الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء العاشر / ثم دخلت سنة خمس وتسعين وخمسمائة
33

ثم دخلت سنة خمس وتسعين وخمسمائة

الجزء العاشر 8 عنصر صفحة 254
ذكر وفاة الملك العزيز وملك أخيه الأفضل ديار مصر ص 254

في هذه السنة في العشرين من المحرم توفي الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب ديار مصر وكان سبب موته أنه خرج إلى الصيد فوصل إلى الفيوم متصيدا فرأى ذءبا فركض فرسه في طلبه فعثر الفرس فسقط عنه في الأرض ولحقته حمى فعاد إلى القاهرة مريضا فبقي كذلك إلى أن توفي فلما مات كان الغالب على أمره مملوك والده فخر الدين جهاركس هو الحاكم في بلده فأحضر إنسانا كان عندهم من أصحاب الملك العادل أبي بكر بن أيوب وأراه العزيز ميتا وسيره إلى العادل وهو يحاصر ماردين كما ذكرناه ويستدعيه ليملكه البلاد فسار القاصد مجدا فلما كان بالشام رأى بعض أصحاب الأفضل علي علي بن صلاح الدين فقال له قل لصاحبك إن أخاه العزيز توفي وليس في البلاد من يمنعها فليسر اليها فليس دونها مانع وكان الأفضل محبوبا إلى الناس يريدونه فلم يلتفت الأفضل إلى هذا القول وإذ قد وصله رسل الأمراء من مصر يدعونه اليهم ليملكوه وكان السبب في ذلك أن الأمير سيف الدين يازكج مقدم الأسدية والفرقة الأسدية والأمراء الأكراد يريدونه ويميلون اليه وكان المماليك الناصرية الذين هم ملك أبيه يكرهونه فاجتمع سيف الدين مقدم الأسدية وفخر الدين جهاركس مقدم الناصرية ليتفقوا على من يولونه الملك فقال فخر الدين نولي ابن الملك العزيز فقال سيف الدين إنه طفل وهذه البلاد ثغر الإسلام ولا بد من قيم بالملك يجمع العساكر ويقاتل بها والرأي أننا نجعل الملك في هذا الطفل الصغير ونجعل معه بعض أولاد صلاح الدين يدبره إلى أن يكبر فإن العساكر لا تطيع غيرهم ولا تنقاد لأمير فاتفقا على هذا فقال جهاركس فمن يتولى هذا فأشار يازكج بغير الأفضل فجرى بينه وبين جهاركس منازعة لئلا يتهم وينفر جهاركس عنه فامتنع من ولايته فلم يزل يذكر من أولاد صلاح الدين واحدا بعد آخر إلى أن ذكر آخرهم الأفضل فقال جهاركس هو بعيد عنا وكان بصرخد مقيما فيها من حين أخذت منه دمشق فقال يازكج ترسل إليه من يطلبه مجدا فأخذ جهاركس يغالطه فقال يازكج نمضي إلى القاضي الفاضل ونأخذ رأيه فاتفقا على ذلك وأرسل يازكج يعرفه ذلك ويشير بتمليك الأفضل فلما اجتمعا عنده وعرفاه صورة الحال أشار بالأفضل فأرسل يازكج في الحال القصاد وراء فسار عن صرخد لليلتين بقيتا من صفر متنكرا في تسعة عشر نفسا لأن البلاد كانت للعادل وبضبط نوابه الطرق لئلا يجوز إلى مصر ليجيء العادل ويملكها فلما قارب الأفضل القدس وقد عدل عن الطريق المؤدي إليه لقيه فارسان قد أرسلا إليه من القدس فأخبراه أن من بالقدس قد صار في طاعته وجد في السير فوصل إلى بلبيس خامس ربيع الأول ولقيه إخوته وجماعة الأمراء المصرية وجميع الأعيان فاتفق أن أخاه الملك المؤيد مسعودا صنع له طعاما وصنع له فخر الدين مملوك أبيه طعاما فابتدأ بطعام أخيه ليمين حلفها أخوه أنه يبدأ به فظن جهاركس أنه فعل هذا انحرافا عنه وسوء اعتقاد فيه فتغيرت نيته وعزم على الهرب فحضر عند الأفضل وقال إن طائفة من العرب قد اقتتلوا ولئن لم نمض إليهم نصلح بينهم يؤدي ذلك إلى فساد فأذن له الأفضل في المضي إليهم ففارقه وسار مجدا حتى وصل إلى البيت المقدس ودخله وتغلب عليه ولحقه جماعة من الناصرية منهم قراجة الزرمكش وسراسنقر وأحضروا عندهم ميمونا القصرى صاحب نابلس وهو أيضا من المماليك الناصرية فقويت سوكتهم به واجتمعت كلمتهم على خلاف الأفضل وأرسلوا إلى الملك العادل وهو على ماردين يطلبونه اليهم ليدخلوا معه إلى مصر ليملكوها فلم يسر إليهم لأنه كانت أطماعه قد قويت في أخذ ماردين وقد عجز من بها عن حفظها وأنه يأخذها والذي يريدونه لا يفوته وأما الأفضل فإنه دخل إلى القاهرة سابع ربيه الأول وسمع بهرب جهاركس فأهمه ذلك وترددت الرسل بينه وبينهم ليعودوا إليه فلم يزدادوا إلا بعدا ولحق بهم حماعة من الناصرية أيضا فاستوحش الأفضل من الباقين فقبض عليهم وهم شقيرة وأيبك فطيس والبكى الفارس وكل هؤلاء بطل مشهور ومقدم مذكور سوى من ليس مثلهم في التقدم وعلو القدر وأقام الأفضل بالقاهرة وأصلح الأمور وقرر القواعد والمرجع في جميع الأمور إلى سيف الدين يازكج

