سام إلى غزنة وموته ص 305

لما ملك غياث الدين أبو الفتح محمد بن سام باميان أقطعها ابن عمه شمس الدين محمد بن مسعود وزوجه أخته فأتاه منها ولد اسمه سام فبقي فيها إلى أن توفي وملك بعده ابنه الأكبر واسمه عباس وأمه تركية فغضب غياث الدين وأخوه شهاب الدين في ذلك وأرسلا من أحضر عباسا عندهما فأخذ الملك منه وجعلا ابن أختهما سام ملكا على باميان وتلقب بهاء الدين وعظم شأنه ومحله وجمع الأموال ليملك البلاد بعد خاله وأحبه أمراء الغورية حبا شديدا وعظموه فلما قتل خاله شهاب الدين سار بعض الأمراء الغورية إلى بهاء الدين سام فأخبره بذلك فلما بلغه قتله كتب إلى من بغزنة من الأمراء الغورية يأمرهم بحفظ البلد ويعرفهم أنه على الطريق سائر إليهم وكان والي قلعة غزنة ويعرف بأمير دار وقد أرسل ولده إلى بهاء الدين سام يستدعيه إلى غزنة فأعاد جوابه أنه تجهز ويصل إليه ويعده الجميل والإحسان وكتب بهاء الدين إلى علاء الدين محمد بن أبي علي ملك الغور يستدعيه إليه وإلى غياث الدين محمود بن غياث الدين وإلى ابن خرميل وإلى هراة يأمرهما بإقامة الخطبة له وحفظ ما بأيديهما من الأعمال ولم يظن أن أحدا يخالفه فأقام أهل غزنة ينتظرون وصوله أو وصول غياث الدين محمود والأتراك ويقولون لا نترك غير ابن سيدنا يعنون غياث الدين يدخل غزنة والغورية يتظاهرون بالميل إلى بهاء الدين ومنع غيره فسار من باميان إلى غزنة في عساكر ومعه ولداه علاء الدين محمود وجلال الدين فلما سار عن باميان مرحلتين وجد صداعا فنزل يستريح ينتظر خفته عنه فازداد الصداع وعظم الأمر عليه فأيقن بالموت فأحضر ولديه وعهد إلى علاء الدين وأمرهما بقصد غزنة وحفظ مشايخ الغورية وضبط الملك وبالرفق بالرعايا وبذل الأموال وأمرهما أن يصالحا غياث الدين على أن يكون له خراسان وبلاد الغور ويكون لهما غزنة وبلاد الهند

ذكر ملك علاء الدين غزنة وأخذها منه ص 305

لما فرغ بهاء الدين من وصيته توفي فسار ولداه إلى غزنة فخرج أمراء الغورية وأهل البلد فلقوهما وخرج الأتراك معهم على كره منهم ودخلوا البلد وملكوه ونزل علاء الدين وجلال الدين دار السلطنة مستهل رمضان وكانوا قد وصلوا في ضر وقلة من العسكر وأراد الأتراك منعهم فنهاهم مؤيد الملك وزير شهاب الدين لقلتهم ولاشتغال غياث الدين بابن خرميل والي هراة على ما نذكره فلم يرجعوا ولما استقرا بالقلعة ونزلا بدار السلطانية راسلهما الأتراك بأن يخرجا من الدار وإلا قاتلوهما ففرقا فيهم أموالا كثيرة واستحلفاهم فحلفوا واستبوا غياث الدين محمودا وأنفذا خلعا إلى تاج الدين الدز وهو بأقطاعه مع رسول وطلباه إلى طاعتهما وواعداه بالأموال والزيادة في الأقطاع وإمارة الجيش والحكم في جميع الممالك فأتاه الرسول فلقيه وقد سار عن كرمان في جيش كثير من الترك والخلج والغز وغيرهم فأبلغه الرسالة فلم يلتفت إليه وقال لهما يعودان إلى باميان وفيها كفاية فإبي قد أمرني مولاي غياث الدين أن أسير إلى غزنة وأمنعهما عنها فإن عادا إلى بلدهما ولإلا فعلت بهما وبمن معهما ما يكرهون ورد ما معه من الهدايا والخلع ولم يكن قصد الدز بهذا حفظ بيت صاحبه وإنما أراد أن يجعل هذا طريقا إلى ملك غزنة لنفسه فعاد الرسول وأبلغ علاء الدين رسالة الدز فأرسل وزيره وكان قبله وزير أبيه إلى باميان وبلخ وترمذ وغيرها من بلادهم ليجمع العساكر ويعود إليه فأرسل الدز إلى الأتراك الذين بغزنة يعرفهم أن غياث الدين أمره أن يقصد غزنة ويخرج علاء الدين وأخاه منها فحضروا عند وزير علاء الدين وطلبوا منه سلاحا ففتح خزانة السلاح فهرب ابن الوزير إلى علاء الدين وقال له قد كان كذا وكذا فلم يقدر أن يفعل شيئا وسمع مؤيد الملك وزير شهاب الدين فركب وأنكر على الخازن تسليم المفاتيح وأمره فاسترد ما نهبه الترك جميعه لأنه كان كطاعا فيهم ووصل الدز إلى غزنة فأخرج إليه علاء الدين جماعة من الغورية ومن الأتراك وفيهم صونج صهر الدز فأشار عليه أصحابه أن لا يفعل وينتظر العسكر مع وزيره فلم يقبل منهم وسير العساكر فالتقوا خامس رمضان فلما لقوه خدعه الأتراك وعادوا معه على عسكر علاء الدين فقاتلوهم فهزموهم وأسروا مقدمهم وهو محمد بن علي بن حردون ودخل عسكر الدز المدينة فنهبوا بيوت الغورية والبامانية وحصر الدز القلعة فخرج جلال الدين منها في عشرين فارسا وسار عن غزنة

فقالت له امرأة تستهزئ به إلى أين تمضي خذ الجتر والشمسة معك ما أقبح خروج السلاطين هكذا فقال لها إنك سترين ذلك اليوم وأفعل بكم ما تقرون به بالسلطنة لي وكان قد قال لأخيه احفظ القلعة إلى أن آتيك بالعساكر فبقي الدز يحاصرها وأراد من مع الدز نهب البلد فنهاهم عن ذلك

