ذكر وفاة سيف الدين صاحب الموصل وولاية أخيه عز الدين بعده
ص 99
في هذه السنة ثالث صفر توفي سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي صاحب الموصل وديار الجزيرة وكان مرضه السل وطال به ثم أدركه في آخره برسام ومات
ومن عجيب ما يحكى أن الناس خرجوا سنة خمس وسبعين يستسقون لانقطاع الغيث وشدة الغلاء وخرج سيف الدين في موكبه فثار به الناس وقصدوه بالاستغاثة وطلبوا منه أن يأمر بالمنع من بيع الخمر فأجابهم إلى ذلك فدخلوا البلد وقصدوا مساكن الخمارين وخربوا أبوابها ودخلوها ونهبوها وأرقوا ما بها من خمور وكسروا الظروف وعملوا ما لا يحل فاستغاث أصحاب الدور إلى نواب السلطان وخصوا بالشكوى رجلا من الصالحين يقال له أبو الفرج الدقاق ولم يكن في الذي فعله العامة من النهب وما لا يجوز فعله إنما هو أراق الخمور ونهى العامة عن الذي يفعلونه فلم يسمعوا منه فلما شكى الخمارون منه أحضر بالقلعة وضرب على رأسه فسقطت عمامته فلما أطلق لينزل من القلعة نزل مكشوف الرأس فأرادوا تغطيته بعمامته فلم يفعل وقال والله لا غطيت رأسي حتى ينتقم الله لي ممن ظلمني فلم يمض غير أيام حتى توفي الزردار الذي تولى أذاه ثم بعقبه مرض سيف الدين واستمر إلى أن مات وعمره حينئذ نحو ثلاثين سنة وكانت ولايته عشر سنين وثلاثة أشهر وكان حسن الصورة مليح الشباب تام القامة أبيض اللون وكان عاقلا وقورا قليل الالتفات إذا ركب وإذا جلس عفيفا لم يذكر عنه ما ينافي العفة وكان غيورا شديد الغيرة لا يدخل دوره غير الخدم الصغار فإذا كبر أحدهم منعه وكان لا يحب سفك الدماء ولا أخذ الأموات على شح فيه وجبن ولما اشتد مرضه أراد أن يعهد بالملك لابنه معز الدين سنجرشاه وكان عمره حينئذ اثنتي عشر سنة فخاف على الدولة من ذلك لأن صلاح الدين يوسف بن أيوب كان قد تمكن بالشام وقوى أمره وامتنع اخوه عز الدين مسعود بن مودود من الإذعان لذلك والإجابة إليه فأشار الأمراء الاكابر ومجاهد الدين قايماز بأن يجعل الملك بعده في عز الدين أخيه لما هو عليه من كبر السن والشجاعة والعقل وقوة النفس وأن يعطي ابنيه بعض البلاد ويكون مرجعهما إلى عز الدين عمهما والمتولي لأمرهما مجاهد الدين قايماز ففعل ذلك وجعل الملك في أخيه وأعطى جزيرة ابن عمر وقلاعها لولده سنجر شاه وقلعة عقر الحميدية لولده الصغير ناصر الدين كسك فلما توفي سيف الدين ملك بعده الموصل والبلاد أخوه عز الدين وكان المدبر للدولة مجاهد الدين وهو الحاكم في الجميع واستقرت الأمور ولم يختلف اثنان
ذكر مسير صلاح الدين لحرب قلج أرسلان
ص 100
في هذه السنة سار صلاح الدين يوسف بن أيوب من الشام إلى بلاد قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان وهي ملطية وسنواس وما بينهما وقونية ليحاربه وسبب ذلك أن نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود صاحب حصن كيفا وغيره من ديار بكر كان قد تزوج ابنة قلج أرسلان المذكور وبقيت عنده مدة ثم إنه أحب مغنية فتزوجها ومال إليها وحكمت في بلاده وخزائنه وأعرض عن ابنة قلج أرسلان وتركها نسيا منسيا فلبغ أباها الخبر فعزم على نور الدين وأخذ بلاده فأرسل نور الدين إلى صلاح الدين يستجير به ويسأله كف يد قلج أرسلان عنه فأرسل صلاح الدين إلى قلج أرسلان في المعنى فأعاد الجواب إنني كنت قد سلمت إلى نور الدين عدة حصون تجاور بلاده لما تزوج ابنتي فحيث آل الأمر معه إلى ما يعلمه فأنا أريد أن يعيد إلي ما أخذه مني وترددت الرسل بينهما فلم يستقر حال فيهما فهادن صلاح الدين الفرنج وسار في عساكره وكان الملك الصالح اسماعيل بن نور الدين محمود بها فتركها ذات اليسار وسار على تل باشر إلى رعبا فأتاه بها نور الدين محمد وأقام عنده