ذكر حصر الأفضل مدينة دمشق وعودة عنها ص 256

لما ملك الأفضل مصر واستقر بها ومعه ابن أخيه الملك العزيز اسم الملك له لصغره واجتمعت الكلمة على الأفضل بها وصل إليه رسول أخيه الملك الظاهر غازي صاحب حلب ورسل ابن عمه أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه صاحب حمص يحثانه على الخروج إلى دمشق واغتنام الفرصة بغية العادل عنها وبذلا له المساعدة بالمال والنفس والرجال فبرز من مصر منتصف جمادى الأولى من السنة على عزم المسير إلى دمشق وأقام بظاهر القاهرة إلى ثالث رجب ورحل فيه وتعوق في مسيره ولو بادر وعجل المسير لملك دمشق لكنه تأخر فوصل إلى دمشق ثالث عشر شعبان فنزل عند جسر الخشب على فرسخ ونصف من دمشق وكان العادل قد أرسل إليه نوابه بدمشق يعرفونه قصد الأفضل لهم ففارق ماردين وخلف ولده الكامل محمدا في جميع العساكر على حصارها وسار جريدة فجد في السير فسبق الأفضل فدخل دمشق قبل الأفضل بيومين وأما الأفضل فإنه تقدم إلى دمشق من الغدر وهو رابع عشر شعبان ودخل ذلك اليوم بعينه طائفة يسيرة من عسقلان إلى دمشق من باب السلامة وسبب دخولهم ان قوما من أجناده ممن بيوتهم مجاورة الباب اجتمعوا بالأمير مجد الدين أخي الفقيه عيسى الهكاري وتحدثوا معه في أن يقصد هو والعسكر باب السلامة بيفتحوه لهم فأراد مجد الدين أن يختص بفتح الباب وحده فلم يعلم الأفضل ولا أخذ معه أحدا من الأمراء بل سار وحده ومعه نحو خمسين فارسا من أصحابه ففتح له الباب فدخله هو ومن معه فلما رآهم عامة البلد نادوا بشعار الأفضل واستسلم من به من الجند ونزلوا عن الأسوار وبلغ الخبر إلى الملك العادل فكاد يستسلم وتماسك وأما الذين دخلوا البلد فإنهم وصلوا إلى البريد فلما رأى عسكر العادل بدمشق قلة عددهم وانقطاع مددهم وثبوا بهم وأخرجوهم منه وكان الأفضل قد نصب خيمة بالميدان الأخضر وقارب عسكره الباب الحديد وهو من أبواب القلعة فقدر الله تعالى أن أشير على الأفضل بالانتقال إلى ميدان الحصى ففعل ذلك فقويت نفوس من فيه وضعفت نفوس العسكر المصري ثم إن الأمراء الأكراد منهم تحالفوا فصاروا يدا واحدة ويغضبون لغضب أحدهم ويرضون لرضا أحدهم فظن الأفضل وباقي الأسدية أنهم فعلوا بقاعدة بينهم وبين الدمشقيين فرحلوا من موضعهم وتأخروا في العشرين من شعبان ووصل