وأرسل إلى علاء الدين يأمره بالخروج من القلعة وتهدده إن لم يخرج منها وترددت الرسل بينهما في ذلك فأجاب إلى مفارقتها والعود إلى بلده وأرسل من حلف له الدز أن لا يؤذيه ولا يعترض إليه ولا إلى أحد ممن يحلف له وسار عن غزنة فلما رأه الدز وقد نزل من القلعة عدل إلى تربة شهاب الدين مولاه ونزل إليها ونهب الأتراك ما كان مع علاء الدين وألقوه عن فرسه وأخذوا ثيابه وتركوه عريانا بسراويله فلما سمع الدز ذلك أرسل إليه بدواب وثياب ومال واعتذر إليه فأخذ ما لبسه وترك الباقي فلما وصل إلى باميان لبس ثياب سواد وركب حمارا فأخرجوا له مراكب ملوكية وملابس جميلة فلم يركب ولم يلبس وقال أريد أن يراني الناس وما صنع بي أهل غزنة حتى إذا عدت إليها وخربتها ونهبتها لا يلومني أحد ودخل دار الإمارة وشرع في جمع العساكر

ذكر ملك الدز غزنة ص 307

قد ذكرنا استيلاء الدز على الأموال والسلاح والدواب وغير ذلك مما كان صحبة شهاب الدين وأخذه من الوزير مؤيد الملك فجمع له العساكر من أنواع الناس الأتراك والخلج وغيرهم وسار إلى غزنة وجرى له مع علاء الدين ما ذكرنا فلما خرج علاء الدين من غزنة أقام الدز بداره أربعة أيام يظهر طاعة غياث الدين إلا أنه لم يأمر الخطيب بالخطبة له ولا لغيره وإنما يخطب للخليفة ويترحم على شهاب الدين الشهيد حسب فلما كان في اليوم الرابع أحضر مقدمي الغورية والأتراك وذم من كاتب علاء الدين وأخاه وقبض على أمير دار والي غزنة فلما كان الغد وهو سادس عشر رمضان أحضر القضاة والفقهاء والمقدمين وأحضر رسول الخليفة وهو الشيخ مجد الدين أبو علي بن الربيع الفقيه الشافعي مدرس النظامية ببغداد وكان قد ورد إلى غزنة رسولا إلى شهاب الدين فقتل شهاب الدين وهو بغزنة فأرسل إليه والى قاضي غزنة يقول له إنني أريد أن أنتقل إلى الدار السلطانية وأن أخاطب بالملك ولا بد من حضورك والمقصود من هذا أن تستقر أمور الناس فحضر عنده فركب الدز والناس في خدمته وعليه ثياب الحزن وجلس في الدار في غير مجلس كان يجلس فيه شهاب الدين فتغيرت لذلك نيات كثير من الأتراك لأنهم كانوا يطيعونه ظنا منهم أنه يريد الملك لغياث الدين فحيث رأوه يريد الانفراد تغيروا عن طاعته حتى إن بعضهم بكى غيظا من فعله وأقطع الإقطاعات الكثيرة وفرق الأموال الجليلة وكان عند شهاب الدين جماعة من أولاد ملوك الغور وسمرقند وغيرهم فأنفوا من خدمة الدز وطلبوا منه أن يقصدوا خدمة غياث الدين وأخيه صاحبي باميان وأرسل غياث الدين إلى الدز يشكره ويثني عليه لإخراج أولاد بهاء الدين من غزنة وسير له الخلع وطلب منه الخطبة والسكة فلم يفعل وأعاد الجواب فغالطه وطلب منه أن يخاطبه بالملك وأن يعتقه من الرق لأن غياث الدين ابن أخي سيده لا وارث له سواه وأن يزوج ابنه بابنة الدز فلم يجبه إلى ذلك واتفق أن جماعة من الغوريين من عسكر صاحب باميان أغاروا على أعمال كرمان وسوران وهي أقطاع الدز القديمة فغنموا وقتلوا فأرسل صهره صونج في عسكر فلقوا عسكر الباميان فظفر بهم وقتل منهم كثيرا وأنفذ رؤوسهم إلى غزنة فنصبت بها وأجرى الدز في غزنة رسول شهاب الدين وفرق في أهلها أموالا جليلة المقدار وألزم مؤيد الملك أن يكون وزيرا له فامتنع من ذلك فألح عليه فأجابه على كره منه فدخل على مؤيد الملك صديق له يهنئه فقال بماذا تهنئني من بعد ركوب الجواد بالحمار وأنشد

( ومن ركب الثور بعد الجواد % أنكر إطلاقه والغيب )

بينا الدز يأتي بابي ألف مرة حتى آذن له في الدخول أصبح على بابه ولو حفظ النفس مع هؤلاء الأتراك لكان لي حكم آخر

ذكر حال غياث الدين بعد قتل عمه ص 308

وأما غياث الدين محمود بن غياث الدين فإنه كان في أقطاعه وهو بست واسفرار وكان الملك علاء الدين بن محمد بن علي قد ولاه شهاب الدين بلاد الغور وغيرها من أرض الراون فلما بلغه قتله سار إلى فيروزكوه خوفا أن يسبقه إليها غياث الدين فيملك البلد ويأخذ الخزائن التي بها وكان علاء الدين حسن السيرة من أكابر بيوت الغورية إلا أن الناس كرهوه لميلهم إلى غياث الدين وأبي الأمراء من خدمته مع وجود ولد غياث الدين سلطانهم ولأنه كان كراميا مغاليا في مذهبه وأهل فيروزكوه شافعية وألومهم أن يجعلوا الإقامة مثنى فلما وصل إلى فيروزكوه أحضر جماعة من الأمراء منهم محمد المرغني وأخوه ومحمد بن عثمان وهم من أكابر الأمراء وحلفهم على مساعدته على قتال خوارزمشاه وبهاء الدين صاحب باميان ولم يذكر غياث الدين احتقارا له فحلفوا له ولولده من بعده وكان غياث الدين بمدينة بست لم يتحرك في شيء انتظارا لما يكون من صاحب باميان لأنهما كانا قد تعاهدا أيام شهاب الدين أن تكون خراسان لغياث الدين وغزنة والهند لبهاء الدين وكان بهاء الدين أقوى فلهذا لم يفعل شيئا فلما بلغه خبر موت بهاء الدين جلس على التخت وخطب لنفسه بالسلطنة عاشر رمضان وحلف الأمراء الذين قصدوه وهم إسماعيل الخلجي وسونج أمير اشكار وزنكي بن خرجوم وحسين الغوري صاحب تكيا باذ وغيرهم وتلقب بألقاب أبيه غياث الدين