فلما سمع قلج أرسلان بقربه منه أرسل إليه أكبر أمير عنده ويقول له إن هذا الرجل فعل مع ابنتي كذا ولا بد من قصد بلاده وتعريفه محل نفسه فلما وصل الرسول واجتمع بصلاح الدين وأدى الرسالة امتعض صلاح الدين لذلك واغتاظ وقال للرسول قل لصاحبك والله الذي لا إله إلا هو لئن لم يرجع لأسيرن إلى ملطية وبيني وبينها يومان ولا أنزل عن فرسي إلا في البلد ثم أقصد جميع بلاده وآخذها منه فرأى الرسول أمرا شديدا فقام من عنده وكان قد رأى العسكر وما هو عليه من القوة والتجمل وكثرة السلاح والدواب
وغير ذلك ليس عنده ما يقاربه فعلم أنه إن قصدهم أخذ بلادهم فأرسل إليه من الغد يطلب أن يجتمع به فأحضره فقال له أريد أن أقول شيئا من عندي ليس رسالة عن صاحبي وأحب أن تنصفني فقال له قل قال يا مولانا ما هو قبيح بمثلك وأنت أعظم السلاطين وأكبرهم شأنا أن تسمع الناس عنك إنك صالحت الفرنج وتركت الغزو ومصالح المملكة وأعرضت عن كل ما فيه صلاح لك ولرعيتك وللمسلمين عامة وجمعت العساكر من أطراف البلاد البعيدة والقريبة وسرت وخسرت أنت وعساكرك الأموال العظيمة لأجل قحبة مغنية ما يكون عذرك عند الله تعالى ثم عند الخليفة وملوك الإسلام وكافة العالم وأحسب أن أحدا ما يواجهك بهذا أما يعلمون أن الأمر هكذا ثم أحسب أن قلج ارسلان مات وهذه ابنته قد أرسلتني إليك تستجيرك وتسألك أن تنصفها من زوجها فإن فعلت فهو الظن بك أن لا تردها فقال والله الحق بيدك وإن الأمر لكما تقول ولكن هذا الرجل دخل علي واستجار بي ويقبح بي تركه لكنك أنت اجتمع به وأصلح الحال بينكم على ما تحبون وأنا أعينكم عليه وأقبح فعله ووعد من نفسه بكل جميل فاجتمع الرسول بصاحب الحصن وتردد القول بينهم فاستقر أن صاحب الحصن يخرج المغنية عنه بعد سنة وإن كان لا يفعل ينزل صلاح الدين عن نصرته ويكون هو وقلبج أرسلان عليه واصطلحوا على ذلك وعاد صلاح الدين عنه إلى الشام وعاد نور الدين إلى بلاده فلما انقضت المدة أخرج نور الدين المغنية عنه فتوجهت إلى بغداد وأقامت بها إلى أن ماتت
ذكر قصد صلاح الدين بلد ابن ليون الأرمني
ص 101
وفيها قصد صلاح الدين بلد ابن ليون الأرمني بعد فراغه من أمر قلج أرسلان وسبب ذلك أن ابن ليون الأرمني كان قد استمال قوما من التركمان وبذل لهم الأموال فأمرهم أن يرعوا مواشيهم في بلاده وهي بلاد حصينة كلها حصون منيعة والدخول إليها صعب لأنها مضايق وجبال وعرة ثم غدر بهم وسبى حريمهم وأخذ أموالهم وأسر رجالهم
بعد أن قتل منهم من حان أجله ونزل صلاح الدين على النهر الأسود وبث الغارات على بلاده فخاف ابن ليون على حصن له على رأس جبل أن يؤخذ فخربه وأحرقه فسمع صلاح الدين بذلك فأسرع السير إليه فأدركه قبل أن ينقل ما فيه من ذخائر وأقوات فغنمها وانتفع المسلمون بما غنموه فأرسل ابن ليون يبذل إطلاق من عنده من الأسرى والسبى وإعادة أموالهم على أن يعودوا عن بلاده فأجابه صلاح الدين إلى ذلك واستقر الحال وأطلق الأسرى وأعيدت أموالهم وعاد صلاح الدين عنه في جمادى الآخرة
