ذكر حصر الفرنج دمياط
ص 21
في هذه السنة في صفر نزل الفرنج على مدينة دمياط من الديار المصرية وحصروها وكان الفرنج بالشام لما ملك أسد الدين شيركوه مصر قد خافوه وأيقنوا بالهلاك وكاتبوا الفرنج الذين بصقلية والأندلس وغيرها يستمدونهم ويعرفونهم ما تجدد من ملك الأتراك مصر وأنهم خائفون على البيت المقدس منهم فأرسلوا جماعة من القسوس والرهبان يحرضونهم على الحركة فأمدوهم بالأموال والرجال والسلاح واستعدوا للنزول على دمياط ظنا منهم أنهم يملكونها ويتخذونها ظهر يملكون به الديار المصرية ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا فإلى أن دخلوا كان أسد الدين قد مات وملك صلاح الدين فاجتمعوا عليها وحصروها وضيقوا على من بها فأرسل إليها صلاح الدين العساكر في النيل وحشر فيها كل من عنده وأمدهم بالأموال والسلاح والذخائر وأرسل إلى نور الدين يشكو ما هم فيه من المخافة ويقول إني إن تأخرت عن دمياط ملكها الفرنج وإن سرت إليها خلفني االمصريون في أهلها بالشر وخرجوا عن طاعتي وساروا في أثري والفرنج أمامي فلا يبقى لنا باقية فسير نور الدين العساكر إليه أرسالا يتلو بعضها بعضا ثم سار هو بنفسه إلى بلاد الفرنج الشامية فنهبها وأغار عليها واستباحها فوصلت الغارات إلى ما لم تكن تبلغه قبل لخلو البلاد من مانع فلما رأى الفرنج تتابع العساكر إلى مصر ودخول نور الدين إلى بلادهم ونهبها وتخريبها رجعوا خائبين لم يظفروا بشيء ووجدوا بلادهم خرابا وأهلها بين قتيل وأسير فكانوا موضع المثل خرجت النعامة تطلب قرنين رجعت بلا أذنين
وكانت مدة مقامهم على دمياط خمسين يوما أخرج فيها صلاح الدين أموالا لا تحصى
حكي أنه قال ما رأيت أكرم من العاضد أرسل إلي مرة لمقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية سوى الثياب وغيرها
ذكر حصر نور الدين الكرك
ص 22
في هذه السنة في جمادى الآخرة سار نور الدين إلى بلد الفرنج فحصر الكرك وهو من أمنع المعاقل على طرف البر وكان سبب ذلك أن صلاح الدين أرسل إلى نور الدين يطلب أن يرسل إليه والده نجم الدين أيوب فجهزه نور الدين وسيره وسير معه عسكرا واجتمع معه من التجار خلق كثير وانضاف إليهم من كان له مع صلاح الدين أنس وصحبة فخاف نور الدين عليهم من الفرنج فسار في عساكره إلى الكرك فحصره وضيق عليه ونصب عليه المنجنيقات فأتاه الخبر أن الفرنج قد جمعوا له وساروا إليه وقد جعلوا في مقدمتهم إليه ابن هنفري وقريب من الرقيق وهما فارسا الفرنج في وقتهما فرحل نور الدين نحو هذين المقدمين ليلقاهما ومن معهما قبل أن يلتحق بهما باقي الفرنج فلما قاربهما رجعا القهقرى واجتمعا بباقي الفرنج وسلك نور الدين وسط بلادهم ينهب ويحرق ما على طريقه من القرى إلى أن وصل إلى بلاد الإسلام فنزل على عشترا وأقام ينظر حركة الفرنج ليلقاهم فلم يبرحوا من مكانهم فأقام هو حتى أتاهم خبر الزلزلة الحادثة فرحل أما نجم الدين أيوب فإنه وصل إلى مصر سالما هو ومن معه وخرج العاضد الخليفة التقاه إكراما له
ذكر غزوة لسرية نورية
ص 22
كان شهاب الدين الياس بن ايلغازي بن أرتق صاحب قلعة البيرة قد سار في عسكره وهو في مائتي فارس إلى نور الدين وهو بعشترا فلما وصل إلى قرية اللبوة وهي من عمل بعلبك ركب متصيدا فصادف ثلاثمائة فارس من الفرنج قد ساروا للإغارة على بلاد الإسلام سابع عشر شوال فوقع بعضهم على بعض واقتتلوا واشتد القتال وصبر الفريقان لا سيما المسلمون فإن ألف فارس لا يصبرون لحملة ثلاثمائة فارس أفرنجية وكثر القتلى بين الطائفتين فانهزم الفرنج وعمهم القتل والأسر فلم يفلت منهم إلا من لا يعتد به وسار شهاب الدين برؤوس القتلى وبالأسرى إلى نور الدين فركب نور الدين والعسكر فلقوهم فرأى نور الدين في الرؤوس رأس مقدم الاسبتار صاحب حصن الأكراد وكان من الشجاعة بمحل كبير وكان شجا في حلوق المسلمين