وكتب إلى علاء الدين محمد بن أبي علي وهو بفيروزكوه يستدعيه إليه ويستعطفه ليصده عن رأيه ويسلم مملكته إليه وكتب إلى الحسين بن خرميل وإلى هراة مثل ذلك أيضا ووعده الزيادة في الإقطاع فأما علاء الدين فأغلظ له في الجواب وكتب إلى الأمراء الذين معه يتهددهم فرحل غياث الدين إلى فيروزكوه فأرسل علاء الدين عسكرا مع ولده وفرق فيهم مالا كثيرا وخلع عليهم ليمنعوا غياث الدين فلقوه قريبا من فيروزكوه فلما تراءى الجمعان كشف إسماعيل الخلجي المغفر عن وجهه وقال الحمد لله أن الأتراك الذين لا يعرفون أباءهم لم يضيعوا حق التربية وردوا ابن ملك باميان وأنتم مشايخ الغورية الذين أنعم عليكم والد هذا السلطان ورباكم وأحسن إليكم كفرتم الإحسان وجئتم تقاتلون ولده أهذا فعل الأحرار فقال محمد المرغني وهو مقدم العسكر الذين يصدرون عن رأيه لا والله ثم ترجل عن فرسه وألقى سلاحه وقصد غياث الدين وقبل الأرض بين يديه وبكى بصوت عال وفعل سائر الأمراء كذلك فانهزم أصحاب علاء الدين مع ولده فلما بلغه الخبر خرج عن فيروزكوه هاربا نحو الغور وهو يقال أنا أمشي أجاور بمكة فأنفذ غياث الدين خلفه من رده إليه فأخذه وحبسه وملك فيروزكوه وفرح به أهل البلد وقبض غياث الدين على جماعة من أصحاب علاء الدين الكرامية وقتل بعضهم ولما دخل غياث الدين فيروزكوه ابتدأ بالجامع فصلى فيه ثم ركب إلى دار أبيه فسكنها وأعاد رسوم أبيه واستخدم حاشيته وقدم عليه عبد الجبار بن محمد الكيراني وزير أبيه واستوزره وسلك طريق أبيه في الإحسان والعدل ولما فرغ غياث الدين لم يكن له همة إلا ابن خرميل بهراة واجتذابه إلى طاعته فكاتبه وراسله واتخذه أبا واستدعاه إليه وكان ابن خرميل قد بلغه موت شهاب الدين ثامن رمضان فجمع أعيان الناس منهم قاضي هراة صاعد بن الفضل النيسابوري وعلي بن عبد الخلاق بن زياد مدرس النظامية بهراة وشيخ الإسلام رئيس هراة ونقيب العلويين ومقدمي المحال وقال لهم قد بلغني وفاة السلطان شهاب الدين وأنا في نحو خوارزمشاه وأخاف الحصار وأريد أن تحلفوا لي على المساعدة على كل من نازعني فأجابه القاضي وابن زياد بأننا نحلف على كل الناس إلا ولد غياث الدين فحقد عليهما فلما وصل كتاب غياث الدين خاف ميل الناس إليه فغالطه في الجواب

وكان ابن خرميل قد كاتب خوارزمشاه يطلب منه أن يرسل إليه عسكرا ليصير في طاعته ويمتنع به على الغورية فطلب منه خوارزمشاه إنفاذ ولده رهينة ويرسل إليه عسكرا فسير ولده إلى خوارزمشاه فكتب خوارزمشاه إلى عسكره الذين بنيسابور وغيرها من بلاد خراسان يأمرهم بالتوجه إلى هراة وأن يكونوا يتصرفون بأمر ابن خرميل ويمتثلون أمره هذا وغياث الدين يتابع الكتب إلى ابن خرميل وهو يحتج بشيء بعد شيء انتظارا لعسكر خوارزمشاه ولا يؤيسه من طاعته ولا يخطب له ويعطيه طاعة غير مستوية ثم إن الأمير علي بن أبي علي صاحب كالوين أطلع غياث الدين على حال ابن خرميل فعزم غياث الدين على التوجه إلى هراة فثبطه بعض الأمراء الذين معه وأشاروا عليه بانتظار آخر أمره وترك محاققته واستشار ابن خرميل القاضي في أمر غياث الدين فقال له علي بن عبد الخلاق بن زياد مدرس النظامية بهراة وهو متولي وقوف خراسان التي بيده للغورية جميعها ينبغي أن تخطب للسلطان غياث الدين وتترك المغالطة إنني أخاف على نفسي فامض أنت وتوثق لي منه وكان قصده أن يبعده عن نفسه فمضى برسالته إلى غياث الدين وأطلعه على ما يريد ابن خرميل يفعله من الغدر به والميل إلى خوارزمشاه وحثه على قصد هراة وقال له أنا أسلمها إليك ساعة تصل إليها ووافقه بعض الأمراء وخالفه غيرهم وقال ينبغي أن لا تترك له حجة فترسل إليه تقليدا بولاية هراة ففعل ذلك وسيره مع ابن زياد وبعض أصحابه ثم إن غياث الدين كاتب أميران بن قيصر صاحب الطالقان يستدعيه إليه فتوقف وأرسل إلى صاحب مرو ليسير إليه فتوقف أيضا فقال له أهل البلد إن لم تسلم البلد إلى غياث الدين وتتوجه وإلا سلمناك وقيدناك وأرسلناك إليه فاضطر إلى المجيء إلى فيروزكوه فخلع عليه غياث الدين وأقطعه إقطاعات شتى وأقطع الطالقان سونج مملوك أبيه المعروف بأمير اشكار