أسد الدين شيركوه صاحب حمص إلى الأفضل الخامس والعشرين من شعبان ووصل بعده الملك الظاهر صاحب حلب ثاني عشر شهر رمضان وأراد الزحف إلى دمشق فمنعهم الملك الظاهر مكرا بأخيه وحسدا له ولم يشعر أخوه الأفضل بذلك وأما الملك العادل فإنه لما رأى كثرة العساكر وتتابع الإمداد إلى الأفضل عظم عليه فأرسل إلى المماليك الناصرية بالبيت المقدس يستدعيهم إليه فساروا سلخ شعبان فوصل خبرهم إلى الأفضل فسير أسد الدين صاحب حمص ومعه جماعة من الأمراء إلى طريقهم ليمنعوهم فسلكوا غير طريقهم فجاء اولئك ودخلوا دمشق خامس رمضان فقوي العادل بهم قوة عظيمة وأيس الأفضل ومن معه من دمشق وخرج عسكر دمشق في شوال فكبسوا العسكر المصري فوجدوهم قد حذروهم فعادوا عنهم خاسرين وأقام العسكر على دمشق ما بين قوة وضعف وانتصار وتخاذل حتى أرسل الملك العادل خلف ولده الملك الكامل محمد وكان قد رحل عن ماردين على ما نذكره إن شاء الله تعالى وهو بحران فاستدعاه إليه بعسكره فسار على طريق البر فدخل إلى دمشق ثاني عشر صفر سنة ست وتسعين وخمسمائة فعند ذلك رحل العسكر عن دمشق إلى ذيل جبل الكسوة سابع عشر صفر واستقر أن يقيموا بحوران حتى يخرج الشتاء فرحلوا إلى رأس الماء وهو موضع شديد البرد فتغير العزم عن المقام واتفقوا على أن يعود كل منهم إلى بلده فعاد الظاهر صاحب حلب وأسد الدين صاحب حمص إلى بلادهما وعاد الأفضل إلى مصر فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى

ذكر وفاة يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وولاية ابنه محمد ص 257

في هذه السنة ثامن عشر ربيع الآخر وقيل جمادى الأولى توفي أبو يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب والأندلس بمدينة سلا وكان قد سار إليها من مراكش وكان قد بنى مدينة محاذية لسلا وسماها المهدية من أحسن البلاد وأنزهها فسار إليها يشاهدها فتوفي بها وكانت ولايته خمس عشر سنة وكان ذا جهاد للعدو ودين حسن وسيرة وكان يتظاهر بمذهب الظاهرية وأعرض عن مذهب مالك فعظم أمر الظاهرية في أيامه وكان بالمغرب منهم خلق كثير يقال لهم الحزمية منسوبون إلى ابن محمد بن حزم رئيس الظاهرية إلا أنهم مغمورون بالمالكية ففي أيامه ظهروا وانتشروا ثم في آخر أيامه استقضى الشافعية على بعض البلاد ومال إليهم

