الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء العاشر / ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة
29

ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة

الجزء العاشر 7 عنصر صفحة 234
ذكر ملك وزير الخليفة همذان وغيرها من بلاد العجم ص 234

قد ذكرنا ملك مؤيد الدين بن القصاب بلاد خوزستان فلما ملكها سار منها إلى ميسان من اعمال خوزستان فوصل إليه قتلغ اينانج بن البهلوان صاحب البلاد وقد تقدم ذكر تغلب خوارزم شاه عليها ومعه جماعة من الأمراء فأكرمه وزير الخليفة وأحسن إليه وكان سبب مجيئه انه جرى بينه وبين عسكر خوارزم شاه ومقدمهم مياجق مصاف عند زنجان واقتتلوا فانهزم قتلغ اينانج وعسكره وقصد عسكر الخليفة ملتجئا إلى مؤيد الدين الوزير فأعطاه الوزير الخيل والخيام وغير ذلك مما يحتاج إليه وخلع عليه وعلى من معه من الأمراء ورحلوا إلى كرمانشاه ورحل منها إلى همذان وكان بها ولد خوارزم شاه ومياجق والعسكر الذين معهما فلما قاربهم عسكر الخليفة فارقها الخوارزميون وتوجهوا إلى الري واستولى الوزير على همذان في شوال من هذه السنة ثم رحل هو وقتلغ اينانج خلفهم فاستولوا على كل بلد جازوا به منها خراقان ومزدغان وساوة وآوة وساروا إلى الري ففارقها الخوارزميون إلى خوار الري فسير الوزير خلفهم عسكرا ففارقها الخوارزميون إلى دامغان وبسطام وجرجان فعاد عسكر الخليفة إلى الري فأقاموا بها فاتفق قنلغ اينانج ومن معه من الأمراء على الخلاف على الوزير وعسكر الخليفة لأنهم رأوا البلاد قد خلت من عسكر خوارزم شاه فطمعوا فيها فدخلوا الري فحصرها وزير الخليفة ففارقها قتلغ اينانج وملكها الوزير وونهبها العسكر فأمر الوزير بالنداء بالكف عن النهب

وسار قتلغ اينانج ومن معه من الأمراء إلى مدينة آوه وبها شحنة الوزير فمنعهم من دخولها فساروا عنها ورحل الوزير في أثرهم نحو همذان فبلغه وهو في الطريق أن قتلغ أينانج قد اجتمع معه عسكر وقصد مدينة كرج وقد نزل على دربند هناك فطلبهم الوزير فلما قاربهم التقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم قتلغ اينانج ونجا بنفسه ورحل الوزير من موضع المصاف إلى همذان فنزل بظاهرها فأقام نحو ثلاثة أشهر فوصله رسول خوارزم شاه تكش وكان قد قصدهم منكرا أخذه البلاد من عسكره ويطلب إعادتها وتقرير قواعدها والصلح فلم يجب الوزير إلى ذلك فسار خوارزم شاه مجدا إلى همذان وكان الوزير مؤيد الدين بن القصاب قد توفي في أوائل شعبان فوقع بينه وبين عسكر الخليفة مصاف نصف شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة فقتل بينهم كثير من العسكرين وانهزم عسكر الخليفة وغنم الخوارزميون منهم شيئا كثيرا وملك خوارزم شاه همذان ونبش الوزير من قبره وقطع رأسه وسيره إلى خوارزم وأظهروا انه قتله في المعركة ثم إن خوارزم شاه أتاه من خراسان ما أوجب ان يعود إليها فترك البلاد وعاد إلى خراسان