ذكر استيلاء خوارزمشاه على بلاد الغورية بخراسان ص 311

قد ذكرنا مكاتبة الحسين بن خرميل والي هراة خوارزمشاه ومراسلته في الانتماء إليه والطاعة له وترك طاعة الغورية وخداعه لغياث الدين ومغالطته له بالخطبة له والطاعة انتظترت لوصول عسكر خوارزمشاه ووصول رسول غياث الدين وابن زياد بالخطبة فقال يوم الجمعة نخطب له فاتفق قرب عسكر خوارزمشاه منهم فلما كان يوم الجمعة قيل له في معنى الخطبة فقال نحن في شغل أهم منها بوصول هذا العدو فطالت المجادلات بينهم في ذلك وهو مصر على الامتناع منها ووصل عسكر خوارزمشاه فلقيهم ابن خرميل وأنزلهم على باب البلد فقالوا له قد أمرنا خوارزمشاه أننا لا نخالف لك أمر فشكرهم على ذلك وكان يخرج إليهم كل يوم وأقام لهم الوظائف الكثيرة وأتاه الخبر أن خوارزمشاه نزل على بلخ فحاصرها فلقيه صاحبها وقاتله بظاهر البلد فلم ينزل بالقرب منها فنزل على أربعة فراسخ فندم ابن خرميل على طاعة خوارزمشاه وقال لخواصه لقد أخطأنا حيث صرنا مع هذا الرجل فإنني أراه عاجزا وشرع في إعادة العسكر فقال للأمراء إن خوارزمشاه قد أرسل إلى غياث الدين يقول له إنني على العهد الذي بيننا وأنا أترك ما كان لأبيك بخراسان والمصلحة أن ترجعوا حتى ننظر ما يكون فعادوا وأرسل إليهم الهدايا الكثيرة

وكان غياث الدين حيث اتصل به وصول عسكر خوارزمشاه إلى هراة أخذ إقطاع ابن خرميل وأرسل إلى كرزيان وأخذ كل ما له بها من مال وأولاد ودواب وغير ذلك وأخذ أصحابه في القيود وأتاه كتب من يميل إليه من الغورية يقولون له إن رآك غياث الدين قتلك ولما سمع أهل هراة بما فعل غياث الدين بأهل ابن خرميل وماله عزموا على قبضه والمكاتبة إلى غياث الدين بإنفاذ من يتسلم البلد وكتب القاضي صاعد قاضي هراة وابن زياد إلى غياث الدين بذلك فلما سمع ابن خرميل بما فعله غياث الدين بأهله وبما عزم عليه أهل هراة خاف أن يعالجه بالقبض فحضر عند القاضي وأحضر أعيان البلد وألا لهم القول وتقرب إليهم وأظهر طاعة غياث الدين وقال قد رددت عسكر خوارزمشاه وأريد أرسل رسولا إلى غياث الدين بطاعتي والذي أوثره منكم أن تكتبوا معه كتابا بطاعتي فاستحسنوا قوله وكتبوا له بما طلب وسير رسوله إلى فيروزكوه وأمره إذا جنه الليل أن يرجع على طريق نيسابور يلحق عسكر خوارزمشاه ويجد السير فإذا لحقهم ردهم إليه ففعل الرسول ما أمره ولحق العسكر على يومين من هراة فأمرهم بالعود فعادوا فلما كان اليوم الرابع من سير الرسول وصلوا إلى هراة والرسول بين أيديهم فلقيهم ابن خرميل وأدخلهم البلد والطبول تضرب بين أيديهم فلما دخلوا أخذ ابن زياد الفقيه فسمله وأخرج القاضي صاعدا من البلد فسار إلى غياث الدين بفيروزكوه وأخرج من عنده من الغورية وكل من يعلم أنه يريدهم وسلم أبواب البلد إلى الخوارزمية

وأما غياث الدين فإنه برز من فيروزكوه نحو هراة وأرسل عسكرا فأخذوا حشيرا كان لأهل هراة فخرج الخوارزمية فشنوا الغارة على هراة الروذ وغيره فأمر غياث الدين عسكره بالتقدم إلى هراة وجعل المقدم عليهم على بن أبي علي وأقام هو بفيروزكوه لما بلغه أن خوارزمشاه على بلخ فسار العسكر وعلى يزكه الأمير أميران بن قيصر الذي كان صاحب الطالقان فأرسل إلى ابن خرميل يعرفه أنه على اليزك ويأمره بالمجيء إليه فإنه لا يمنعه وحلف له على ذلك فسار ابن خرميل في عسكره فكبس عسكر غياث الدين فلم يلحقوا يركبون خيولهم حتى خالطوهم فقتلوا فيهم فكف ابن خرميل أصحابه عن الغورية خوفا أن يهلكوا وغنم وأسر إسماعيل الخلجي وأقام بمكانه وأرسل عسكره فشنوا الغارة على البلاد باذغيس وغيرها وعظم الأمر على غياث الدين فعزم على المسير إلى هراة بنفسه فأتاه الخبر أن علاء الدين صاحب باميان قد عاد إلى غزنة على ما نذكره فأقام ينتظر ما يكون منهم ومن الدز

