ذكر ملك الملك الظاهر صاحب حلب منبج وغيرها من الشام وحصره هو وأخوه
ص 268
قد ذكرنا قبل ملك العادل ديار مصر وقطعه خطبة الملك المنصور ولد الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب وأنه لما فعل ذلك لم يرضه الأمراء المصريون وخبث نياتهم في طاعته فراسلوا أخويه الظاهر بحلب والأفضل بصرخد وتكررت المكاتبات والمراسلات بينهم يدعونهما إلى قصد دمشق وحصرها ليخرج الملك العادل اليهم فإذا خرج إليهم من مصر أسلموه وصاروا معهما فتملكا البلاد وكثر ذلك حتى فشا الخبر واتصل بالملك العادل وانضاف إلى ذلك أن النيل لم يزد بمصر الزيادة التي تركب الأرض ليزرع الناس فكثر الغلاء فضعفت قوة الجند وكان فخر الدين جهاركس قد فارق مصر إلى الشام هو وجماعة من المماليك الناصرية لحصار بانياس ليأخذها لنفسه بأمر العادل وكانت لأمير كبير تركي اسمه بشارة قد اتهمه العادل فأمر جهاركس بذلك وكان أمير من أمراء العادل يعرف بعز الدين اسامة قد حج هذه السنة فلما عاد من الحج وقارب صرخد نزل الملك الأفضل فلقيه وأكرمه ودعاه إلى نفسه فأجابه وحلف له وعرفه الأفضل جلية الحال وكان أسامة من بطانة العادل وإنما حلف لينكشف له الأمر فلما فارق الأفضل أرسل إلى العادل وهو بمصر يعرفه الخبر جميعه فأرسل إلى ولده الذي بدمشق يأمره بحصر الأفضل بصرخد وكتب إلى إياس جركس وميمون القصرى صاحب بلبيس وغيرهما من الناصرية يأمرهم بالاجتماع مع ولده على حصر الأفضل وسمع الأفضل الخبر فسار إلى أخيه الظاهر بحلب مستهل جمادى الأولى من السنة ووصل إلى حلب عاشر الشهر
وكان الظاهر قد أرسل أميرا كبيرا من أمرائه إلى عمه العادل فمنعه العادل من الوصول إليه وأمره بأن يكتب رسالته فلم يفعل وعاد لوقته فتحرك الظاهر لذلك وجمع عسكره وقصد منبج فملكها السادس والعشرين من رجب وسار إلى قلعة نجم وحصرها فتسلمها سلخ رجب وأما الملك المعظم عيسى بن العادل المقيم بدمشق فإنه سار إلى بصرى وأرسل إلى جهاركس ومن معه وهم على بانياس بحصرونها يدعوهم إليه فلم يجيبوه إلى ذلك بل غالطوه فلما طال مقامه على بصرى عاد إلى دمشق وأرسل الأمير أسامة إليهم يدعوهم إلى مساعدته فاتفق أنه جرى بينه وبين البكاء الفارس بعض المماليك الكبار الناصرية منافرة أغلظ له البكاء القول وتعدى إلى الفعل باليد وثار العسكر جميعه على أسامة فاستذم بميمون فأمنه وأعاده إلى دمشق واجتمعوا كلهم عند الملك الظافر خضر بن صلاح الدين وأنزلوه من صرخد وأرسلوا إلى الملك الظاهر والأفضل يحثونهما على الوصول إليهم والملك الظاهر يتربص ويتعوق فوصل من منبج إلى حماة في عشرين يوما وأقام على حماة يحصرها وبها صاحبها ناصر الدين بن تقي الدين إلى تاسع عشر رمضان فاصطلحا وحمل له ابن تقي الدين ثلاثين ألف دينار صورية وساروا عنها إلى حمص وسار منها إلى دمشق على طريق بعلبك فنزلوا عليها عند مسجد القدم فلما نزلوا على دمشق أتاهم المماليك الناصرية مع الملك الظافر خضر بن صلاح الدين وكانت القاعدة استقرت بين الظاهر وأخيه الأفضل أنهم إذا ملكوا دمشق تكون بيد الأفضل ويسيرون إلى مصر فإذا ملكوها تسلم الظاهر دمشق فيبقى الشام جميعه له وتبقى مصر للأفضل