ذكر غزو ابن عبد المؤمن الفرنج بالاندلس ص 235

في هذه السنة في شعبان غزا أبو يوسف يعقوب بن عبد المؤمن صاحب بلاد المغرب والأندلس بلاد الفرنج بالأندلس وسبب ذلك أن الفنش ملك الفرنج بها ومعه ملكة مدينة طليطلة كتب إلى يعقوب كتابا باسمك اللهم فاطر السموات والأرض أما بعد أيها الأمير فإنه لا يخفى على كل ذي عقل لازب ولاذي لب ثاقب أنك أمير الملة الحنيفية كما أنا أمير الملة النصرانية وأنك من لا يخفى عليه ما هو عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال الرعية واشتمالهم على الراحات وأنا أسومهم الخسف وأخلي الديار وأسبي الذاراري وأمثل بالكهول وأقتل الشباب ولا عذر لك في التخلف عن نصرتهم وقد امكنتك يد القدرة وأنتم تعتقدون أن الله فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم والآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فقد فرض عليكم قتال اثنين منا بواحد منكم ونحن الآن نقاتل عددا منكم بواحد منا ولا تقدرون دفاعا ولا تستطيعون امتناعا ثم حكي لي عنك أنك اخذت في الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال وتمطل نفسك عاما بعد عام تقدم رجلا وتؤخر أخرى ولا أدري الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما أنزل عليك ثم حكي لي عنك أنك لا تجد سبيلا للحرب لعلك ما يسوغ لك التقحم فيها فها أنا أقول لك ما فيه واعتذر عنك ولك أن توفيني بالعهود والمواثيق والأيمان أن تتوجه بجملة من عندك في المراكب والشواني وأجوز إليك بحملتي وأبارزك في أعز الأماكن عندك فإن كان لك فغنيمة عظيمة جاءت إليك وهدية مثلث بين يديك وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك واستحققت إمارة الملتين والتقدم على الفئتين والله يسهل الارادة ويوفق السعادة بمنه لا رب غيره ولا خير إلا خيره فلما وصل كتابه وقرأه يعقوب كتب في أعلاه هذه الآية ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون فأعاده إليه وجمع العساكر العظيمة من المسلمين وعبر المجاز إلى الأندلس وقيل كان سبب عبوره إلى الأندلس أن يعقوب لما قاتل الفرنج سنة ست وثمانين وصالحهم بقي طائفة من الفرنج لم ترض الصلح كما ذكرناه فلما كان الآن جمعت تلك الطائفة جمعا من الفرنج وخرجوا إلى بلاد الإسلام فقتلوا وسبوا وغنموا وأسروا وعاثوا فيها عيثا شديا فانتهى ذلك إلى يعقوب فجمع العساكر وعبر المجاز إلى الأندلس في جيش يضيق عنه الفضاء فسمعت الفرنج بذلك فجمعت قاصيهم ودانيهم وأقبلوا إليه مجدين على قتاله واثقين بالظفر لكثرتهم فالتقوا تاسع شعبان شمالي قرطبة عند قلعة رياح بمكان يعرف بمرج الحديد فاقتتلوا قتالا شديدا فكانت الدائرة أولا على المسلمين ثم عادت على الفرنج فانهزموا قبح هزيمة وانتصر المسلمون عليهم وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم

وكان عدد من قتل من الفرنج مائة الف وستة وأربعين ألفا اسر ثلاثة عشر ألفا وعنم المسلمون منهم شيئا عظيما فمن الخيام مائة ألف وثلاثة وأربعون ألفا ومن الخيل ستة وأربعون ألفا ومن البغال مائة الف ومن الحمير مائة ألف وكان يعقوب قد نادى في عسكره من غنم شيئا فهو له سوى السلاح واحصى ما حمل إليه منه فكان زيادة على سبعين ألف لبس وقتل من المسلمين نحو عشرين ألفا ولما انهزم الفرنج اتبعهم أبو يوسف فرآهم قد اخلوا قلعة رياح وساروا عنها من الرعب والخوف فملكها وجعل فيها واليا وجندا يحفظونها وعاد إلى مدينة أشبيلية

وأما الفنش فإنه لما انهزم حلق رأسه ونكس صليبه وركب حمارا وأقسم أن لا يركب فرسا ولا بغلا حتى تنصر النصرانية فجمع جموعا عظيمة وبلغ الخبر بذلك إلى يعقوب فأرسل إلى بلاد الغرب مراكش وغيرها يستنفر الناس من غير إكراه فأتاه من المتوطعة والمرتزقين جمع عظيم فالتقوا في ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة وغنم المسلمون ما معهم من الأموال والسلاح والدواب وغيرها وتوجه إلى مدينة طليطلة فحصرها وقاتلها قتالا شديدا وقطع أشجارها وشن الغارة على ما حولها من البلاد وفتح فيها عدة حصون فقتل رجالها وسبى حريمها وخرب دورها وهدم أسوارها فضعفت النصرانية حينئذ وعظم أمر الإسلام بالأندلس وعاد يقوب إلى أشبيلية فأقام بها فلما دخلت سنة ثلاث وتسعين سار عنها إلى بلاد الفرنج وذلوا واجتمع ملوكهم وأرسلوا يطلبون الصلح فأجابهم إليه بعد ان كان عازما على الامتناع مريدا لملازمة الجهاد إلى ان يفرغ منهم فأتاه خبر علي بن إسحاق الملثم تاميورقي أنه فعل بافريقية ما نذكره من الأفاعيل الشنيعة فترك عزمه وصالحهم مدة خمس سنين وعاد إلى مراكش آخر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة

ذكر فعلة الملثم بافريقية ص 237

لما عبر أبو يوسف يعقوب صاحب المغرب إلى الأندلس كما ذكرناه وأقام مجاهدا ثلاث سنين انقطعت اخباره عن افريقية فقوي طمع علي بن إسحاق الملثم الميورقي وكان بالبرية مع العرب فعاود قصد افريقية فانبث جنوده في البلاد فخربوها وأكثروا الفساد فيها فمحيت آثار تلك البلاد وتغيرت وصارت خالية من الأنيس خاوية على عروشها وأراد المسير إلى بجاية ومحاصرتها لاشتغال يعقوب بالجهاد وأظهر أنه اذا استولى على بجاية سار إلى المغرب فوصل الخبر إلى يعقوب بذلك فصالح الفرنج على ما ذكرناه وعاد إلى مراكش عازما على قصده واخراجه من البلاد كما فعله سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وقد ذكرناه

ذكر ملك عسكر الخليفة اصفهان ص 237

في هذه السنة جهز الخليفة الناصر لدين الله جيشا وسيره إلى اصفهان ومقدمهم سيف الدين طغرل مقطع بلد اللحف من العراق وكان بأصبهان عسكر لخوارزم شاه مع ولده وكان أهل أصفهان يكرهونهم فكتب صدر الدين الخجندي رئيس الشافعية بأصفهان الديوان ببغداد يبذل من نفسه تسليم البلد إلى من يصل من الديوان من العساكر وكان بعد الحاكم بأصفهان على جميع أهلها فسيرت العساكر فوصلوا الى اصفهان ونزلوا بظاهر البلد وفارقه عسكر خوارزم شاه وعادوا إلى خراسان وتبعهم بعض عسكر الخليفة فتحفظوا منهم وأخذوا من ساقة العسكر من قدروا عليه ودخل عسكر الخليفة إلى اصفهان وملكوها

ذكر ابتداء حال كوكجا وملكه بلد الري وهمذان وغيرها ص 238

لما عاد خوارزم شاه إلى خراسان كما ذكرنا اتفق المماليك الذين للبهلوان والأمراء وقدموا على أنفسهم كوكجة وهو من أعيان البهلوانية واستولوا على الري وما جاورها من البلاد وساروا إلى اصفهان لإخراج الخوارزمية منها فلما قاربوها سمعوا بعسكر الخليفة عندها فأرسل إلى مملوك الخليفة سيف الدين طغرل يعرض نفسه على خدمة الديوان ويظهر العبودية وأنه إنما قصد أصفهان في طلب العساكر الخوارزمية وحيث رآهم فارقوا أصفهان سار في طلبهم فلم يدركهم وسار عسكر الخليفة من أصفهان إلى همذان وأما كوكجة فإنه تبع الخوارزمية إلى طبس وهي من بلاد الإسماعيلية وعاد فقصد أصفهان وملكها وأرسل إلى بغداد يطلب أن يكون له الري وخوار الري وساوة وقم وقاجان وما ينضم إليها من حد مزدغان وتكون اصفهان وهمذان وزنجان وقزوين لديوان الخليفة فأجيب إلى ذلك وكتب له منشور بما طلب وأرسلت له الخلع فعظم شأنه وقوي أمره وكثرت عساكره وتعظم على أصحابه

