كان شهاب الدين الغوري ملك غزنة قد جهز مملوكه قطب الدين وسيره إلى بلد الهند للغزاة فدخلها فقتل فيها وسبى وغنم وعاد فلما سمع به ملك بنارس وهو اكبر ملك في الهند ولايته من حد الصين إلى بلاد ملاوا طولا ومن البحر إلى مسيرة عشرة أيام من لهاوور عرضا وهو ملك عظيم فعندها جمع جيوشه وحشرها وسار يطلب بلاد الإسلام ودخلت سنة تسعين فسار شهاب الدين الغوري من غزنة بعساكره نحوه فالتقى العسكران على ماخون وهو نهر كبير يقارب دجلة بالموصل وكان مع الهندي سبعمائة فيل ومن العسكر على ما قيل ألف ألف رجل ومن جملة عسكره عدة أمراء مسلمين كانوا في تلك البلاد أب عن جد من أيام السلطان محمود بن سبكتكين يلازمون شريعة الإسلام ويواظبون على الصلوات وأفعال الخير فلما التقى المسلمون والهنود اقتتلوا فصبر الكفار لكثرتهم وصبر المسلمون لشجاعتهم فانهزم الكفار ونصر المسلمون وكثر القتل في الهنود حتى امتلأت الأرض وجافت وكانوا لا يأخذون إلا الصبيان والجواري وأما الرجال فيقتلون وأخذ منهم تسعين فيلا وباقي الفيلة قتل بعضها وانهزم بعضها وقتل ملك الهند ولم يعرفه أحد إلا أنه كانت أسنانه قد ضعفت أصولها فأمسكوها بشريط الذهب فلذلك عرفوه فلما انهزم الهنود دخل شهاب الدين بلاد بنارس وحمل من خزائنها على ألف وأربعمائة جمل وعاد إلى غزنة ومعه الفيلة التي أخذها من جملتها فيل أبيض حدثني من رآه لما أخذت الفيلة وقدمت إلى شهاب الدين وأمرت بالخدمة فخدمت جميعها إلا الابيض فإنه لم يخدم ولا يعجب أحد من قولنا الفيلة تخدم فإنها تفهم ما يقال لها وقد شاهدت فيلا بالموصل وفياله يحدثه فيفعل ما يقول له
ثم دخلت سنة تسعين وخمسمائة
قد ذكرنا سنة ثمان وثمانين خروج السلطان طغرل بن ألب أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السجلقي من الحبس وملكه همذان وغيرها وكان قد جرى بينه وبين قتلغ اينانج من البهلوان صاحب البلاد حرب انهزم فيها قتلغ اينانج وتحصن بالري وسار طغرل إلى همذان وأرسل قتلغ اينانج إلى خوارزم شاه علاء الدين تكش يستنجده فسار إليه في ستنة ثمان وثمانين فلما تقاربا ندم قتلغ اينانج على استدعاء خوارزام شاه وخاف على نفسه فمضى من بين يديه وتحصن في قلعة له فوصل خوارزام شاه إلى الري وملكها وحصر قلعة طبرك ففتحها في يومين وراسله طغرل واصطلحا وبقيت الري في يد خوارزم شاه فرتب فيها عسكرا يحفظها وعاد إلى خوارزم لانه بلغه ان أخاه سلطان شاه قد قصد خوارزم فجد في السير خوفا عليها فأتاه الخبر وهو في الطريق أن أهل خوارزم منعوا سلطان شاه عنها ولم يقدر على القرب منها وعاد عنها خائبا فشتى خوارزم شاه بخوارزم فلما انقضى الشتاء سار إلى مرو لقصد أخيه سنة تسع وثمانين فترددت الرسل بينهما في الصلح فبينما هم في تقرير الصلح وإذ قد ورد على خوارزم شاه رسول من مستحفظ قلعة سرخس لأخيه سلطان شاه يدعوه ليسلم إليه القلعة لأنه قد استوحش من صاحبه سلطان شاه فسار خوارزم شاه إليه مجدا فتسلم القلعة وصار معه وبلغ ذلك سلطان شاه ففت ذلك في عضده وتزايد كمده فمات سلخ رمضان سنة تسع وثمانين وخمسمائة فلما سمع خوارزم شاه بموته سار من ساعته إلى مرو فتسلمها وتسلم مملكو أخيه سلطان شاه جميعها وخزائنه وأرسل إلى ابنه علاء الدين محمد وكان يلقب حينئذ قطب الدين وهو بخوارزم فأحضره فولاه نيسابور وولى ابنه الكبير ملكشاه مرو وذلك في ذي الحجة سنة تسع وثمانين فلما دخلت سنة تسعين وخمسمائة قصد السلطان طغرل بلد الري فأعاز على من به من أصحاب خوارزم شاه ففر منه قتلغ اينانج بن البهلوان وأرسل إلى خوارزم شاه يعتذر ويسأل إنجازه مرة ثانية ووافق ذلك وصول رسول الخليفة إلى خوارزم شاه يشكو من طغرل ويطلب منه قصد بلاده ومعه منشور بإقطاعه البلاد فسار من نيسابور إلى الري فتلقاه قتلغ اينانج ومن معه بالطاعة وساروا معه فلما سمع السلطان طغرل بوصوله كانت عساكره متفرقة فلم يقف ليجمعها بل سار إليه فيمن معه فقيل له إن الذي تفعله ليس برأي والمصلحة أن تجمع العساكر فلم يقبل وكان فيه شجاعة بل