وسلم الأفضل صرخد إلى زين الدين قراجة مملوك والده ليحضر في خدمته وأنزل والدته وأهله منها وسيرهم إلى حمص فأقاموا عند أسد الدين شيركوه صاحبها وكان الملك العادل قد سار من مصر إلى الشام فنزل على مدينة نابلس وسير جمعا من العسكر إلى دمشق ليحفظها فوصلوا قبل وصول الظاهر والأفضل وحضر فخر الدين جهاركس وغيره من الناصرية فوصلوا قبل وصول الظاهر والأفضل وزحفوا إلى دمشق وقاتلوها رابع عشر ذي القعدة واشتد القتال عليها فالتصق الرجال بالسور فأدركهم الليل فعادوا وقد قوي الطمع في أخذها ثم زحفوا إليها مرة ثانية وثالثة فلم يبق إلا ملكها لأن العسكر صعد إلى سطح خان ابن المقدم وهو ملاصق السور فلو لم يدركهم الليل لملكوا البلد فلما أدركهم الليل وهم عازمون على الزوحف بكرة وليس لهم عن البلد مانع حسد الظاهر أخاه الأفضل فأرسل إليه يقول له تكون دمشق له وبيده ويسير العساكر معه إلى مصر فقال له الأفضل قد علمت أن والدتي وأهلي وهم أهلك أيضا على الأرض ليس لهم موضع يأوون إليه فاحسب أن هذا البلد لك تعيرنا إياه ليسكنها أهلي هذه المدة إلى أن يملك مصر فلم يجبه الظاهر في ذلك ولج فلما رأى الأفضل ذلك الحال قال للناصرية وكل من جاء إليهم من الجند إن كنتم جئتم إلي فقد أذنت لكم في العود إلى العادل وإن كنت جئتم إلى أخي الظاهر فأنتم وهو أخبر وكان الناس كلهم يريدون الأفضل فقالوا ما نريد سواك والعادل أحب إلينا من أخيك فأذن لهم في العود فهرب فخر الدين جهاركس وزير الدين قراجة الذي أعطاه الأفضل صرخد فمنهم من دخل دمشق ومنهم من عاد إلى أقطاعه فلما انفسخ الأمر عليهم عادوا إلى تجديد الصلح مع العادل فترددت الرسل بينهم واستقر الصلح على أن يكون للظاهر منبج وأفامية وكفر طاب وقرى معينة من المعرة ويكون للأفضل سميساط وسروج ورأس العين وحملين ورحلوا عن دمشق أول المحرم سنة ثمان وتسعين فقصد الأفضل حمص فأقام بها وسار الظاهر إلى حلب ووصل العادل إلى دمشق تاسع المحرم وسار الأفضل إليه من حمص فاجتمع به بظاهر دمشق وعاد من عنده إلى حمص وسار منها ليتسلم سميساط فتسلمها وتسلم باقي ما استقر له برأس العين وسروج وغيرها
ذكر ملك غياث الدين وأخيه ما كان لخوارزم شاه بخراسان
ص 270
قد ذكرنا مسير محمد بن خرميل من الطالقان واستيلاءه على مروروذ وسؤال جقر التركي نائب علاء الدين محمد خوارزم شاه بمرو أن يكون في جملة عسكر غياث الدين ولما وصل كتاب ابن خرميل إلى غياث الدين في معنى جقر علم أن هذا إنما دعاه إلى الانتماء إليهم ضعف صاحبه فأرسل إلى أخيه شهاب الدين يستدعيه إلى خراسان فسار من غزنة في عساكره وجنوده وعدته وما يحتاج إليه وكان بهراة الأمير عمر بن محمد المرغني نائبا عن غياث الدين وكان يكره خروج غياث الدين إلى خراسان فأحضره غياث الدين واستشاره فأشار بالكف عن قصدها وترك المسير إليها فأنكر عليه ذلك وأراد إبعاده عنه ثم تركه ووصل شهاب الدين في عساكره وعساكر سجستان وغيرها في جمادى الأولى من هذه السنة فلما وصلوا إلى ميمنة وهي قرية بين الطالقان وكرزيان وصل إلى شهاب الدين كتاب جقر مستحفظ مرو يطلبه ليسلمها اليه فاستأذن أخاه غياث الدين فأذن له فسار إليها فخرج أهلها مع العسكر الخوارزمي وقاتلوه فأمر أصحابه بالحملة عليهم والجد في قتالهم فحملوا عليهم فأدخلوهم البلد وزحفوا بالفيلة إلى ان قاربوا السور فطلب أهل البلد الأمان فأمنهم وكف الناس عن التعرض إليهم وخرج جقر إلى شهاب الدين فوعده الجميل ثم حضر غياث الدين إلى مرو بعد فتحها فأخذ جقر وسيره إلى هراة مكرما وسلم مرو إلى هندوخان ابن ملك شاه بن خوارزم شاه تكش وقد ذكرنا هربه من عمه خوارزم شاه محمد بن تكش إلى غياث الدين ووصاه بالإحسان إلى أهلها