ذكر ملك يوسف بن عبد المؤمن مدينة قفصة بعد خلاف صاحبها عليه
ص 102
في هذه السنة سار أيو يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن إلى أفريقية وملك قفصة وكان سبب ذلك أن صاحبها علي بن المعز بن المعتز لما رأى دخول الترك إلى أفريقية واستيلاءهم على بعضها وانقياد العرب إليهم طمع أيضا في الاستبداد والانفراد عن يوسف وكان في طاعته فأظهر ما في نفسه وخالفه وأظهر العصيان ووافقه أهل قفصة فقتلوا كل من كان عندهم من الموحدين أصحاب أبي يعقوب وكان ذلك في شوال سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة فأرسل والي بجاية إلى يوسف بن عبد المؤمن يخبره باضطراب أمور البلاد واجتماع كثير من العرب إلى قراقوش التركي الذي دخل إلى افريقية وقد تقدم ذكر ذلك وما جرى في قفصة من قتل الموحدين ومساعدة أهل قفصة صاحبهم على ذلك فشرع في سد الثغور التي يخافها بعد مسيرة فلما فرغ من جميع ذلك تجهز العسكر وسار إلى أفريقية سنة خمس وسبعين ونزل على مدينة قفصة وحصرها ثلاثة أشهر وهي بلدة حصينة وأهلها أنجاد وقطع شجرها فلما اشتد الأمر على صاحبها وأهلها خرج منها مستخفيا لم يشعر به أحد من أهل قفصة ولا من عسكره وسار إلى خيمة يوسف وعرف حاجبه أنه قد حضر إلى أمير المؤمنين يوسف فدخل الحاجب وأعلم يوسف بوصول صاحب قفصة إلى باب خيمته فعجب منه كيف أقدم على الحضور عنده بغير عهد وأمر بإدخاله عليه فدخل وقبل يده وقال قد حضرت أطلب عفو أمير المؤمنين عني وعن أهل بلدي وأن يفعل ما هو أهله واعتذر فرق له يوسف فعفا عنه وعن أهل البلد وتسلم المدينة أول سنة ست وسبعين وسير علي بن المعز صاحبها إلى بلاد المغرب فكان فيها مكرما عزيزا وأقطعه ولاية كبيرة ورتب يوسف لقفصة طائفة من أصحابه الموحدين وحضر مسعود بن زمام أمير العرب عند يوسف أيضا فعفا عنه وسيره إلى مراكش وسار يوسف إلى المهدية فأتاه بها رسول ملك الفرنج صاحب صقلية يلتمس منه الصلح فهادنه عشر سنين وكانت بلاد أفريقية مجدبة فتعذر على العسكر القوت وعلف الدواب فسار إلى المغرب مسرعا والله أعلم
ذكر عدة حوادث
ص 103
في هذه السنة توفي شمس الدولة تورانشاه بن أيوب أخو صلاح الدين الأكبر بالاسكندرية وكان قد أخذها من أخيه إقطاعا فأقام بها فتوفى وكان له أكثر بلاد اليمن ونوابه هناك يحملون إليه الأموال من زبيد وعدن وما بينهما من البلاد والمعاقل وكان أجود الناس واسخاهم كفا يخرج كل ما يحمل إليه من أموال اليمن ودخل الإسكندرية وحكمه في بلاد أخيه صلاح الدين وأمواله نافذ ومع هذا فلما مات كان عليه نحو مائتي ألف دينار مصرية دين فوفاها أخوه صلاح الدين عنه لما دخل إلى مصر فإنه لما بلغه خبر وفاته سار إلى مصر في شعبان من السنة واستخلف بالشام عز الدين فرخشاه ابن أخيه شاهنشاه وكان عاقلا حازما شجاعا
وفيها توفي أبو طاهر أحمد بن محمد بن سلفة الأصفهاني بالاسكندرية وكان حافظ الحديث وعالما به سافر في طلب الكثير وتوفي أيضا في المحرم علي بن عبد الرحيم المعروف بابن العصار اللغوي ببغدام وسمع الحديث وكان من أصحاب ابن الجواليقي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.