تمم مسيره فالتقى العسكران بالقرب من الري فحمل طغرل بنفسه في وسط عسكر خوارزم شاه فأحاطوا به والقوه عن فرسه وقتلوه في الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول وحمل رأسه إلى خوارزم شاه فسيره من يومه إلى بغداد فنصب بها بباب النوبي عدة أيام وسار خوارزم شاه إلى همذان وملك تلك البلاد جميعها وكان الخليفة الناصر لدين الله قد سير عسكرا إلى نجدة خوارزم شاه وسير له الخلع السلطانية مع وزيره مؤيد الدين بن القصاب فنزل على فرسخ من همذان فأرسل إليه خوارزم شاه يطلبه اليه فقال مؤيد الدين ينبغي ان تحضر أنت وتلبس الخلعة من خيمتي وترددت الرسل بينهما في ذلك فقيل لخوارزم شاه إنها حيلة عليك حتى تحضر عنده ويقبض عليك فدخل خوارزم شاه إليه قصدا لأخذه فاندفع بين يديه إلى بضع الجبال فامتنع به فرجع خوارزم شاه إلى همذان ولما ملك همذان وتلك البلاد سلمها إلى قتلغ اينانج وأقطع كثيرا منها لمماليكه وجعل المقدم عليهم مياجق وعاد إلى خوارزم
في هذه السنة في شعبان خلع الخليفة الناصر لدين الله على النائب في الوزارة مؤيد الدين أبي عبد الله محمد بن علي المعروف بابن القصاب خلع الوزارة وحكم في الولاية وبرز في رمضان وسار إلى بلاد خوزستان وولي الأعمال بها وصار له فيها اصحاب واصدقاء ومعارف وعرف البلاد ومن أي وجه يمكن الدخول اليها والاستيلاء عليها فلما ولي ببغداد نيابة الوزارة أشار على الخليفة بأن يرسله في عسكر إليها ليملكها له وكان عزمه أنه إذا ملك البلاد واستقر فيها أقام مظهرا للطاعة مستقلا بالحكم فيها ليأمن على نفسه فاتفق ان صاحبها ابن شملة توفي واختلف أولاده بعده فراسل بعضهم مؤيد الدين يستنجده لما بينهم من الصحبة القديمة فقوي الطمع في البلاد فجهزت العساكر وسيرت معه إلى خوزستان فوصلها سنة إحدى وتسعين وجرى بينه وبين أصحاب البلاد مراسلات ومحاربة عجزوا عنها وملك مدينة تستر في المحرم وملك غيرها من البلاد وملك القلاع منها قلعة الناظر وقلعة كاكرد وقلعة الأمواج وغيرها من الحصون والقلاع وأنفذ بني شملة أصحاب بلاد خوزستان إلى بغداد فوصلوا في ربيع الأول
في هذه السنة وصل الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين وهو صاحب مصر إلى مدينة دمشق فحصرها وبها أخوه الأكبر الملك الأفضل علي بن صلاح الدين وكنت حينئذ بدمشق فنزل بنواحي ميدان الحصى فأرسل الأفضل إلى عمه الملك العادل أبي بكر بن أيوب وهو صاحب الديار الجزرية يستنجده وكان الأفضل غاية الواثق به والمعتمد عليه وقد سبق ما يدل على ذلك فسار الملك العادل إلى دمشق هو والملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب وناصر الدين محمد بن تقي الدين صاحب حماة وأسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه صاحب حمص وعسكر الموصل وغيرها كل هؤلاء اجتمعوا بدمشق واتفقوا على حفظها علما منهم أن العزيز إن ملكها أخذ بلادهم فلما رأى العزيز اجتماعهم علم أنه لا قدرة له على البلد فترددت الرسل حينئذ في الصلح فاستقرت القاعدة على أن يكون البيت المقدس وما جاوره من أعمال فلسطين للعزيز وتبقى دمشق وطبرية وأعمالها الغور للأفضل على ما كانت عليه وان يعطي الأفضل اخاه الملك الظاهر جبلة ولاذقية وأن يكون للعادل بمصر اقطاعه الأول واتفقوا على ذلك وعاد العزيز إلى مصر ورجع كل واحد من الملوك إلى بلده
في هذه السنة كانت زلزلة في ربيع الأول بالجزيرة والعراق وكثير من البلاد سقطت منها الجبانة التي عند مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام
وفيها في جمادى الآخرة اجتمعت زغب وغيرها من العرب وقصدوا مدينة النبي فخرج اليهم هاشم بن قاسم أخو امير المدينة فقاتلهم فقتل هاشم وكان امير المدينة قد توجه إلى الشام فلهذا طمعت العرب فيه
وفيها توفي القاضي أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الصمد الطرسوسي الحلبي بها في شعبان وكان من عباد الله الصالحين رحمه الله تعالى
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