ثم سار غياث الدين إلى مدينة سرخس فأخذها صلحا وسلمها إلى الأمير زنكي بن مسعود وهو من أولاد عمه وأقطعه معها نساو أبيورد ثم سار بالعساكر إلى طوس فأراد الأمير الذي بها أن يمتنع فيها ولا يسلمها فأغلق باب البلد ثلاثة أيام فبلغ الخبر ثلاثة أمناء بدينار ركني فضج أهل البلد عليه فأرسل إلى غياث الدين يطلب الأمان فأمنه فخرج إليه فخلع عليه وسيره إلى هراة ولما ملكها أرسل إلى علي شاه بن خوارزم شاه تكش وهو نائب أخيه علاء الدين محمد بنيسابور يأمره بمفارقة البلد ويحذره إن أقام سطوة أخيه شهاب الدين وكان مع علي شاه عسكر من خوارزم شاه فاتفقوا على الامتناع من تسليم البلد وحصره وخربوا ما بظاهره من العمارة وقطعوا الأشجار وسار غياث الدين إلى نيسابور فوصل إليها أوائل رجب وتقدم عسكر أخيه شهاب الدين إلى القتال فلما رأى غياث الدين ذلك قال لولده محمود قد سبقنا عسكر غزنة بفتح مرو وهم يريدون يفتحون نيسابور فيحصلون بالإسم فاحمل إلى البلد ولا ترجع حتى تصل السور فحمل وحمل معه وجوه الغورية فلم يردهم أحد عن السور حتى اصعدوا علم غياث الدين اليه فلما رأى شهاب الدين علم أخيه على السور قال لأصحابه اقصدوا بنا هذه الناحية واصعدوا السور من ههنا وأشار إلى مكان فيه فسقط السور متهدما فضج الناس بالتكبير وذهل الخوارزميون وأهل البلد ودخل الغورية البلد وملكوه عنوة ونهبوه ساعة من نهار فبلغ الخبر إلى غياث الدين فأمر بالنداء من نهب مالا أو آذى أحدا فدمه حلال فأعاد الناس ما نهبوه عن آخره ولقد حدثني بعض أصدقائنا من التجار وكان بنيسابور في هذه الحادثة نهب من متاعي شيء من جملته سكر فلما سمع العسكر النداء ردوا جميع ما أخذوا مني وبقي لي بساط وشيء من السكر مع جماعة فطلبته منهم فقالوا أما السكر فأكلناه فنسألك ان لا يسمع أحد وإن أردت ثمنه أعطيناك فقلت أنتم في حل منه ولم يكن البساط مع أولئك قال فمشيت إلى باب البلد مع النظارة فرأيت البساط الذي لي قد ألقي عند باب البلد لم يجسر أحد يأخذه فأخذته وقلت هذا لي فطلبوا مني من يشهد به فأحضرت من شهد لي وأخذته ثم إن الخوارزميين تحصنوا بالجامع فأخرجهم أهل البلد فأخذهم الغورية ونهبوا مالهم وأخذ علي شاه بن خوارزم شاه وأحضر عند غياث الدين راجلا فأنكر ذلك على من أحضره وعظم الأمر فيه وحضرت دابة كانت لعلي شاه وقال لغياث الدين أهكذا يفعل بأولاد الملوك فقال لا بل هكذا وأخذ بيده وأقعده معه على السرير وطيب نفسه وسير جماعة الأمراء الخوارزمية إلى هراة تحت الاستظهار وأحضر غياث الدين ابن عمه وصهره على ابنة ضياء الدين محمد بن أبي الغوري وولاه حرب خراسان وخراجها ولقبه علاء الدين وجعل معه وجوه الغورية ورحل إلى هراة وسلم علي شاه إلى أخيه شهاب الدين وأحسن إلى أهل نيسابور وفرق فيهم مالا كثيرا