وأما بلخ فإن خوارزم شاه لما بلغه قتل شهاب الدين أخرج من كان عنده من الغوريين الذين كان أسرهم في المصاف على باب خوارزم فخلع عليهم وأحسن إليهم وأعطاهم الأموال وقال إن غياث الدين أخي ولا فرق بيني وبينه فمن أحب منكم المقام عندي فليقم ومن أحب أن يسير إليه فإني أسيره ولو أراد مني مهما أراد نزلت له عنه وعهد إلي محمد بن علي بن بشير وهو من أكابر الأمراء الغورية فأحسن إليه وأقطعه استمالة للغورية وجعله سفيرا بينه وبين صاحب بلخ فسير أخاه علي شاه بين يديه في عسكره إلى بلخ فلما قاربها خرج إليه عماد الدين عمر بن الحسين الغوري أميرها فدفعه عن النزول عليها فنزل على أربعة فراسخ عنها فأرسل إلى أخيه خوارزم شاه يعلمه قوتهم فسار إليها في ذي لقعدة من السنة فلما وصل إلى بلخ خرج صاحبها فقاتلهم فلم يقوبهم لكثرتهم فنزلوا فصار يوقع بهم ليلا فكانوا معه على أقبح سورة فأقام صاحب بلخ محاصرا وهو ينتظر المدد من أصحابه أولاد بهاء الدين صاحب باميان وكانوا قد اشتغلوا عنه بغزنة على ما ذكرناه إن شاء الله تعالى فأقام خوارزم شاه على بلخ أربعين يوما كل يوم يركب إلى الحرب فيقتل من أصحابه كثير ولا يظفر بشيء فراسل صاحبها عماد الدين مع محمد بن علي بن بشير الغوري وبذل له بذلا كثيرا ليسلم إليه البلد فلم يجبه إلى ذلك وقال لا أسلم البلد إلا إلى أصحابه فعزم على المسير إلى هراة فلما سار أصحابه أولاد بهاء الدين صاحب باميان إلى غزنة المرة الثانية على ما نذكره إن شاء الله تعالى وأسرهم تاج الدين الدز عاد عن ذلك العزم وأرسل محمد بن علي بن بشير إلى عماد الدين نائبه يعرفه حال أصحابه وأسرهم وأنه لا يبقى عليه حجة ولا له في التأخر عنه عذر فدخل إليه ولم يزل يخدعه تارة يرغبه وتارة يرهبه حتى أجاب إلى طاعة خوارزم شاه والخطبة له وذكر اسمه على السكة وقال أنا أعلم أنه لا يفي له وأرسل من يستحلفه على ما أراد فتم الصلح وخرج إلى خوارزم شاه فخلع عليه وأعاد إلى بلده وكان سلخ ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة ثم سار خوارزم شاه إلى كرزيان ليحاصرها وبها علي بن أبي علي وأرسل إلى غياث الدين يقول إن هذه كان قد أقطعها عمك لابن خرميل فتنزل عنها فامتنع وقال بيني وبينكم السيف فأرسل إليه خوارزم شاه مع محمد بن علي بن بشير فرغبه وآيسه من نجدة غياث الدين ولم يزل به حتى نزل عنها وسلمها وعاد إلى فيروزكوه فأمر غياث الدين بقتله فشفع فيه الأمراء فتركه وسلم خوارزم شاه كرزيان إلى ابن خرميل ثم أرسل إلى عماد الدين صاحب بلخ يطلبه إليه ويقول قد حضر معهم ولا غنى عن حضورك فأنت اليوم من أخص أوليائنا فحضر عنده فقبض عليه وسيره إلى خوارزم ومضى هو إلى بلخ فأخذها واستناب بها جعفرا التركي

ذكر ملك خوارزم شاه ترمذ وتسلمها إلى الخطا ص 313

لما أخذ خوارزمشاه مدينة بلخ سار عنها إلى مدينة ترمذ مجدا وبها ولد عماد الدين الذي كان صاحب بلخ فأرسل إليه محمد بن علي بن بشير يقول له إن أباك قد صار من أخص أصحابي وأكابر أمراء دولتي وقد سلم إلي بلخ وإنما ظهر لي منه ما أنكرته فسيرته إلى خوارزم مكرما محترما وأما أنت فتكون عندي أخا ووعده وأقطعه الكثير فخدعه محمد بن علي فرأى صاحبها أن خوارزم شاه قد حصره من جانب والخطا قد حصروه من جانب آخر وأصحابه قد أسرهم الدز بغزنة فضعفت نفسه وأسل من يستحلف له خوارزم شاه فحلف له وتسلم منه ترمذ وسلمها إلى الخطا فلقد اكتسب بها خوارزمشاه مسبة عظيمة وذكرا قبيحا في عاجل الأمر ثم ظهر للناس بعد ذلك أنه إنما سلمها إليهم ليتمكن بذلك من ملك خراسان ثم يعود إليهم فيأخذها وغيرها منهم لأنه لما ملك خراسان وقصد بلاد الخطا وأخذها وأفناهم ظهر على الناس أنه فعل ذلك خديعة ومكرا غفر الله له

ذكر عود أصحاب باميان إلى غزنة ص 314

قد ذكرنا قبل وصول الدز التركي إلى غزنة وإخراجه علاء الدين وجلال الدين ولدي بهاء الدين سام صاحب باميان منها بعد أن ملكها وأقام هو في غزنة من عاشر رمضان سنة اثنتين وستمائة إلى خامس ذي القعدة من السنة يحسن السيرة ويعدل في الرعية وأقطع البلاد للأجناد فبعضهم قام وبعضهم سار إلى غياث الدين ولم يخطب لأحد ولا لنفسه وكان يعد الناس بأن رسولي عند مولاي غياث الدين فإذا عاد خطبت له ففرح الناس بقوله وكان يفعل ذلك مكرا وخديعة بهم وبغياث الدين لأنه لو لم يظهر ذلك لفارقه أكثر الأتراك وسائر الرعايا وكان حينئذ يضعف عن مقاومة صاحب باميان فكان يستخدم الأتراك وغيرهم بهذا القول وأشباهه فلما ظفر بصاحب باميان على ما نذكره أظهر ما كان يضمره فبينما هو في هذا أتاه الخبر بقرب علاء الدين وجلال الدين ولدي بهاء الدين صاحب باميان في العساكر الكثيرة وأنهم قد عزموا على نهب غزنة واستباحة الأموال والأنفس فخاف الناس خوفا شديدا وجهز الدز كثيرا من عسكره وسيرهم إلى طريقهم فلقوا أوائل العسكر فقتل من الأتراك وأدركهم العسكر فلم يكن لهم قوة بهم فانهزموا وتبعهم عسكر علاء الدين يقتلون ويأسرون فوصل المنهزمون إلى غزنة فخرج عنها الدز منهزما يطلب بلده كرمان فأدركه بعض عسكر باميان نحو ثلاثة آلاف فارس فقاتلهم قتالا شديدا فردهم عنه وأحضر من كرمان مالا كثيرا وسلاحا ففرقه في العسكر وأما علاء الدين وأخوه فإنهما تركا غزنة لم يدخلاها وسارا في أثر الدز فسمع بهم فسار عن كرمان فنهب الناس بعضهم بعضا وملك علاء الدين كرمان وأمنوا أهلها وعزموا على العود إلى غزنة ونهبها

فسمه أهلها بذلك فقصدوا القاضي سعيد بن مسعود وشكوا إليه حالهم فمشى إلى وزير علاء الدين المعروف بالصاحب وأخبره بحال الناس فطيب قلوبهم وأخبرهم غيره ممن يثقون إليه أنهم مجمعون على النهب فاستعدوا وضيقوا أبواب الدروب والشوارع وأعدوا العرادات والأحجار وجاءت التجار من العراق والموصل والشام وغيرهم وشكوا إلى أصحاب السلطان فلم يسكنهم أحد فقصدوا دار مجد الدين ابن الربيع رسول الخليفة واستغاثوا به فسكنهم ووعدهم الشفاعة فيهم وفي أهل البلد فأرسل إلى أمير كبير من الغورية يقال له سليمان بن سيسر وكان شيخا كبيرا يرجعون إلى قوله يعرفه الحال ويقول له يكتب إلى علاء الدين وأخيه يتشفع في الناس ففعل وبالغ عن الناس بعد مراجعات كثيرة وكانوا قد وعدوا من معهم من العساكر بنهب غزنة فعوضوهم من الخزانة فسكن الناس