ذكر عصيان أهل المهدية على يعقوب وطاعتها لولده محمد ص 258

كان أبو يوسف يعقوب صاحب المغرب لما عاد من إفريقية كما ذكرناه سنة إحدى وثمانين وخمسمائة استعمل أبا سعيد عثمان وأبا علي يوسف بن عمر اينتي وهما وأبوهما من أعيان الدولة فولى عثمان مدينة تونس وولى أخاه المهدية وجعل قائد الجيش بالمهدية محمد بن عبد الكريم وهو شجاع مشهور فعظمت نكايته في العرب فلم يبق منهم إلا من يخافه فاتفق انه أتاه الخبر بأن طائفة من عوف نازلين بمكان فخرج إليهم وعدل عنهم حتى جازهم ثم اقبل عائدا يطلبهم وأتاهم الخبر بخروجه إليهم فهربوا من بين يديه فلقيهم أمامهم فهربوا وتركوا المال والعيال من غير قتال فأخذ الجميع ورجع إلى المهدية وسلم العيال إلى الوالي وأخذ من الأسلاب والغنيمة ما شاء وسلم الباقي إلى الوالي وإلى الجند ثم إن العرب من بني عوف قصدوا أبا سعيد بن عمر اينتي فوجدوا وصاروا من حزب الموحدين واستجاروا به في رد عيالهم وأموالهم فأحضر محمد بن عبد الكريم وأمره بإعادة ما أخذ لهم من النعم فقال أخذه الجند ولا اقدر على رده فأغلظ له في القول وأراد أن يبطش به فاستمهله إلى ان يرجع إلى المهدية ويسترد من الجند ما يجده عندهم وما عدم منه غرم العوض عنه من ماله فأمهله فعاد إلى المهدية وهو خائف فلما وصلها جمع أصحابه وأعلمهم ما كان من أبي سعيد وحالفهم على موافقته فحلفوا له فقبض على أبي علي يونس وتغلب على المهدية وملكها فأرسل اليه أبو سعيد في معنى اطلاق أخيه يونس فأطلقه على اثني عشر ألف دينار فلما أرسلها إليه أبو سعيد فرقها في الجند وأطلق يونس وجمع أبو سعيد العساكر وأراد قصد محاصرته فأرسل محمد بن عبد الكريم إلى علي بن إسحاق الملثم فحالفه واعتضد به فامتنع أبو سعيد من قصده ومات يعقوب وولي ابنه محمد فسير عسكرا مع عمه في البحر وعسكرا آخر في البر مع ابن عمه الحسن بن أبي حفص بن عبد المؤمن فلما وصل عسكر البحر إلى بجاية وعسكر السير إلى قسنطينة الهوى هرب الملثم ومن معه من العرب من بلاد افريقية إلى الصحراء ووصل الأسطول إلى المهدية فشكا محمد بن عبد الكريم ما لقي من ابي سعيد وقال أنا على طاعة أمير المؤمنين محمد ولا أسلمها إلى أبي سعيد وإنما أسلمها إلى من يرسله أمير المؤمنين فأرسل محمد من يتسلمها منه وعاد إلى الطاعة