ثم رحل بعده شهاب الدين إلى ناحية قهستان فوصل إلى قرية فذكر له أن أهلها إسماعيلية فأمر بقتل المقاتلة ونهب الأموال وسبى الذراري وخرب القرية فجعلها خاوية على عروشها ثم سار إلى كناباد وهي من المدن التي جميع أهلها إسماعيلية فنزل عليها وحصرها فأرسل صاحب قهستان إلى غياث الدين يشكو أخاه شهاب الدين ويقول بيننا عهد فما الذي بدا منا حتى تحاصر بلدي واشتد خوف الإسماعيلية الذين بالمدينة من شهاب الدين فطلبوا الأمان ليخرجوا منه فأمنهم وأخرجهم وملك المدينة وسلمها إلى بعض الغورية فأقام بها الصلوات وشعار الإسلام ورحل شهاب الدين فنزل على حصن آخر للإسماعيلية وصل إليه رسول أخيه غياث الدين فقال الرسول معي تقدم من السلطان فلا يجري حردان فعلته فقال لا أرحل قال إذن أفعل ما أمرني قال افعل فسل سيفه وقطع اطناب سرادق شهاب الدين وقال ارحل بتقدم السلطان فرحل شهاب الدين والعسكر وهو كاره إلى بلد الهند ولم يقم بغزنة غضبا لما فعله أخوه
ذكر قصد نور الدين بلاد العادل والصلح بينهما
ص 273
في هذه السنة أيضا تجهز نور الدين أرسلان صاحب الموصل وجمع عساكره وسار إلى بلاد الملك العادل بالجزيرة حران والرها وكان سبب حركته أن الملك العادل لما ملك مصر على ما ذكرناه قبل اتفق نور الدين والملك الظاهر صاحب حلب وصاحب ماردين وغيرهما على أن يكونوا يدا واحدة متفقين على منع العادل عن قصد أحدهم فلما تجدد حركة الأفضل والظاهر أرسلا إلى نور الدين ليقصد البلاد الجزرية فسار عن الموصل في شعبان من هذه السنة وسار معه ابن عمه قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي صاحب سنجار ونصيبين وصاحب ماردين ووصل إلى رأس العين وكان الزمان قيظا فكثرت الأمراض في عسكره وكان بحران ولد للعادل يلقب بالملك الفائز ومعه عسكر يحفظ البلاد فلما وصل نور الدين إلى رأس العين جاءت رسل الفائز ومن معه أكابر الأمراء يطلبون الصلح ويرغبون فيه وكان نور الدين قد سمع بأن الصلح بدأ يتم بين الملك العادل والملك الظاهر والأفضل وانضاف إلى ذلك كثرة الأمراض في عسكره فأجاب إليه وحلف الملك الفائز ومن عنده من أكابر الأمراء على القاعدة التي استقرت وحلفوا انهم يحلفون الملك العادل له فإن امتنع كانوا معه عليه وحلف هو للملك العادل وسارت الرسل من عنده ومن عند ولده في طلب اليمين من العادل فأجاب إلى ذلك وحلف له واستقرت القاعدة وامنت البلاد وعاد نور الدين إلى الموصل في ذي القعدة من السنة
ذكر ملك شهاب الدين نهرواله
ص 273
لما سار شهاب الدين من خراسان على ما ذكرناه لم يقم بغزنة وقصد بلاد الهند وأرسل مملوكه قطب الدين أيبك إلى نهرواله فوصلها سنة ثمان وتسعين فلقيه عسكر الهنود فقاتلوه قتالا شديدا فهزمهم أيبك واستباح معسكرهم ومالهم فيه من الدواب وغيرها وتقدم إلى نهرواله فملكها عنوة وهرب ملكها فجمع وحشد فكثر جمعه وعلم شهاب الدين أنه لا يقدر على حفظها إلا بأن يقيم هو فيها ويخليها من أهلها فيتعذر عليه ذلك فإن البلد عظيم هو اعظم بلاد الهند وأكثرهم أهلا فصالح صاحبها على ما يؤديه إليه عاجلا وآجلا وأعاد عساكره عنها وسلمها إلى صاحبها
ذكر ملك ركن الدين ملطية من أخيه وأرزن الروم
ص 274
في هذه السنة في شهر رمضان ملك ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان مدينة ملطية وكانت لأخيه معز الدين قيصرشاه فسار إليه وحصره أياما وملكها وسار منها إلى ارزن الروم وكانت لولد الملك ابن محمد بن صلتق وهم ببيت قد ملكوا أرزن الروم مدة طويلة فلما سار اليها وقاربها خرج صاحبها اليه ثقة به ليقرر معه الصلح على قاعدة يؤثرها ركن الدين فقبض عليه واعتقله عنده وأخذ البلد وكان هذا آخر أهل بيته الذين ملكوا فتبارك الله الحي القيوم الذي لا يزول ملكه أبدا سرمدا