وعاد العسكر إلى غزنة أواخر ذي القعدة ومعهم الخزانة التي أخذها الدز من مؤيد الملك لما عاد ومعه شهاب الدين قتيلا فكانت مع ما أضيف إليها من الثياب والعين تسعمائة حمل ومن جملة ما كان فيها من الثياب الممزج المنسوج بالذهب إثني عشر ألف ثوب وعزم علاء الدين أن يستوزر مؤيد الملك فسمع أخوه جلال الدين فأحضره وخلع عليه على كراهة منه للخلعة واستوزره فلما سمع علاء الدين بذلك قبض على مؤيد الملك وقيده وحبسه فتغيرت نيات الناس واختلفوا ثم إن علاء الدين وجلال الدين اقتسما الخزانة وجرى بينهما من المشاحنة ما لا يجري بين التجار فاستدل بذلك الناس على أنهما لا يستقيم لهما حال لبخلهما واختلافهما وندم الأمراء على ميلهم إليهما وتركهم غياث الدين مع ما ظهر من كرمه وإحسانه ثم إن جلال الدين وعمه عباسا سارا في بعض العسكر إلى باميان وبقي علاء الدين بغزنة فأساء وزيره عماد الملك السيرة مع الأجناد والرعية ونهب أموال الأتراك حتى أنهم باعوا أمهات أولادهم وهن يبكين ويصرخن ولا يلتفت إليهن

ذكر عود الدز إلى غزنة ص 315

لما سار جلال الدين عن غزنة وأقام بها أخوه علاء الدين جمع الدز ومن معه من الأتراك عسكرا كثيرا وعادوا إلى غزنة فوصلوا إلى كلوا فملكوها وقتلوا جماعة من الغورية ووصل المهزمون إلى كرمان فسار الدز إليهم وجعل على مقدمته مملوكا كبيرا من مماليك شهاب الدين اسمه أي دكز التتر في ألفي فارس من الخلج والأتراك والغز والغورية وغيرهم وكان بكرمان عسكر لعلاء الدين مع أمير يقال له ابن المؤيد ومعه جماعة من الأمراء منهم أبو علي بن سليمان بن سيسر وهو وأبوه من أعيان الغورية وكانا مشتغلين باللعب واللهو والشرب لا يفتران من ذلك فقيل لهما إن عسكر الأتراك قد قربوا منكم فلم يلتفتا إلى ذلك ولا تركا ما كانا عليه فهجم عليهم أي دكز التتر ومن معه من الأتراك فلم يمهلهم يركبون خيولهم فقتلوا عن آخرهم منهم من قتل في المعركة ومنهم من قتل صبرا ولم ينج إلا من تركه الأتراك عمدا ولما وصل الدز فرأى أمراء الغورية كلهم قتلى قال كل هؤلاء قاتلونا فقال أي دكز التتر لا بل قتلناهم صبرا فلامه على ذلك ووبخه وأحضر رأس ابن المؤيد بين يديه فسجد شكرا لله تعالى وأمر بالمقتولين فغسلوا ودفنوا وكان في جملة القتلى أبو علي بن سليمان ابن سيسر ووصل الخبر إلى غزنة في العشرين من ذي الحجة من هذه السنة فصلب علاء الدين الذي جاء بالخبر فتغيمت السماء وجاء مطر شديد خرب بعض غزنة وجاء بعده برد كبار مثل بيض الدجاج فضج الناس إلى علاء الدين بإنزال المصلوب فأنزله آخر النهار فانكشفت الظلمة وسكن ما كانوا فيه وملك الدز كرمان وأحسن إلى أهلها وكانوا في ضر شديد مع أولئك ولما صح الخبر عند علاء الدين أرسل وزيره الصاحب إلى أخيه جلال الدين في باميان يخبره بحال الدز ويستنجده وكان قد أعد العساكر ليسير إلى بلخ يرحل عنها خوارزمشاه فلما أتاه هذا الخبر ترك بلخ وسار إلى غزنة وكان أكثر عسكره من الغورية قد فارقوه وفارقوا أخاه وقصدوا غياث الدين فلما كان أواخر ذي الحجة وصل الدز إلى غزنة ونزل هو وعسكره بإزاء قلعة غزنة وحضر علاء الدين وجرى بينهم قتال شديد وأمر الدز فنودي في البلد بالأمان وتسكين الناس من أهل البلد والغورية وعسكر باميان وأقام الدز محاصرا للقلعة فوصل جلال الدين في أربعة آلاف من عسكر باميان وغيرهم فرحل الدز إلى طريقهم وكان مقامه إلى أن سار إليهم أربعين يوما فلما سار الدز سير علاء الدين من كان عنده من العسكر وأمرهم أن يأتوا الدز من خلفه ويكون أخوه من بين يديه فلا يسلم من عسكره أحد فلما خرجوا من القلعة سار سليمان بن سيسر الغوري إلى غياث الدين بفيروزكوه فلما وصل أكرمه وعظمه وجعله أمير دار فيروزكوه وكان ذلك في صفر سنة ثلاث وستمائة

وأما الدز فإنه سار إلى طريق جلال الدين فالتقوا بقرية بلق فاقتتلوا قتالا صبروا فيه فانهزم جلال الدين وعسكره وأخذ جلال الدين أسيرا وأتي به إلى الدز فلما رآه ترجل وقيل يده وأمر بالاحتياط عليه وعاد إلى غزنة وجلال الدين معه أسير يقول له ليسلم القلعة إليه وإلا قتل من عنده من الأسرى فلم يسلمها فقتل منهم أربعمائة أسير بإزاء القلعة فلما رأى علاء الدين ذلك أرسل مؤيد الملك يطلب الأمان فأمنه الدز فلما خرج قبل عليه ووكل به وبأخيه من يحفظهما وقبض على وزيره لسوء سيرته وكان هندوخان ملكشاه بن خوارزمشاه تكش مع علاء الدين بقلعة غزنة فلما خرج منها قبض عليه أيضا وكتب إلى غياث الدين بالفتح وأرسل إليه الأعلام وبعض الأسرى