ذكر حصر العزيز دمشق ثانية وانهزامه عنها ص 238

وفي هذه السنة أيضا خرج الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين من مصر في عساكره إلى دمشق يريد حصرها فعاد عنها منهزما وسبب ذلك أن من عنده من مماليك أبيه المعروفين بالصلاحية فخر الدين جركس وسر انقر وقراجا وغيرهم كانوا منحرفين عن الأفضل علي بن صلاح الدين لأنه كان قد أخرج من عنده منهم مثل ميمون القصري وسنقر الكبير وأبيك وغيرهم فكانوا لا يزالون يخوفون العزيز من أخيه ويقولون إن الأكراد والمماليك الأسدية من عسكر مصر يريدون أخاك ونخاف ان يميلهم اليه ويخرجوك من البلاد والمصلحة ان تأخذ دمشق فخرج في العام الماضي وعاد كما ذكرناه فتجهز هذه السنة ليخرج فبلغ الخبر إلى الأفضل فسار من دمشق إلى عمه الملك العادل فاجتمع به بقلعة جعبر ودعاه إلى نصرته وسار من عنده إلى حلب إلى أخيه الملك الظاهر غازي فاستنجد به وسار الملك العادل من قلعة جعبر إلى دمشق فسبق إليها ودخلها وكان الآفضل لثقته به قد أمر نوابه بإدخاله إلى القلعة ثم عاد الأفضل من حلب إلى دمشق فأرسل مقدم الأسدية وهو سيف الدين أيازكوش وغيره منهم ومن الأكراد أبو الهيجاء السمين وغيره إلى الأفضل والعادل بالانحياز إليهما والكون معهما ويأمرهما بالاتفاق على العزيز والخروج من دمشق ليسلموه إليهما

وكان سبب الانحراف عن العزيز وميلهم إلى الأفضل أن العزيز لما ملك مصر مال إلى المماليك الناصرية وقدمهم ووثق بهم ولم يلتفت إلى هؤلاء الأمراء فأنفوا من ذلك ومالوا إلى أخيه وأرسلوا إلى الأفضل والعادل فاتفقا على ذلك واستقرت القاعدة بحضور رسل الأمراء أن الأفضل يملك الديار المصرية ويسلم دمشق إلى عمه الملك العادل وخرجا من دمشق فانجاز إليهما من ذكرنا فلم يمكن العزيز المقام بل عاد منهزما يطوي المراحل خوف الطلب ولا يصدق بالنجاة وتساقط أصحابه عنه إلى أن وصل إلى مصر وأما العادل والأفضل فإنهما أرسلا إلى القدس وفيه نائب العزيز فسلمه إليهما وسارا فيمن معهما من الأسدية والأكراد إلى مصر فرأى العادل انضمامه العساكر إلى الأفضل واجتماعهم عليه فخاف أنه يأخذ مصر ولا يسلم اليه دمشق فأرسل حينئذ سرا إلى العزيز يأمره بالثبات وأن يجعل بمدينة بلبيس من يحفظها وتكفل بأنه يمنع الأفضل وغيره من مقاتلة من بها فجعل العزيز الناصرية ومقدمهم فخر الدين جركس بها ومعهم غيرهم ووصل العادل والأفضل إلى بلبيس فنازلوا من بها من النصرية وأراد الأفضل مناجزتهم أو تركهم بها والرحيل إلى مصر فمنعه العادل من الأمرين وقال هذه عساكر الإسلام فإذا اقتتلوا في الحرب فمن يرد العدو الكافر وما بها حاجة إلى هذا فإن البلاد لك وبحكمك ومتى قصدت مصر والقاهرة وأخذتهما قهرا زالت هيبة البلاد وطمع فيها الأعداء وليس فيها من يمنعك عنها وسلك معه مثال هذا فطالت الايام وأرسل إلى العزيز سرا يأمره بإرسال القاضي الفاضل وكان مطاعا عند البيت الصلاحي لعلو منزلته كانت عند صلاح الدين فحضر عندهما وأجرى ذكر الصلح وزاد القول ونقص وانفسخت العزائم واستقر الأمر على أن يكون للأفضل القدس وجميع البلاد بفلسطين وطبرية والأردن وجميع ما بيده ويكون للعادل أقطاعه الذي كان قديما ويكون مقيما بمصر عند العزيز وإنما اختار ذلك لأن الأسدية والأكراد لا يريدون العزيز فهم يجتمعون معه فلا يقدر العزيز على منعه عما يريد فلما استقر الأمر على ذلك وتعاهدوا عاد الأفضل إلى دمشق وبقي العادل بمصر عند العزيز

ذكر عدة حوادث ص 240

في ذي القعدة تاسع عشر وقع حريق عظيم ببغداد بعقد المصطنع فاحترقت المربعة التي بين يديه ودكان ابن البخيل الهراس وقيل كان ابتداؤها من دار ابن البخيل

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.