الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
34

ثم دخلت سنة ست وتسعين وخمسمائة

الجزء العاشر 3 عنصر صفحة 264
ذكر ملك العادل الديار المصرية ص 264

قد ذكرنا سنة خمس وتسعين حصر الأفضل والظاهر ولدي صلاح الدين دمشق ورحيلهما إلى رأس الماء على عزم المقام بحوران إلى أن يخرج الشتاء فلما أقاموا برأس الماء وجد العسكر بردا شديدا لأن البرد في ذلك المكان في الصيف موجود فكيف في الشتاء فتغير العزم على المقام واتفقوا على أن يعود كل إنسان منهم إلى بلده ويعودوا إلى الاجتماع فتفرقوا تاسع ربيع الأول فعاد الظاهر وصاحب حمص إلى بلادهما وسار الأفضل إلى مصر فوصل بلبيس فأقام بها ووصلته الأخبار بأن عمه الملك العادل قد سار من دمشق قاصدا مصر ومعه المماليك الناصرية وقد حلفوه أن يكون ولد الملك العزيز هو صاحب البلاد وهو المدبر للملك إلى أن يكبر فساروا على هذا وكان عسكره بمصر قد تفرق عن الأفضل من الخشبي فسار كل منهم إلى أقطاعه ليربعوا دوابهم فرام الأفضل جمعهم من أطراف البلاد فأعجله الأمر عن ذلك ولم يجتمع منهم إلا طائفة يسيرة ممن قرب أقطاعه ووصل العادل فأشار بعض الناس على الأفضل أن يخرب سور بلبيس ويقيم بالقاهرة وأشار غيرهم بالتقدم إلى اطراف البلاد ففعل ذلك فسار عن بلبيس ونزل موضعا يقال له السائح في طرف البلاد والتقى هو والعادل سابع ربيع الآخر فانهزم الأفضل ودخل القاهرة ليلا

وفي تلك الليلة توفي القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني كاتب الإنشاء لصلاح الدين ووزيره فحضر الأفضل الصلاة عليه وسار العادل فنزل على القاهرة وحصرها فجمع الأفضل من عنده من الأمراء واستشارهم فرأى منهم تخاذلا فأرسل رسولا إلى عمه في الصلح وتسليم البلاد وأخذ العوض عنها وطلب دمشق فلم يجبه فنزل عنها إلى حران والرها فلم يجبه فنزل إلى ميافارقين وحاني وجبل جور فأجابه إلى ذلك وتحالفوا عليه وخرج الأفضل من مصر ليلة السبت ثامن عشر ربيع الآخر واجتمع بالعادل وسار إلى صرخد ودخل العادل إلى القاهرة يوم السبت ثامن عشر ربيع الآخر ولما وصل الأفضل إلى صرخد أرسل من تسلم ميافارقين وحاني وجبل جور فامتنع نجم الدين أيوب بن الملك العادل من تسليم ميافارقين وسلم ما عداها فترددت الرسل بين الأفضل والعادل في ذلك والعادل يزعم أن ابنه عصاه فأمسك عن المراسلة في ذلك لعلمه أن هذا فعل بأمر العادل ولما ثبت قدم العادل بمصر قطع خطبة الملك المنصور ابن الملك العزيز في شوال من السنة وخطب لنفسه وحاقق الجند في اقطاعاتهم واعترضهم في أصحابهم ومن عليهم من العسكر المقرر فتغيرت لذلك نياتهم فكان ما نذكره سنة سبع وتسعين إن شاء الله