ذكر قصد صاحب مراغة وصاحب إربل أذربيجان ص 317

في هذه السنة اتفق صاحب مراغة وهو علاء الدين هو ومظفر الدين كوكبري صاحب إربل على قصد أذربيجان وأخذها من صاحبها أبي بكر بن البلهوان لاشتغاله بالشرب ليلا ونهارا وتركه النظر في أحوال المملكة وحفظ العساكر والرعايا فسار صاحب إربل إلى مراغة واجتمع هو وصاحبها علاء الدين وتقدما نحو تبريز فلما علم صاحبها أبو بكر أرسل إلى ايتغمش صاحب بلاد الجبل همذان وأصفهان والري وما بينهما من البلاد وهو مملوك أبيه البهلوان وهو في طاعة أبي بكر إلا أنه قد غلب على البلاد فلا يلتفت إلى أبي بكر فأرسل إليه أبو بكر يستنجده ويعرفه الحال وكان حينئذ ببلد الإسماعيلية فلما أتاه الخبر سار إليه في العساكر الكثيرة فلما حضر عنده أرسل إلى صاحب إربل يقول له إننا كنا نسمع عنك أنك تحب أهل العلم والخير وتحسن إليهم فكنا نعتقد فيك الخير والدين فلما كان الآن ظهر لنا منك ضد ذلك لقصدك بلاد الإسلام وقتال المسلمين ونهب أموالهم وإثارة الفتنة فإذا كنت كذلك فمالك عقل تجيء إلينا وأنت صاحب قرية ونحن لنا من باب خراسان إلى خلاط وإلي إربل وأحسب أنك هزمت هذا أما تعلم أن له مماليك أنا أحدهم ولو أخذ من كل قرية شحنة أو من كل مدينة عشرة رجال لاجتمع له أضعاف عسكرك فالمصلحة أنك ترجع إلى بلدك وإنما أقول هذا أبقاء عليك ثم سار نحوه عقيب هذه الرسالة فلما سمعها مظفر الدين وبلغه مسير ايتغمش عزم على العود فاجتهد به صاحب مراغة ليقيم بمكانه ويسلم عسكره إليه وقال له إنني قد كاتبني جميع أمرائه ليكونوا معي إذا قصدتهم فلم يقبل مظفر الدين من قوله وعاد إلى بلده وسلك الطريق الشاقة والمضايق الصعبة والعقاب الشاهقة خوفا من الطلب ثم إن أبا بكر وايتغمش قصدا مراغة وحصراها فصالحهما صاحبها على تسليم قلعة من حصونة إلى أبي بكر هي كانت سبب الاختلاف وأقطعه أبو بكر مدينتي استوا وأرمية وعاد عنه

ذكر إيقاع أيتغمش بالإسماعيلية ص 318

وفي هذه السنة أيتغمش إلى بلاد الإسماعيلية المجاورة لقزوين فقتل منهم مقتلة كبيرة ونهب وسبي وحصر قلاعهم ففتح منها خمس قلاع وصمم العزم على حصر الموت واستئصال أهلها فاتفق ما ذكرنا من حركة صاحب مراغة وصاحب إربل واستدعاه الأمير أبو بكر ففارق بلادهم وسار إلى أبي بكر كما ذكرناه

ذكر وصول عسكر خوارزم إلى بلاد الجبل وما كان منهم ص 318

وفي هذه السنة سار من عسكر خوارزم طائفة كبيرة نحو عشرة آلاف فارس بأهليهم وأولادهم فوصلوا إلى زنكان وكان أيتغمش صاحبها مشغولا مع صاحب إربل وصاحب مراغة واغتنموا خلو البلاد فلما عاد مظفر الدين إلى بلده وانفصل الحال بين ايتغمش وصاحب مراغة سار أيتغمش نحو الخوارزمية فلقيهم وقاتلهم فاشتد القتال بين الطائفتين ثم انهزم الخوارزميون وأخذهم السيف فقتل منهم وأسر خلق كثير ولم ينج منهم إلا الشريد وسبي نساؤهم وغنمت أموالهم وكانوا قد أفسدوا في البلاد بالنهب والقتل فلقوا عاقبة فعلهم

ذكر الغارة من ابن ليون على أعمال حلب ص 318

وفي هذه السنة توالت الغارة من ابن ليون الأرمني صاحب الدروب على ولاية حلب فنهب وحرق وأسر وسبى فجمع الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف صاحب حلب عساكره واستنجد غيره من الملوك فجمع كثيرا من الفارس والراجل وسار عن حلب نحو ابن ليون وكان ابن ليون قد نزل في طرف بلاده مما يلي بلد حلب فليس إليه طريق لأن جميع بلاده لا طريق إليها إلا من جبال وعرة ومضايق صعبة فلا يقدر غيره على الدخول إليها لا سيما من ناحيى حلب فإن الطريق منها متعذر جدا فنزل الظاهر على خمسة فراسخ من حلب وجعل على مقدمته جماعة من عسكره مع أمير كبير من مماليك أبيه يعرف بميمون القصري ينسب إلى قصر الخلفاء العلويين بمصر لأن أباه منهم أخذه فأنفذ الظاهر ميرة وسلاحا إلى حصن له مجاور لبلاد ابن ليون اسمه دربساك وأنفذ إلى ميمون ليرسل طائفة من العسكر الذي عنده إلى طريق هذه الذخيرة ليسيروا معها إلى دربساك ففعل ذلك وسير جماعة كثيرة من عسكره وبقي في قلة فبلغ الخبر إلى ابن ليون فجد فوفاه وهو مخف من العسكر فقاتله واشتد القتال بينهم فأرسل ميمون إلى الظاهر يعرفه وكان بعيدا عنه فطالت الحرب بينهم وحمى ميمون نفسه وأثقاله على قلة من المسلمين وكثرة من الأرمن فانهزم المسلمون ونال العدو منهم فقتل وأسر وكذلك أيضا فعل المسلمون بالأرمن من كثرة القتل وظفر الأرمن بأثقال المسلمين وساروا بها فصادفهم المسلمون الذين كانوا قد ساروا مع الذخائر إلى دربساك فلم يشعروا بالحال فلم يرعهم إلا العدو وقد خالطهم ووضع السيف فيهم فاقتتلوا أشد قتال ثم انهزم المسلمون أيضا وعاد الأرمن إلى بلادهم بما غنموا واعتصموا بجبالهم وحصونهم