ذكر رحيل عسكر الملك العادل عن ماردين ص 259

في هذه السنة زال الحصار عن ماردين ورحل عسكر الملك العادل عنها مع ولده الملك الكامل وسبب ذلك أن الملك العادل لما حصر ماردين عظم ذلك على نور الدين صاحب الموصل وغيره من ملوك ديار بكر والجزيرة وخافوا إن ملكها لا يبقي عليهم إلا أن العجز عن منعه حملهم على طاعته فلما توفي العزيز صاحب مصر وملك الأفضل مصر كما ذكرناه وبينه وبين العادل اختلاف فأرسل أخذ عسكر مصر من عنده وأرسل إلى نور الدين صاحب الموصل وغيره من الملوك يدعوهم إلى موافقته فأجابوه إلى ذلك فلما رحل الملك العادل عن ماردين إلى دمشق كما ذكرناه برز نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود صاحب الموصل عنها ثاني شعبان وسار إلى دنيسر فنزل عليها ووافقه ابن عمه قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود صاحب سنجار وابن عمه الآخر سنجر شاه بن غازي بن مودود صاحب جزيرة ابن عمر فاجتمعوا كلهم بدنيسر إلى أن عيدوا عيد الفطر ثم ساروا عنها سادس شوال ونزلوا بحرزم وتقدم العسكر إلى تحت الجبل ليرتادوا موضعا للنزول وكان أهل ماردين قد عدمت الأقوات عندهم وكثرت الأمراض فيهم حتى أن كثيرا منهم كان لا يطيق القيام فلما رأى النظام وهو الحاكم في دولة صاحبها ذلك ارسل إلى ابن العادل في تسليم القلعة إليه إلى أجل معلوم ذكره على شرط أن يتركهم يدخل اليهم من الميرة ما يقوتهم حسب فأجابهم إلى ذلك وتحالفوا عليه ورفعوا أعلامهم إلى رأس القلعة وجعل ولد العادل بباب القلعة أميرا لا يترك يدخلها من الأطعمة إلا ما يكفيهم يوما بيوم فأعطى من بالقلعة ذلك الأمير شيئا فمكنهم من إدخال الذخائر الكثيرة فبينما هم كذلك إذ أتاهم خبر وصول نور الدين صاحب الموصل فقويت نفوسهم وعزموا على الامتناع فلما تقدم عسكره إلى ذيل جبل ماردين قدر الله تعالى أن الملك الكامل بن العادل نزل بعسكره من ربض ماردين إلى لقاء نور الدين وقتاله ولو اقاموا بالربض لم يمكن نور الدين ولا غيره الصعود اليهم ولا ازالتهم لكن نزلوا ليقضي الله أمرا كان مفعولا فلما أصحروا من الجبل اقتتلوا وكان من عجيب الاتفاق ان قطب الدين صاحب سنجار كان قد واعد العسكر العادلي أن ينهزم إذا التقوا ولم يعلم بذلك أحدا من العسكر فقدر الله تعالى أنه لما نزل العسكر العادلي واصطفت العساكر للقتال الجأت قطب الدين الضرورة بالزحمة إلى أن وقف في سفح بجبل ماردين ليس اليه طريق للعسكر العادلي ولا يرى الحرب الواقعة بينهم وبين نور الدين ففاته ما أراده من الانهزام فلما التقى العسكران واقتتلوا حمل ذلك اليوم نور الدين بنفسه واصطلى الحرب الناس أنفسهم بين يديه فانهزم العسكر العادلي وصعدوا في الجبل إلى الربض وأسر منهم كثير فحملوا إلى بين يدي نور الدين فأحسن اليهم ووعدهم الإطلاق إذا انفصلوا ولم يظن أن الملك الكامل ومن معه يرحلون عن ماردين سريعا فجاءهم أمر لم يكن في الحساب فإن الملك الكامل لما صعد إلى الربض رأى أهل القلعة قد نزلوا إلى الذين جعلوهم بالربض من العسكر فقاتلوهم ونالوا منهم ونهبوا فألقى الله الرعب في قلوب الجميع فأعملوا رأيهم على مفارقة الربض ليلا فرحلوا ليلة الاثنين سابع شوال وتركوا كثيرا من أثقالهم ورحالهم وما اعدوه فأخذه أهل القلعة ولو ثبت العسكر العادلي بمكانه لم يمكن أحدا أن يقرب منهم ولما رحلوا نزل صاحب ماردين حسام الدين يولق بن ايلغازي إلى نور الدين ثم عاد إلى حصنه وعاد أتابك إلى دنيسر ورحل عنها إلى رأس عين على عزم قصد حران وحصرها فأتاه رسول من الملك الظاهر يطلب الخطبة والسكة وغير ذلك فتغيرت نية نور الدين وفتر عزمه عن حصرها فعزم على العود إلى الموصل فهو يقدم إلى العود رجلا ويؤخر أخرى إذ اصابه مرض فتحقق عزم العود إلى الموصل فعاد إليها وأرسل رسولا إلى الملك الأفضل والملك الظاهر يعتذر عن عوده بمرضه فوصل الرسول ثاني ذي الحجة إليهم وهم على دمشق وكان عود نور الدين من سعادة الملك العادل فإنه كان وكل من عنده ينتظرون ما يجيء من أخباره فإن من بحران استسلموا فقدر الله تعالى أنه عاد فلما عاد جاء الملك الكامل إلى حران وكان قد سار عن ماردين إلى ميافارقين فلما رجع نور الدين سار الكامل إلى حران وسار إلى أبيه بدمشق على ما ذكرناه فازداد به قوة والأفضل ومن معه ضعفا