ذكر الزلزلة وما فعلته بالشام
ص 23
في هذه السنة أيضا ثاني عشر شوال كانت زلازل عظيمة متتابعة هائلة لم ير الناس مثلها وعمت أكثر البلاد من الشام والجزيرة والموصل والعراق وغيرها من البلاد وأشدها كان بالشام فخرجت كثيرا من دمشق وبعلبك وحمص وحماة وشيزر وبعرين وحلب وغيرها وتهدمت أسوارها وقلاعها وسقطت الدور على أهلها وهلك منهم ما يخرج عن الحد فلما أتاه الخبر سار إلى بعلبك ليعمر ما انهدم من سورها وقلعتها فلما وصلها أتاه خبر باقي البلاد وخراب أسوارها وقلاعها وخلوها من أهلها فجعل ببعلبك من يعمرها ويحفظها وسار إلى حمص ففعل مثل ذلك ثم إلى حماه ثم إلى بعرين وكان شديد الحذر على سائر البلاد من الفرنج ثم أتى مدينة حلب فرأى فيها من آثار الزلزلة ما ليس بغيرها من البلاد فإنها كانت قد أتت عليها وبلغ الرعب ممن نجا كل مبلغ وكانوا لا يقدرون يأوون مساكنهم خوفا من الزلزلة فأقام بظاهرها وباشر عمارتها بنفسه فلم يزل كذلك حتى أحكم أسوار البلاد وجوامعها وأما بلاد الفرنج فإن الزلازل ايضا عملت بها كذلك فاشتغلوا بعمارة بلادهم خوفا من نور الدين عليها فاشتغل كل منهم بعمارة بلاده خوفا من الآخر
ذكر وفاة قطب الدين مودود بن زنكي وملك ابنه سيف الدين غازي
ص 23
في هذه السنة في ذي الحجة مات قطب الدين مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل بالموصل وكان مرضه حمى حادة ولما اشتد مرضه وصى بالملك بعده لابنه الأكبر عماد الدين زنكي وعدل عنه إلى ابنه الآخر سيف الدين غازي وإنما صرف الملك عن ابنه الأكبر عماد الدين زنكي بن مودود لأن القيم بأمور دولته والمقدم فيها كان خادما له يقال له فخر الدين عبد المسيح وكان يكره عماد الدين لأنه كان طوع عمه نور الدين لكثرة مقامه عنده ولأنه زوج ابنته وكان نور الدين يبغض عبد المسيح فاتفق فخر الدين وخاتون ابنة حسام الدين تمرتش بن ايلغازي وهي والدة سيف الدين على صرف الملك عن عماد الدين إلى سيف الدين فدخل عماد الدين إلى عمه نور الدين مستنصرا به ليعينه على أخذ الملك لنفسه وتوفي قطب الدين وعمره نحو أربعين سنة وكان ملكه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا وكان فخر الدين هو المدبر للأمور والحاكم في الدولة وكان قطب الدين من أحسن الملوك سيرة وأعفهم عن أموال رعيته محسنا إليهم كثير الإنعام عليهم محبوبا إلى كبيرهم وصغيرهم عطوفا على شريفهم ووضيعهم كريم الأخلاق حسن الصحبة لهم فكأن القائل أراده بقوله
( خلق كماء المزن مذاقة % والروضة الغناء طيب نسيم )
( كالسيف لكن فيه حلم واسع % عمن جنى والسيف غير حليم )
( كالغيث إلا أن وابل جوده % أبدا وجود الغيث غير مقيم )
( كالدهر إلا أنه ذو رحمة % والدهر قاسي القلب غير رحيم )
وكان سريع الانفعال للخير بطيئا عن الشر جم المناقب قليل المعايب رحمه الله ورضي عنه وعن جميع المسلمين بمنه وكرمه أنه جواد كريم
ذكر حالة ينبغي للملوك أن يحترزوا من مثلها
ص 24