ذكر نهب الكرج أرمينية ص 319

في هذه السنة قصدت الكرج في جموعها ولاية خلاط من أرمينية ونهبوا وقتلوا وأسروا وسبوا أهلها كثيرا وجاسوا خلال الديار آمنين ولم يخرج إليهم من خلاط من يمنعهم فبقوا متصرفين في النهب والسبي والبلاد شاغرة لا مانع لها لأن صاحبها صبي والمدبر لدولته ليست له تلك الطاعة على الجند فلما اشتد البلاء على الناس تذامروا وحرض بعضهم بعضا واجتمعت العساكر الإسلامية التي بتلك الولاية جميعها وانضاف إليهم من المتطوعة كثير فساروا جميعهم نحو الكرج وهم خائفون فرأى بعض الصوفية الأخبار الشيخ محمد البستي وهو من الصالحين وكان قد مات فقال له الصوفي أراك ههنا فقال جئت لمساعدة المسلمين على عدوهم فاستيقظ فرحا بمحل البستي من الإسلام وأتى إلى مدبر العسكر والقيم بأمره وقص عليه رؤياه ففرح بذلك وقوي عزمه على قصد الكرج وسار بالعساكر إليهم فنزل منزلا فوصلت الأخبار إلى الكرج فعزموا على كبس المسلمين فانتقلوا من موضعهم بالوادي إلى أعلاه فنزلوا فيه ليكبسوا المسلمين إذا أظلم الليل فأتى المسلمين الخبر فقصدوا الكرج وأمسكوا عليهم رأس الوادي وأسفله وهو واد ليس إليه غير هذين الطريقين فلما رأى الكرج ذلك أيقنوا بالهلاك وسقط في أيديهم وطمع المسلمون فيهم وضايقوهم وقاتلوهم فقتلوا منهم كثيرا وأسروا مثلهم ولم يفلت من الكرج إلا القليل وكفى الله المسلمين شرهم بعد أن كانوا أشرفوا على الهلاك

ذكر عدة حوادث ص 320

في هذه السنة في جمادى الآخرة توفي الأمير طاشتكين مجير الدين أمير الحاج بتستر وكان قد ولاه الخليفة على جميع خوزستان وكان أميرا على الحاج سنين كثيرة وكان خيرا صالحا حسن السيرة كثير العبادة يتشيع ولما مات ولى الخليفة على خوزستان مملوكه سنجر وهو صهر طاشتكين زوج ابنته

وفيها قتل سنجر بن مقلد بن سليمان بن مهارش أمير عبادة بالعراق وكان سبب قتله أنه سعى بأبيه مقلد إلى الخليفة الناصر لدين الله فأمر بالتوكيل على أبيه فبقي مدة ثم أطلقه الخليفة ثم إن سنجرا قتل أخا له اسمه

فأوغر بهذه الأسباب صدور أهله وإخوانه فلما كان هذه السنة في شعبان نزل بأرض المعشوق وركب في بعض الأيام ومعه إخوته وغيرهم من أصحابه فلما انفرد عن أصحابه ضربه أخوه علي بن مقلد بالسيف فسقط إلى الأرض فنزل إخوته إليه فقتلوه

وفيها تجهز غياث الدين خسر وشاه صاحب مدينة الروم إلى مدينة طرابزون وحصر صاحبها لأنه كان قد خرج عن طاعته فضيق عليه فانقطعت لذلك الطرق من بلاد الروم والروس وقفجاق وغيرها برا وبحرا ولم يخرج منهم أحد إلى بلاد غياث الدين فدخل بذلك ضرر عظيم على الناس لأنهم كانوا يتجرون معهم ويدخلون بلادهم ويقصدهم التجار من الشام والعراق والموصل والجزيرة وغيرها فاجتمع منهم بمدينة سيواس خلق كثير فحيث لم ينفتح الطريق تأذوا أذى كثيرا فكان السعيد منهم من عاد إلى رأس ماله

وفيها تزوج أبو بكر بن البهلوان صاحب أذربيجان وأران بابنة ملك الكرج وسبب ذلك أن الكرج تابعت الغارات منهم على بلاده لما رأوا من عجزه وانهاكه في الشرب واللعب وما جانسهما وإعراضه عن تدبير الملك وحفظ البلاد فلما رأى هو أيضا ذلك ولم يكن عنده من الحمية والأنفة من هذه المناجس ما يترك ما هو مصر عليه وأنه لا يقدر على الذب عن البلاد عدل إلى الذب عنها بأيره فخطب ابنة ملكهم فتزوجها فكف الكرج عن النهب والإعارة والقتل فكان كما قيل أغمد سيفه وسل أيره

وفيها حمل إلى أزيك خروف وجهه صورة آدمي وبدنه بدن خروف وكان هذا من العجائب

وفيها توفي القاضي أبو محمد بن محمد المانداي الواسطي بها

وفيها في شوال توفي فخر الدين مبارك شاه بن الحسن المروروذي وكان حسن الشعر بالفارسية والعربية وله منزلة عظيمة عند غياث الدين الكبير صاحب غزنة وهراة وغيرهما وكان له دار ضيافة فيها كتب شطرنج فالعلماء يطالعون الكتب والجهال يلعبون بالشطرنج

وفيها في ذي الحجة توفي أبو الحسن علي بن علي بن سعادة الفارقي الفقيه الشافعي ببغداد وبقي مدة طويلة معيدا بالنظامية وصار مدرسا بالمدرسة التي أحدثتها أم الخليفة الناصر لدين الله وكان مع علمه صالحا طلب للنيابة في القضاء ببغداد فامتنع فألزم بذلك فوليه يسيرا ثم في بعض الأيام مشى إلى جامع ابن المطلب فنزل ولبس مئزر صوف غليظ وغير ثيابه وأمر الوكلاء وغيرهم بالانصراف وأقام به حتى سكن الطلب عنه وعاد إلى داره بغير ولاية

وفيها وقع الشيخ أبو موسى المكي المقيم بمقصورة جامع السلطان ببغداد من سطح الجامع فمات وكان رجلا صالحا كثير العبادة

وفيها توفي العفيف أبو المكارم عرفة بن علي بن بصلا البندنيجي ببغداد وكان رجلا صالحا منقطعا إلى العبادة رحمه الله

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.