ذكر الفتنة بفيروز وزكوه من خراسان ص 261

في هذه السنة كانت فتنة عظيمة بعسكر غياث الدين ملك الغور وغزنة وهو بفيروزكوه عمت الرعية والملوك والأمراء وسببها أن الفجر محمد بن عمر بن الحسين الرازي الإمام المشهور الفقيه الشافعي كان قدم إلى غياث الدين مفارقا لبهاء الدين سام صاحب باميان وهو ابن أخت غياث الدين فأكرمه غياث الدين واحترمه وبالغ في إكرامه وبنى له مدرسة بهراة بالقرب من الجامع فقصده الفقهاء من البلاد فعظم ذلك على الكرامية وهو كثيرون بهراة وأما الغورية فكلهم كرامية وكرهوه وكان أشد الناس عليه الملك ضياء الدين وهو ابن عم غياث الدين وزوج ابنته فاتفق أن حضر الفقهاء من الكرامية والحنفية والشافعية عند غياث الدين بفيروزكوه للمناظرة وحضر فخر الدين الرازي والقاضي مجد الدين عبد المجيد بن عمر المعروف بابن القدوة وهو من الكرامية الهيصمية وله عندهم محل كبير لزهده وعلمه وبيته فتكلم الرازي فاعترض عليه ابن القدوة وطال الكلام فقام غياث الدين فاستطال عليه الفخر وسبه وشتمه وبالغ في أذاه وابن القدوة لا يزيد على أن يقول لا يفعل مولانا وأخذك الله استغفر الله فانفصلوا على هذا وقام ضياء الدين في هذه الحادثة وشكر إلى غياث الدين وذم الفخر ونسبه إلى الزندقة ومذهب الفلاسفة فلم يصغ غياث الدين إليه فلما كان الغد وعظ ابن عمر المجد بن القدوة بالجامع فلما صعد المنبر قال بعد أن حمد الله وصلى على النبي ى إله إلا الله ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين أيها الناس إنا لا نقول إلا ما صح عندنا عن رسول الله وأما علم ارسطاطاليس وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي فلا نعلمها فلأي حال يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله وعن سنة نبيه وبكى وضج الناس وبكى الكرامية واستغاثوا وأعابهم من يؤثر بعد الفخر الرازي عن السلطان وثار الناس من كل جانب وامتلأ البلد فتنة وكادوا يقتتلون ويجري ما يهلك فيه خلق كثير فبلغ ذلك السلطان فأرسل جماعة من عنده إلى الناس وسكنهم ووعدهم بإخراج الفخر من عندهم وتقدم إليه بالعود إلى هراة فعاد اليها