ذكر وفاة سقمان صاحب آمد وملك أخيه محمود
ص 274
في هذه السنة توفي قطب الدين سقمان بن محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان صاحب آمد وحصن كيفا سقط من سطح جوسق كان له بظاهر حصن كيفا فمات وكان شديد الكراهة لأخيه هذا والنفور عنه قد أبعده وأنزله حصن منصور في آخر بلادهم واتخذ مملوكا اسمه إياس فزوجه اخته وأحبه حبا شديدا وجعله ولي عهده فلما توفي ملك بعده عدة أيام وتهدد وزيرا كان لقطب الدين وغيره من أمراء الدولة فأرسلوا إلى أخيه محمود سرا يستدعونه فسار مجدا فوصل إلى آمد وقد سبقه اليها إياس مملوك أخيه فلم يقدم على الامتناع فتسلم محمود البلاد جميعها وملكها وحبس المملوك فبقي مدة محبوسا ثم شفع له صاحب بلاد الروم فأطلق من الحبس وسار إلى الروم فصار اميرا من أمراء الدولة
ذكر عدة حوادث
ص 274
في هذه السنة اشتد الغلاء بالبلاد المصرية لعدم زيادة النيل وتعذرت الأقوات حتى أكل الناس الميتة وأكل بعضهم بعضا ثم لحقهم عليه وباء وموت كثير أفنى الناس
وفي شعبان تزلزلت الأرض بالموصل وديار الجزيرة كلها والشام ومصر وغيرها فأثرت في الشام آثارا قبيحة وخربت كثيرا من الدور بدمشق وحمص وحماة وانخسفت قرية من قرى بصرى وأثرت في الساحل الشامي أثرا كثيرا فاستولى الخراب على طرابلس وصور وعكا ونابلس وغيرها من القلاع ووصلت الزلزلة إلى بلد الروم وكانت بالعراق يسيرة لم تهدم دورا
وفيها ولد ببغداد طفل له رأسان وذلك ان جبهته مفروقة بمقدار ما يدخل فيها ميل
وفي هذه السنة في شهر رمضان توفي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الحنبلي الواعظ ببغداد وتصانيفه مشهورة وكان كثير الوقيعة في الناس لا سيما في العلماء المخالفين لمذهبه والموافقين له وكان مولده سنة عشر وخمسمائة
وفيها أيضا توفي عيسى بن نصير النميري الشاعر وكان حسن الشعر وله أدب وفضل وكان موته ببغداد وفيها توفي العماد أبو عبد الله محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن أله باللام المشددة المضمومة وهو العماد الكاتب الأصفهاني كتب لنور الدين محمود بن زنكي ولصلاح الدين يوسف بن أيوب رضي الله عنهما وكان كاتبا مفلقا قادرا على القول
وفيها جمع عبد الله بن حمزة العلوي المتغلب على جبال اليمن جموعا كثيرة فيها اثنا عشر ألف فارس ومن الرجالة ما لا يحصى كثرة وكان قد انضاف إليه من جند المعز بن إسماعيل بن سيف الإسلام طغدكين بن أيوب صاحب اليمن خوفا منه وأيقنوا بملك البلاد واقتسموها وخافهم ابن سيف الإسلام خوفا عظيما فاجتمع قواد عسكر ابن حمزة ليلا ليتفقوا على رأي يكون العمل بمقتضاه وكانوا اثني عشر قائدا فنزلت عليهم صاعقة أهلكتهم جميعهم فأتى الخبر ابن سيف الإسلام في باقي الليلة بذلك فسار اليهم مجدا فأوقع بالعسكر المجتمع فلم يثبتوا له وانهزموا بين يديه ووضع السيف فيهم فقتل منهم ستة آلاف قتيل أو اكثر من ذلك وثبت ملكه واستقر أمره
وفيها وقع في بني عنزة بأرض الشراة بين الحجاز واليمن وباء عظيم وكانوا يسكنون في عشرين قرية فوقع الوباء في ثمان عشرة قرية فلم يبق منهم أحد وكان الإنسان إذا قرب من تلك القرى يموت ساعة ما يقاربها فتحاماها الناس وبقيت إبلهم وأغنامهم لا مانع لها وأما القريتان الأخريان فلم يمت فيهما أحد ولا احسوا بشيء مما كان فيه أولئك
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.