ذكر وفاة خوارزم شاه ص 265

في هذه السنة في العشرين من رمضان توفي خوارزم شاه تكش بن أرسلان صاحب خوارزم وبعض خراسان والري وغيرها من البلاد الجبالية بشهر ستانة بين نيسابور وخوارزم وكان قد سار من خوارزم إلى خراسان وكان به خوانيق فأشار عليه الأطباء بترك الحركة فامتنع وسار فلما بلغ شهرستانة اشتد مرضه ومات ولما اشتد مرضه أرسلوا إلى ابنه قطب الدين محمد يستدعونه ويعرفونه شدة مرض أبيه فسار إليهم وقد مات أبوه فولي الملك بعده ولقب علاء الدين لقب أبيه وكان لقبه قطب الدين وأمر فحمل أبوه ودفن بخوارزم في تربة عملها في مدرسة بناها كبيرة عظيمة وكان عادلا حسن السيرة له معرفة حسنة وعلم يعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة ويعرف الأصول وكان ولده علي شاه بأصفهان فأرسل إليه أخوه خوارزم شاه محمد يستدعيه فسار إليه فنهب أهل أصفهان خزانته ورحله فلما وصل إلى أخيه ولاه حرب خراسان والتقدم على جندها وسلم إليه نيسابور وكان هندوخان ملك شاه بن خوارزم شاه تكش يخاف عمه محمدا فهرب منه ونهب كثيرا من خزائن جده تكش لما مات وكان معه وسار إلى مرو ولما سمع غياث الدين ملك غزنة وفاة خوارزم شاه أمر أن لا تضرب نوبته ثلاثة أيام وجلس للعزاء على ما بينهما من العداوة والمحاربة فعل ذلك عقلا منه ومروءة ثم ان هندوخان جمع جمعا كثيرا بخراسان فسير إليه عمه خوارزم شاه جيشا مقدمهم جقر التركي فلما سمع هندوخان بمسيرهم هرب عن خراسان وسار إلى غياث الدين يستنجده على عمه فأكرم لقاءه وإنزله وأقطعه ووعده النصرة فأقام عنده ودخل جقر مدينة مرو وبها والدة هندوخان وأولاده فاستظهر عليهم وأعلم صاحبه فأمره بإرسالهم إلى خوارزم مكرمين فلما سمع غياث الدين ذلك أرسل إلى محمد بن جربك صاحب الطالقان يأمره أن يرسل إلى جقر يتهدده ففعل وسار من الطالقان فأخذ مرو الروذ والخمس قرى وتسمى بالفارسية بنج ده وأرسل إلى جقر يأمره بإقامة الخطبة بمرو لغياث الدين أو يفارق البلد فأعاد الجواب يتهدد ابن جربك ويتوعده وكتب إليه سرا يسأله أن يأخذ له أمانا من غياث الدين ليحضر خدمته فكتب إلى غياث الدين بذلك فلما قرأ كتابه علم أن خوارزم شاه ليس له قوة فلهذا طلب جقر الانحياز إليه فقوي طمعه في البلاد وكتب إلى أخيه شهاب الدين يأمره بالخروج إلى خراسان ليتفقا على أخذ بلاد خوارزم شاه محمد

ذكر عدة حوادث ص 266

في هذه السنة في جمادى الآخرة وثب الملاحدة الإسماعيلية على نظام الملك مسعود بن علي وزير خوارزم شاه تكش فقتلوه وكان صالحا كثير الخير حسن السيرة شافعي المذهب بنى للشافعية بمرو جامعا مشرفا على جامع الحنفية فتعصب شيخ الإسلام وهو مقدم الحنابلة بها فيهم والرياسة وجمع الأوباش فأحرقه فأنفذ خوارزم شاه فأحضر شيخ الإسلام وجماعة ممن سعى في ذلك فأغرمهم مالا كثيرا

وينى الوزير أيضا مدرسة عظيمة بخوارزم وجامعا وجعل فيها خزانة كتب وله آثار حسنة بخراسان باقية ولما مات خلف ولدا صغيرا فاستوزره خوارزم شاه رعاية لحق أبيه فأشير عليه أن يستعفي فأرسل يقول إنني صبي لا أصلح لهذا المنصب الجليل فيولي السلطان فيه من يصلح له أن أكبر فإن كنت أصلح فأنا المملوك فقال خوارزم شاه لست اعفيك وأنا وزيرك فكن مراجعي في الأمور فإنه لا يقف منها شيء فاستحسن الناس هذا ثم إن الصبي لم تطل أيامه فتوفى قبل خوارزم شاه بيسير

وفي هذه السنة في ربيع الأول توفي شيخنا أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب ابن كليب الحراني المقيم ببغداد وله ست وتسعون سنة وشهران وكان عالي الإسناد في الحديث وكان ثقة صحيح السماع

وفي ربيع الآخر منها توفي القاضي عبد الرحيم البيساني الكاتب لم يكن في زمانه أحسن كتابة منه ودفن بظاهر مصر بالقرافة وكان دينا كثير الصدقة والعبادة وبه وقوف كثيرة على الصدقة وفك الأسارى وكان يكثر الحج والمجاورة مع اشتغاله بخدمة السلطان وكان السلطان صرح الدين يعظمة ويحترمه ويكرمه ويرجع إلى قوله رحمهما الله

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.