ذكر مسير خوارزم شاه إلى الري ص 261

في هذه السنة في ربيع الأول سار خوارزم شاه علاء الدين تكش إلى الري وغيرها من بلاد الجبل لأنه بلغه أن نائبه بها مياجق قد تغير عن طاعته فسار إليه فخافه مياجق فجعل يفر من بين يديه وخوارزم شاه في طلبه يدعوه إلى الحضور عنده وهو يمتنع فاستأمن من أكثر أصحابه إلى خوارزم شاه وهرب هو فحصل بقلعة من أعمال مازندران فامتنع بها فسارت العساكر في طلبه فأخذ منها وأحضر بين يدي خوارزم شاه فأمر بحبسه بشفاعة أخيه أقجة وسيرت الخلع من الخليفة لخوارزم شاه ولولده قطب الدين محمد وتقليد ما بيده من البلاد فلبس الخلعة واشتغل بقتال الملاحدة فافتتح قلعة على باب قزوين تسمى أرسلان كشاه وانتقل إلى حصار الموت فقتل عليها صدر الدين محمد بن الوزان رئيس الشافعية بالري وكان قد تقدم عنده نقدما عظيما قتله الملاحدة وعاد خوارزم شاه إلى خوارزم فوثب الملاحدة على وزيره نظام الملك مسعود بن علي فقتلوه في جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين فأمر تكش ولده قطب الدين بقصد الملاحدة فقصد قلعة ترشيش وهي من قلاعهم فحصرها فأذعنوا له بالطاعة وصالحوه على مائة ألف دينار ففارقها وإنما صالحهم لأنه بلغه خبر مرض أبيه وكانوا يراسلونه بالصلح فلا يفعل فلما سمع بمرض أبيه لم يرحل حتى صالحهم على المال المذكور والطاعة ورحل

ذكر عدة حوادث ص 262

في هذه السنة في ربيع الأول توفي مجاهد الدين قايماز رحمه الله بقلعة الموصل وهو الحاكم في دولة نور الدين والمرجوع إليه فيها وكان ابتداء ولايته قلعة الموصل في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وولي إربل سنة تسع وخمسين وخمسمائة فلما مات زين الدين علي كوكج سنة ثلاث وستين بقي هو الحاكم فيها ومعه من يختاره من أولاد زين الدين ليس لواحد منهم معه حكم وكان عاقلا أديبا خبيرا فاضلا يعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة ويحفظ من التاريخ والأشعار والحكايات شيئا كثيرا وكان كثير الصوم يصوم من كل سنة نحو أربعة أشهر وله أوراد كثيرة حسنة كل ليلة ويكثر الصدقة وكان له فراسة حسنة فيمن يستحق الصدقة ويعرف الفقير المستحق ويبرهم وبنى عدة جوامع منها الجامع الذي بظاهر الموصل بباب الجسر وبنى الربط والمدارس والخانات في الطرق وله من المعروف شيء كثير رحمه الله فلقد كان من محاسن الدنيا

وفيها فارق غياث الدين صاحب غزنة وبعض خراسان مذهب الكرامية وصار شافعي المذهب وكان سبب ذلك انه كان عنده إنسان يعرف بالفخر مبارك شاه يقول الشعر بالفارسية متفننا في كثير من العلوم فأوصل إلى غياث الدين الشيخ وجيه الدين أبا الفتح محمد بن محمود المروروذي الفقيه الشافعي فوضح له مذهب الشافعي وبين له فساد مذهب الكرامية فصار شافعيا وبنى المدارس للشافعية وبنى بغزنة مسجدا لهم أيضا وأكثر مراعاتهم فسعى الكرامية في أذى وجيه الدين فلم يقدرهم الله تعالى على ذلك وقيل إن غياث الدين وأخاه شهاب الدين لما ملكا في خراسان قيل لهما إن الناس في جميع البلاد يزرون على الكرامية ويحتقرونهم والرأي أن تفرقا مذاهبهم فصارا شافعيين وقيل إن شهاب الدين كان حنفيا والله أعلم

وفي هذه السنة توفي أبو القاسم يحيى بن علي بن فضلان الفقيه الشافعي وكان إماما فاضلا ودرس ببغداد وكان من أعيان أصحاب محمد بن يحيى نجي النيسابوري

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.