حدثني والدي رحمه الله قال كنت أتولى جزيرة ابن عمر لقطب الدين كما علمتم فلما كان قبل موته بيسير أتانا كتاب من الديوان بالموصل يأمرون بمساحة جميع بساتين العقيمة وهذه العقيمة هي قرية تحاذي الجزيرة منها دجلة ولها بساتين كثيرة بعضها يمسح فيؤخذ منه على كل جريب شيء كعلوم وبعضها عليه خراج وبعضها مطلق عن الجميع قال وكان لي فيها ملك كثير فكنت أقول إن المصلحة أن لا يغير على الناس شيء وما أقول هذا لأجل ملكي فإنني أنا أمسح ملكي وإنما أريد أن يدوم الدعاء من الناس للدولة فجاءني كتاب النائب يقول لا بد من المساحة قال فأظهرت الأمر وكان بها قوم صالحون لي بهم أنس وبيننا مودة فجاءني الناس كلهم وأولئك معهم يطلبون المراجعة فأعلمتهم أني راجعت وما أجبت إلى ذلك فجاءني منهم رجلان أعرف صلاجهما وطلبا مني المعاودة ومخاطبة ثانية ففعلت فأصروا على المماسحة فعرفتهما الحال قال فما مضى إلا عدة أيام وإذ قد جاءني الرجلان فلما رأيتهما ظننت أنهما جاءا يطلبان المعاودة فعجبت منهما وأخذت أعتذر إليهما فقالا ما جئنا إليك في هذا وإنما جئنا نعرفك أن حاجتنا قضيت قال فظننت أنهما قد أرسلا إلى الموصل إلى من يشفع لهما فقلت من الذي خاطب في هذا بالموصل فقالا إن حاجتنا قد قضيت من السماء ولكافة أهل العقيمة قال فظننت أن هذا مما قد حدثا به نفوسهما ثم قاما عني فلم يمض غير عشرة أيام وإذا قد جاءنا كتاب من الموصل يأمرون بإطلاق المساجين والمحبوسين والمكوس ويأمرون بالصدقة ويقال إن السلطان يعني قطب الدين مريض يعني على حالة شديدة ثم بعد يومين أو ثلاثة جاءنا الكتاب بوفاته فعجبت من قولهما واعتقدته كرامة لهما فصار والدي بعد ذلك يكثر إكرامهما واحترامهما ويزورهما
ذكر الحرب بين عساكر ابن عبد المؤمن وابن مردنيش
ص 25
كان محمد بن سعيد بن مردنيش ملك شرق الأندلس قد اتفق هو والفرنج وامتنع على عبد المؤمن وابنه بعده فاستفحل أمره لا سيما بعد وفاة عبد المؤمن فلما كان هذه السنة حهز إليه يوسف بن عبد المؤمن فجاسوا بلاده وخربوها وأخذوا مدينتين من بلاده وأخافوا عساكره وجنوده وأقاموا ببلاده مدة ينتقلون فيها ويجبون أموالها
ذكر وفاة صاحب كرمان والخلف بين أولاده
ص 25
في هذه السنة توفي الملك طغرل بن قاورت صاحب كرمان واختلف أولاده بهرام شاه وأرسلان شاه وهو الأكبر وجرى بينهما قتال انهزم فيه بهرام شاه إلى خراسان فدخل على المؤيد صاحب نيسابور واستنجده فأنجده بعساكر سار بها إلى كرمان فجرى بين الأخوين حرب ظفر فيها بهرام شاه وهرب أرسلان شاه فقصد أصفهان مستجيرا بإيلدكز فأنفذ معه عسكرا واستنفذوا البلاد من بهرام شاه وسلموها إلى أخيه أرسلان شاه فعاد بهرام شاه إلى نيسابور مستجيرا بالمؤيد صاحبها فأقام عنده فاتفق أن أخاه أرسلان شاه مات فسار إلى كرمان فملكها وأقام بها بغير منازع
ذكر عدة حوادث
ص 26
في هذه السنة كثرت الأذية من عبد الملك بن عطاء وتطرق إلى بلاد حلوان ونهب وأفسد وأخذ من الحجاج فأنفذ إليه من بغداد عسكر فنازلوه في قلاعه وضايقوا ونهبوا أمواله وأموال أهله حتى أذعن بالطاعة ولا يعاود أذى الحجاج ولا غيرهم فعاد عنهم العسكر وفيها توفي مجد الدين أبو بكر بن الداية وهو رضيع نور الدين وكان أعظم الأمراء منزلة عنده وله في اقطاعه حلب وحارم وقلعة جعبر فلما توفي رد نور الدين ما كان له إلى أخيه شمس الدين علي بن الداية
وفيها في شعبان توفي أحمد بن صالح بن شافع أبو الفضل الجيلي وهو من مشهوري المحدثين الجبلي بالجيم والياء تحتها نقطتان
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.